كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
ميخائيل الّذي من كلوبسكو، المتباله من أجل المسيح!.
(+ ١٤٥٥ م).
يُعيّد له في ١١ كانون الثّاني.

   أثناء حكم "الأمير باسيليوس الكبير"، في حين كان "ثيودوسيوس" رئيس دير الثّالوث القدّوس في "كلوبسكو"، ظهر القدّيس ميخائيل المغبوط فجأة على النّحو التّالي: في ٢٣ تموز عام ١٤٠٨، عندما كان رهبان دير "كلوبسكو" الفقير يُقيمون صلاة السّحر في كنيسة الثّالوث القدّوس، وإذ بدأوا بترتيل الأودية التّاسعة، قام الأب مكاريوس بتبخير الكنيسة، وذهب ليبخّر قلّايته أيضًا الّتي كانت بجوار الكنيسة، وكان قد ترك بابها مغلقًا، لكن عندما وصل إليها وجد، لدهشته الكبرى، الباب مفتوحًا وبالدّاخل يجلسُ راهب غريب إلى المكتب وبقربه شمعة مضاءة ينسخ سفر أعمال الرّسل.

   أسرع الأب مكاريوس وأخبر رئيس الدّير بذلك، وبعد انتهاء الصّلاة، ذهب رئيس الدّير مع الإخوة إلى قلاية الأب مكاريوس، وإذ وجدوا الباب مغلقًا وموصدًا من الدّاخل، كسروه ودخلوا، فتعجّبوا إذ رأوا هذا الرّاهب الغريب مستمرًّا  في الكتابة بهدوء وطمأنينة، ولمّا سأله رئيس الدّير من هو، وما هو اسمه، كرّر الغريب الأسئلة عينها بطريقة بلهاء.

   ثمّ قام ومضى معهم إلى الكنيسة لحضور القدّاس، وكان يسبّح مع رهبان الدّير، وقرأ بنفسه الرّسالة بشكل جيّد، وأثناء مائدة الطّعام، قرأ سيرة أحد القدّيسين ببراعة.

   حاول رئيس الدّير جاهدًا أن يعرف هويّته، لكنّ كلّ محاولاته باءت بالفشل، غير أنّه، ورغم ذلك، أعطاه قلايّة، فاستقرّ هذا الرّاهب الغريب في الدّير عام ١٤٠٨، حيث بقي إلى حين رقاده. كان صارمًا في صومه، لا يأكل إلا بعض الخبز مع قليل من الماء مرّة واحدة في الأسبوع، ولم يكن يقتني أيّ شيء في قلايّته ولا حتّى فراشًا لينام عليه.

   عندما رأى الإخوة حميّته في الصّلوات والأصوام والأتعاب، بدأوا يوقّرونه ويحترمونه كثيرًا. وكي يقي نفسه من العُجب والمجد الباطل، أخذ يتصنّع الجنون في كلّ شيء واتّخذ من التباله منهجًا وسبيلاً له إلى ملكوت السّموات. واستمرّ على هذا النّحو إلى حين رقاده.

   حدث مرّة في عيد التّجلّي أن زار الأمير قسطنطين وزوجته الدّير، وبعد القدّاس الإلهيّ جلس الأمير مع الآباء إلى المائدة، وصادف أن أمر الأب الرّئيس الرّاهب المتباله أن يقرأ حياة أيّوب البارّ، فما إن سمع الأمير قسطنطين صوت القارئ حتّى هبَّ على قدميه واتجه نحو الرّاهب القارئ وانحنى أمامه، والتفت إلى رئيس الدّير وقال: "هذا هو قريبنا ميخائيل مكسيموفيتش".

   وعندما سأل رئيس الدّير ميخائيل باحترام: "لماذا أخفَيتَ اسمك عنّا؟". أجابه: "الله يعلم!". لكنّه أقرّ أنّه ميخائيل ابن عائلة مكسيموفيتش الشّهيرة. هذا زاد من توقير الآباء له. وإذ كان لا يرغب البتّة بالشّهرة ولا بتكريم النّاس له، زاد من ادّعائه الغباء، وبالمقدار عينه كانت نعمة الله عليه واضحة للجميع.

