إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش الّذي من شانغهاي - الجزء الأوّل
(1896م -1966م).
في خارشوف: مدرسة التّقوى
الشاب ميخائيل في 15 من عمره

     ولد القدّيس يوحنّا في 4 حزيران سنة 1896 في ضيعة صغيرة من مقاطعة خارشوف في جنوب روسيا. والداه، بوريس وغلافيرا ماكسيموفيتش كانا من نبلاء القوم. وأحد أسلافه هو القدّيس يوحنّا توبولسك (+1715م) الّذي عُرف بموهبة شفاء المرضى في حياته وبعد موته، ورفاته غير المنحلّة موجودة في توبولسك إلى يومنا هذا.

     أُعطي يوحنّا في المعموديّة ٱسم "ميخائيل" رئيس الملائكة وكان طفلاً مميزًا، رغم هزالته وصحته الضعيفة. شَغُفَ، بخاصة، بالإيقونات الّتي كان يجمعها حتّى امتلأ حائط غرفته واضطر والده لأن يضع حدًّا لهذه الهواية.

     قرب المنزل العائلي الصيفي كان دير سفياتوغورسك (Sviatogorsk). فيه كان أكثر من ستمائة راهبٍ يعيشون بحسب النمط الآثوسي. أَثَرُ هذا الدّير في حياة ميخائيل شابًّا كان تأثيرًا كبيرًا حتّى قيل إنّه كان راهبًا منذ نعومة أظافره يُلبس "جنوده الصّغار"، لُعَبَه، ثياب الرّهبان، وقلاعهم يجعلها أديارًا، ويُمضي ساعات طويلة في قراءة سير القدّيسين والصّلاة.

الأسقف يوحنّا مع والديه حين زارهما في فينيزويلا في الخمسينات

     وفي خارشوف، أدّى الأسقف أنطونيوس خرابوفيتزكي (Antoine Khrapovitzky) الدور الحاسم في حياة الأسقف المستقبلي. فلقد سمع من أحد نبلاء النّاحيّة أنّ الطفل الأصغر لإحدى العائلات يهتم كثيرًا بالمسائل الرّوحيّة. فطلب، من دون توانٍ، من العائلة مقابلة الشاب ميخائيل. وبعد عقبات، إلتقاه في محاضرة ألقاها. هكذا بدأت علاقة الشاب ميخائيل بالأسقف الّذي أصبح مرشدًا روحيًا للعائلة.

     عام 1907، التحق ميخائيل بالمدرسة الحربيّة في بولتافا (Poltava) وتخرّج منها عام 1914 برتبة رقيب أوّل. يُروى عنه أنّه خلال موكبٍ رسمي لطلاب المدرسة في المدينة، استدار ميخائيل باتجاه الكادرائية، الّتي هم سائرون بقربها، ورسم، على نفسه، إشارة الصّليب. هذا التصرف غير التقليدي أثار سخرية زملائه. ٱستُدعي الشاب ميخائيل للمثول أمام الهيئة التأديبية. فما كان من المسؤول عن الهيئة سوى أن حكم بأنّ تصرّف ميخائيل غير الاعتيادي ليس سوى تعبير أصيل عن تقوى متجذّرة في نفسه، ومن ثم هو تَصَرُّف لائق!

     أحبّ الشاب الالتحاق بالمعهد اللاهوتي في كييف، ولكنّه، طاعةً لوالديه، التحق بكلّية الحقوق في خارشوف حيث أنهى دروسه عام 1918. كان تلميذا متفوقًا رغم أنّه كان يمضي معظم وقته في قراءة سير القدّيسين محاولاً الدّخول إلى العالم الّذي عاشوا فيه ودراسة جهاداتهم النسكيّة وصلاتهم. وبكلّ حماس أخذ يسلك في النّسك.

     تأثّر ميخائيل كثيرًا بأبيه الرّوحي وعدد من الكهنة، وأراد منذ خدمته في الحربيّة، ٱختيار طريقةٍ أخرى غير الّتي رسمها والداه له. لكنّ الثّورة البولشفيّة هي الّتي دفعته إلى اتّخاذ القرار النّهائي. فلقد أحسّ "ببطلان كلّ ما هو دنيويّ، وبالعجز المطلق للقدرات الإنسانيّة". وقرّر "نبذ كلّ خيلاء العالم الأرضي ليكرّس نفسه، بالكلّيّة، لخدمة الرّبّ الإله".

