كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش الّذي من شانغهاي - الجزء الثّاني
(1896م -1966م).
النّزوح إلى الفليبين ومنها إلى أميركا
مخيم اللاجئين في الفيليبين

     على متن السّفينة المتجهة إلى الفليبين، استمرّ الأسقف بالقيام بالخدم يوميًّا في حجرة خصصها له القبطان. كانت ظروف الرّحلة سيئة جدًا، وتتّجه نحو المجهول. لكنّ صلوات الأسقف كانت دائمًا معزية ومشجعة.

     عندما وصلت الباخرة إلى "مَنيلاّ" عاصمة الفليبين، تأخر الأسقف في مغادرة السّفينة، لأنّه أراد أن يصلّي مباركًا مَن بقي من النّاس على متن السّفينة الّتي تتّجة نحو الولايات المتحدة. ورغم كلّ شيء، لمّا ترجّل، عَبَرَ الجمارك من دون أن يستوقفه أحد، ولا حتّى أن يتم تفتيش حقائبه.

     الحياة على الجزيرة كانت قاسيّة جدًا، إذ إنّه تمّ وضع اللاجئين في خيم قرابة شاطئ البحر، يحرسهم عددٌ كبيرٌ من الجنود. وتمّ قطع أيّة اتصالات لهم بالعالم الخارجي والقنصليّات. سُدّت أمامهم كلّ أبواب الرّحيل إلى بلد آخر. في وسط هذه الظروف الصّعبة، كان الأسقف هو التعزية. عمل على تجهيز ثلاث كنائس ودير للراهبات وفي القرب منه كاتدرائية هي كناية عن تخشيبة عسكريّة. وكما في شانغهاي، كانت الخدم تقام يوميًّا. كلّ شيء كان بدائيًا. حتّى الأجراس كانت عبارة عن أسطوانات حديدية. في سامار كان الأسقف هو محور كلّ شيء، يهتم بأطفال الميتم والعجزة والمرضى.

     من عجائبه هناك أنّه في إحدى زياراته للمرضى في المستشفى الخاص باللاجئين، سمع صراخًا بعيدًا، فسأل الممرضة عنه، فقالت له إنّه صراخ امرأة لا شفاء لها من مرضها، وقد عُزلت في مبنى آخر. ومن دون تلكّؤ اتجه إلى ذاك المبنى. وما إن اقترب، اشتمّ رائحة نتن تملأ المكان؛ فحمل الصّليب ووضعه على رأس المريضة الّتي كانت ما زالت تصرخ، واستمرّ يصلّي لوقت طويل. ثم عرّف المريضة وناولها القدسات. عندما خرج، لم يعد هنالك سوى أنين خفيف. وفي زيارة أخرى للمستشفى، أسرعت امرأة وارتمت عند قدميه تقبلهما. كانت هذه هي المريضة الّتي لا شفاء لها... هذه حالةٌ بين عدة حالات شفاها الأسقف بصلاته.

     ولكي يخفف الأسقف من عذاب قطيعه على جزيرة سمار، طلب مقابلة وزير الدّاخليّة في الفليبين. وفي اليوم المحدد، أتى أحد معارفه ليقلّه إلى الوزارة، فقرع على بابه عدّة مرّات مردّدًا الصّلاة المعتادة: "بصلوات آبائنا القدّيسين، أيّها الرّبّ يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلّصنا". فلم يلقَ جوابًا؛ فاضطر إلى فتح الباب عنوةً، فوجده نائمًا جاثيًا على ركبتيه. ولمّا أحسّ الأسقف به، نهض بسرعة ووعد بأن يكون جاهزًا خلال بضع دقائق؛ فانتظره الشاب. وعندما خرج كان شعره مشعّثًا؛ فعرض عليه الشاب أن يسرّحه له قليلاً، لكنّ الأسقف رفض وهمّ بالخروج. تيقن الشاب أنّ اللقاء سيؤول إلى الفشل: أوّلاً، لأنّ منظر الأسقف لم يكن لائقًا. ثانيًا، لأنّهما تأخرا عن الموعد أكثر من ساعة. وكم كانت الدهشة كبيرة عندما استقبلهما الوزير بنفسه بكثير من الودّ، وأظهر لهما الاستعدادَ الكامل للمساعدة حتّى يخفّف الحمل عن الرّوسيّين المهاجرين! عرف الشاب إذ ذاك أنّه لا يستطيع أن يقيس قدرات الأسقف بالمعايير البشريّة. كان الرّب الإله دائمًا بقربه مزيلاً كلّ الحواجز.

أوّل سفرة له إلى الولايات المتحدة عام 1949

     بعد أن رتب الأسقف أمور قطيعه الكنسيّة، انتقل في 12 تموز سنة 1949 إلى سان فرانسيسكو ليقوم بالخطوات اللازمة لاستقرار رعيته في أميركا. قُبَيل رحيله، كان عيد جامع للقدّيسين الرّوسيّين، في الوقت عينه، نظمت مجموعة من اللاجئين حفلاً موسيقيًا عوض ذهابهم إلى الكنيسة. طلب الأسقف من المسؤول الرّسمي للجالية ومن رئيس الأوركسترا إلغاء الحفل لكنّه لاقى الرّفض. وفي اليوم التّالي من الحفل، ألقى الأسقف عظة جاء فيها أنّه يمنع كلّ من اشتركوا بالاحتفال من المناولة المقدّسة إلى أن يتوبوا، لأنّهم روسيّون على الهوية فقط، ولا انتماء حقيقيّ لهم، فندم الكثيرون، وأتوا سائلين الصّفح من الأسقف الّذي قرأ صلاة الحلّ عليهم بنفسه.

