فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
القدّيس ألكسي الّذي من أوجين
(1867 م- 1934 م).

نشأته

     ولد ألكسي مدفيدكوف في الأول من تموز عام 1867 في ضيعة شمالي روسيا اسمها فوميستشيفو Fomistchevo من مقاطعة فيازما.

     والده يوحنا مدفيدكوف كان كاهن الضيعة وأمه اسمها ليونيل. بعد ولادة ألكسي بقليل، توفي والدُه؛ وسرعان ما أصبحت العائلة في عوز. كبر ألكسي في هذا الجو، فتعلّم الصّبر على مصاعب الحياة منذ حداثة سنّه.

     وكما هي العادة لأولاد الإكليريكيّين، اتبع ألكسي دراسات في المدرسة الإكليركية، ومن ثم دخل إلى المعهد الإكليركي في سانت بيترسبورغ. تخرّج من هناك عام 1889، من دون أن يُظهر قدرات مميزة. لم يفكر ألكسي سوى بالكهنوت كمسيرة حياة مستقبلية له.

     هكذا بعد المعهد، انطرح سؤال الكهنوت بقوة. لكنّ خوفه من الله وإحساسه بعدم استحقاقه، منعاه من أخذ القرار. في الإنتظار، بحث عن وظيفةِ مرتلٍ أوّل في إحدى كنائس النّاحية ليعيل عائلته. كان الرّبّ الإله قد وهبه أذنًا موسيقية وصوتًا جميلاً وجهيرًا. وبعد عدة محاولات، عُيّن قارئًا في كنيسة القدّيسة كاترينا في جزيرة فاسيليافسكي. هناك خدم لمدة خمس سنوات وفي هذه الفترة عينها تزوّج.



الكهنوت
إيقونة للقدّيس إلكسي

     جذبت رقة وتواضع رجل الله محبة المحيطين به، وقد شجعه الكثيرون على اقتبال الكهنوت. هو نفسه، منذ البدء، كان عنده هذه الرّغبة، لكنّ عظمة وقدّاسة هذا الطريق كانا يخيفانه. أخيراً، قرر ألكسي أن يستشير القدّيس "يوحنّا كرونشتادت" الّذي كان له تأثير روحي على كلّ الشعب المؤمن الّذي كان يأتي إليه بكثرة ليراه ويطلب مشورته وكذلك للاعتراف والشفاء بصلاته. أجلّ ألكسي كثيراً الأب يوحنّا وأحبّ خِدَمَه الملهمة من فوق. وأخيرًا تمّ اللقاء المصيري: استمع الأب القدّيس يوحنّا كرونشتادت لأقوال ألكسي، وشجعه أن يمضي قدماً قائلاً له: "جيد أن يكون لديك خوف الله". 

     التمس ألكسي من المتروبوليت بالاديوس - متروبوليت سانت بيترسبورغ ولادوغا - أن يصيّره كاهنًا. وفي ليلة الميلاد من العام 1895 صيّره هذا الأخير شماساً وبعد ذلك بيومين، في العيد الجامع لوالدة الإله، رسمه كاهناً. كان عمره ثمانٍ وعشرين سنة. وفي 2 كانون الثاني عام 1896 عيّنه هذا المتروبوليت راعيًا لكنيسة رقاد السيّدة في فرودا من مقاطعة يامبورغ ناحية سانت بيترسبورغ. فرودا تقع على بعد 95 كيلومترًا من العاصمة، على خط قطارات البلطيق. ويوجد فيها كنيسة واحدة حجريّة تعود إلى العام 1840. في الكنيسة مذبح وجرس واحد. لهذه الرّعية 13 قرية تابعة لها وفيها حوالي 1500 مؤمن. عدد الإكليروس قليل: كاهن وقارئ يتلقيّان من الدّولة مساعدة مادية صغيرة، لأنّ الكنيسة موجودة في أكثر الرّعايا فقراً.

     في هذه الرّعيّة سوف يخدم الأب ألكسي لمدة 23 سنة.

     إلى هناك أحضر أمه، ليونيلاّ ميخيلوفنا ميدفيدكوفا، الّتي كانت تصنع له قربان التقدمة. لقد شدّدت بركة الأب يوحنّا كرونشتادت الكاهن الجديد في مسؤوليته، بالإضافة إلى النّعمة الإلهيّة الّتي يحصل عليها الكاهن أثناء سيامته..



كاهن رعيّة

     حمل الأب ألكسي همّ خلاص قطيعه الّذي ائتمنه الله عليه. وقد أسرّ الأب ألكسي لأحد أصدقائه الأوفياء، وهو على سرير الموت، كم تكثّفت صلاته وتعمّقت في تلك الفترة.

