فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
الجديدة في الشهيدات ليديا
(يُعيّد لها مع رفيقيها في 20 تموز).

     وُلدت القدّيسة ”ليديا“ في روسيا يوم 20 آذار 1901. كان والدها كاهنًا في مدينة ”أوفا“. تميَّزت ليديا منذ نعومة أظافرها برقة قلبها ومقتها للشّرّ والخطيئة لذلك أحبّها الجميع.

     بعد أن أنهت علومها الثّانوية، تزوَّجت. كان عمرها 19 سنة. ولكنّ زوجها ما لبث أن قُتل في الحرب الأهلية.

     عام 1922، التحق والدها رغمًا عنه بـ”الكنيسة الحيّة“ المنشقّة الّتي نظّمها الشيوعيون. أما الأرملة الصّغيرة فرغبت بالإنضمام إلى كنيسة الشهداء في السّراديب. فسقطت عند رجلي أبيها وتوسّلت إليه: ”أعطني بركتك لأرحل يا أبي، حتّى لا تتعثّر مسيرتي الخلاصيّة“. وإذ كان الكاهن الشيخ عالمًا أنّه يخطئ بٱنضمامه إلى الكنيسة المنشقّة، أعطاها البركة عن طيب خاطر باكيًا وقائلاً لها: ”يا ٱبنتي، عندما تحصلين على الإكليل من لدن الله، تشفّعي لي عنده قائلةً إنّه رغم وهني أمام الصّعاب إلا أنّي لم أعقْكِ بل باركتك“.

     ٱستطاعت ليديا أن تجد وظيفة في المديرية الّتي تهتمّ بالغابات. وبهذه الطريقة، ٱحتكّت بالشعب الرّوسي البسيط، الّذي أحبّته حبًّا جزيلاً. بادلها هذا الشعب المحبّة كانًّا لها الإحترام. يروي، بتعجّب، العاملون في قطع الأخشاب والسائقون الّذين يعملون تحت ظروف صعبة أنّ مجرّد رؤيتهم ”لليديا“ في المكتب كان يبعث فيهم شعورًا مشابهًا لشعورهم عند تقبيلهم أيقونة عجائبية لوالدة الإله كانت قرب قريتهم قبل الثورة.

     وما لبث تأثيرها الإيجابي أن شعّ في المكتب، فكفّوا عن الخلاعة والشتائم والمشاجرات. لاحظ الكلّ هذا التغيّير وبخاصة قوّاد الحزب. فأخذوا يلاحقون ”ليديا“ ولكنّهم لم يجدوا ما يتّهمونها به. لم تكن ”ليديا“ تحضر الخِدم في الكنائس الّتي شرّعتها الحكومة بل كانت تذهب إلى الخِدم في كنيسة السّراديب في ما ندر، وبكثير من الحذر.

الأسقف أندراوس يوختومسكي

     كانت الشرطة السّرية تعرف أنّ هناك شبكة من الكنائس المتخفيّة في هذه المنطقة وبهدف العثور عليها ٱستدعوا من المنفى الأسقف أندراوس (يوختومسكي)، الّذي كان الشعب يوقّره كثيرًا. ولكنّ الأسقف أصدر طلبًا، في السّرّ، قبيل قدومه، ألا تستقبله أيّة كنيسة إلاّ كنيسة واحدة في ”أوفا“، أما الباقون، أبناء رعية أوفا، فٱكتفوا بالإتصال به سريًا. فهمت الشرطة السّرية أنّ مخططها باء بالفشل فأعادوا نفي الأسقف أندراوس الّذي استُشهد في 26 كانون الأوّل 1937.

     حظيت القدّيسة ليديا ببركة التكلّم مع الشهيد أندراوس لمدة ساعة. بقي حديثهما مجهولاً، ولكن عندما ٱنتقد أحد الكهنة الغيارى والد ليديا أمام الأسقف، أجابه هذا الأخير: ”ولكنّ هذا الكاهن لديه شفيعة عظيمة أمام الله: القدّيسة ليديا“ وعليه أنهى الحديث.

