فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
القدّيسة تامارا ملكة جيورجيا
(يُعيّد لها في 22 نيسان ).

     بالإضافة إلى عيدها الأساسي في 22 نيسان يُعيّد للقدّيسة تامارا في أحد حاملات الطيب وفي 1 أيار.

     وُلدت القدّيسة تامارا عام 1166 في جيورجيا، وهي ٱبنة الملك جورج الثالث والملكة بوردوخان. أسماها أبواها ”تامار“. وأعلن الملك أنّه سيتقاسم العرش مع ٱبنته يوم يصير عمرها 12 سنة.

     قدّم لها البلاط الملكي بكليّته الولاء والخدمة. حكم الأب والابنة سوية لمدة خمس سنوات، وبعد رقاد الملك جورج الثالث عام 1184، اعترف النبلاء بـ”تامار“ على كونها الحاكم الأوحد لكلّ جيورجيا. عندما نُصِّبت تامار ملكة على كلّ جيورحيا كان عمرها ثمانية عشرة عامًا. عُرفت بالـ”ملك“ باللغة الجيورجية لأنّ أباها لم يكن لديه وريث ذكر، فحكمت تامار كملكة لا كوصية على العرش.

     في بدء حكمها جمعت تامار القائمين على الكنيسة وكلّمت الإكليروس بحكمةٍ وتواضع قائلةً: ”احكموا بالعدل، مؤيدين الحق ونابذين الشرّ... حاكموني أنا أوّلاً، لأنّي إن أنا أخطأت فيجب أن أحاكم...“.

     ٱنتقت الكنيسة والبلاط الملكي عريسًا لتامار: ”يوري“، ٱبن الأمير أندري بوغوليوبسكي وفلاديمير-سودزال (في جيورجيا عُرف يوري بـ”جورج الرّوسي“). كان محاربًا شجاعًا، وبقيادته ربح الجيورجيون معارك عديدة. ولكنّ زواجه من تامار أبرز ناحية منحرفة من شخصيّته، إذ كان ثملاً معظم الوقت ويميل إلى التصرفات اللاّأخلاقية. في نهاية المطاف، نفاه البلاط الملكي إلى القسطنطنية مزوّدًا إيّاه بمبلغٍ طائلٍ من المال. رغب الكثيرون بالزواج من تامار لجمالها الأخاذ، ولدى إصرار بلاطها قبلت أن تتزوّج للمرّة الثانية لتؤمّن سلالة للعرش ولكنّها طلبت من عمّتها ومربيتها ”روسودان“ أن تجد لها العريس المناسب، فوقع الخيار على ”دافيد-سوسلان باغراتيوني“ وهو من نسل الملك جورج الأوّل وتمّ زفافهما.

     عام 1195، ٱحتشدت جيوش مسلمة ضد جيورجيا بقيادة ”أبو بكر“ الفارسيّ الّذي من أزيربيجان. فدعت الملكة تامار جيشها إلى حمل السّلاح. أما المتروبوليت ”أنطون شكوديدي“ فأوعز إلى الشعب بالقيام بسهرانات مع قداديس وتقديم الصّدقات بسخاء على الفقراء لكي يتفرّغوا هم بدورهم للصّلاة. وفي غضون عشرة أيام استعدّ الجيش فتوجّهت إليهم الملكة تامار بقولها: ”لا تخافوا من العدو وجيشه الضخم فإنّ الله معنا... ثقوا بالله وحده، أميلوا إليه قلوبكم وضعوا رجاءكم في صليب المسيح وعلى والدته الكلية القداسة!“.

     ثم خلعت الحذاء من رجليها، وصعدت، سيرًا على الأقدام، إلى كنيسة العذراء في ”ميتيكهي“ الواقعة على تلة، حيث سجدت أمام أيقونة والدة الإله الكليّة القداسة. هناك، صلّت دون انقطاع حتّى وصلها خبر ٱنتصار جيشها.

     تبع هذا النّصر عدد من الإنتصارات ضد الأتراك وأخذت البلدان المجاورة تنظر إلى جيورجيا على أنّها الحامية عن كل بلاد ”ما وراء الكوكاز“. وفي أوائل القرن 13 فرضت جيورجيا قيادتها السّياسية وٱعترف بها الغرب المسيحي والشرق المسلم.

     ولكنّ هذه الإنتصارات المتتاليّة للجيش الجيورجي أثارت حفيظة العالم المسلم. فحشد السّلطان ”ركن الدّين“ مجموعة من الجيوش المسلمة بهدف الإطاحة بهذه القوى المضادة في المنطقة، وسار هذا الجيش الضخم عام 1203 نحو جيورجيا.

     حطّ جيش العدو رحاله قرب ”باسياني“، حيث بعث السّلطان إلى ”الملكة تامار“ رسولاً حاملاً طلبًا وقحًا: الإستسلام من دون مقاومة. ومكافأة لها على طاعتها، وعد السّلطان بالزواج منها شرط أن تقتبل الإسلام. لكن إنّ تمسكت تامار بمسيحيّتها فسوف يُحصيها مع النّساء السّيئات الحظ في حريمه.

     عندما تلا الرّسول رسالته على القدّيسة، شعر أحد النّبلاء في بلاطها بمهانة كبيرة لدرجة أنّه صفع السّفير على وجهه فوقع هذا الأخير طريحًا على الأرض فاقد الوعي!!.