     على مر السنين، أنمى الأب ألكسي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق وذلك بخوف الله. شعّ إيمانه على كلّ الرّعية فوهبه المؤمنون، وهم فلاحون بمعظمهم، حبّهم ووفاءهم. وقد أثمرت جهوده المستمرة إزدهار الحياة الرّوحية في "فرودا". نال احترام كلِّ الكهنة الّذين شهدوا لتفانيه الكامل في تقدّم قطيعه الرّوحي. كما أثّرت كثيرًا قراءته المستمرة للكتابات المقدّسة ودراسة النّصوص الآبائية في روحه وطُبعت في قلبه. كان يستلهم منها لتحضير مواعظه. كان همّه الدّائم تثقيف رعيّته، كذلك شكّل التعليم المسيحي والبشارة بالإنجيل أولى مشاغله. كانت القرية تملك أربع مدارس وميتم. هناك درّس الأب ألكسي التعليم المسيحي. كذلك أنشأ مدرستين جديدتين ساكبًا على أولاد الميتم حنانًا خاصًا وٱهتمامًا أبويًّا.

     لقد أجبره عوز عائلته وفقر رعيته على التوفيق بين واجباته الكهنوتية وكلّ الأعمال الزراعية الّتي تملأ حياة الفلاح العادية. فرض جهده هذا المبذول في الأشغال اليومية بالإضافة إلى واجباته الرّعائيّة طريقةَ حياةٍ نسكية ونكرانًا للذات، ممّا أثار امتنان رؤسائه الّذين أثنوا على جهده في الوعظ والتعليم الدّيني فوُهب عدداً من الامتيازات. وفي العام 1911 ألبسه المجمع المقدّس صليبًا حول عنقه، وفي العام 1914، قُلّد وسام رتبة القديسة حنّة من الدّرجة الثّالثة وفي نهاية المطاف عيّن كاهنًا أوّل عام 1916.



الثورة البولشفية والاعتقال

     السنة 1917 حملت معها الثورة البولشفيّة الّتي أرادت إطاحة كلّ ما يمت إلى الدّين والتقوى والإيمان بصلة. لم تبقَ استقامة وقداسة الأب ألكسي مخفيتين، فأُخذ سريعاً بشباك أعداء الكنيسة. أوقفوه وزجّوه في السجن. هكذا بدأت سلسة عذاباته الّتي شابه بها القدّيسين المعترفين. في سجنه عانى بلطافة وطول أناة شراسة مضطهيديه. ضربوه بقسوة وأوسعوه شتماً. كسر معذبوه يديه ورجليه، وأشبعوه لطماً حتّى تمزّق جزئياً عصب وجهه. احتفظ الأب ألكسي بهذه العلامات طيلة حياته، وبقيت عينه اليمنى منفتحة أكثر من عينه اليسرى. استمرت التعذيبات حتّى الحكم عليه بالموت. إلا أنّ الرّب الإله شاء غير ذلك، فتدخّل أولاده الرّوحيّون وعائلته لإنقاذه. وقدمت ابنته البكر نفسها أسيرة مكانه فأُطلق سراحه.



الهجرة إلى إستوانيا

     شهدت روسيا بين العامين 1918 و1919 الكثير من الإضطرابات. هربت عائلة الأب ألكسي إلى إستوانيا، وهو بلد مجاور حصل على استقلاله، واستقرت في كوهتلا-لارفي، في الشمال الغربي للبلاد.

     جمعت هذه النّاحية الصّناعية عدداً كبيراً من المهاجرين بسبب مناجم الحجارة الّتي تجتذب اليد العاملة. كان المكان معروفًا بمناخه المضرّ للصحة وهوائه الموبوء. كما أنّ العمل في المناجم كان شاقًا لدرجة أنّ الإستوانيين كانوا يرفضون العمل فيها ويفضلّون توظيف اللاجئين الرّوس مقابل مبلغ زهيد، إلى جانب المجرمين الإستوانيّين المفروض عليهم العمل الإجباري، هؤلاء كانوا يأتون مكبّلين ومعهم حرّاس.