     وكما كان محدّدًا، وصل الأسقف إلى وشنطن في 5 أيلول، وبدأ بزيارة السّيناتور وعدد من المؤسسات الحكومية هناك. في نهاية المطاف، طُلِب منه عرض الأمور أمام مجلس الشيوخ، فترك انطباعًا جيّدًا. وفي اجتماع أساقفة أميركا الشرقيّة، أدلى الأسقف يوحنّا برسالة توجه فيها إلى رؤساء دولة الولايات المتحدة، والأرجنتين، والبرازيل، وفنزويلا، ووزراء كندا وأوستراليا؛ ليرأفوا بالشعب الرّوسي اللاجئ، والمعرّض لخطر الموت بسبب الأمراض الاستوائية، أو الأعاصير الّتي غالبًا ما تهدد المنطقة الّتي يتواجدون فيها، وأن يفتحوا لهم باب اللجوء والاستقرار في بلادهم...

     في النهاية، حصل الأسقف على قانون يسمح للاجئين بالاستقرار في الولايات المتحدة. لكنّ هذا القانون لم يذكر إلا الثلاثة آلاف شخص الموجودين على جزيرة سامار، دون أي ذكر للذين ما زالوا في شانغهاي ونواحي أخرى من الصّين؛ فطلب الأسقف تعديل القانون. وقد بذل جهدًا كبيرًا ليبيّن محاسن الفئة المتبقية. ولمدة خمس عشرة ساعة متواصلة من الأخذ والرد، صوّت مجلس الشيوخ على تعديل القانون. وقد قام الأسقف بتأمين أشخاص يضمنون العائلات الّتي ليس لها من يضمنها. وبفضل كلّ جهوده تمّ النزوح على مراحل، إلى أن انتهى عام 1952.

     من الجدير ذكره هنا، أنّ الأعاصير ضربت، عدّة مرّات، جزيرة سامار، من دون أن تقترب من مخيمات اللاجئين الرّوسيّين. ذات مرّة، كان الإعصار قريبًا جدًا، إلا أنّه انقسم إلى جزأين قبل أن يضرب المخيّم، وتوجّه كلّ جزء إلى ناحية مختلقة من دون أن يؤذيهم. هذا كان عائدًا بحسب اعتقاد الشعب القاطن هناك، إلى أنّ الأسقف، قبل ذهابه إلى أميركا، بارك كلّ الخيم. إلا أنّ إعصارًا آخر ضرب المخيّم عام 1951 ودمرّه كليًّا من دون أن تحصل أيّة إصابة بشريّة. وعام 1952، ضرب إعصار ثالث المخيّم، وكان ما زال هناك بعض اللاجئين، فتتدبر لهم الأسقف على الأثر بطاقة دخول إلى فرنسا. كانوا سبعين شخصًا رافقهم الأسقف إلى هناك. بذلك، يكون الأسقف قد أمّن استقرار كلّ قطيعه المتشرّد من شانغهاي.

     في سان فرانسيسكوا سارع الأسقف إلى إنشاء كنيسة هناك، ليجمع فيها قطيعه، كما ٱهتمّ بتأمين مسكن لأطفال ميتم القديس تيخون زادونسك.

     بعد هذه الأحداث، انتخبه مجلس الكنيسة الرّوسية في المهجر، عام 1951، رئيس أساقفة على أوروبا الغربيّة. فأطاع كراهب، وودّع قطيعه، على الرّغم من شعوره بصعوبة كبيرة في مغادرته، وعلى الرّغم من طلب قطيعه من المجلس العدول عن قراره.

أيقونة كورسك العجائبية

     في طريقه إلى فرنسا، عرّج على دير الثالوث القدّوس في جوردانفيل (Jordanville) حيث أعطاه الرّهبان، هناك، نسخة أصليّة عن أيقونة والدة الإله العجائبيّة المعروفة بـ"كورسك" (Kursk) فيها قطعة صغيرة من الأيقونة الأصليّة، وقد حملها معه في كلّ تنقلاته في أوروبا الغربيّة، وكانت مصدر تعزية لعددٍ كبيرٍ من المؤمنين. كذلك وهبه مجلس الأساقفة في نيويورك، تكريمًا له، صليبًا مفضضًا.


 


في أوروبا الغربيّة
في باريس عام 1950

     الوضع في أوروبا كان دقيقًا جدًا؛ أوّلاً، لأنّ قسمًا من الشعب الرّوسي هناك عاد إلى الاتحاد السّوفياتي، إذ صدّق إعلانات الدولة بديانة حرّة وكانت حالتهم مزرية. وبعض الّذين مكثوا في أوروبا رحل  إلى الولايات المتحدة خوفًا من أن يحتلّ الاتحاد السّوفياتي هذا الجزء من القارة. أما الإكليروس الّذي بقي في أوروبا فكان يعيش في ظروف صعبة جدًا. معظم أفراده كان مضطرًا إلى العمل من أجل تحصيل لقمة العيش: الواحد في مصنع، والآخر بستانيّ، وآخر أيضًا حارسًا ليليًّا لمخزن... والأسوأ من ذلك أنّ الجالية الرّوسية كانت منقسّمة إلى ثلاثة أسقفيات متباينة.

