كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
القدّيس داود الّذي من "إيفيا".
(يُعيّد له في ١ تشرين الثّاني).

   وُلد القدّيس داود بين العامَين ١٤٧٠ و ١٤٨٠ في قرية "غاردينيتسا" في مقاطعة "لوكريدا". تُعرف هذه القرية، اليوم،  باسم "كيباريسّي". كان والده كاهنًا اسمه "خريستوذولوس". رُزق هو وزوجته التّقيّة "ثيودورة" أربعة  أولاد أنشآهم على "مخافة الله ومحبّته".

   ذات ليلة، عندما كان داود في الثّالثة من عمره، ظهر له "القدّيس يوحنّا المعمدان" في رؤيا. أمسك القدّيس بيد الصّبيّ وأخذه إلى كنيسة صغيرة على اسمه. هناك، دخل القدّيس يوحنّا في أيقونته، أمّا الصّبيّ فسجد على ركبتيه قدّام الأيقونة. في أثناء ذلك كان والدا داود والقرية كلّها يبحثون عنه. وقد استمرّوا على هذه الحال ستّة أيّام وستّ ليالٍ والولد مفقود. في اليوم السّادس، دخل والد دواد وبعض أهالي القرية هذه الكنيسة الصّغيرة ليقيموا فيها خدمة صلاة الغروب ويتشفّعوا لدى القدّيس يوحنّا المعمدان من أجل الصّبيّ. هناك فوجئوا برؤية داود الصّغير على ركبتَيه أمام أيقونة القدّيس يوحنّا المعمدان. كان وجهه مُضيئًا بنورٍ سماويّ ولم يبدُ منهكًا. أدرك الجميع أنّ لدى الصّبيّ نعمة خاصّة.

   عندما بلغ داود الخامسة عشرة من عمره، ترك قريته، ببركة والدَيه، وتبع الرّاهب الكاهن "أكاكيوس"، وهو شيخ روحيّ بارّ ومختبَر، التقى به داود بتدبير الله.

   عاش القدّيس داود في دير الشّيخ أكاكيوس، كعضوٍ في الشّركة، مدة خمس سنوات. كان مثاليًا في نسكه وطاعته وتواضعه. وقد دعاه الرّهبان في الدّير "الشّيخ داود" لحسن تمييزه وحكمته.

   غادر الرّاهب داود الدّير مع الشّيخ "أكاكيوس" الّذي كان يرغب في التّعرّف إلى رهبان أتقياء، فجالا سويّة على عدة أديرة ومناسك. سيم الرّاهب داود شمّاسًا في ديرٍ في "أوسا" حيث مكثا فترةً طويلة.

   توجّها، بعد ذلك، إلى جبل آثوس. تنقّلا بين الأديرة، هناك، وتبرّكا من ذخائرها وقدّيسّيها وشيوخها والتقيا عددًا من النّساك. ثمّ غادر الشّيخ "أكاكيوس" إلى القسطنطينيّة لنيلِ بركة البطريرك، في حين بقي القدّيس داود في لافرا القدّيس أثناسيوس الآثوسيّ .

   عندما وصل الشّيخ "أكاكيوس" إلى القسطنطينيّة، باركه البطريرك ودعا إلى مجمعٍ عيّنه متروبوليتًا على أبرشيّة "نفباكتوس وآرتا". إثر ذلك، استدعى "أكاكيوس" القدّيس داود إلى أبرشيّته وسامه كاهنًا.

   كانت  طاعة القدّيس داود لشيخه وأبيه الرّوحي نموذجيّة. تُظهر لنا الحادثة التّالية مدى تفانيه في  حفظ الطّاعة:

   ذات يوم أرسل الشّيخ "أكاكيوس" دوادَ من "نفباكتوس" إلى "آرتا" في مهمّة. كانت الرّحلة تستغرق أربعة أيام سيرًا على الأقدام، وكان داود يسير حافي القدمَين كما كانت عادته على طريق وعرة غير مفلوحة. عندما وصل إلى خارج مدينة "آرتا" توقّف قليلاً ليستريح، فرآه مسيحيٌّ تقيّ فقدّم له، على الفور، حذاءً تقليديًّا يونانيًّا (اسمه "تساروهيا")، اشتراه خصّيصًا له. قبل الرّاهب المتّضع الحذاء ولبسه إذ لم يشأ أن يحزن هذا الرّجل اللّطيف التّقيّ. ثمّ أنهى العمل الموكل إليه به في المدينة، وعاد إلى "نفباكتوس".  وما إن رآه المطران منتعلاً حذاءً جديدًا، حتّى وبّخه لقبوله هدية ذاك المسيحيّ من دون بركة. وطلب من القدّيس داود أن ينزع الحذاء من رجليه ويعيده إلى الشّخص الّذي قدّمه له. فأطاع داود وعاد حافي القدمَين إلى "آرتا". هناك التقى بذاك المسيحيّ. وبعد أن أعاد له الـ"تساروهيا"، رجع إلى "نفباكتوس" حافيًا.