صورة للأب ألكسي

     فرضت الهجرة إلى إستوانيا على عائلة الأب ألكسي، نمط حياة جديدًا مليئًا بالألم والحزن. لقد أُجبر الأب ألكسي على العمل في المناجم.  لكنّ صحته الّتي عانت الحرمان في المعتقل، ما لبثت أن تدهورت. أُرهق ومرض من العمل المضني وظروف الحياة الصّعبة. في نهاية المطاف لم يعد لديه القوة للنزول إلى أسفل البئر فأَوكلوا إليه مهمات أقل جهداً على سطح المناجم مثل رفع البراميل الفارغة. بعد عدد من السنين المتعبة، أَوكله المصنع حراسة الليل. ولقد أسرّ لبعض أصدقائه أنّه خلال جولاته المسائية، لم يستطع أبداً حمل نفسه على شحن سلاحه لإطلاق النّار مهما تأتّى عليه.

     عام 1923، أعطت الكنيسة الأرثوذكسية الإستوانية، برعاية البطريرك تيخن الّذي من موسكو، للأب ألكسي رعية مهمة جداً في لوفي "Levve" الّتي تقع على بُعد بضعة كيلومترات من كوهتلا-لارفي. كان الأب ألكسي كاهنًا إضافيًا لهذه الرّعية المكرّسة للظهور الإلهي. بقي هَمُّ الأب ألكسي الرّعائي الإهتمام بالمهاجرين معه في المنطقة، الّذين ما لبثوا أن شكّلوا رعيّة، وأخذوا يجتمعون في كنيسة فقيرة ذات بناء سيء، مكرّسة للتجلي الإلهي. انكبّ الأب ألكسي على هذه المهمة: أخذ يقيم الخدم الكنسية بشكل منتظم، حتى نجح بتكوين جوقة وأصبح هو قائدها.

     بعد ذلك أصلحوا مبنى مدرسة للأطفال المهاجرين، كرّسها الأب ألكسي للتعليم الدّيني ما بين العامين 1922 و1927. وأقبل على اهتمامه المفضل: التعاطي مع الشباب حول الله ووصاياه. في عمله على تثقيف أبناء بلده لم يحظَ الأب ألكسي على تفهّم الإكليروس الإستواني ذي النزعة القومية.

     أُثقل رجل الله بالعذابات الجسدية والنّفسية. وأتعب نفسه في واجباته نهارًا وليلاً، حتى صعُب عليه الوقوف على رجليه المعتلّتين. أرهق نفسه بالجهد والمتاعب، إلا أنّ الصّعوبات الماديّة استمرّت. ولقد شكّلت السّنوات العشرة الّتي قضاها في إستوانيا جلجلةً طويلةً بالنّسبة له ولعائلته. ما زاد على ذلك أنّ زوجته مرضت حوالي العام 1926، وأُجريت لها عملية في عيادة تارتو - المعروفة قديماً بـ"يورييف" - ثم رقدت عام 1929.

     في 12 آب 1929 رقد أيضاً الأسقف أفسافيوس الّذي كان يدعمه. عندها فقد الأب ألكسي كل دعمٍ، وتخلّى عنه الإستوانيّون ولم يتركوه يعمل في الكنيسة من بعد.



إلى أوروبا الغربيّة: أوجين

     حاول الأب ألكسي بشتّى الطرق استكمال عمله الرّعائي لكن دون جدوى، وبعد استنفاد كلّ الوسائل، لجأ إلى أوروبا الغربية. عام 1929، اتصلّ بالأسقف أفلوجيوس في فرنسا الّذي كان على رأس الأسقفية الرّوسية الملحقة بالقسطنطينية، وطلب منه أن يستقبله ضمن أسقفيته. في 23 أيلول 1929، تلقى الأب ألكسي جوابًا إيجابيًا من المطران وبعد أشهرٍ قليلة وصل إلى باريس مع بناته وحفيده. وفي انتظار تعيينه في رعية محددة، خدم ككاهن إضافي في كاتدرائية القديس ألكسندر نفسكي. ثم في 15 كانون الأول 1930، أُرسل إلى أوجين في السافوا، كراعٍ لرعية القدّيس نيقولاوس الّتي أُنشئت حديثاً.

     في ذلك الوقت كانت أوجين مركزًا مهمًّا للصناعة المعدنيّة، توظِّف عدداً كبيراً من المهاجرين الرّوس والإستوانيّين ومن بلاد البلقان. كان المصنع يقع على سفح الوادي، ويحوي حوالي ستمائة موظفٍ روسي. هؤلاء طلبوا من الإدارة مكانًا للعبادة. استجاب المصنع بسرعة لطلبهم ووضع تحت تصرّفهم بيتًا خشبيًّا واسعًا تابعًا للمصنع. عمل الرّوس هناك على تحسينه وتجميله بكافة الأدوات الليتورجية. عام 1927 كرّس المطران إفلوجيوس الكنيسة وجعلها على اسم القدّيس نيقولاوس.

