<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
القدّيسة تقلا الشهيدة الأولى المعادلة للرسل
ودير معلولا البطريركيّ
(يُعيّد لها في ٢٤ أيلول).

سيرة القدّيسة تقلا*

   ولدت القدّيسة "تقلا" في مدينة "إيقونية"، في آسيا الصغرى، من أبوين وثنيّين. وما إن بلغت الثامنة عشرة من عمرها حتّى خطبها ذووها إلى شاب اسمه تاميريس. لكنّها لم تتزوّج لأنّ الرسول بولس مرّ برفقة الرّسول "برنابا" بإيقونية مبشِّراً بالإنجيل، فاصطادها الربّ الإله بكرازته، فآمنت بالمسيح يسوع مخلِّصاً ونذرت له عذريتها.

   وقد اعترفت "تقلا" لأمّها بأنّها لم تعد ترغب في الزواج وأنّها قد نذرت عذريتها للربّ يسوع المسيح، فحاولت أمّها ثنيها عن عزمها، ولكن، دون جدوى. تحدّثت إليها بالحسنى فأَبَتْ. أشبعتها ضرباً فثبتت. حرمتها الطعام أياماً فأصرّت. أخيراً اهتاجت الأم هياجاً شديداً وودّت لو تقتلها، كيف تمحو عار ابنتها بين الناس!؟. فأخذتها إلى والي المدينة. حاول هذا، بكلّ الطّرق الممكنة، أن يردّها عن قرارها، فواجه فيها إرادة صلبة ثابتة لا تلين، فتهدّدها بأن يلقيها في النّار حيّة فلم تأبه، فأمر بإيقاد نار شديدة وألقاها فيها فحفظها الله سالمة من كلّ أذى.

   وبتدبير إلهيّ، فرّت "تقلا" من المدينة وتبعت الرّسول بولس، ثمّ جاءت وإيّاه إلى مدينة أنطاكية.

   في أنطاكية، واجهت "تقلا" استشهادها الثّاني. فلقد وقع عليها نظر واحد من علّية القوم في المدينة فحاول خطفها وإذلالها، فقاومته بضراوة وأخزته. وإذ أراد أن ينتقم لكرامته الجريح وشى بها لدى الوالي أنّها مسيحيّة تحارب الزّواج، فحكم عليها الوالي بالموت، وألقاها للوحوش فلم تمسّها بأذى. وحاول ثانية وثالثة فكانت النّتيجة إيّاها. إذ ذاك تعجّب الوالي جداً من القوّة السّحريّة الفاعلة فيها وسألها: "مَن أنتِ وما هي هذه القوّة الفاعلة فيكِ؟!" فأجابت "تقلا": "أنا أمة الإله الحيّ"، فأطلق الوالي سراحها.

   بعد هذا الاستشهاد الثّاني، كرزت تقلا بكلمة الله، ثمّ انسحبت، ببركة الرّسول بولس، وفق تقليدنا المحلّي، إلى "سلفكية" الشّام أي "معلولا" حيث أقامت ناسكة في مغارة، في "ميريامليك" إلى سن التسعين. وقد أعطاها الربّ الإله موهبة شفاء المرضى، فتدفّق عليها النّاس، وكثيرون اهتدوا إلى المسيح بواسطتها. لكنّ الأمر لم يرق للأطباء في "سلفكية" وقد بدأ مرضاهم يغادرونهم إليها. وإذ ظنّ الأطباء أنّ سِحر "تقلا" هو في عذريتها، أرسلوا رجالاً أشراراً يذلّونها. هؤلاء طاردوها فهربت منهم فحاصروها فرفعت الصلاة إلى الربّ الإله واستغاثت، فانشقّت إحدى الصخور فدخلت فيها، فكانت الصّخرة مخبأ لها ومدفناً(1).

   ويُظن أنّ رقاد "تقلا" كان حوالي العام ٩٠ للميلاد، وهي أولى الشّهيدات المسيحيات. خبرها مستمدد من وثيقة مبكّرة (القرن الثاني) تُعرف بـ "أعمال بولس وتقلا".

   كُثُرٌ هم الآباء الّذين اعتبروا "تقلا" مثالاً للعذارى والقدّيسات، وقالوا فيها مدائح عديدة: القدّيسون باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وأمبروسيوس أسقف ميلان وإيرونيموس. أما القدّيس يوحنّا الذهبي الفمّ فقد قال فيها: "يبدو لي أنّي أرى هذه العذراء المبارَكة تذهب إلى المسيح ممسكة بعذريتها في يد وباستشهادها في الأخرى".

   ملاحظة:  أُغفِل إكرام القدّيسة تقلا في الكنيسة اللاتينية سنة ١٩٦٩ م بعد قرون.


دير القدّيسة تقلا في قرية معلولا**

   دير القدّيسة "تقلا" في قرية "معلولا"، محج يستقطب المؤمنين من سورية والدّول المجاورة. يبعد خمسة وستّين كيلومترًا عن دمشق إلى الشمال الشرقيّ، ويرتفع ألفًا وستمائة متر عن سطح البحر. معلولا، هذه القرية، استظلّت آخر سلسلة من السّلاسل الجبليّة الثّلاث، الّتي تشكّل منطقة القلمون، فتمتّعت بعزلة وحماية طبيعيّتين، ما يفسّر، إلى حدّ كبير، ثبات سكّانها على الإيمان المسيحيّ وتمسّكهم بالآراميّة لغّتهم الأصليّة.