     في 19 تشرين الثّاني 1920، أخلى الجيش الأبيض الكرملين. وغادر عدد كبير من المهاجرين روسيا إلى القسطنطنية. ميخائيل وعائلته كانوا بين الّذين هاجروا. يُذكر أنّه، إبّان الثّورة البولشفيّة، غادر أكثر من مليوني روسي بلادهم وتوزّعوا في كلّ أنحاء العالم.

     استقبل الملك ألكسندر اليوغوسلافي عددًا من هؤلاء المهاجرين. وقد بلغ ميخائيل وعائلته بلغراد، عام 1921، بعدما أمضوا سنة في القسطنطينية. قال الأسقف يوحنّا فيما بعد: "لقد أبدى الشعب الرّوسي الكثير من النبل في المهجر إذ تخلّوا عن كلّ أسباب الرّفاهيّة الّتي كانت متوفرة في بلادهم وأخذوا يعملون في أحقر الأعمال لتأمين لقمة الخبز والعيش بكرامة، لقد أظهروا الكثير من الصّبر والتواضع والقدرة على التحمّل وحافظوا بالتّالي على إرث بلادهم".



في يوغسلافيا

     أدّت الهجرة الرّوسية دورًا مهمًا في تجديد الحياة الرّوحيّة في صربيا الّتي عانت من النّير العثماني لأكثر من خمسة قرون. في بلغراد، التحق ميخائيل بكليّة اللاهوت حيث أكمل دروسه عام 1925. كان يعيش في بؤسٍ شديد، إذ كان يعتاش ويعيل عائلته من بيع الجرائد في الطرقات الّتي يغطيها الوحل. لم يدرِ أحد بأنّ بائع الجرائد هذا، ذات الابتسامة النيّرة، قد أنهى دراسات عليا في روسيّة. الأسقف أنطونيوس كان قد هاجر هو أيضًا إلى يوغسلافيّا، فبقي ميخائيل على ٱتصال به.

القدّيس يوحنّا توبولسك المعيّد له في 10 حزيران

     عام 1924، سيم ميخائيل قارئًا رغم أنّه كان يعاني مشاكلَ في اللفظ. وفي 28 حزيران 1926، أدّى ميخائيل النّذور الرّهبانيّة مُتخذًا ٱسم القدّيس يوحنّا توبولسك، الّذي ذكرناه آنفًا. كان ذلك في دير ميلكوفو على يد الأسقف أنطونيوس. إثر ذلك، ٱتبع الأخ يوحنّا نظامًا نسكيًّا صارمًا، لم يتخلّ عنه طول حياته. مثال ذلك أنّه لم يكن ينام ممددًا على سريرٍ قطّ، بل كان يأخذ قسطًا من الرّاحة إمّا جلوسًا على كرسيّ أو راكعًا يصلّي.

     بعد وقت قصير جدًّا، سيم يوحنّا كاهنًا، وعُيّن ليخدم إحدى الرّعايا. في أثناء ذلك، كتب مقالتَين كبيرتَين، واحدة عن تكريم والدة الإله بحسب العقيدة الأرثوذكسية، والثّانية عن الأخطاء الصّوفيّة للأب سيرج بولكاكوف.