كنيسة القدّيس نيقولاوس في أوجين

     إلى هذه الرّعيّة جاء الأب ألكسي، خادمًا. كان عمره قد ناهز الثّالثة والسّتين وكان ويبدو عجوزاً منهكًا. أمّن له المصنع مكانًا للإقامة مجّانيًّا على بعد كيلومترين من الكنيسة بالإضافة إلى الفحم للتدفئة. كذلك خصّصوا له معاشاً محترماً، أكثر مما تسمح له قدرات الرّعية. حظي رجل الله بكلّ الوسائل للرّاحة وكان ممكنًا لنمط حياته أن يتحسّن ولكنّ تنقّيه بنار المشاق الكبيرة، لم يعد يسمح له بالتفكير بتحسين طريقة حياته. هكذا أخذ يوزّع سرًّا قسماً من مدخوله على الفقراء. لم يهتم بمظهره البتّة، كانت هيأته غريبة، هيأة كاهن ضيعة مع جبة بالية مما كان يثير سخرية الأطفال الفرنسيين إذ كان يسير في شوارع أوجين، غارقاً في صلاته. جمال الكنيسة ورُقي الخدم الكنسيّة المقامة فيها كان يشغل انتباهه بالكليّة. كان يتأنّى بتأدية خدمته ككاهن رعية وخاصة احتفاله بالقدّاس الإلهي. غالبًا ما كان يبقى وحيدًا في الكنيسة بعد القدّاس ليقيم ذكرانية لأحد أبنائه الرّوحيّين الرّاقدين... كان دائم الحماس في تلبية طلبات المؤمنين بخصوص أية خدمة ليتورجيّة. يأتي باكراً جدًا إلى الكنيسة قبل بدء الخدمة، يدخل الهيكل ويبدأ بذكر أسماء عديدة على قربانة التقدمة. ساعده في مهمته الثقيلة ليونس إيفانوفيتش تشابلانكو وهو المسؤول عن الكنيسة. في وقت لاحق أصبح هذا الأخير ابنه الرّوحي. لم يكن ليونس يعمل في المصنع، الأمر الّذي سمح له بالمشاركة في الخدم الليتورجية خلال الأسبوع. في أيام الأحاد كان الأب القدّيس يعظ مطوّلاً خاصة في موضوعات من الإنجيل. كان يتكلّم بشكل آخّاذ وبحرارة. معرفته بالنّفس البشرية كانت مدهشة. كان يلقي الطلبات بصوت جهوري وببطء دون أي إستعجال.

كنيسة القدّيس نيقولاوس من الدّاخل

     في يوم من الأيام لدى وصول أحد المؤمنين، "ف.أ."، الّذي من أنيسي إلى أوجين قبل القدّاس الإلهي بكثير، رأى في أحد الشّوارع الأب ألكسي الّذي كان يذهب دوماً إلى الكنيسة سيراً على الأقدام. رغب ف.أ. الإقتراب من الكاهن ليسلّم عليه، إلا أنّه أحسّ أنّ رجل الله غارقٌ في صلاته بصوت خافت فٱمتنع عن ازعاجه، غير أنه نزع قبّعته وصنع مطانية صغيرة احترامًا. بدا كأنّ الأب لم يره ولكن بعد بضع خطوات توقّف وباركه من بعيد، ثم تابع سيره.



من صفات الأب ألكسي

     كان الأب ألكسي يمتاز بطبعٍ لطيفٍ محبٍّ للعزلة، متواضع، يبدو أحياناً خجولاً ورقيقًا؛ يحاول دوماً إحلال السّلام حوله، محبّ للجميع. لم يكن لينفعل إذا وبخه أحدهم بل كان يحافظ على الصّمت بكلّ تواضع. كان يُظهر الكثير من الرّحمة تجاه أعدائه. رغم عوزه كان دائماً يُعرب عن امتنانه للكلّ ولم يسمعه أحد يتذمّر قط. في المجتمع كان يفضل أن يسكت ويستمع إلى الآخرين. ولكن إذا تحوّل الحديث نحو السياسة أو النّميمة، كان يغرق في صلاة قلبيّة ناسيًا محيطه. أمّا مع أصدقائه الكُثُر، فكان ينتعش ويشارك في الحديث. لقد قرأ الكثير لذلك نقل بسعة قلب معلوماته الواسعة في الفلسفة واللاّهوت والأدب والعلوم. كان يقدّر كثيراً المفكر الرّوسي خومياكوف. حديثه كان يتخلّله دائمًا أقوالٌ من الكتاب المقدّس. يفضّل بالإجمال التكلّم عن الله والكنيسة. يذكر الفرح النّاشئ عن إتمام وصايا الله. أما ما كان يؤثره فوق كلّ شيء فالوقت الّذي كان يمضيه مع الأولاد. كان بكلّ حنان ينقل إلى نفوسهم الطاهرة الإيمان ومحبة الله. وكثيرًا ما كان الكبار يحضرون دروسه المفعمة بالحياة وينجذبون إليها.

