<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
القدّيس أناطول الأوّل
(1824م - 1894م).

رئيس الإسقيط في دير ”أوبتنا“ في روسيا


القدّيس أناطول الأوّل الّذي من أبتينا

     الأب أناطول (زيرتسالوف) هو زميل الأب أمبروسيوس أوبتينا الشهير في الجهاد، وهو تلميذ الشيخ مكاريوس المقرّب منه، وقد كرّس له حياته من كلّ قلبه.

     ولد القدّيس أناطول (زيرتسالوف) في قرية بوبولِيا في 24 آذار 1824. اسم والده موسى وكان شمّاسًا وٱسم أمّه ”أنّا“. وكان والداه مسيحيَّين تقيَّين، يأملان في أن يصير ٱبنهما الوحيد ألكسي (أي الأب أناطول) راهبًا.

     لدى بلوغ ألكسي الخامسة من عمره، تعلّم القراءة وأكمل دراسته في معهد القدّيس بوريس اللاهوتي، ثم التحق بمعهد لاهوتي في ناحية كالوغا. عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره مرض مرضًا شديدًا منعه من الذهاب إلى المدرسة لمدة سنة.

     منذ نعومة أظفاره أراد أن يصير راهبًا. وقد فكّر بالإلتحاق بنساك غابة روسلاف، لكنّ محاولته باءت بالفشل إذ هبّت عاصفة رعدية عند انطلاقه إلى هناك منعته من الوصول، فعاد أدراجه معتبرًا العاصفة علامة من الله. ومن ثم رجع ليتابع دروسه في المعهد اللاهوتي.

     أصيب ألكسي بالسلّ لكنّه شُفي بعد حين. إثر ذلك، توجّه بصحبة والدته للالتحاق بدير أوبتينا. لما وصلا إلى هناك، بادر الأب مكاريوس رئيس الدير "أنّا"، أم الشاب ألكسي، بالقول :”مباركة أنت، أيتها المرأة المعطاء، لأجل الطريق الصالحة الّتي وضعت ٱبنك عليها“. هذا وقد علّم الشيخ مكاريوس بنفسه الشيخ أناطول صلاة يسوع، الّذي كان يدخل إلى عمق الغابة هناك ليصلّي.

 
القدّيس مكاريوس رئيس دير أوبتينا أيام دخول الشيخ أناطول إلى الدير   دير أوبتينا

     كان دخول الأب أناطول إلى ”أوبتينا“ عام 1857. يومها كان الشيخ أمبروسيوس يستعدّ لخلافة الشيخ مكاريوس.

     لم تكن الحياة في أوبتنيا سهلة على الرّاهب المبتدئ، إذ كان ينتقل من قلاية  إلى قلاية أخرى بتواتر. وقد أُعطي قلاية في البرج فوق الموضع الّذي كان يجري فيه تقطيع الأخشاب. لذا صعُبَ عليه متابعة قراءاته النّسكية الإلزامية في قانونه. في هذه القلاية، اشتدّ ألم رأسه، فعانى طويلاً.

 
القدّيس أمبروسيوس

     ٱهتم الشيخ مكاريوس بشكل خاص بتنمية المزايا الحسنة عند أناطول. وكان يقسو عليه ويحقره أحيانًا ليحفظه من الاستكبار. تشهد على ذلك حادثة حصلت عندما زار القدّيس أغناطيوس بريانشانينوف دير أوبتينا. تأثّر القدّيس أغناطيوس أشدّ التأثُّر بمزايا الأب أناطول. فما كان من الشيخ مكاريوس إلا أن أنب تلميذه بشدة لأنّه قَبِل المديح من القدّيس أغناطيوس. فلما انصرف التلميذ أقرّ الشيخ بأنّ أناطول على نصيب وافر من الذكاء، كما أنّه مثقف ومحترم من الكلّ. كان الشيخ مكاريوس يدعو تلميذه: ”يا طويل“، مشيرًا لا فقط إلى قامته الجسدية، بل إلى قامته الرّوحية الجليلة.