معهد يوحنّا اللاهوتي في بيتولج
الأب يوحنّا مع تلاميذه في معهد بيتولج

     لم ينعم الرّاهب ميخائيل بالهدوء في دير ميلكوفو طويلاً، إذ عُيِّن، عام 1925، مدرسًا للتعليم الدّيني في إحدى مدارس النّاحية، حيث استمرّ حتّى العام 1927. بعد ذلك انتقل إلى معهد يوحنّا اللاهوتي، في جنوب يوغسلافيا، في مقاطعة بيتولج (Bitolj) التابعة للأسقف القدّيس نيقولاي فيليميروفيتش (18 آذار). لدى قدومه إلى المعهد، خشي التلاميذ أن يكون صارمًا، فتبيّن فيما بعد أنّه لم يكن صارمًا إلاّ مع نفسه. وبمثاله الصّالح، قاد العديدين إلى تقويم حياتهم. لم يعرف التّلاميذ كم من المطانيات كان يضرب، لكنّهم كانوا يشعرون بصلاته خلال تعليمه. كان يتناول القليل من الطّعام، أمّا غرفته فكان فيها سرير لم يكن ينام عليه قطّ، وطاولة بسيطة عليها الكتاب المقدس. وإذا ما زاره أحد خلال الليل يجده جالسًا يقرأ كلمة الحياة.

     كان يهيّء نفسه لمساهمة القدسات يوم الأحد بدءًا من يوم الخميس، إذ يكتفي باليسير من الطّعام خلال هذه الأيّام. أمّا في الأسبوع الأوّل من الصّوم الكبير وفي الأسبوع العظيم فكان ينقطع كلّيًّا عن الطعام ولا يتغيّب عن أيّة خدمة قطّ.

الأب يوحنّا في مستوصف بيتولج الّذي يجمع الطّلاب المرضى الّذين لا مأوى لهم

     كان معلّمًا مميّزًا، يفسّر الإنجيل بطريقة عمليّة، ويشرح الخدم الكنسيّة، ويحبّ خصوصًا التاريخ الكنسي واللاهوت الرّعائي. دروسه كان يعيد تفسيرها باستمرار إلى أن يستوعبها التلميذ كليًّا. وقد أنشأ مجموعة من التلاميذ يجتمعون في قلايته لقراءة الإنجيل والصّلاة معًا. خلال ٱمتحان الشهادة، في نهاية السّنة التعليمية، حضر البروفيسور ديميتريوس ستيفانوفيتش، مبعوثًا من الوزارة، فتفاجأ بالمستوى الرّفيع لإجابات التلاميذ عن أسئلة الامتحان. وعندما تحرّى عن سبب ذلك، أُخبر بأنّ الأبّ يوحنّا كان لا ينفصل عن تلاميذه، لا في الليل ولا في النّهار.

     يشهد تلاميذه أنّ سبب نجاحه يعود إلى محبته الكبيرة لتلاميذه المصحوبة بتواضع مميّز.

     لم يهتم الأب يوحنّا بتلاميذه فقط، بل بالمرضى والمحتاجين أيضًا. يروي القدّيس نيقولاي فليميروفيتش عنه أنّه، ذات مرّة زار امرأة في المستشفى كانت ذراعها متورّمة، وقد حاول الأطباء تخفيف الورم دون جدوى. خلال زيارته لها، ناولها القدسات. في هذه الليلة، بدأت ذراعها بالتحسّن. وبعد ثلاثة أيّام، أتى الأب يوحنّا مجددًا ليناولها القدسات، فطلبت منه أن يأتي بعد ثلاثة أيّام ليتسنّى لها أن تتهيّأ لذلك بالصّوم. خلال هذه الفترة، اكتفت المريضة بقليل من الخبز. وفي اليوم الثّالث، الّذي كان يوم الأربعاء العظيم، أتى الأبّ يوحنّا وناولها القدسات. وفي مساء ذلك اليوم، تعافت يدها تمامًا، حتّى استغرب الطبيب المعاين، ورسم على نفسه إشارة الصّليب.

الأب يوحنّا عام 1927

     في القرب من بيتولج، على ضفاف بحيرة أوخريدا، كان يوجد دير يحوي رفات القدّيس ناحوم، الّذي يجلّه القدّيس يوحنّا كثيرًا. هذا القدّيس كان معروفًا بشفائه للمرضى النّفسانيّين. وكانت في حوزة الأبّ يوحنّا أيقونة للقدّيس، باركها على ضريحه، يجول بها على المرضى متضرّعًا من أجل شفائهم.

     إنّ شهرة الأبّ يوحنّا ذاعت، لا في صربيا وبين المهاجرين الرّوسيّين فحسب، بل وفي كلّ العالم الأرثوذكسي أيضًا.



