فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
القدّيس يوستينوس بوبوفيتش
(1894م – 1979م).
سنوه الأولى
والدا القدّيس يوستينوس: سبيريدون وأنستاسيا

     ولد القدّيس يوستينوس بوبوفيتش لوالدَين تقيين: الكاهن سبيريدون وزوجته أنستاسيا بوبوفيتش في فرانج  (Vranje) جنوبي صربيا يوم عيد بشارة والدة الإله في 25 آذار 1894. ولد في عائلة تتابعت فيها سبعة أجيال من الكهنة، وكلمة بوبوفيتش تعني في اللغة الصربيّة عائلة أو أبناء الكهنة. أُعطي الطفل في المعموديّة اسم بلاغوجي (Blagoje) لأنّ لفظة بلاغوفيست معناها البشارة. في كنف عائلة تقيّة، تعلّم بلاغوجي، منذ نعومة أظافره، أنّ الحياة المسيحيّة الفُضلى هي حياة مكرسّة لكنيسة الله المقدسة. كان يزور مع والدَيه دير القدّيس بروخوروس المعيّد له في 19 تشرين الأوّل. وقد شهد لإحدى عجائب الله من خلال قديسه بروخوروس الّذي شفى والدته أنستاسيا من مرض عضال.

الرّاهب يوستينوس في معهد اللاهوت في اليونان

     في المدرسة الإعداديّة، كان بلاغوجي تلميذاً لامعًا. أحبّ كثيرًا الكتاب المقدّس والأناجيل الأربع بالأخص. بدأ قراءة الإنجيل بشكلٍ جدي وهو في الرابعة عشرة من عمره واستمرّ إلى آخر حياته يحمل الإنجيل معه أينما ذهب ويقرأ منه ثلاثة فصول يوميًّا. عام 1905، بعد أن أنهى الصّف الرّبع في فرانج، وبحسب تقليد عائلة بوبوفيتش، انخرط في برنامج من تسع سنوات للتعليم الديني والدنيويّ في المعهد اللاهوتي للقدّيس سابا في بلغراد. في أوئل القرن العشرين عُرف معهد القدّيس سابا في كلّ الأوساط الأرثوذكسيّة أنّه مكان التشدّد النسكي والتعليم العالي. وقد درّس فيه عددٌ من الأساتذة المشهورين، إلا أنّ واحدًا منهم برز بشكلٍ مميّز وهو الكاهن الراهب نيقولاي فيليميروفيتش الحائز على دكتوراة في اللاهوت والفلسفة (وهو قدّيس اليوم ويُعيّد له في 18 آذار). أثّر الأب نيقولاي في حياة الشاب بلاغوجي أيّما تأثير، فتعلّم منه عن فضيلة الحياة النسكية في المسيح يسوع والعقائد بحسب آباء الكنيسة وعن الجهد الرّوحي والفكريّ المطلوب لفهم المسائل الفلسفيّة واللاهوتيّة المهمة في عصرهما. في النّهاية كلاهما أصبح الصّوت الصادح للكنيسة الأرثوذكسيّة الصربيّة. حاولا أن يجدا الحلول لأكثر المشكلات إلحاحًا في العالم من خلال الكتاب المقدس والآبائيّات، وبخاصة من خلال الخبرة المستوحاة من حياة القدّيسين. هكذا اعتمد القدّيسان "الإنجيل المعاش"، و"العقيدة المتجسّدة"، والمنبع الحقيقي لللاهوت الأرثوذكسي والمعرفة المختبرة للإله والحقيقة الوجوديّة التربويّة الّتي تتماشى مع كلّ الأزمنة.


 

الحرب العالميّة الأولى
إيقونة للقدّيس يوستينوس

     عام 1914، كان عمر بلاغوجي عشرين سنة. في تلك السنة أنهى البرنامج اللاهوتي في معهد القدّيس سابا. يومها كانت للشاب أمنية وحيدة في قلبه :"واحدة سألت الربّ، وإياها ألتمس. أن أسكن في بيتِ الربّ جميع أيام حياتي، لكي أُعاين بهاء الرب وأتبصّر هيكل قدسه." (المزمور 6:24). إذ كان بلاغوجي مدفوعًا بهذه الرغبة الصّادقة، أراد أن يكرّس حياته بالكلّية للمسيح في النذور الرّهبانيّة. لكنّ اندلاع الحرب العالميّة الأولى عام 1914، وتردّي صحة والدَيه جعله يؤجّل دخوله الصّفوف الرّهبانيّة.