     أخيرًا، في 9 تموز 1928، ٱعتُقِلَت ”ليديا“، عندما اكتشفت الشرطة السّرية أنّها وراء توزيع منشورات تحتوي على سير قدّيسين وصلوات وعظات وتعاليم لأساقفة سابقين ومعاصرين. استطاعوا ذلك لأنّ آلة الطباعة المستعملة تحتوي على حرف ”K“فيه خلل، فتمكنوا من تعقبّها والقبض عليها على هذا الأساس.

     كانت الشرطة على يقين أنّ ”ليديا“ تحمل المفتاح الّذي يمكّنهم من كشف كلّ كنيسة السّراديب في المنطقة. ولمدة عشرة أيام متواصلة ضغطوا عليها لتقرّ بالمعلومات، ولكنّها رفضت التكلّم. وفي 20 تموز 1928، فقد مستجوبها الصّبر وأمر أن ترسل إلى ”القيادة الخاصة“ الّتي في الطابق السّفلي.

     وإذ كانت القدّيسة متعبة إلى أقسى الحدود لم تستطع النّزول. فأُعطي أحد الحرّاس الموجودين في الرّواق، وٱسمه كيريللس أتاييف (23 سنة)، الأمر بمساعدتها. فشكرته القدّيسة قائلةً: ”فليخلّصك الرّب يسوع المسيح“. تأثّر كيريللس كثيرًا بكلماتها والحزن الّذي رآه في عينيها. لذلك لم يستطع أن يبقى غير مبالٍ إزاء الصّراخ والبكاء الّذي كان يخرج من الغرفة حيث كانوا يعذبون ”ليديا“ فيها لمدة ساعة ونصف.

     ”ألست تتألّمين؟“ سألها أحد معذبيها مرهقًا: ”أنت تصرخين وتبكين، فأنت تتألّمين بكلّ تأكيد“.

     ”نعم يا إلهي، هذا مؤلم، مؤلم جدًا“ أجابته القدّيسة.

     ”إذًا لماذا لا تعترفين؟ فإنّ التعذيبات ستسوء!“

     ”لا أستطيع أن أعترف... لا أستطيع... لن يسمح لي بذلك...“

     ”من هو الّذي لن يسمح بذلك؟“.

     ”الرّب يسوع لن يسمح بذلك“.

     في نهاية المطاف، قرّر معذبّوها ٱغتصابها وٱستدعوا الحارس كيريللس لمساعدتهم. عندما دخل كيريللس الغرفة فهم نيّتهم، وإذ استولى عليه غضبٌ مقدس، قتل إثنين من المعذّبين على الفور وبينما كان يُمسك بالثّالث قتله معذّب رابع. سقط كيريللس قرب ليديا، الّتي كانت مربوطة بالحبال، ونظر في عينيها وقال: ”يا قديسة الله خُذيني معك!“ وفجأة حصل شيئ  عجيب  ، ٱنبعث نور إلهيٌ من القديسة ليديا، وبٱبتسامة سماوية أجابته: ”سوف آخذك معي“.

     بعثت هذه الكلمات الرّعب في نفسَي المعذِّبَين الباقيين، وتملّكهما خوف شديد. فصرخا مذعورَين وأطلقا كلّ الرصاص الّذي كان بحوزتهما على الشهيدَين. أتى البعض للمساعدة، فٱستاقوهما خارجًا وهما لا يكّفان عن الصّراخ كالمجانين. في النّهاية غادر الجميع الغرفة إذ أحسّوا بخوف يتعذّر وصفه.

     على الأثر، فقد أحد المعذبَين صوابه بالكلية، وبعد وقتٍ قصير توفي الآخر إثر الانهيار العصبي الّذي أصابه من جرّاء الحادثة. لكنّ هذا الأخير وقبل موته بقليل، سرد كلّ ما حصل معه لرفيقه الرّقيب ”ألكسي إكونيكوف“. فتاب هذا الأخير إلى ربّه، وأخذ ينشر بغيرة هذه القصة العجيبة، وما لبث أن ٱوقف وحظي بميتة الشهادة.

     وإنّ القدّيسين الثلاثة – ليديا وكيريللس وألكسي – كانوا وما زالوا في وجدان كنيسة السّراديب والمؤمنين يؤمّونها للتبرّك والصّلاة!.  

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share