أسقفًا على شانغهاي
الأسقف يوحنّا لدى وصوله إلى شانغهاي في تشرين الثاني 1934

     عام 1934 عيّنه المطران أنطونيوس ومجلس الكنيسة الرّوسيّة في المهجر أسقفًا على شانغهاي، حيث كانت قد استقرّت جالية روسيّة كبيرة. عندما تلقّى الأب يوحنّا خبر تعيينه، أخذ القطار باتّجاه بلغراد. في الطريق، التقى ٱمرأة من معارفه. هذه تساءلت عن سبب ذهابه إلى هناك؛ فأجاب بأنّه تلقّى، خطأً، مرسومًا يقضي بترفيع راهب كاهن آخر ٱسمه يوحنّا إلى رتبة الأسقفية، وأنّه ذاهبٌ ليُعْلِم المجلس بذلك. وعندما التقى تلك السّيّدة مجددًا، في طريق العودة، أعلمها بأنّ الخطأ أكبر من ذلك بكثير، إذ قد عيّنوه هو ليكون أسقفًا على شانغهاي. ولمّا عرض على المجلس صعوباته في النّطق، كان جوابهم أنّ النّبي موسى عانى من هذه الصّعوبات أيضًا...

     تمّ ترفيعه في بلغراد في 9 حزيران 1934 عن عمر 38 سنة. وقد حضر الاحتفال عدد كبير من المؤمنين. وصفه المطران أنطونيوس بالرّجل القصير ذي البنية الضعيفة، الّذي يمتلك حزمًا وصرامة نسكيّة عجيبين في زمنٍ يعمّ فيه الشلل الروحي بعامة، وأنّه يتميّز بالبساطة والتواضع والطّاعة، بالإضافة إلى معرفة واسعة. في 28 تموز 1938، عندما كان الأسقف يوحنّا جالسًا على مكتبه في شانغهاي، أحسّ برعشة في قلبه. لكنّه لم يعر الأمر أهميّة، إلاّ أنّه تفقد السّاعة. وفي اليوم التّالي، تلقى تلغرافًا يعلمه برقاد الأسقف أنطونيوس في الوقت عينه الّذي شعر بهذه الحركة في قلبه.

     ممّا يقوله القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش واصفًا الرّاعي الصّالح: "منذ لحظة تنصيب الأسقف على أبرشيته، يصبح أبناء الرّعيّة هناك، وهم أناس مجهولون بالنسبة إليه، أولادَه الروحيّين الأعزّاء... وإذا اضطرته الظروف، عليه أن يضع حياته عنهم وفي كلّ الأحوال، هو الشهيد الرّوحي في حياته على الأرض..."



في شانغهاي

     للكنسية الأرثوذكسيّة حضور في الصّين منذ العام 1685، بفضل إرساليّات الكنيسة الروسيّة. ولهذه الكنيسة شهداؤها الّذين رفضوا إنكار المسيح عام 1900 تحت حكم الـ"بوكسرز" (Boxers).

الأسقف يوحنّا في مكتبه في شانغهاي

     عدد كبير من الرّوسيّين، الّذين غادروا بلادهم، إبّان الثورة الشيوعية، استقرّ في الصين، بخاصّة قرب الموانئ في شانغهاي وتيانجين وكينغداو (Qingdao). لكنّ الدّولة الصّينيّة حرمتهم من حقوق المهاجرين، ممّا خلق فَرْقّا شاسعًا بينهم وبين الأوروبيين من مختلف الجنسيّات. رغم المصاعب الّتي واجهتها الجاليّة الرّوسيّة والظروف المعيشيّة الصعبة الّتي أُخضعت لها، استطاعت، بتعبها ومثابرتها وخصوصًا نزاهتها، كَسْبَ النفوذ والسّلطة في المدينة؛ فأصبحت تملك ثماني كنائس وعدّة مدارس، بالإضافة إلى مستشفى ومسرح.

     وصل الأسقف يوحنّا إلى شانغهاي في تشرين الثّاني من العام 1934، يوم عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل؛ فاستقبله حشد كبير على المرفأ. من هناك، توجّه الجمع إلى كاتدرائيّة الأسقف سمعان (+1933) الّذي كرّس حياته للإرساليّة الصّينيّة، والّذي وُجد جسده غير منحل عام 1940.