     يشبه الأب ألكسي شفيعه القدّيس ألكسيوس رجل الله لأنّ قداسته بقيت مخفيّةً عن العيون. ببساطته وخفره المتزن أخفى إنكاره لذاته وحبه للصلاة وبدا كأنّه يعيش حياة كاهن رعيّة إعتيادي.



متاعب جديدة

     عام 1931، تزوجت ابنة الكاهن ألكسي من أحد اللاجئين الرّوس الّذي ظهر في ما بعد، سيء الطّباع. جاء وسكن معهم ولم يَكُنَّ للكاهن ألكسي أيّ احترام. وجوده بعث في المنزل جوًّا ثقيلاً ومليئًا بالمشاحنات. بالإضافة إلى ذلك، كانت عطاءات الأب ألكسي الكثيرة للمحتاجين تشكّل عثرة لذويه ممّا جعل جو منزله خانقًا ومدعاة للسخرية منه. لم يكن أحد من عائلته يشاطر اهتماماته فعاش كأنه وحيدٌ. هذا زاد من حزنه وألمه. ففي المنزل العائلي، أعطاه بعض التعزية حفيده الأول الّذي لم يكن طبيعيًّا تمامًا. كان هذا الأخير يعطف عليه كثيرًا ويحاول إخراجه من ٱنزوائه.

        لم تنحصر مشاكل الأب ألكسي في المنزل بل انتقلت إلى الرّعية الّتي كان بعض أبنائها لا يفهمونه البتة وبالتّالي لا يحبّونه. وقد استغلّوا لطفه وطول أناته ليتكلّموا عليه متململين من طول خدمه الكنسيّة ومحتقرين جبّته المهترئة.

     أمّا جو مجلس الرّعية فكان مشحونًا بالمشاجرات. فالنّاس اعتادوا على القيادة بسبب الحرب وكانوا يجهلون كيف تسير الأمور في مجلس رعيّة ضمن الكنيسة. وقد أُجبر الأب ألكسي ذو الطبع الرّقيق على إقفال المشاحنات الكلامية عدة مرات قبل اندلاع المشاجرة. كلٌّ حاول أن يستميله إلى دفّته دون جدوى لأنّه كان يغلق عينيه ويلجأ إلى الصّلاة القلبية حانيًا رأسه ومستمعًا بصبرٍ إلى أحاديثهم دون أن يتدخل. حتّى إنّ قسمًا من المؤمنين حاول إقلاق الكاهن خلال القدّاس الإلهي، فما كان منه إلا أن ضاعف صلاته حيث كان يجد القوة والتعزية من الله. آخرون كانوا يرفضون الأقاويل السيئة على كاهنهم القدّيس وحاولوا حمايته.

     تفاقم الوضع إلى حد أنّ القسم المناهض للكاهن قدّم شكوى إلى الأسقف إفلوجيوس: فاستدعى هذا الأخير الأب ألكسي إلى باريس. عندها قام أبناء الرّعية الّذين لم يتدّخلوا إلى ذلك الحين بالمشاحنات بتجميع بعضهم البعض للدفاع عن كاهنهم القدّيس لأنه لم يحاول تبرير ذاته ولا الدّفاع عن نفسه. فكتبوا شهادة مغايرة للفريق المناهض ملأى بالحبّ والإخلاص لأبيهم الرّوحي المحبوب. على ورقة الشهادة جمعوا عددًا كبيرًا من التواقيع وأَوكلوا النّص لأحد أبناء الرّعية الموثوقين "أ.ب." الّذي رافق الأب ألكسي إلى باريس. خلال الرّحلة إلى هناك كان الكاهن يرهب المثول أمام المتربوليت. ولكن سرعان ما بانت الحقيقة، ففي باريس أُقفل الموضوع بسرعة لأنّ المتروبوليت إفلوجيوس لاحظ أنّ المعترضين لا يشكلّون سوى أقليّة صغيرة في الرّعيّة، والمدافعين عن الأب ألكسي يفوقونهم أربعة أضعاف. عليه أُبقي الكاهن العجوز في منصبه، وباشروا بانتخاب لجنةٍ جديدة للكنسية. وهكذا عاد السّلام إلى أوجين.