     في خريف 1914 مع بداية الحرب العالميّة الأولى خدم بلاغوجي كممرّضٍ في جنوب صربيا: سكادار، نيش، كوسوفو... لكنّه أُصيب بحمّى التّيفوس مما اضطره إلى تمضية أكثر من شهر في مستشفى نيش. وفي 8 كانون الثّاني، استأنف خدمته. يُشار إلى أنّ بلاغوجي وكلّ طاقم المسعفين والممرضين، بالإضافة إلى كلّ الشعب الصّربيّ المسيحيّ المحب للحريّة في جنوب صربيا، عانى الكثير من تداعيات الحرب.



 

بلاغوجي راهبًا

     عشيّة عيد القدّيس نيقولاوس، وهو شفيع عائلته، عام 1915، عاد بلاغوجي من سكادار وقام بزيارة المتروبوليت ديميتريوس (الّذي أصبح البطريرك الصّربيّ بعد أن استُردّ الكرسي البطريركيّ عام 1920) ليطلب منه أن يصيّره راهبًا. وفي 1 كانون الثاني 1916، في كنيسة في سكادار، قدّم بلاغوجي نذوره الرّهبانيّة آخذًا اسم القدّيس يوستينوس الفيلسوف والشهيد للمسيح من القرن الثّاني الميلادي. كان هذا الاسم هديّة وإشارة من السّماء، لأنّ الرّاهب الجديد يوستينوس سوف يتمجّد من الله لاحقًا كفيلسوف وباحث عن الحقيقة المسيحيّة.

     بعد وقت قصير من أخذه النذور، انطلق الرّاهب يوستينوس إلى بتروغراد في روسيا مع عدد من التلاميذ الّذين حصلوا على بركة الأسقف ليتعلّموا في المعهد الأرثوذكسي هناك لمدة سنة. في روسيا، كرّس الرّاهب يوستينوس نفسه بالكليّة للأرثوذكسيّة والحياة الرّهبانيّة. تعلّم عن نسّاك روسيا: القدّيسيَن أنطونيوس وثيودوسيوس من مغاور كييف، والقدّيس سيرافيم ساروفسكي، والقدّيس سرجيوس رادونيج والقدّيس يوحنّا كرونشتاد وآخرين. أحبّ يوستينوس الرّوحانيّة والتقويّة الرّوسيّة، خاصة أنّه كان يراها جليًّا عند قروي الريف هناك.



 

دراسته والدكتوراة

     بعد عام من الدّراسة في روسيا، دخل يوستينوس معهد اللاهوت في أوكسفورد أنكلترة بتشجيعٍ من أبيه الرّوحي نيقولاي. هناك أمضى سبعة فصول من تشرين الثّاني 1916 إلى أيار 1919، إلا أنّه لم يُعطَ شهادة تخرّج لأنّ أطروحته للدكتوراة المعنونة "فلسفة دوستويفسكي وديانته"* لم تُقبل. نتيجة ذلك، عاد يوستينوس إلى بلغراد، بعد الحرب، وعمل كمدرّسٍ في معهد كارلوفاك في سمرمسكي. هناك أعاد يوستينوس إحياء دراسة حياة القدّيسين على أنّها مختصّة باللاهوت وجزء مهم في دراسته. في هذه الفترة تلقّى يوستينوس إلهامًا إلهيًّا لترجمة حياة القدّيسين إلى اللّغة الصّربيّة الحديثة.

     في أيلول 1919، دخل يوستينوس معهد اللاهوت في أثينا، اليونان. هناك أمضى سنتين، حصل في نهايتهما على شهادة دكتوراة على أطروحته "مشكلة الشخصيّة والإدراك بحسب القدّيس مكاريوس المصريّ". وكما كانت الحال في روسيا، كذلك أخذ الرّاهب يوستينوس يتجوّل في إنحاء القرى اليونانيّة وينتفع روحيًّا من التراث البيزنطي.