   عندما تنيّح "يوحنّا" رئيس أساقفة "نفغورود" عام ١٤١٠، قال ميخائيل لثيودورس رئيس الدّير: "سوف تجلس في بيت السّيّد لكنّك لن تستطيع أن تخدم مائدة السّيّد". وعام ١٤٢٠ بعد نياحة سمعان، الّذي خلف يوحنّا على رئاسة الأسقفيّة، اختار شعب نفغورود ثيودورس ليكون رئيسًا للأساقفة، فتحقّقت نبوءة ميخائيل وجلس في بيت السّيّد، لكنّه قضى عامين فقط في هذه الخدمة ثم رجع إلى ديره تكملةً للنّبوءة عينها.

   في ذلك الحين، حدث جفاف في المنطقة على حدود نفغورود واستمرّ لمدة ثلاثة أعوام، وجفّت كلّ الينابيع الّتي كان الدّير يرتوي منها، حتّى نهر "فيريازها" الغزير جفّ هو أيضًا.

   ذات يوم، خرج قندلفت الدّير للبحث عن ماء، فرأى ميخائيل يخطّ شيئًا على الرّمل عند ضفّة النّهر الجافّ. فذهب وأعلم الرّئيس بذلك، فمضى هذا الأخير بنفسه وقرأ الكلمات المكتوبة: "كأس الخلاص أقبل... في هذا الموضع سيظهر نبع". ولمّا سأل رئيس الدّير الرّاهب ميخائيل عن معاني هذه الكلمات، اكتفى بترديد الكلمات المكتوبة. على الأثر بدأ رئيس الدّير والإخوة مع ميخائيل يحفرون الأرض، وفجأة انفجر نبع من الماء، وكانت مياهه تكفي لسدّ احتياجات الدّير والسّكان في القرى المجاورة للدّير.

   ثمّ بعد الجفاف، حدثت مجاعة في إقليم نفغورود، وبدأت جموع الفقراء تأتي إلى الدّير طلبًا للخبز. وإذ  أخذت مؤن الدّير تتضاءل شيئًا فشيئًا، قلق رئيس الدّير وخشي أن يفرغ الدّير من الطّعام، فقال له ميخائيل: "إذا كان خمسة آلاف من دون الأطفال والنّساء، قد أُطعموا بخمسة أرغفة، وأربعة آلاف أُطعموا بسبعة أرغفة، فهل نحتقر من يطلب منّا؟"، وتوسّل إلى رئيس الدّير أن يطعم كلّ الوافدين إليه طلبًا للغذاء. تأفّف الإخوة لأنّ الخبز كلّه كان يُعطى للسّائلين، لكنّ ميخائيل أخذ رئيس الدّير والإخوة إلى المخزن فرأوا لدهشتهم أنّ مخزون الخبز لم ينقص رغم كثرة العطاءات.

   في أحد الأيّام، بينما كان رئيس الدّير واقفًا في الكنيسة أثناء القدّاس الإلهيّ، ذهب إليه ميخائيل وقال له: "هناك ضيوف قادمون إلينا". وفي نهاية الخدمة بينما كان رئيس الدّير يغادر الكنيسة رأى ثلاثة رجال غرباء في باحة الدّير، فقال ميخائيل: "ادعهم إلى المائدة"، فدعاهم الرّئيس ولكنّ الزّائرين قالوا: "إنّ رفاقنا خارج الدّير". فأمر الرّئيس أن يُدعوا هم أيضًا، وتبيّن أنّ هؤلاء الرّفقاء ما هم إلاّ ثلاثين من اللّصوص المسلّحين. قادهم ميخائيل جميعًا إلى المائدة ودخلوا ليأكلوا، ما عدا اثنَين منهم، كانا ينظران ولم يأكلا، فسألهما ميخائيل: "لماذا لا تأكلان؟. كونوا على ثقة أنّ نوايّاكم الشّرّيرة لن تتحقّق". أذهلت هذه الكلمات الّلصَّين لدرجة أنّهما سقطا إلى الأرض ولم يستطيعا أن يتكلّما، أمّا الباقون فانتابهم الفزع، وخشوا أن يحدث لهم الأمر عينه، لذلك قدّموا لرئيس الدّير عطيّة وسألوه الصّلاة من أجل زميلَيهم المصابَين، وولّوا الأدبار. بعد وقت قصير بدأ الّلصّان يتماثلان للشّفاء، وطلب أحدهما أن يترهّب أمّا الآخر فترك الدّير على عجالة. خشي رئيس الدّير أن يقبل اللّص التّائب لكنّ ميخائيل نصحه بقبوله، فترهّب ولكنّه تنيّح بعد ذلك بقليل.