 

  كان بيّنًا للجميع مقدار النّموّ الرّوحيّ الّذي كان يحرزه الرّاهب داود يومًا بعد يومٍ. وقد طلب منه الأسقف مع أعيان المنطقة أن يصير رئيسًا لدير والدة الإله في "فارناكوفا"، فرضخ. كانت المهمّة صعبة لأنّ رهبان هذا الدّير كانوا غير طائعين وكانوا يتسبّبون بمشكلات عديدة، فتلألأ قدّيسنا بصبره العجيب.

   ذات يوم، زار بطريرك القسطنطينية "إرميا"، مع القارئ "عمّانوئيل"، الدّيرَ في "فارناكوفا". وأثناء هذه الزّيارة، أقام القدّيس داود خدمة  القدّاس الإلهيّ. وإذ كان يعدّ الذّبيحة الإلهيّة، دخل القارئ "عمّانوئيل" إلى الكنيسة فرأى القدّيسَ محاطًا بالنّور، وهو مرتفعٌ عن الأرض، ووجهه يلمع أكثر من الشّمس. هرع "عمّانوئيل" إلى البطريرك يستدعيه كي يعاين هذا المشهد العجائبيّ. لكن عندما  دخل البطريرك لم يستطع أن يرى سوى القدّيس وهو يذرف دموعًا غزيرة. أُعجب البطريرك به كثيرًا وطلب أن يُصيِّره مطرانًا لكنّ قدّيسنا رفض بكلّ اتّضاع.

   أسس القدّيس داود، كرئيسٍ لدير "فارناكوفا"،  أوّل مدرسة يونانية. كان  الرّهبان والكهنة ذوو المعرفة يأتون من جبل آثوس كي يدرّسوا في هذه المدرسة وبالإضافة إليها أسّس "مدرسةً سريّة" في الدّير.

   غير أنّ المشاكل الّتي كان يسبّبها الآباء في الدّير استمرّت. ورغم أنّ قدّيسنا أسدى إليهم بنصائح جزيلة القيمة، بغية إصلاح سيرتهم، إلاّ أنّ الأمور بقيت على حالها. فقرّر قدّيسنا، على مضض، ترك الدّير. وقد رافقه "الأب سيرافيم" الّذي كان ابنه الرّوحي.

   قاده الرّب إلى "جبل ستيريا"، في ناحية "دومفو"، حيث تابع جهاداته النّسكية. هناك هاجمه الشّيطان في عزلته. اتّهمه أهل النّاحية أنّه مسؤول عن تهريب بعض العبيد التّابعين لسيّد مسلم من "ليفاديا". أُوقف القدّيس. سُجن وعُذِّب بوحشية. كابد كلّ ذلك بصبر. وبتدبير إلهي جاء بعض المسيحيّين الأتقياء ودفعوا مالاً وأطلقوا سراحه.

   عندما أُفرج عنه، افتكرّ قدّيسنا في نفسه أنّه من  الأفضل له ألاّ يعود إلى ديره. وما إن مضى وقت قليل، أمضاه متجوّلاً في المنطقة، دون أن يجد مكانًا مناسبًا يستكين فيه، حتّى قرّر التّوجّه إلى جزيرة "إيفيا" (Euboea) المقابلة. وعند شاطئ "أتالانتي" (Atalanti)، رأى مركبًا فسأل صاحبه بلطف إن كان يستطيع أن يأخذه إلى الجزيرة المقابلة. فاستخفّ الرّجل بهذا الرّاهب الوضيع وملابسه الرّثّة، ورفض أن يقلّه، وأكمل عمله كأنّ شيئًا لم يكن.

   لم يغضب القدّيس من تصرّف هذا الرّجل، بل ابتعد عنه بضعة أمتارٍ ونزع عنه ثوبه البالي، ووضعه على الماء، وبعد أن رسم على نفسه إشارة الصّليب، ركب على ثوبه وأخذ يُبحر بسرعة على المياه. صُعق صاحب المركب، عندما رأى القدّيس يُبحر على ثوبه، مغادرًا الشّاطئ. وفهم أنّ هذا الرّاهب قدّيسٌ فأخذ يصرخ إليه متوسّلاً:

   - تعال أيّها الأب، تعال وسأقلّك بقاربي. تعال أيّها الأب...