     هناك، وجد نفسه الأسقف أمام رعيّة أرثوذكسيّة منقسمة، تقضّها خلافات عديدة من اختلاف في الجنسيات، والمعتقدات، لكنّ الأسقف الجديد نجح بخلق جوّ من الوحدة بين المجموعات المتفرّقة بمثاله العديم الهوى سواءً على الصّعيد القوميّ أم الصّعيد السّياسيّ. هذه الوحدة الكنسيّة بعثت الفرح في نفوس المؤمنين.

الكاتدرائية الرّوسيّة في شانغهاي الّتي بناها الأسقف يوحنّا

     انكب الأسقف على إكمال بناء كاتدرائيّة "والدة الإله معونة الخاطئين"، واضعًا لائحة بالإيقونات الواجب إعدادها، وأشرف على توزيعها في الكنيسة بحسب التيبيكون. وقد قام بإحضار راهبٍ روسيّ، ليرسم الأيقونات على النمط الرّوسي التقليدي. لقد شكلت هذه الكاتدرائية، مع المنزل الرّعائي التّابع لها، محور نشاط القدّيس الرّوحي، إذ لم يكتفِ بتشييدها فقط، بل أدخل إليها أيضًا حياة الصّلاة، مرددًا أنّ "ميل المرء إلى الصّلاة هو الميزان الّذي تقاس به حالته النفسيّة. وٱنعدام الرّغبة أو الميل إلى الصّلاة لا يشير إلى النّعاس، بل إلى الموت الرّوحي".

الأسقف يوحنّا مع الأب "إيلي فين" وكهنة آخرين وخدّام الكنيسة

     كان الأسقف يقيم القدّاس الإلهي كلّ يوم. وحين وصوله إلى الأبرشيّة، أصبح يقيم أيضًا صلاة الغروب وصلاة النّوم يوميًا، بالإضافة إلى قراءة قوانين القدّيسين خلال صلاة النّوم. كان شديد التطلّب في ما يخصّ التيبيكون والخدم الكنسيّة. خلال القدّاس، كان يذكر العديد من الأسماء، فإلى جانب دفتر أسماء المؤمنين الخاص بالكاتدرائية، كان يسحب من جيبه كمية من الأوراق الصّغيرة دُوّنت عليها أسماء أشخاص طلبوا منه الصّلاة من أجلهم. لقد شهد له أحد المؤمنين قائلاً: "كان الأسقف يوحنّا يبذل طاقة كبيرة في التركيز، خلال قيامه بالخدمة، لدرجة أنّ الحاضر يحسّ أنّ الهوة بين السّماء والأرض قد أُغلقت، وأنّ المرء فعلاً قد ألقى عنه كلّ اهتمامٍ دنيويّ". حتّى إنّ أحد المؤمنين شاهد نارًا تنزل من السّماء على القدّسات لتكرّسها. بالإضافة إلى أنّ هناك عددًا من النّاس الّذين كانوا يحسّون بقوة الرّوح القدس تنبعث منه، خلال صلاته عليهم، أو خلال الخدمة وتحضير القدسات.

     كان شعوره بجامعيّة الكنيسة الأرثوذكسيّة عميقًا، إلى درجة أنّه كان يقوم بخدمة القديس يوحنّا الذهبيّ الفم، يوم عيده، باللّغة اليونانيّة، وبخدمة القدّيس سابا الصّربي باللّغة الصّربيّة... حتّى إنّه كان، في مناسبات شهداء الصّين، يقوم بالخدمة باللّغة الصّينيّة.

     اهتمّ كثيرًا بتثقيف الإكليروس، التّابع له، باللاهوت الرّعائي.

     خلال كلّ ذلك، تابع نسكه بصرامة. أما في يختصّ بملابسه، فكانت من صنع الصّين، رخيصة. وكان ينتعل صندلاً من دون جوارب (كان يقول إنّ لديه حساسية على الجوارب). وكم كانت دهشة أطفال الميتم كبيرة عندما كانوا يرون الشحاذ على قارعة الطريق يلبس الجوارب الّتي خاطوها للأسقف في مناسبة عيد الميلاد. صرامته مع نفسه لم يكن ينقلها للآخرين بل كان ينصح الجميع بالاعتدال، وألا يحمّلوا أنفسهم أكثر من طاقتهم.