     في ظلّ تلك الأجواء، حطّ الأسقف القدّيس رحاله في أوروبا في 21 تموز 1951. من المطار توجه إلى كنيسة القيامة في مودون (Meudon)، حيث استقبله كاهن الكنيسة الأب سيرج بفيفيرمين (Serge Pfefferman) محاطًا بجمع من المؤمنين. ألقى الأسقف عظته عن العيش الأرثوذكسي بالكلام والأعمال. كان حضورُ الأسقف الروحي محسوسًا لدى الجميع. لم يكن الجمع يتوقع رجلاً صغير القامة، مُحدَوْدِب الظهر، حتّى إنّ إحدى المؤمنات صرخت، عند انتهاء العظة: "إنّه القدّيس سيرافيم ساروفسكي!".

     في باريس، قام الأسقف بزيارة سفراء البلدان الغربيّة ذات السّلطة، ليطالب بإعانة الجالية الرّوسيّة الـ"شانغهانية" الّتي ما زالت محتجزة في الصّين.

"الكاتدرائية" الباريسية في المرآب حوالي العام 1950

     في أوّل فترة له في فرنسا، خدم القدّيس في كاتدرائية مودون يوميًا، أما يوم الأحد، فكان يقيم القدّاس الإلهي في دير ليسنا (Lesna)* في فوركو (Fourqueux) قرب باريس.

     ونظرًا لتشرذم الجالية الرّوسيّة في أوروبا الغربية حاول الأسقف، كما فعل في شانغهاي، إحلال السّلام بين الإكليروس. ولقد كتب في هذا الخصوص: "الشقاق القائم بيننا يحزننا كثيرًا. لكن، ليس عندنا أيُّ عداء للذين تركونا ولا يعتقدون بصحة طريقنا". هذا كتبه فيما كان المؤمنون من كلّ الجهات يتجادلون ويوجّهون التّهم بعضهم إلى بعضهم الآخر. ويتابع كلامه، في هذه الرّسالة الّتي أطلقها مجمع أساقفة أوروبا الغربية للكنيسة الرّوسيّة في المهجر: "لكنّني أطلب إليكم أيّها الإخوة، باسم يسوع المسيح، أن تقولوا جميعكم قولاً واحدًا، وألاّ يكون بينكم انقسامات، بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد (1 كو 10:1)... فالشر لا يولّد إلا الشّر... بسببنا يُجَدَّف على الاسم القدّوس...". هذه الرّسالة لاقت صدى جيدًا عند الجالية الرّوسيّة التابعة لبطريركية القسطنطينية، الّتي ناشدت مؤمنيها بالمثل. وقد ربطت الأسقف يوحنّا أواصر صداقة بالمتروبوليت فلادمير المقام على الرعايا الرّوسيّة في أوروبا الغربية والتابع للقسطنطينية. وقبل رقاده بقليل، كتب الأسقف يوحنّا: "إنّه من المفضّل العمل على إحلال الوحدة في الكنيسة الرّوسية في المهجر".

     أما في ما خصّ الرعية في فرنسا، فسرعان ما جذبت شخصية الأسقف الجديد المؤمنين هناك بنقاوتها الرّوحيّة والقوة الرّوحيّة المنبثّة خلال الخدم الكنسية الّتي كان يقيمها.

     في فرنسا، في تلك الآونة، كان دير "سيّدة ليزنا" هو مقرّ الحياة الرّوحيّة للكنيسة الرّوسية في المهجر. أراد القدّيس أن يجعل مركز أسقفيته هناك، لكنه تراجع لكي لا يعكر الحياة الرّهبانية فيه. كان شديد العناية بالراهبات، لدرجة أنّه رفض، ذات مرة، التناول من طبق مميّز قُدّم له في الدير، وبقي صامتًا من دون أن يمسّه، إلى أن فهمت رئيسة الدير الأم ثيودورة أنّه لن يأكل منه إذا لم يقدّم لكلّ الرّاهبات.

     في أيار 1952، غادر الأسقف مودون إلى فرساي (Versailles). هناك أسّس مركزه الأسقفي في مبنى المدرسة الرّوسية للصّغار، المعروفة بمدرسة "الأمبراطور نيقولاوس الثاني". كانت له قلاية في المبنى لا تزيد عن تسعة أمتار مربعة في الطابق الأخير، ولا يوجد فيها سوى طاولة، وأريكة واحدة، وبعض الكراسي. في زاوية منها، عُلّقت الإيقونات، ووُضع مقابلها مِقرأ للكتب الليتورجية. لم يكن هناك سرير، لأنّ الأسقف يوحنّا لم يكن يستلقي على سرير لينام، بل يكتفي بالاستلقاء قليلاً على الأريكة. وفي الغرفة أيضًا مكتب تغطيه الرّسائل الموجهة إلى الأسقف لطلب صلاته وعونه. عدد منها كان مُرفقًا بالمال المخصص لكاتبيها. كان القدّيس يساعد الجميع على قدر استطاعته، بخاصّة بالصّلاة لأجلهم".