   باركه القدّيس داود من بعيد وأكمل رحلته. على هذا النّحو بلغ قرية "روفيس". ولمّا وصل إلى الشّاطئ تسلّق الجبال الخضراء الّتي كانت منتصبةً خلف القريّة. هناك وجد كنيسة صغيرة لتجلّي مخلّصنا وربّنا يسوع المسيح وكانت خَرِبَة، فعمل على ترميمها وساعده في ذلك سكّان النّاحية.

   لم تلبث قداسة داود أن شعّت وجذبت النّاس إليه، فرغب الكثيرون في الانضمام إليه والتّكرّس للرّب يسوع المسيح. نشأت حوله أخويّة صغيرة. بُنيت بعض القلالي قرب الكنيسة لحاجة الإخوة، لكنّها لم تكن كافية. تفحّص القدّيس المنطقة واختار مكانًا مناسبًا لبناء دير، على قمّة عالية، وقرّر السّفر إلى "الرّوسيا" من أجل جمع الأموال الضّروريّة لبنائه؛ وقبل رحيله أعطى تعليمات محدّدة للبنّائين والحرفيّين من أجل المباشرة بالبناء.

   جَمَع القدّيس داود في "الرّوسيا" مالاً كثيرًا بمؤازرة الجالية اليونانيّة، هناك، الّتي كانت يومذاك كبيرة ونافذة . لكنّه أدرك صعوبة ومخاطر هذا السّفر الطّويل مع هذه الكميّة من المال. لذلك قرّر ألا يأخذ المال معه، بل إرساله إلى اليونان بطريقة أخرى!.

   أخذ قطعةً من الخشب، ثقبها وصنع فجوةً في داخلها، ووضع كلّ المال في داخلها، ثمّ أغلقها، ورسم عليها إشارة الصّليب، وألقاها في نهرٍ من أنهر "الرّوسيا"، وشرع في رحلة العودة من دون أن يرافقه أحد. فلمّا وصل القدّيس إلى الجزيرة، بعد فترة طويلة، وعند شاطئ "روفيس"، وجد صيادي السّمك  هناك يتطلّعون باستغرابٍ إلى خشبة غريبة محاولين تقطيعها إلى أجزاء صغيرة بفؤوسهم. لكنّ كلّ محاولاتهم باءت بالفشل، لأنّ الفؤوس كانت تلتوي أو تنكسر عند كلّ ضربة. فاقترب القدّيس منهم وقال لهم إنّ هذه الخشبة تحتوي على المال الّذي جَمَعَه في رحلته الطّويلة وإنّها لن تنفتح إلا بإذن الله في الوقت المناسب.

   بعد ذلك، صعد قدّيسنا إلى ديره، هناك رأى أنّ البنّائين لم يحترموا تعليماته. فعوض أن يبنوا الدّير على قمة الجبل، حيث كان قد أشار لهم، باشروا البناء قرب كنيسة التّجلّي. حزن وسألهم عن سبب عصيانهم، فقالوا له إنّه لا يوجد ماء على قمة الجبل حيث كان يشاء بناء ديره.



   إذ ذاك أخذ القدّيس داود بعض العمّال والرّهبان وصعد إلى الجبل. هناك ركع على ركبتيه وصلّى إلى والدة الإله. وما إن أنهى صلاته، حتّى ضرب بعصاه جذع شجرة تين كبيرة، فتدفّقتِ المياه جاريةً مثل نهرٍ  حتّى بلغت أسفل الجبل. لكن، ولأسباب يعلمها الله، سمح القدّيسُ للبنّائين أن يستمرّوا في بناء الدّير قرب كنيسة التّجلّي، حيث لا يزال قائمًا إلى اليوم. أما المياه الّتي استنبعها القدّيس، والّتي ما زالت تتدفّق بغزارة إلى يومنا هذا، فإنّ رجلاً قرويًّا صديقًا للدّير صنع قناةً لجرّها إلى باحة الدّير عام ١٩٦٣.