     أسّس الأسقف ميتمًا كرّسه على اسم القدّيس تيخون زادونسك (Tikhon Zadonsk) (+1783) الّذي كان يحبّ الأطفال. كما جمع بعض السيّدات وأخذ يأوي الأطفال المشرّدين الكثر في هذه النّاحية. نما الميتم حتّى صار يحوي أكثر من 3500 ولدٍ، قام بتربيتهم وإيعالتهم بكثير من التعب. عَلِم أنّ هناك أناسًا يرمون أولادهم في سلاّت القمامة، فطلب من مسؤولة الميتم أن تشتري بعض قارورات من الفودكا. وفي أثناء الليل، جالا معًا، في شوارع شانغهاي المقفرة الّتي يستوطنها السّكارى. هناك سمع بكاء طفلٍ، فاتجه بسرعة نحو الصّوت وإذ به يجد طفلاً في المزبلة! لكنّ أحد السّكارى واجهه مهدّدًا، فأخذ الأسقف قارورة الفودكا بيده، وأشار إلى سلّة القمامة بالأخرى؛ ففهم السكّير المقايضة، وأخذ القارورة، وتركه يأخذ الطفل من المزبلة... في هذه الليلة، عاد إلى الميتم ومعه طفلان... على هذا النّحو جمع الأسقف عددًا كبيرًا من الأطفال المشردين.

     وجد أولادُ الميتم بالأسقف، الأبَ المحبّ والصّديقَ المتفهم...

     ورغم تربيّته الدينيّة الصّارمة لهم كان يحتضنهم دائمًا، بخاصّة خلال مواسم الأعياد، كميلاد الرّبّ يسوع والفصح، إذ كان يقيم لهم الاحتفالات ويقدّم إليهم الهدايا الكبيرة حتّى لا يشعروا بنقصهم للوالدين.

     أما في شأن الإيمان والعقيدة، فكان لا يقبل جدلاً. لكنّه كان يوزّع مواهبه على كلّ البشر مهما كان انتماؤهم. كان يقول: "إنّ الاختلافات العقائديّة لا تخص إلا الإيمان، لكنّها تترك الحبّ حرًّا وغير منثلم". هذا كان بشهادة عديدين من غير الأرثوذكسيّين، من الّذين ساعدهم أو حتّى شفاهم بصلواته.

     زياراته للمرضى في المستشفيات أو في منازلهم لا تُحصى، وقد سُجّل عددٌ كبير من الشفاءات الّتي حصلت بصلواته، دونك واحدة منها:

     أُدخلت إلى المستشفى امرأة من محبّي امتطاء الأحصنة، كانت قد وقعت عن حصانها، وفقدت وعيها تمامًا. اجتمع الأطبّاء وأعلنوا أنّ حالتها ميؤس منها: نبضها متقطّع ويكاد ينعدم، بالإضافة إلى كسور كثيرة في جمجمتها تشكّل ضغطًا على النخاع... في مثل هذه الظروف، كان موتها محتمًا في غرفة العمليّات. أمّا إذا ما نجت من الموت، فإنّها كانت لتبقى صمّاء، أو خرساء، أو عمياء طول حياتها. عندما عَلِمت أختها بالأمر، سارعت نحو الأسقف يوحنّا متوسّلةً إليه أن ينقذ أختها المحتضرة. جاء الأسقف إلى المستشفى، وطلب من كلّ الحاضرين مغادرة الغرفة، ثمّ جثا يصلّي لمدة ساعتين. ومن ثم طلب من الطبيب المسؤول أن يفحص المريضة مجددًا. وقد عقدت الدهشة لسان هذا الأخير عندما تبيّن أنّ نبضها طبيعي، فباشر على الفور بإجراء العمليّة، شرط أن يكون الأسقف حاضرًا. وقد نجحت العمليّة كلّيًّا، وٱستعادت المريضة وعيها. وهي ما زالت على قيد الحياة إلى اليوم، تتكلّم وتسمع وترى...