     لكنّ الملكة تامار أمرت أن يُعطى السّفير هدايا جزيلة الثمن وأن يعود إلى السّلطان مع الرّسالة التالية: ”إنّ عرضك يأخذ بعين الإعتبار ثروتك وعظم جيشك، لكنّه لا يأخذ بعين الإعتبار التدبير الإلهي. فإنّي لست أضع ثقتي بجيشي ولا بأي شيء من هذا العالم الفاني، ولكن بيمين الرّب الكلي الإقتدار، ومعونة صليبه الّتي لا حدّ لها، هذا الصّليب الّذي أنت تلعنه. وستتحقق مشيئة الله – لا مشيئتك – وسيسود علينا حكمه – لا حكمك!“.

     ومن دون أي تأخير، ٱستدعت الملكة جيشها إلى جهوزية تامة لمواجهة جيش السّلطان. وتضرّعت أمام أيقونة ”فادزيا“ الّتي لوالدة الإله ومن ثم سارت حافية القدمين أمام جيشها حتّى أوصلته إلى أبواب المدينة.

     تقدّم الجيش الجيورجي واضعًا رجاءه على الرّب الإله وصلوات الملكة تامار الحارّة حتّى وصل إلى ”باسياني“ حيث دحر جيش العدو. هناك، كان الإنتصار هائلاً لا فقط لـ”جيورجيا“ بل ولكلّ العالم المسيحيّ.

     زادت هذه الإنتصارات العسكرية من إيمان الملكة تامار. فكانت في النّهار تتألّق بملابسها الملكية وتُدير بحكمة شؤون الدولة. وفي الليل، تجثو على ركبتيها، متوسّلة الرّب الإله بدموع ليعضد الكنيسة الجيورجية، إلى جانب الصّلاة كانت تطرّز الملابس الّتي كانت توزعها على الفقراء.

     ذات مرّة بعد أن تعبت من الصّلاة والتطريز غفت تامار قليلاً فشاهدت في رؤيا أنّها تدخل إلى منزلٍ فخمٍ، حيث رأت عرشًا مرصّعًا بالجواهر الثمينة، فحاولت الدنو منه ولكن أوقفها رجلٌ مسنٌ مُكللاً بهالة. فسألته: ”من هو الّذي يستحق هذا العرش الجليل غيري؟“. فأجابها: ”هذا العرش لخادمتك الّتي خاطت ملابس كهنوتية لاثني عشر كاهنًا بيديها. وأنتِ ما زلت تملكين ثروة كبيرة في هذا العالم“. وأشار لها الذهاب إلى ناحية أخرى. عندما ٱستفاقت الملكة تامار، أخذت على الفور تُخيط ملابس كهنوتية لاثني عشر كاهنًا.

     كما يذكر التاريخ حادثة مؤثّرة من حياة الملكة تامار: ذات مرة كانت تستعدّ لحضور خدمة ليتورجية إحتفالية في ”جيلاتي“، وكانت تشدّ على وزرها زنّارًا من الياقوت. أثناء ذلك قيل لها أنّ ثمة شحّاذًا خارج برج الدير يطلب حسنة، فطلبت من معاونيها أن يطلبوا منه الإنتظار. ولما ٱنتهت من ارتداء ملابسها خرجت إلى خارج البرج ولكنّها لم تجد أحدًا. فحزنت حزنًا شديدًا، ولامت نفسها أنّها أنكرت على الفقير الحسنة أي على المسيح نفسه. ونزعت على الفور الزنّار الياقوتي، الّذي أغراها، وقدّمته إلى أيقونة ”جيلاتي“ الّتي لوالدة الإله.

     خلال حكم الملكة تامار، جرى حفر مدينة رهبانية حقيقية في صخور ”فاردزيا“. هناك كانت الملكة التّقية، تجاهد خلال الصّوم الكبير. وأيضًا خلال حكمها بُني عدد كبير من الكنائس. كانت الملكة تامار تغدق الحسنات لا فقط على الأديار والكنائس في الأراضي الجيورجية بل وعلى تلك الّتي تقع خارج حدود بلادها: في فلسطين وقبرص وجبل سيناء والجبل الأسود واليونان وجبل آثوس وبلغاريا ومقدونيا، وتراقيا ورومانيا، والقسطنطينية. ألغت الملكة تامار الحكم بالموت وكلّ أنواع التعذيب.

     ٱتبعت الملكة تامار في عيشها، سرّيًا، نمطًا نسكيًا: من صوم واستلقاءٍ على سريرٍ من حجر وأسهار مع صلوات وتراتيل حافية القدمين، كلّ هذه وأكثر أدت إلى تدهور صحتها. حاولت الملكة لوقت طويل أن تخفي أوجاعها وأمراضها ولكن عندما استحال عليها التحمل بعد، طلبت العون. لم يستطع أفضل الأطباء من تشخيص مرضها، فتملّك الخوف على كلّ جيورجيا. وأخذ الشعب من الصّغار إلى الكبار يصلّي بحرارة لتستعيد ملكتهم الصّحة. كانوا مستعدين لا فقط لتقديم حياتهم، بل وحياة أطفالهم أيضًا لحاكمهم المحبوب جدًا.

      تلّقت الملكة تامار من الله إشارة عن موعد رحيلها من هذه الدنيا. فودّعت بلاطها وقدّمت الصّلاة لأيقونة الرّب يسوع المسيح وصليبه المحيي قائلةً: ”أيّها الرّب يسوع المسيح! سيّد السّماء والأرض الكليّ الاقتدار! لك أُسلم الأمّة والشعب اللّذين إئتمنتني عليهما وأسألك أن تفتدي بدمك الكريم هؤلاء الّذين أسلمْتَ إلى عنايتي... يا رب في يديك أستودع روحي!“.

     وإنّ موضع ضريح الملكة تامار بقي مجهولاً إلى يومنا هذا، لكنّ يزعم البعض أنّه في ”جيلاتي“ والبعض الآخر يؤكّد أنّه في مدافن دير الصّليب المقدس في أورشليم.                   

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share