     في مقرّه الجديد، كان برنامجه كالتالي: يقيم خدمة السّحر عند السّاعة السّابعة صباحًا، تليها خدمة السّاعات، ثم القدّاس الإلهي الّذي كان ينتهي حوالي السّاعة الحادية عشرة. بعد ذلك، يبقى الأسقف في الكنيسة ساعة تقريبًا، يتفرّغ من ثمّ لاهتماماته اليوميّة كسماع تقرير سكريتيره، واستقبال الزوار... عند السّاعة الثالثة بعد الظهر، يتوقف لقراءة السّاعة التاسعة. ومن ثم يأخذ كوبًا من القهوة في قاعة الطعام. بعدها يستأنف نشاطه إلى السّاعة السّادسة، موعد خدمة الغروب. بعد الغروب، يبدأ بكتابة الإجابات عن الرّسائل الهائلة الّتي كان يتلقاها. رسائله كان يبدأها بعلامة الصّليب ذات الثمانية الأطراف، مع التاريخ بحسب الرزنامة القديمة، مع القدّيس المعيّد له في هذا اليوم. يكتب بكلمات قليلة عزاءً كافيًا لطالبيه. يتوقف الأسقف عن الكتابة ليحضر صلاة النوم مع الأولاد في المدرسة، ثم يخبرهم سيرة قديس هذا اليوم. كان ينزل أحيانًا قبل قليل من الصّلاة ليلتقيهم في قاعة الطعام. بكلمة، كان تأثيره ملموسًا في المدرسة: لم يعد هناك مشاجرات كثيرة وخلال خدمة قداس الأحد كان عدد كبير من الأولاد يرغبون في الخدمة إلى جانب الأسقف في الهيكل، لدرجة أنّه لم يعد يوجد ٱستيخارات** كافية لهم. كلّهم، بخاصة الصّغار، تنقصهم الخبرة للخدمة. لكنّ الأسقف، الصّارم والمتطلب، كان يغض النظر عن أخطائهم... وبعد صلاة النوم، في سكون اللّيل، يبدأ بعمله المكثّف.

     إلى جانب مدرسة الصّغار، أخذ الأسقف تحت رعايته مدرسة ثيونفيل (Thionville) الدّاخلية. هناك، كان يخدم أحيانًا القدّاس الإلهي مرّة أو مرتين في الشهر، ويُعطي أولاد المدرسة الأولوية في قراءة النصوص الليتورجية، حتّى الصّعبة منها، مصححًا لهم أخطاءهم بلطافة فائقة.

     وكما فعل سابقًا في الصّين، كذلك الأمر في أوروبا، حاول ملاقات الشبيبة الرّوسية في أماكن تواجدها، وتلقينها الأرثوذكسية.

     دعم الأسقف جمعية "النشاط الأرثوذكسيّ" الّتي هدفها نشر التعليم وأُسُسِ الحياة الأرثوذكسية ومساعدة الجمعيات الأرثوذكسية. خلال افتتاح الجمعية عام 1959 ألقى كلمة جاء فيها: "إنّ أساس نضالنا في سبيل القضايا السّامية هو ألاّ نعتبر أنفسنا بأيّ حالٍ عظماء. يجب أن نكمل حياتنا وعملنا بتواضع، ذاكرين أنّ غالبًا ما تجنح أنفسنا إلى الخطيئة. قمة تقديماتنا تنبع من التواضع والتوبة".

الأسقف يوحنّا مع أعضاء من الكنيسة الأرثوذكسية في فرنسا

     همُّ الأسقف الأوّل كان أن يزرع في أوروبا الغربية حياة ليتورجية أصيلة، إذ من دونها تنتفي الحياة المسيحية الحقّة. فكان يحثّ الإكليريوس ورعاياه على إقامة الخدم بحسب الترتيب المطلوب. ولدى وصوله عام 1951 كتب: "الخدم الإلهية تحمل ملء لاهوت الكنيسة، وترشد إلى طريق الخلاص، كما تشكّل غنى روحيًا لا يُقدَّر بثمن. الكهنة الّذين يقيمون الخدم باستخفاف يسرقون المؤمنين، حارمين إيّاهم من خبزهم الجوهري وكنزهم الثمين." وكان يوصي ألا يُستبدل الترتيل بالقراءة إلاّ عند الضرورة، "لأنّ وَقْعَ الترتيل على النّفوس له تأثيرٌ كبير، والقراءة أعجز من أن تؤدي الغرض عينه... والترتيل هو صلاة. لذلك، يجب تأديته بخشوع لحمل الحاضرين على الصّلاة".

     عندما كان يختلف الترتيب اليوناني للخدم عن الترتيب الرّوسي، كان الأسقف يتبع من دون تردد التقليد اليوناني، معتبرًا أنّ الخدم الليتورجية في نصّها الأساسي حفظتها الكنيسة اليونانيّة.

     كان صارمًا ومتطلبًا مع الإكليروس، خاصة في ما يتعلّق بنظافة الهيكل، وترتيب الخدم، حتّى إنّه كان يرفض إعطاء البركة لمن يتقدمون حاملين اسيتخارة مطوية بشكل سيّئ.

     تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الإكليريوس والعلمانيين لم يكن ليتحمّل دقة الأسقف وقسوته. ذات مرة، في "كان" (Cannes)، تقدم أحد الآباء، وبصوت مرتفع، أمطر أسقفه بالشتائم، كأنّه هو الرّئيس والأسقف يخضع له. سمع القدّيس هذا من دون أن يتذمّر، أو أن يدافع عن نفسه. قَبِل ما قيل له، كمذنب، بالتواضع العميق الّذي كان يميّزه. وعندما رقد هذا الكاهن، كتب الأسقف فيه مديحًا، وطلب من كلّ الإكليروس والمؤمنين الصّلاة من أجله. ورغم أنّه كان يقبل الإهانة، كان يطلب دائمًا أن تُحترم الكنيسة. موقفه من رعاياه يمكن اختصاره بالتوصيات الّتي وجّهها إلى الأسقف أنطونيوس خلَفِه خلال سيامته: "غالبًا ما ستواجه ظروفًا تضطرك إلى التسامح والمجاملة، وهو تصرف أصبح يشكل قاعدة العيش في أيامنا هذه. يجب دائمًا فحص كلّ ظرف على حِدة، لاختيار بحكمة ما هو أفضل... دعنا لا نتصرف كالطبيب الّذي، خوفًا من إزعاج المريض، لا يعطيه العلاج الناجع والقادر على شفائه."

     أمّا في ما يخص القرارات المهمة، فكان الأسقف دائمًا يتبع مبدأ الكنيسة الجامعة؛ فقد دعى عدة مرات مجمع أساقفة الكنيسة الرّوسيّة في المهجر لأوروبا الغربية إلى التشاور في مسائل مختلفة. ولدى وصوله إلى فرنسا، دعى المجمع الإكليركي والعلماني في أبرشيته للهدف عينه. وقد علّق أحد الحاضرين قائلاً: "على خلاف الاجتماعات المعهودة، كان هذا اجتماع صلاة بالدرجة الأولى... لم تبدأ المشاورات إلا بعد القدّاس الإلهي والغذاء. خلال الوقت القليل المتبقّي، استلم الأسقف الكلام، وراح يدير الجلسة بنشاط وسلطة لم يفسحا المجال لأيّة ثرثرة أو مداخلة غير نافعة. أجوبة رئيس الكهنة النّابعة من إيمانه المسيحي العميق كان لها تأثير مذهل في الحاضرين. لم يكن أحد ليتمكّن من الإجابة بأكثر وضوح".



الأسقف القدّيس
الأسقف يوحنّا

     وكان القدّيس في أوروبا، يتّبع النّظام النّسكيّ نفسه الّذي كان يتّبعه في يوغسلافيا وشانغهاي. تُخبر الأم ثيودورة، رئيسة دير سيّدة ليزنا، أنّه، ذات مرة، عندما كان الأسقف في الدير، مرض، وكانت ساقه تؤلمه كثيرًا. الطبيب الّذي فحصه طلب منه الرّاحة في السّرير. لكنّ الأسقف لم يقبل؛ فبادرته رئيسة الدير قائلةً: "بالسّلطة المعطاة لي من الله كرئيسة لهذا الدير، آمرك بالاستلقاء!". نظر الأسقف إلى الأمّ ثيودورة بدهشة، وذهب ليستلقي. ولكن، في اليوم التالي، وُجد صباحًا باكرًا في الكنيسة... هكذا انتهى "علاج الاستلقاء". وحتّى عندما اضطره الأطباء إلى ملازمة غرفته، إثر تفاقم وضع ساقه، حوّل غرفته إلى كنيسة صغيرة، كانت تقام فيها كلّ الصّلوات، من خدمة السّحر إلى القداس الإلهي والسّاعات والغروب...

     لقد حفظ الله قدّيسه الّذي صنع من خلاله عجائب جمة. يخبر أحد الكهنة أنّ زوجته مرضت: فجأة لم تعد تستطيع المشي، ولا حتّى الحركة، بسبب ألم فظيع في وركها. بعد أن فحصها الطبيب، قال للكاهن: "عليك أن تقبل فكرة أنّها لن تستطيع السّير على الأطلاق. يجب أن تشتري لها كرسًا نقّالاً، هكذا ستبقى حالها إلى حين رقادها، إلاّ أنّنا سنقوم بفحصٍ كامل ونهائي لها في المستشفى". في هذه الأثناء كان الأسقف يوحنّا مسافرًا... لدى عودته، أُعلِم بحال زوجة الكاهن، فاتصل به فورًا وقال له: "لا تقلق، فسوف آتي غدًا لمناولتها جسد ربّنا وإلهنا يسوع المسيح ودمه. ثم تأخذها إلى المستشفى". وفي اليوم التالي، خدم الأسقف القدّاس الإلهي في كنيسة المدرسة، وبقي الكاهن إلى جانب زوجته في البيت. ثم جاءهم الأسقف بكامل حلّته الأسقفية حاملاً القدسات، ووقف عند الباب، وقال: "ماري، قومي وتعالي لتتناولي!"؛ فقامت بسرعة. فسألها الأسقف: "هل أنت متألمة؟" أجابت: "لا!"، قال لها: "حسنًا تعالي لتتناولي!". وعاد الأسقف إلى الكنيسة، وأتت سيارة الإسعاف لتأخذ الكاهن وزوجته إلى المستشفى، رغم اعتراضها، لأنّها لم تعد تشعر بشيء. وبعد مكوثها هناك بضعة أيام، كتب الطبيب على ورقة الخروج: "لماذا جئت بها إلى هنا؟ إنّها بصحة جيدة، ولا تشكو شيئًا!".