مرض ورقاد مبارك
إيقونة للقدّيس أوجين تحمل ذخيرة من ثيابه

     ساهم هذا الصّراع باستنزاف القوى المتبقّية لدى الأب ألكسي. أوصاله المرضّضة والمشبعة بالتكسير والضرب كانت تسبب له أوجاعًا كبيرة خاصة عصب وجهه الّذي تمزق عام 1917. تآكله آلمٌ خفيّ، فاضطر إلى ملازمة الفراش نهائيًّا. استمرّ بعض أعضاء رعيّته المقربين بزيارته، وكان الأب يوحنّا غريغور- كلوتشكو يحضر له المناولة المقدّسة. ساءت حالته حتّى أُدخل المستشفى في "أنيسي" في تموز 1934. هناك كان يستفقده ف. أ. وقد أسرّ له الأب ألكسي أنّ لا أحد يقوم بزيارته حتّى ابنته بسبب بُعد المسافة أو ربما عدم رضى زوجها، وطلب منه أن يزوره باستمرار. ثم اقترح عليه أن يصلّيا معًا لأنّه "عندما يجتمع اثنان باسم الرّبّ يسوع يكون هو في وسطهما". على هذه الوصيّة كان ف. أ. يأتيه كلّ مساء بعد عمله ويصليّان معًا، ثم يستمع إلى أقوال الأب ألكسي أو أخباره السالفة. قال له ذات مرّة بعد ما قرأ مديح القدّيس بندلايمون: "كان القدّيس بندلايمون مراهقًا طاهرًا، شهيدًا للمسيح... أُحبّ هذا المديح. بالإجمال أحبّ المراهقين والأطفال لأنّهم أنقياء. هم أبناء الرّعيّة الحقيقيّون في كنيستي. وهم إذا ما كبروا في الكنيسة يشكلّون الكنيسة الدّاخليّة. نحن أيضًا ننتمي إلى هذه الكنيسة، إذا عشنا بضميرٍ حيّ واتبعنا الوصايا الإلهيّة...هل قرأت خومياكوف؟"

     - نعم

     - "أفهمت ما أقول؟ داخل الكنيسة الظاهرة يوجد كنيسة خفيّة، كنيسة سريّة. فيها يوجد النّاس المتواضعو القلوب، الّذين يعيشون بالنّعمة ويسيرون بحسب مشيئة الله. يوجد منهم في كلّ رعيّة. وفيهم تحيا وتستمرّ الفئات المهاجرة بنعمة الله."

          لم يمضِ عليه وقت طويل حتّى أُجريَت له عمليّة جراحيّة، فيها ظهر أنّ هناك سرطانًا عضالاً في معدته. لم يُفضِ الطبيب بهذا التشخيص لأحد، بل طلب نقل المحتضر إلى غرفةٍ صغيرة منفردة بحيث تسهل زيارته حتّى في ساعات متأخرة من الليل.

     رغم آلامه المبرّحة، أظهر رجل الله شجاعة كبيرة وقدرة على التحمّل.

     ذات مرّة طلبت الممرّضة من ف. أ. أن يساعدها لتغيّر غطاء السّرّير. رفع ف. أ. الأب ألكسي فرأى أنبوبًا يخرج من بطنه. ورغم وجهه الّذي يشير إلى الألم إلاّ أنّه كان يرسم ابتسامة على وجهه. فأخذ ف. أ. يفكّر إذا كان الأنبوب سيعطيه أملاً بالحياة أم هذه هي النّهاية. همس الأب ألكسي في أذنه: "النّهاية".

     في آب 1934، ازداد عدد الزوّار، كلّهم استقبلهم الأب ألكسي بفرح. أتاه أبناء رعيته من أوجين ليأخذوا نصائحه الأخيرة. للبعض كان ينصح بتكثيف الصّلاة، ولأخرين كان يكشف لهم مكنونات قلبهم بموهبة البصيرة الّتي كانت عنده. وبوساطة معرّفه والمسؤول عن الكنيسة في أوجين، طلب إحضار مضطهيديه السّالفين وطلب منهم المغفرة بتواضع قلبٍ كما لو كان هو المذنب. وأرسل بركته لكلّ أبناء رعيّته الّذين لم يحضروا. لم ينسَ أحدًا. وكان يصلّي بهدوء وبكثير من الدّموع، قائلاً إنّه لم يفعل صلاحًا على هذه الأرض بل كان معتمدًا على رحمة إلهه.