الحرب العالميّة الثّانيّة

     في 14 آب 1934، بدأت القذائف تنهمر على شانغهاي، بعد أن كانت قد هددتها الحكومة اليابانيّة. تضرّرت الجالية الرّوسيّة كثيرًا من جرّاء ذلك، ولكن من النّاحيّة المادية فقط، إذ كانت الإصابات الجسديّة محدودة. تكاثرت المعجزات وعناية الله بالشعب الأرثوذكسي الّذي كان يكابد الكثير. مثال ذلك أنّ كنيسة القيامة لم تصب بأية رصاصة رغم أنّ كلّ المباني المحيطة بها تداعت. وقد كتب الأسقف رسالة إلى شعبه ليشجعه على تحمّل المصاعب الآتية عليه. ورفض مغادرة قطيعه حتّى للقيام باجتماع للأساقفة في يوغسلافيا. لقد مارس النّير الياباني أساليبًا قاسيّة لإخضاع الجاليّة الرّوسيّة، أو لجعلها تعبد الآلهة الّتي يعبدها الأمبراطور الياباني. وقد تمّ تصفية الوجوه البارزة الّتي كانت تقود لجنة المهاجرين الرّوسيّين، فقام الأسقف بشجاعة وأعلن نفسه قائدًا وحاميًا للشعب الرّوسي في المغترب.

     وقد منعت السّلطات أيّة تحركات خلال الليل بعد السّاعة العاشرة مساءً، إلاّ أنّ الأسقف استمرّ بزيارة المرضى والمحتاجين في أي وقت كان، حتّى أصبح معروفًا لدى الشرطة. وذات ليلة، إذ كانت الاشتباكات حامية بين الصّينيّين واليابانيين، علم الأسقف أنّ المباني المجاورة لكنيسة القيامة تتعرّض لطلقات ناريّة؛ فاتجه إلى الكنيسة ليطمئن على حالها. في الطريق استوقفه جنود يابانيّون وحاولوا منعه من المرور، ولكن، بعد إصراره، قالوا له إنّه ذاهب إلى موت محتم. وما إن اقترب الأسقف من الكنيسة حتّى توقف إطلاق النّار، واستمر الحال كذلك إلى أن غادر وعاد أدراجه، فابتدأت القذائف بالسّقوط. لدى وصوله إلى نقطة الجيش الياباني، تأهب الجنديّ الياباني وأدّى له التحيّة العسكرية: كان مروره عجائبيًا!

     تظهر قداسة هذا الأسقف في شهادة عائلة روسيّة من شانغهاي، استضافت ثلاثة طيّارين من الفيلق الأميركي، الّذي اجتاح شانغهاي إبّان الحرب العالميّة الثّانيّة. في الحديث، قال لهم أحدهم وهو المتقدم: "لا شك في أنّ لديكم رجل صلاة كبيرًا، لأنّكم بفضله لم تعانوا الكثير". فارتسمت إشارات الاستفهام على وجوه الحاضرين مستفسرين عن قصده. فأجاب: "لقد أُمرنا بقصف شانغهاي، فجهّزنا العدّة، ولكن، قبل بضع دّقائق من تنفيذ الأمر، جاءنا أمرٌ بإلغاء القصف. فعرفنا كلّنا أنّ لديكم من يصلّي بحرارة من أجل خلاصكم". فصرخت المرأة وزوجها: "الأسقف يوحنّا! هو وحده قادرٌ بصلاته أن ينجينا من المصاعب".

     ولدى انتهاء الحرب، كتب الأسقف يوحنّا لشعبه طالبًا ألاّ يكونوا كالبرص التسعة الّذين لم يعودوا ليشكروا الإله، بل كالّذي عاد جاثيًا وشاكرًا...