   أُعطي ميخائيل موهبة التّنبّؤ بالمستقبلات. ذات مرّة أخذ يقرع الأجراس بقوّة وإذ سألوه عن السّبب قال لهم: "اليوم يوم فرح لكلّ موسكو، لأنّ ابنًا وُلد للأمير الكبير واسمه إيفان، وأيّ ابن؟!. سيرث كلّ الأمبراطوريّة الرّوسيّة وسيكون رهيبًا للمدن المجاورة وسيستولي على نفغورود ولن تعود مستقلّة بعد". كانت نفغورود، حينها، في قمّة ازدهارها ومجدها. لكن ما قاله القدّيس تحقّق. ففي ٢٢ كانون الثّاني ١٤٤٠ ولد إيفان المدعو الرّهيب ابن باسيليوس، وفي عام ١٤٧١ احتلّ ناحية نفغورود وأذلّها أشدّ إذلالٍ.

   استُعلنت نعمة النبوءة في ميخائيل قبل أن يصل إلى كلوبسكو وبعد نياحته أيضًا، وممّا يُروى عنه:

   إنّ ميخائيل كان يسير يومًا في الطّريق، عندما أخذت مجموعة من الصّبية تسخر منه بسبب تبالهه وجنونه الظّاهرَين وأخذوا يرشقونه بالحجارة والقمامة، لكنّه تجاهلهم، واتجه نحو أحد الأولاد الّذي كان يقف هادئًا بالقرب من الكنيسة، وأمسكه من شعره ورفعه إلى أعلى وقال: "يا يوحنّا ادرس الكتب حسنًا، سوف تكون رئيس أساقفة نفغورود العظمى". وبالفعل تحقّقت نبوءته هذه وصار ذاك الصّبيّ رئيسًا لأساقفة نفغورود.

   وبعد أن عاش في دير الثّالوث القدّوس في كلوبسكو لمدّة ٤٤ عامًا، تنيّح ميخائيل المتباله من أجل المسيح في ١١ كانون الثّاني ١٤٥٥، وكان قد تنبّأ بموعد انتقاله. فقد لوحظ أنّه لم يعد يدخل الكنيسة أثناء الخدم الإلهيّة، بل يجلس خارجًا عن يمين الكنيسة، وعندما سأله رئيس الدّير عن السّبب، أجابه بكلمات المزمور: "هذه هي راحتي إلى الأبد ههنا أسكن لأنّي إيّاها اصطفيت" (مز ١٣١: ١٤). وفي الخامس من كانون الأوّل، أُصيب بمرض عضال استمرّ حتّى العاشر من كانون الثّاني. في ذلك اليوم دعا إخوته في الدّير لكي يطلب صفحهم ويودّعهم. بكى الرّهبان وطلبوا بركته وصلواته، فعزّاهم ووعدهم ألّا يترك الدّير حتّى بعد نياحته. لمّا أدرك رئيس الدّير شدّة مرض ميخائيل أراد أن يناوله الأسرار المقدّسة، لكنّ القدّيس أرجأ المناولة إلى اليوم التّالي، ولدهشة الجميع حضر بنفسه القدّاس الإلهيّ في صباح اليوم التّالي، وبعد القدّاس أخذ القدّيس فحمًا وبخورًا وعاد إلى قلايته، وإذ استراح رئيس الدّير لتحسّن صحة ميخائيل، أرسل له طعامًا إلى قلاّيته، فوجده الإخوة قد تنيّح ويديه فوق صدره على شكل صليب. انتشر خبر نياحته وحزن رهبان الدّير وبكوا خسارتهم. أسرع رئيس الدّير والإكليروس إلى القلايّة الّتي امتلأت برائحة البخور واجتمع حشد كبير ليحضروا جنازة المتباله المحبوب. وحدثت أعجوبة عند دفنه: فعندما حاولوا حفر قبر له، وجدوا الأرض صلبة كالصّخر لوجود ثلج ثقيل عليها، فتذكّر رئيس الدّير المكان الّذي كان ميخائيل يجلس فيه عن يمين الكنيسة خلال الخدم الكنسيّة في أيّامه الأخيرة، فأمرهم أن يحفروا في هذا المكان، ولدهشة الجميع، وجدوا الأرض رخصة وسهلٌ حفرها وكأنّهم في فصل الصّيف. تخشّع الإخوة وامتلأوا رهبة مقدّسة ودفنوا الرّاهب ميخائيل الّذي اتّضح أنّه اختار المكان الّذي أراد أن يُدفن فيه، وفاض من جسده نبعٌ من المعجزات والعجائب شهادة على عظمةِ الله ونعمِه الغزيرة.

   بركة صلاته تكون معنا. آمين.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share