     قبيل وفاته بقليل، أحسّ الأب ألكسي بدنوِّ أجله، فطلب إحضار معرّفه. عشيّة رقاده بقي الأب يوحنّا غريغور-كلوتشكو إلى جانبه. عرّفه وأعطاه مسحة المرضى ثم ناوله القدّسات. في هذا اليوم سمعه المرضى في الغرف المجاورة يرتّل بصوت عالٍ. في اليوم التالي فجر 22 آب 1934، أسلم الأب ألكسي روحه للرّبّ.

     فقط بعد رقاده، كشف الأطباء عن السّرطان المتفشي في كلّ أعضاء الأب ألكسي، وأمروا بوضعه بالتّابوت سريعًا وإغلاقه لأنّهم كانوا متأكدّين أنّ جسده سوف ينحلّ بسرعة. أبناء رعيّته في أوجين أرادوا دفنه في منطقته فجمعوا الأموال لنقل النّعش. قام بمراسيم الدّفن الأب جورج شومكين وتحلّق حوله جمعٌ غفيرٌ من المهاجرين الّذين من أصلٍ روسي.  حتّى الّذين انتقدوه أتوا لأخذ بركته الأخيرة. قام بتأبينه الأب جورج مع عددٍ من أولاده الرّوحيين. شارك الأطفال – الّذين أحبّهم كثيرًا – بالخدمة لابسين ثيابهم الجديدة وحاملين الأزهار بأيديهم. لباس الكهنة كان أبيضَ، فساد جوٌّ مماثلٌ لأيام الفصح المباركة. ومكان الحزن حلّ في القلوب فرحٌ خفي. الكلّ أحسّ أنّ الرّاقد ذهب ليستمتع بقرب ربّه. ثم إنّ موكبًا مهيبًا نقل النّعش إلى المقبرة.



اكتشاف الرّفات غير المنحلّة

     بعد عشرين عامًا من رقاده، أي عام 1953، قررت بلديّة أوجين بناء مبانٍ في موقع المقبرة العامة وطلبت من العائلات أن تنقل بقايا أقاربها في مهلة لا تتجاوز الخمس سنوات. في ذلك الوقت كان الأب فيليب شبورتاك قد استلم الرّعيّة هناك ووافق على أن ينقل بقايا الأب ألكسي الّذي لم يتعرّف عليه في حياته. وبدأت أعمال التنقيب لإخراج العظام. كانوا يجمعونها في توابيت صغيرة ويضعونها في مقبرة أخرى.

رفات القدّيس ألكسي الموجودة في دير والدة الإلة حماية الكلّ

     في 22 آب 1956، بدأوا بنبش مقبرة الكاهن الأول ألكسي ميدفيدكوف. بعد وصولهم إلى عمق متر وعشرين سم، منعتهم قوة خفية من استكمال عملهم، فأخذوا يستعملون أيديهم. بعد قليل، وفي انذهال كبير اكتشفوا جسد رجل سليم، ليس عليه أية علامة انحلال كأنّه دفن في العشيّة.

     كان لون وجهه ويديه أبيض وثيابه الكهنوتيّة الّتي هي من البروكار الأبيض مع صلبان ذهبية بالإضافة إلى الإنجيل على صدره لم تتعرّض لأي إنحلال. فقط إسودّ قليلاً غلاف الإنجيل الحديدي. أمّا التابوت فقد انحلّ بالكامل وبات الجسد يلامس الأرض الباردة والرّطبة وذلك منذ 22 سنة. عرف المنقبّون أنّ القوة الخفية أرادت منعهم من إتلاف الجسد بأدواتهم. النّعش الّذي جهّزوه لنقل العظام تبيّن لهم أنّه صغير الحجم، فاضطروا إلى أن يطووا اليدين والرّجلين، فاستبان الجسد ليّنًا جدًا.

     استُدعي الطبيب ليعاين هذه الظاهرة فقال: "مستحيل أن يموت شخص من سرطان عام ولا ينحلّ جسده بسرعة. إنّها أعجوبة!"

     اعتقد العديد أنّ الجسد لدى تعرضه إلى الهواء سوف ينحلّ. إلاّ أنّ هذا لم يحصل.

     بحسب البرنامج كان عليهم إخراج رفات شخصين بعد الأب ألكسي قبل نقل هذا الأخير إلى مدفنه الجديد – عليه لم يكن باستطاعتهم دفنه قبل ثلاثة أيّام. خلالها تدفقت الحشود لمشاهدة هذا الحدث العجيب. المؤمنون ركعوا ليصلّوا أمام جثمانه. وفي اليوم الّذي قُرر فيه وضعه في المقبرة الجديدة انهالت الأمطار حتّى استحال وجود أي إنسان حول التابوت، الكلّ ذهبوا ليختبئوا فبقي الأب فيليب شبورتاك وحده ليقوم بخدمة الجنّاز.