     مرة أخرى، جاء الأسقف إلى المستشفى، وصلى مطوّلاً على رأس شابٍ يعاني التهاب في السّحايا، وقد قيل له إنّه ربما لن يعيش إلى اليوم التالي. لكنّه، في اليوم التالي، غادر المستشفى معافى بصلاة القدّيس.

     ويُخبر شخص أُصيب بحادث سير خطير وأحد أقربائه: "في الحادث الّذي حصل لي في 6 كانون الثاني 1958، على أثر الضربة، قُذفْتُ إلى خارج السيارة... فتحطمت ركبتاي، وأضلاعي هُشّمت، بالإضافة إلى عدد من الكدمات الأخرى... زارتني راهبة من دير لزنا، طلب منها الأسقف إعطائي قطعة صغيرة من القربان. واحترامًا لها، تناولْتُ القربان... بشهية. بعد نصف ساعة، وأخذت حالتي بالتحسّن. أما المرأة الّتي تعرضت للحادث معي فقد أصيب ذراعها وساقها الأيمن بعدة كسور، وبعد خضوعها لعملية دخلت في غيبوبة. في اليوم التالي، حوالي السّاعة الواحدة ظهرًا، قام الأسقف بزيارتها... أمسك بيديها لوقت طويل من دون أن يقول شيئًا. وفي اليوم التالي، استفاقت، واستعادت وظائفها؛ فأدركت أنّها قد أنقذت".

     شخص آخر وقع من الطابق الثاني خلال تنظيفه النوافذ، فنُقل إلى المستشفى. هناك، فحصه عدة أطباء، والكلّ أجمعوا على أنّه لا أمل له في العيش. جاء الأسقف يوحنّا إلى المستشفى، وأخذ يصلّي أمام سرير المحتضر... وفي اليوم التالي، تفاجأ الأطباء بأنّ المريض لم يمت بل أخذ يتعافى. وبعد شهر، ترك المستشفى، معافًا تمامًا، وعاش طويلاً.

     لقد شفى الأسقف الكثيرين. وهناك شهادات كثيرة عن حوادث شفاء من أدواء مختلفة، مثل السّرطان، والشلل، والكسور... كما منّ الله على قدّيسه بموهبة معرفة مكنونات القلوب أيضًا. ذات مرة، كان حاملاً الصّليب ليقبّله المؤمنون. وعندما تقدمت إحدى السّيّدات، بادرها بالقول:"لا تدينوا لكي لا تدانوا". ولقد بان أنّ هذه المرأة غالبًا ما كانت تدين الآخرين وتقع في النّميمة.

     كذلك، امرأة أخرى كانت تتململ من كثرة الوقوف في الكنيسة، ومن طول الخدمة، وتتمنى في قلبها لو يختصر الأسقف قليلاً، رغم ذلك بقيت واقفة. بعد الخدمة، ولدى تقبيلها الصليب من يد الأسقف، قال لها: "إذا كانت قدماك تؤلمانك، تستطيعين الجلوس، أو الذهاب إلى المنزل؛ لأنّك تقطنين قرب الكنيسة!".

     مرّة جاءت سيّدة إلى القدّاس، وفي نيتها أن تعرض على الأسقف مشاكلها بعد انتهاء الخدمة. إلا أنّها قبّلت الصّليب، في نهاية الخدمة، ولم تتفوّه بكلمة، ثم غادرت. فسأل الأسقف إحدى صديقاتها: "أين هي السّيّدة الّتي كانت تريد أن تتكلم معي؟".

     موهبة التبصّر هذه ساعدت الكثيرين على التوبة والاعتراف بخطاياهم، كما ساعدته على النجاة من محاولة لتسميمه. عندما كان في شانغهاي جاءته المسؤولة عن الميتم السّيّدة أولغا سيمينيوك بطبق من الشوربة، بعد الغروب، ليأكله، كما كانت عادته؛ إلاّ أنّه ٱستمرّ يعمل من دون أن يعير الطعام أيّ ٱهتمام، فأخذت السّيّدة أولغا الطبق لتسخنه مذكّرةً الأسقف بوجوب تناول الطعام. لكنّها لاحظت، عندما وضعته على النّار، أنّ لونه تغيّر؛ فرمته، وسكبت له طبقًا آخر من طعامها. وعندما قدّمته إليه، أكل منه بشهية. تذكّرت السّيّدة أولغا هذه الحادثة، بعد أن تعرّض الأسقف فعليًا للتسمم. لدى تشخيص الطبيب له، قال إنّه تعرّض للتسميم، وطلب منه الذهاب إلى المستشفى. لكنّه رفض قائلاً: "لو تستطيع السّيّدة أولغا أن تعدّ لي الطعام كلّ يوم!" وبالفعل أخذت السّيّدة أولغا تعدّ له الطعام، ولا تغادر الغرفة إلى أن يُنهي طعامه. هكذا، تعافى بعد شهرين من المعاناة. ومرّة ثانية، خلال تناوله القدّسات المتبقيّة في الكأس (تلمظة البقايا)، في نهاية القدّاس الإلهي، خرج من الهيكل أصفر الوجه وأخذ يتقيّأ. فأسرعت إحدى المشرفات على الكاتدرائية، وجمعت في وعاء ما تقيّأه الأسقف وطمرته في الأرض. فيما بعد تبيّن أنّ أحد الكهنة قدّم إليه زجاجة نبيذ مسمّمة، وهي الّتي ٱستعملها لتلمظة الكأس. وفي ما بعد كتب هذا الكاهن مقالات عديدة ضد الأسقف عندما أصبح راعيًا لأبرشية أميركا الغربية.