 

الراهب يوستينوس شمّاسًا ثم كاهنًا

     عام 1920، سيم الرّاهب يوستينوس شمّاسًا وبدأ يختبر جانبًا آخر من جوانب الحياة الليتورجيّة الكنسيّة وهو أهميّة الخدم المقامة. ومع تقدّم حياته الليتورجيّة والنسكيّة، اكتسب مزيدًا من النضج الرّوحي وأصبح معروفًا كناسكٍ تقيٍّ في كلّ الجزر اليونانيّة. في هذه الفترة أيضًا وبفضل "صلاة يسوع" الّتي كان يتلوها دون توقف منّ عليه الرّبّ الإله بموهبة نخس القلب مع الدّموع.

الأب يوستينوس واعظًا

     في أيّار 1921، عاد الشّماس يوستينوس إلى سرمسكي كارلوفاك وتابع تعليمه في المعهد. درّس العهد الجديد والعقيدة والآبائيّات وحياة القدّيسين. كان يبدأ كلّ حصصه بصلاة صغيرة: "أيّها الرّب الحنون، لقّني ما يجب قوله بقوة كتابك المقدّس ورسلك الأطهار".

     بعد سنة، عام 1922، يوم عيد قطع هامة السّابق المجيد، رُفِّع يوستينوس إلى درجة الكهنوت على يد البطريرك ديميتري. لم يتوقّف يوستينوس عن البكاء طيلة الخدمة كالطفل المولود حديثًا بالرّب. تواضعه جذب إليه العديدين وأخذ عدد أولاده الرّوحيين يتزايد من تلاميذ وعلمانيّين قصدوه للاعتراف والاسترشاد والشفاء الرّوحي. أولاده المفضّلون كانوا الرجال والنّساء الأتقياء من حركة الصّلاة الصّربيّة الّتي أسسها المكرَّس حديثًا الأسقف نيقولاي. كان هذا الأخير الرّسول العظيم للقرن العشرين، والذهبيّ الفم الجديد لزمانه. هذان الإثنان، الأسقف نيقولاي والكاهن الرّاهب يوستينوس، كانا كأنطونيوس وأثناسيوس أو باسيليوس وغريغوريوس "جسدَين منفصلين، لكن فكرًا واحدًا"، لأنّ حبّهما للرّب يسوع المسيح أثمر ثمارًا روحيّةً جمّة في نفوس العديد من الغيورين على الإيمان. الكلّ كان يتمتع بإنشاد الأناشيد الرّوحيّة الّتي نظمها الأسقف نيقولاي. وتمجيد الله بلغة الشعب دفع بيوسيتنوس إلى ترجمة خدمة القدّاس الإلهي للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم من النص اليوناني الأصل إلى اللّغة الصّربيّة الحديثة. وكما كان القدّيسان كيريللس وميثوديوس، منيرا الشعب السّلافي، يشجعان على نشر كلمة الله باللغة الأمّ، عمل يوستينوس ونيقولاي بمؤازرة الرّوح القدّس على تثبيت الشعب المؤمن في إيمانه الأرثوذكسي بنقل الصّلوات وكتابتها بلغته الأمّ.

     كان الأب يوستينوس على اتصالٍ وثيق براعيين روسيّين عظيمين: المتروبوليت أنطوني خرابوفيتسكي، الّذي كان يدرّس في معهد سريمسكي كارلوفا، والأسقف المنفي يوحنّا مكسيموفيتش. هذا الأخير كان رجلاً قدّيسًا يعيش في نسكٍ قاسٍ، وتجرى على يديه المعجزات، وقد أنهى حياته في الولايات المتحدة بتدبير من الله ليكون منارةً للشّعب الطالب الله هناك.

الأب يوستينوس يكتب

     عام 1923، أصبح الأب يوستينوس محرّرَ جريدة "الحياة المسيحيّة" (Christian life) الأرثوذكسيّة الّتي نشر فيها أوّل أطروحةٍ له "فلسفة دوستويفسكي وديانته" والّتي اضطهده بسببها الأساتذة في أوكسفورد. وفي عام 1926 تمّ نشر أطروحته الثّانيّة "مشكلة الشخصيّة والإدراك بحسب القدّيس مكاريوس المصريّ" باللّغة اليونانيّة في أثينا.

     في حصصه التعليميّة عن سِيَر القدّيسين، أخذ الأب يوستينوس يترجم إلى اللّغة الصّربيّة حياة القدّيسين من السنكسارات اليونانيّة والسّريانيّة والسّلافيّة. كذلك ترجم نصوصًا للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم والقدّيس مكاريوس والقدّيس اسحق السّريانيّ. كما وضع كتابًا رائعًا في "نظريّة المعرفة بحسب القدّيس اسحق". إبداع الأب يوستينوس في المجال الكتابي أذهل الجميع.