النّضال لتحرير الكنيسة

     عام 1941 تمّ قصف شاطئ "بيرل هاربر"، فانقطعت على الأثر الاتصالات بين شانغهاي وسائر أوروبا إلى العام 1945. إذ ذاك شُكلت لجنة أساقفة للشرق الأقصى لا تتواصل مع أيّ بلد آخر، الأخبار الوحيدة الّتي كانت تتلقاها هي من الاتحاد السّوفياتي عبر الراديو. في هذه الفترة، أخذت الدولة السّوفياتية تشجّع الرّوسيّين في المهجر على العودة إلى بلادهم واستعادة جنسيتهم، وبخاصة الإكليروس. وقد سمحت بانتخاب بطريرك للكنيسة الرّوسيّة هو ألكسي الأوّل. عدد كبير من المهاجرين انطوت الخدعة عنهم، إلا أنّ الأسقف يوحنّا لم يثق بهذه الخطوة، ولا شجّع العودة. وقد عانى عدد من الّذين عادوا إلى بلادهم الاعتقال والاضطهاد بسبب إيمانهم.

الأسقف يوحنّا يُقيم خدمة تضرّع أمام الكنيسة المقفلة من قبل الإدارة السوفياتية

     في شانغهاي جرى صراعٌ بين محازبين للدولة السّوفياتية والمترَيِّثين أمثال الأسقف. كان على هذا الأخير أن يختار بين أن ينضم إلى البطريرك الجديد، أو يستمر مع الكنيسة الرّوسية في المهجر. وقد اختار الاحتمال الثّاني، إذ إنّه لم يطمئنّ إلى تحرّكات الدّولة السوفياتيّة في هذه الآونة... وكم كان محقًا! ففي آب 1947، أجلت السّفن السّوفياتيّة عددًا كبيرًا من الرّوسيّين الّذين صدّقوا وعود الحكومة لهم. وقد بارك الأسقف يوحنّا جميع المهاجرين وأقام صلوات وتضرّعات من أجلهم قبل رحيلهم وحمّلهم الإنجيل والإيقونات لتحميهم، إلا أنّ الشرطة السّوفياتيّة صادرتها لدى وصول السّفن إلى مرفئها. ونصّب البطريرك ألكسي الأوّل أسقفًا آخر ليهتمّ بالجاليّة الرّوسيّة في شانغهاي، ومُنِع الأسقف يوحنّا من إقامة الخدم. إلا أنّ هذا الأخير استمرّ بعمله وتأدية واجباته. محبّته لمسيحه، جعلته في عدّة مواقف، يدافع عن الرّوسيّين التابعين للدولة السّوفياتيّة رغم اضطهادهم له، حتّى إنّّه قام بعدة زيارات للأسقف الّذي عينته هذه الحكومة عندما أصبح طريح الفراش.



إجلاء شانغهاي

     عام 1949 تمّ إجلاء كلّ الجاليّة الرّوسيّة من شانغهاي، لأنّ الجيش الصّيني الشعبي كان على أبواب المدينة. ارتحل النّاس إلى جزيرة سامار في الفيليبين. وفي أحد الأرثوذكسيّة، قام الأسقف بآخر خدمة إلهيّة له في كاتدرائية شانغهاي، حيث اجتمعت كلّ الحشود الرّوسيّة وكان قدّاسٌ مؤثّرٌ.

     حاول الأسقف بشتى الطرق أن يؤمّن الرّحيل لكلّ الّذين لم يُسمح لهم باللّجوء السّياسي. في 4 أيّار 1949، وقبل ثلاثة أسابيع من وصول الشيوعيين إلى شانغهاي، غادر الأسقف يوحنّا المنطقة مع قطيعه، على متن آخر سفينة، في ظلّ ظروفٍ صعبة جدًا.

     هكذا طُويت صفحة من تاريخ الكنيسة الأرثوذكسيّة في اليابان. العدد القليل من الجالية الرّوسيّة المتبقي هناك، انتقل إلى أوروبا الغربيّة بمساعدة الأسقف. أمّا حاملو الهويّة السّوفياتيّة والتّابعون للبطريرك ألكسي فجرى ترحيلهم إلى الاتحاد السّوفياتي.

     عام 1956 وضعت الحكومة الصّينيّة يدها على كلّ أرزاق الكنيسة، وبخاصة الكاتدرائية الّتي حوّلتها إلى مخزن ثم إلى سوق للبورصة... واليوم يتمّ العمل على تحويلها إلى متحف.

الجزء الثاني

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share