راعيًا لأبرشية أوروبا الغربية
في صورة للأسقف يوحنّا أثناء القدّاس الإلهي ويُحيط به النّور الغير المخلوق في تونيس

     كرسول جديد، قام الأسقف بزيارات عديدة في أبرشيته الواسعة، في زمن لم تكن فيه وسائل النقل كما هي اليوم. سافر من فرنسا إلى هولندا، إلى إنكليترا، إلى سويسرا إلى إيطاليا إلى تونس... عاملاً بقول الرّسول بولس: "صرتُ للكلّ كل شيء" (1 كو 22:9).

     خلال تنقلّه، كان برنامجه دائمًا مشحونًا بالمواعيد، وبخاصة القداديس والصلوات المختلفة حتّى السهرانات. في أيّ مكان حلّ فيه، كان يقوم بزيارة المستشفيات والمهاجرين الرّوسيّين. كلّ محطة من محطاته كانت مناسبة للصّلاة، لا فقط من أجل الأحياء وصحتهم، بل من أجل الرّاقدين أيضًا. ذات مرة، كان مارًّا بمدينة مارساي (Marseilles)، فقرر القيام بذكرانية في مكان قتل الملك الإكسندر اليوغسلافي. لم يجرء أيّ من الإكليركيين الحاضرين على مرافقته، إذ كيف سيقومون بالخدمة في وسط الطريق!!... إلاّ أنّ الأسقف يوحنّا سار إلى مكان استشهاد الملك بكامل حلّته الأسقفية، حاملاً حقيبة صغيرة ومرشة، غير آبه بالأنظار المندهشة أو النّاس المستهجنة. كان منظره غريبًا بشعره الّذي يتدلى على كتفيه ولحيته الطويلة، بخاصة في هذه النّاحية من العالم. أخيرًا، توقف ورشّ بالماء المقدسة مربعًا صغيرًا في الشارع، ثم فتح حقيبته، ووضع على الأرض سجادته الأسقفية الصّغيرة، وأشعل المبخرة، وقام بخدمة الذكرانية لراحة نفس الملك الإسكندر...

     مرة أخرى، كان يقوم بخدمة جناز لإمرأة مسنّة في فرنسا، وكان الحرّ شديدًا. بعد ٱنتهاء الخدمة، ٱستدار الأسقف إلى الشمّاس (وهو الشمّاس جان فينيا الفرنسي الأصل) وقال له: "هل تستطيع أن تقودني إلى مقبرة سانت لازار (Saint Lazare)؟! يجب أن أصلّي بخاصة من أجل اثنين رقدا منذ زمن بعيد. وصل الأسقف مع الشماس إلى المقبرة، وأخذ يتفحص بدقة المقابر الواحدة تلو الأخرى، وعصا الأسقفيّة في يده اليسرى، والمبخرة في يده اليمنى، غيرَ آبه بالشمس الحارقة الّتي كانت تلفح رأسيهما. وبعد مسير طويل، قال الأسقف: "لا، ليسا ههنا. هل يوجد مكان آخر؟". أجابه الشماس بالنّفي. لكنّ الأسقف أصرّ وخرج مباشرة من بوابة المقبرة، وسار حوالي عشر دقائق، وإذ به أمام مقبرة قديمة، من المؤكد أنّ معظم السّكان في المنطقة لا يدرون بأمرها. كان العشب قد علا في المكان، والصّلبان الحديدية قد تصدّأت، والحجارة مبعثرة هنا وهناك... وما كان من الأسقف إلاّ أن دخل في وسط العشب، رغم تذمّر الشماس الّذي كان مقتنعًا بعدم جدوى البحث. وفجأة، توقف وأشار بيده إلى صليبين من الخشب قد تعفّنا، كانت عليهما كتابة باللغة الرّوسية؛ فأشرق وجه الأسقف، وقال للشمّاس: "أرأيت؟! يجب أن لا نيأس أبدًا، بل أن نذهب دائمًا إلى النّهاية".

     صلاته الّتي لا تتوقف كانت ترافقه في كلّ أسفاره. وإذا ما تعثّر تنقلُّه من مكان إلى آخر بسبب تأشيرة دخول أو ما شابه، كان يتخذ من محطة القطار، أو المطار، مكانًا لإقامة صلاة الغروب، أو السّاعة التاسعة مثلاً...

     في أوروبا، كما في الولايات المتحدّة، كان اللاجئون من الصّين يشكّلون محور اهتمامه؛ فقد كتب إلى العديد من المسؤولين، وزار بعضهم. حتّى إنّه كان يتفقد اللاجئين في مخيّماتهم، ويشاركهم ظروفهم الصّعبة بتمضية الليل وإيّاهم. وكان الجميع يرون فيه الرّاعي الحقيقي الّذي سوف ينتشلهم من شقائهم. أولئك الّذين لم يستطع تعزيتهم ماديًا كان يُفيض عليهم بالنّعم الرّوحيّة من خلال صلاته، معزيًا إيّاهم بطريقته الخاصة.