    يحمل اسم معلولا معنى "الدّخول" باللّغة الآراميّة، ويدلّ على موقع القرية في ثغرة ممرّ جبليّ ضيّق. وقد ذُكر اسم معلولا في المؤلّفات الكلاسيكيّة، كما وجدت في البلدة آثار عدّة من بينها تماثيل وأصنام. وإنّ منطقة القلمون تنصّرت في القرن الرّابع، وهي الحقبة الّتي تأسّست فيها الأديار الأولى. وفي الواقع فإنّ رهبان "معلولا" حافظوا على مخطوطات مسيحيّة من هذه الحقبة. بلغ الإسلام تلك المنطقة في القرن السّابع، إلاّ أنّه انتشر في القلمون ببطء وتدريجيًّا، واستقرّ في سلسلة الجبال الأولى والسّهول، قبل الوصول إلى السّلسلة الثّانية في القرن التّاسع. تغلغل الإسلام في السّلسلة الثّالثة خلال القرنين السّادس عشر والسّابع عشر. فبقي عدد من البلدات والقرى مسيحيًّا، حتّى اليوم، ومنها صيدنايا، المعرّة، ومعلولا الّتي تضّم أكثريّة مسيحيّة تتوزّع بين طائفتَي الرّوم الأرثوذكس والرّوم الكاثوليك.

   اتّسعت رقعة انتشار اللّغة الآراميّة في أرجاء الشّرق الأوسط، حتّى بعد نشوء الإسلام في العام ٦٣٤، رغم أنّها أفسحت المجال تدريجيًّا للّغة العربيّة. ومعلولا معروفة بحفاظها على اللغة الآراميّة. ولهذا السّبب لطالما اجتذبت هذه البلدة الباحثين اللّغويّين الغربيّين، الّذين ساهمت أبحاثهم في فهم اللغة الآراميّة، وأهمّيّتها في الأزمان القديمة. أمّا اليوم، فتبقى اللغة الآراميّة هي اللّغة المحكيّة بين سكّان معلولا والقريتين المجاورتين المسلمتين "جبعدين وصرخا". لكنّ هؤلاء بمعظمهم لا يستطيعون قراءة الآراميّة وكتابتها، ومع الغرباء يضطرّون إلى استخدام اللّغة العربيّة. ونتيجة ذلك استعارت آراميّتهم الكثير من الألفاظ العربيّة، وهي تاليًا بعيدة جدًّا عن أصلها الكلاسيكيّ.

   يرد في حوليّات "ميخائيل البريك" أنّ كنيسة القدّيسة تقلا وكنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان، أُعيد بناؤهما في العام ١٧٥٦. ويتحدّث القنصل الروسيّ "أوسبنسكي" عن وجود أربعة رهبان في دير القدّيسة تقلا في العام ١٨٤٠.

    يقع دير القدّيسة تقلا الحاليّ حول المغارة الّتي يقال إنّ القدّيسة لجأت إليها، وأمضت فيها بقية حياتها. في العام ١٩٠٦، شُيّدت كنيسة بالقرب من الموقع المقدّس وفوق بقايا كنيسة قديمة لا يُعرف تاريخ بنائها. بدأ بناء الدير في العام ١٩٣٥ وقد أضيف إليه طابق ثانٍ في العام ١٩٥٩. الطّابق الأرضيّ يحتوي على غرف استقبال وطعام ومعرض المصنوعات الحرفيّة. أمّا الطّابق الثّاني فمخصّص بكامله لصوامع الرّاهبات. تحت هذا المبنى مطبخ فيه فرن حجريّ لصنع الخبز، وفوقه يقوم بناء آخر يعود إلى العام ١٨٨٨، أعيد ترميمه مؤخّرًا ليكون مسكنًا للبطريرك. كما شيّد بيت ضيافة لاستقبال السّيّاح والزوّار في العام ١٩٣٤. فوق سطح مبنى الدّير الرّئيس ثمّة درج يؤدّي مباشرة إلى مزار القدّيسة تقلا، أي إلى المغارة الصّخريّة الّتي ترقى إلى العصور المسيحيّة الأولى. تقسم هذه المغارة إلى نبع مقدّس وكنيستين صغيرتين رمّمتا مؤخّرًا.


المرجعان:

   * الأرشمندريت توما بيطار (١٩٩٢)، سيَر القدّيسين وسائر الأعياد في الكنيسة الأرثوذكسيّة (السّنكسار)، الجزء الأوّل، عائلة الثّالوث القدّوس، دوما، لبنان.

   ** أديار الكرسي الأنطاكي، منشورات جامعة البلمند، ٢٠٠٧.


(1) - وقد ذكرها البطريرك مكاريوس الزعيم، في القرن السابع عشر، فأكّد أنّ جسدها موجود في معلولا إلى اليوم وأنّه يفيض ينابيع الأشفية في الدير المعروف باسمها هناك.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share