دير ”شاموردينو“

     سيم الرّاهب أناطول كاهنًا عام 1870. وبعد رقاد الشيخ مكاريوس، تعاون الشيخان أناطول وأمبروسيوس بشكلٍ وثيق فيما بينهما. ولكن في 3 آب 1871، عُيّن الأب أناطول رئيسًا لدير سباسكي أورلوف ورُفّع إلى رتبة أرشمندريت. وإذ لم يُرد الأب أناطول أن يغادر دير أوبتينا، طلب الأب أمبروسيوس تعيينه بصورة رسمية لمساعدته في شؤون الدّير. ثم في العام 1874، عُيّن رئيسًا للإسقيط التابع للدير. فأصبح الأب أناطول أبًا أي ”شيخًا روحيًا“ بكلّ معنى الكلمة، خاصة للدير النّسائي المجاور، الّذي تعاون والشيخ أمبراسيوس على تأسيسه. عُرف هذا الدير النّسائي بدير ”شاموردينو“.

     من جهة أخرى، لما كان الشيخ ليونيد في دير ”فالامو“ مع ثيودور أحد تلامذة الأب باييسي لَقّنا أحد رهبان فالامو واسمه أوثيميوس صلاة يسوع. وأوثيميوس بدوره علّم صلاة يسوع لطفلة تقية لأحد الفلاحين. وقد نجحت هذه الطفلة بتواضعها المميز في بلوغِ مراقٍ سامية في تلاوة هذه الصلاة. فلمّا سمع الشيخ مكاريوس بها، طلب من الشيخ أناطول إحضارها إلى ”أوبتينا“ ليتعلّم منها كيف يجب أن تُتلى صلاة يسوع. بهذه الطريقة أصبح الشيخ أناطول ضالعًا في الصّلاة، وتشهد على ذلك رسائله العديدة. كان الأب أمبروسيوس يقول عنه إنّه من القلّة القليلة الّّذين أُعطيت لهم نعمة الصّلاة المستمرة.

     ساهم الشيخ أناطول في ترجمة الكتابات الآبائية كالـ"فيلوكاليا" ونشرها. وقد كان مطيعًا للشيخ أمبروسيوس رغم كلّ شيء، يتمّم بدقة كلّ ما يطلبه منه.

 
القدّيس ليونيد   إسقيط دير أوبتينا

     كانت قلاية الشيخ أمبروسيوس إلى يمين باب الإسقيط، أما قلاية الشيخ أناطول فكانت إلى اليسار. وغالبًا ما كان زوّار الأب أمبروسيوس يذهبون ليتبرّكوا من الأب أناطول أيضًا. وإذ تقدّم هذا الأخير في العمر، تقدّم في مراقي الحياة الرّوحية فبلغ رتبة الأبويَن مكاريوس وأمبروسيوس في الحكمة الإلهية والبصيرة وحسن التمييز. كذلك أُعطي موهبة معرفة مكنونات القلوب والتنبّؤ بالمستقبلات.

     رقد الشيخ أمبروسيوس عام 1891، وأخذت حال الأب أناطول الصّحية تسوء. عام 1892، سافر إلى بطرسبورغ والتقى بالقدّيس يوحنّا كرونشتات. وفي 10 تشرين الأوّل، يوم ذكرى رقاد الأب أمبروسيوس، شاركا معًا في الخدمة الإلهية. وفي العاصمة عاينه بعض الأطباء، فألفوه على ضعفٍ في القلب والرّئتين.

     استمرّت صحة الأب أناطول في التراجع. وفي 10 تشرين الأول 1893 أُعطي الإسكيم الكبير. رقد الأب أناطول في الرّب في 25 كانون الثاني 1894 ودُفن بجانب معلّمَيه القدّيسَين أمبروسيوس ومكاريوس.

 
دير أوبتينا وأيقونة للأربعة عشر أبًا الّذين ثبّتوا الإيمان الأرثوذكسي في روسيا مع قطعٍ من رفاتهم: القدّيسون موسى، أنطوني، ليونيد، مكاريوس، هيلاريوس، أمبروسيوس، أناطول الأوّل، إسحق الأوّل، جوزيف، برصنوفيوس، أناطوليوس الصّغير، نيكتاريوس، نيكون المعترف والشهيد إسحق
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share