   ذاعت شهرة القدّيس داود، لمواهبه الكثيرة وقداسته فكان الأساقفة يدعونه إلى أسقفيّاتهم لأجل منفعة المسيحيّين الرّوحيّة. وذات مرّة، دُعي إلى "البيليوبونيز" لحلّ المشكلات والنّزاعات فيما بين السّكان هناك. قام قدّيسنا، بكلّ محبّة وشوق، فاستقلّ مركبًا أقلّه إلى المكان. وقد واجه المركب رياحًا مضادة وأمواجًا مرتفعة فتحطّم، غير أنّ القدّيس أُنقذ بأعجوبة. وبعد تسع ساعات من تحطّم المركب رآه الرّهبان المرافقون له، عائمًا على المياه، سالمًا معافى.

   في حادثة أخرى، كان "القدّيس داود" ذاهبًا إلى "كاريستوس" لقضاء بعض الأعمال للدّير. في طريقه إلى هناك توقّف في قرية "ديستو" كي يستريح قليلاً. هناك طلب منه السّكان أن يخلّصهم من البعوض الّذي كانوا يعانون منه. وإذ رأى القدّيس إيمانهم، صلّى إلى الله بحرارة فحصلت الأعجوبة: تشكّلت غمامات من البعوض أخذت تتساقط وتختفي في البحر، أمام أعين الجميع، مذهولين!.

   وإنّ القدّيس، عندما كان، مرّة، في "إليفسينا"، بهدف تشديد المسيحيّين هناك، نزل في منزل أحد المسيحيّين الأتقياء. أعدّ هذا الأخير أطباقًا منوّعة من الأطعمة لإكرام القدّيس، كانت إحداها يقطينة (وهي نوع جديد من الخضار آنذاك). لكنّ مذاقها استبان مرًّا، فحزن صاحب المنزل كثيرًا. وإذ عرف القدّيس بذلك، صلّى إلى الله، في سرّه، فصار مذاقها حلوًا لذيذًا.

   أضحى دير القدّيس داود منارة لكلّ أنحاء شمال "إيفيا"، منيرًا نفوس البشر ومعزيًّا المسيحيّين في أزمنة الاضطهاد والعبودية الّتي كانت تعاني منها بلاد اليونان، إثر الاحتلال التّركيّ.

   كان القدّيس داود يحزن لرؤيته فقر وشقاء النّاس الّذين كانوا يقصدون الدّير. لكنّه كان يهتمّ، أوّلاً، بمنفعتهم الرّوحيّة ومن ثمّ بحاجاتهم الماديّة. كان المؤمنون يدعون الدّير "دير الإحسان".

   عندما تقدّم القدّيس في السّنّ، عيّن راهبًا آخر ليكون رئيسًا للدّير واختلى ، هو، في مغارة صخرية صغيرة في الغابة، مصليًّا ومسبّحًا الله. كان يكتفي بقطعة من الخبز المبارك وقليلاً من الماء المقدّس. كان يمكث في خلوته طيلة أيّام الأسبوع ولا يعود إلى الدّير إلاّ يوم السّبت كي يقيم القدّاس الإلهيّ يوم الأحد. هناك كان يعزّي ويرشد الحجّاج ويعظ ويعين الرّهبان. وقبل غروب الشّمس كان يغادر الدّير عائدًا إلى منسكه.

   وكرّتِ الأيّامُ، وإثر إعلان إلهيّ، علم القدّيس داود بدنو أجله، فاستدعى آباء الدّير وأعلمهم بأنّه في غضون ثلاثة أيّام سوف يغادرهم. وبمحبّة أبويّة، وَعَظهم وسلّمهم إرشاداته الأخيرة. ثمّ قبل قليل من رقاده قال لهم: ... "انظروا أيّها الإخوة! الرّب يسوع المسيح مقبل!".

   حزن الرّهبان لفقدانه، ودفنوا جسده بإكرام وإجلال!.

   جرت عجائب عدّة برفاته وكثيرون شهدوا للمجد الّذي أُعطي له من قبل الله. وإنّ المصابين بشتى الأمراض الجسديّة والنّفسيّة والرّوحية كانوا يُشفَون عند انحنائهم لتقبيل جمجمته المقدّسة، فيغادرون بالشّكران وتمجيد الله.

فلتكن بركته وصلواته معنا أجمعين.
آمين.


صور إضافيّة.


دير التّجلّي الّذي أسّسه القدّيس داود جمجمة القدّيس داود الإيفيّ
   
المغارة حيث كان ينسك القدّيس. كنيسة الدّير الرّئيسيّة - الكاثوليكون.
   
المياه الّتي استنبعها القدّيس. ضريح الأب يعقوب تساليكس الّذي أعاد إعمار الدّير.
   
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share