     أسّس أوّل دير روسي في إنكليترا، عندما طُردت راهبات روسيات وفلسطينيات من ديرهن في الأرض المقدسة، والتجأوا إلى دير سيّدة ليزنا. ومن هناك أمّن لهنّ الأسقف التأشيرات للسّفر إلى إنكليترا مع إذن للعمل هناك. وبعد فترة، وجدن المكان المناسب لإقامة الدّير الّذي كُرس لذكرى بشارة والدة الإله، وجاء الأسقف ليبارك المبنى والكنيسة.

     إلى جانب مدرسة فيرساي ودير سيّدة ليزنا، كانت بروكسيل إحدى المحطات الأساسية للأسقف. هناك كان يمكث خلال العطلة الصّيفية والفصح وعيد القدّيس أيوب. في هذه المدينة كنيستان، إحداهما مكرسة للقيامة، والأخرى للقدّيس أيوب، حيث كان الأسقف يقوم بمعظم نشاطاته. شُيِّدت هذه الكنيسة من أجل ذكر العائلة الملكية الرّوسية المستشهدة، وكلّ الّذين قضوا خلال الحملة البولشفية. بالنسبة إلى الأسقف يوحنّا، الجرم الأساسي للثّوار كان أنّهم حنثوا في يمينهم، إذ قتلوا من مسحه الله. الهدف من قتلهم لم يكن سياسيًّا فقط، بل هو ظلم جائر. يُشبِّه الأسقف هذه الجريمة بحادثة قتل شاول في العهد القديم، إذ مزّق داود ثيابه عندما علم بمقتل من مسحه الله، رغم أنّ شاول لم يحفظ طريق الرّبّ. وخلافًا له، كان القيصر نيقولاوس الثاني مثالاً للتُقى والتسليم للمشيئة الإلهية. والأسقف يوحنّا يضُّم العائلة المالكة إلى مصف القدّيسين الّذين كابدوا الآلام بصمت، مثل القدّيسَين بوريس وغلب (Saints Boris & Gleb).

     أبرز ما حققه الأسقف يوحنّا للأرثوذكسيّة في الغرب هو أنّه أعاد إكرام القدّيسين المحليّين الّذين سبقوا الانشقاق عن كنيسة روما، والّذين لم يُذكروا في السّنكسارات السّلافيّة. أخذ الأسقف يجمع حياتهم وإيقوناتهم وصورهم بكثير من الحبّ والوقار. ولقد صدّق مجمع الأساقفة المقدّس على اقتراحه بذكرهم أثناء الخدم وضمّهم إلى السّنكسار. طلب الأسقف إعداد خدم لهم، وترجم من اليونانية إلى الرّوسية عددًا من طروبارياتهم. كان يكرّم ويوقر القدّيسين كثيرًا. من القدّيسين المعاصرين كان يجلّ بالأخص القدّيس نيكتاريوس، أسقف المدن الخمس، الصّانع العجائب، والّذي شفى الكثيرين من مرض السّرطان. كان يحتفظ بإيقونته في زاوية الصّلاة خاصته. وبفضل جهوده، تم إعلان قداسة الأب يوحنّا كرونشتادت، الّذي لقبّه القدّيس يوستينوس بوبوفيتش بـ"القدّيس نيقولاوس الجديد" نظرًا إلى كثرة المعجزات الّتي صنعها في حياته وبعد رقاده. وقد كتب الأسقف يوحنّا نفسه الطروبارية الخاصة بالقدّيس. وكان يعتبر أنّ الأبرار القدّيسين لا يصيرون كذلك بموجب قرارٍ إكليريكي أرضي، بل برحمات الله ونعمته. السّلطات الإكليريكية تصدّق على ما قد أعلنه الله فقط، لكي يكرّم المؤمنون القدّيس ويستدعونه بصلاتهم...".

     إلى جانب إعلان قداسة الأب يوحنّا كرونشتادت، سعى الأسقف القدّيس لإعلان قدّاسة الرّاهب الكاهن جرمانوس الّذي من ألاسكا (1736 – 1837)، والشهيد بطرس الأليوتي. الأوّل كان راهبًا مرسلاً من دير فالامو (Valaam Monastery) في روسيا إلى الأليوتيين***، والثّاني قتله اليسوعيّون لأنّه رفض التنكّر لأرثوذكسيته.


الجزء الثّالث


* دير ليزنا أسّس في روسيا عام 1885 وفيه أيقونة والدة الإله ليزنا العجائبية الّتي ظهرت عام 1683. هذا الدير حظي ببركة القدّيس يوحنّا كرونشتادت لتأسيسه. تهجّرت راهباته إلى رومانيا إبّان الحرب العالمية الأولى، ومن هناك إلى صربيا إثر دعوى من الملك ألكسندر اليوغسلافي. بقين هناك إلى العام 1950 حين اضطررن إلى المغادرة بعد اضطهاد الأوستازا الكرواتية لهنّ. ومن هناك انتقلن إلى بلغراد، ولكن لمّا تولّى النظام الشيوعي الحكم، أتين إلى فرنسا.

** وهو لباس كنسي ذو كمّين طويلين، شبيه بقميص طويل، يصل إلى الأرض.

*** الأليوتيّون (Aleuts) هم السّكان الأصليّون لجزر الألاسكا في الولايات المتحدة.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share