     نتيجة هذه الأحداث، كتب الأب فيليب تقريرًا لرئيس الأساقفة نيقولاوس، الّذي جاء إلى أوجين ليصلّي على قبر الأب ألكسي.



نقل الرّفات إلى مثواها الأخير

     في ربيع السنة التّالية كتبت صحيفة "La Pensée Russe" - الفكر الرّوسي - مقالاً صغيرًا عنه. عندما قرأه المرشد الرّوحي لدير والدّة الإله حماية الكلّ في منطقة بوسي أُن أوت (Bussy-en-Othe)، الأب بولس بوخالسكي، تبنّى القضية واتجه إلى أوجين. هناك التقى بكاهن الرّعيّة والتقى بشهود العيان. جمع التفاصيل في ملف وبعثه إلى المتروبوليت فلاديمير مقترحًا نقل رفات الرّاعي القدّيس إلى مقبرة روسيّة قرب باريس على اسم القدّيسة جونوفييف دو بوا. وافق الأسقف بكلّ سرور وتمّ تحديدُ يوم النّقل في 3 تشرين الأول 1957.

     في 30 أيلول 1957، فتح حفارّو القبور في أوجين تابوت الأب ألكسي وذلك دون إذن الأب فيليب شبورتاك الّذي كان غائبًا في مهمة. وانذهلوا لمشاهدتهم المشهد عينه: جسد الكاهن الرّوسي لم يتغيّر منذ أن ووري الثرى من سنة! جاء العديد من النّاس لمشاهدة هذه المعجزة.

     في 2 تشرين الأوّل جاء ممثلو المتروبوليت فلاديمير الّذي لم يستطع الحضور بسبب توعّك صحيّ، مع السكرتير المسؤول عن الأبرشيّة والأب بولس بوخالسكي والرّاهبة ثيودوسيّة من دير بوسي أُن أوت.

     في 3 تشرين الأول، في المدفن في أوجين، قام الأب بولس بخدمة الجنّاز. ثم نقلت رفات الأب ألكسي الغير المنحلّة إلى نعش آخر، وانتقل الموكب إلى كنيسة القدّيس نيقولاوس حيث أقاموا خدمةً أخرى. هناك اجتمعت حشودُ المؤمنين بخاصة أبناؤه الرّوحيّون ورعيّته ليكرّموه للمرّة الأخيرة. وقد جعل الأب ألكسي في هذا اليوم حضوره محسوسًا إذ أُعلن إضرابٌ مفاجئ للعمّال، مما سمح للعديد من محبّيه بحضور الجنّاز. الكلّ تقدّم وسجد أمام الأب ألكسي. ومن ثم انطلق الموكب إلى المدفن الجديد، وفي الطريق توقف عند دير بوسي أُن أوت لتتمكّن الرّاهبات هناك من تكريم الرّفات.

     بعد هذه المحطة وصل الموكب إلى مدفن القدّيسة جنوفييف دو بوا مساءً. هناك وُضع النّعش في الكنيسة وقام الكاهن بخدمة صلاة السّحر للرّاقدين. في 4 تشرين الأوّل أُقيم القدّاس الإلهي مع جنّاز، واجتمع في ذلك اليوم حشدٌ كبير، وألقى الأب بولس بوخالسكي كلمة في المناسبة.



إعلان قداسته

     أُعلنت قدّاسة الأب ألكسي مدفيدكوف في 16 كانون الثّاني 2004. واليوم رفاته موجودة في دير والدة الإله حماية الكلّ في بوسي أُن أوت، وقد شُيّدت كنيسة له كُرّست لتجلّي ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح.

نقل الرّفات إلى دير والدة الإله حماية الكلّ

          وفي اليوم عينه الّذي عرفت فيه الرّاهبات أنهنّ سوف يستقبلن رفاته، عرفن أيضًا أنّ الكنيسة الّتي سوف تحوي هذه الرّفات سيتمّ رسم حائطيّاتها. دليلٌ آخر لحضور القدّيس وعنايته.

كنيسة التجلّي الإلهي حيث توجد اليوم الرّفات المقدسة للقدّيس ألكسي

لتكن صلواته معنا أجمعين. آمين.



المرجع:

    Monastère Notre-Dame de Toute-Protection (2004) Saint Alexis D’Ugine. Bussy-en-Othe: Monastère Notre-Dame de Toute-Protection.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share