 

أستاذاً للعقيدة في جامعة بلغراد

     عام 1931، بعد فترة وجيزة أمضاها كأستاذ في المعهد اللاهوتي في بريزن، طلب المجمع المقدّس في بلغراد من الأب يوستينوس أن يعاون الأسقف جوزف سفيجوفيتش في بيتولا لتنظيم الكنيسة الرّوسيّة في تشيكوسلوفاكيا. هذه النّاحيّة كانت تحت سيطرة الموحدّين (Uniates) بين الكنيسة الأرثوذكسيّة والكنيسة الكاثوليكيّة. يوستينوس، كمدافعٍ صلبٍ عن الإيمان القويم، ساعد في إعادة تنظيم الكنيسة التشيكوسلوفاكيّة. هذه الخبرة جعلته يعي أهمية وجود نصوص كاملة تعرّف عن الإيمان الأرثوذكسي باللّغة الصّربيّة.

الأب يوستينوس مع الأب كليوبا في دير شيليجي

     على الأثر، باشر، لدى عودته إلى بيتولا عام 1932، بكتابة عمله الرّائد عن عقائد الكنيسة الأرثوذكسية في ثلاث مجلّدات. الجزء الأوّل، نُشر في أواخر العام 1932 وتضمّن البحث في الأصول اللاهوتيّة وطرقها بالإضافة إلى الطبيعة الإلهيّة والتعليم عن الثّالوث القدوس، والخلق، والتدبير الإلهيّ. لقد لقي هذا الجزء الكثير من الترحيب والإعجاب لدرجة أن اختير الدكتور يوستينوس ليكون مدرّس العقائد في معهد القدّيس سابا اللاهوتي في بلغراد. ثم بعد سنة، أكمل الجزء الثّاني الّذي عنونه "الإله الإنسان وعمله: المسيحانيّة والخلاص". لا شك أنّ هذين الجزئين مع الجزء الثّالث والأخير عن "الكنائسانيّة: التعليم بشأن الكنيسة"، الّذي نُشر عام 1970، تشكّل للمسيحيّ أكبر مجموعة متكاملة فيها أجمل تحليل لإيمان الكنيسة الأولى. تمتّع الأب يوستينوس بمعرفة اللّغة العبريّة والسّريانيّة واليونانيّة واللاتينيّة والرّوسيّة والرّومانيّة بالإضافة إلى اللغّات الغربيّة المعاصرة، هذا، إلى نظرته النسكيّة للحياة، أتاح له أن يُنتج للعالم المسيحيّ أروع تحليل لإيمان الكنيسة الأولى.

     عام 1938، أسّس الأب يوستينوس مع عدد من المثقفيّن البارزين في بلغراد الجمعيّة الصّربيّة للفلسفة. في هذه الفترة أخذ الأب يوستينوس يتكشّف المسائل الفلسفيّة والدنيويّة في عصره. نظرته الثاقبة للأمور بانت في كتابين نشرهما: "الأُسس اللاهوتيّة" (1939) و"أوروبا والسّلافيّة عند دوستوفسكي" (1940).  كِلا العملين تعاطى ماهية وطريقة اللاهوت وروح ورؤية الحضارة الغربيّة. لم يتردّد الأب يوستينوس في قول الحقيقة بشأن الحالة السّاقطة للبشرية، خاصة الحماقات الدّينيّة والعلمانيّة في مسرى أوروبا الغربيّة.




 

الحكم الشيوعيّ: دير شيليجي

     استمرّ الأب يوستينوس مدرّسًا للعقائد في بلغراد حتّى نهاية الحرب العالميّة الثّانية. عام 1941، قبض الحزب الشيوعي، ذات النزعة الملحدة، على زمام الحكم في صربيا. إثر ذلك، أمثال المسيحي الغيور الأب يوستينوس الّذي كان يعمل على تحويل المثقفين إلى الإيمان بالمسيح يسوع، لم يعد مرغوبًا فيهم. هكذا طُرد الأب يوستينوس وآخرون كثر من الجامعة في بلغراد مع تحذير بعدم العودة. هنا انتهت المسيرة التعليميّة للأب الموقّر يوستينوس بوبوفيتش في بلغراد.

دير شيليجي

     على مدى سنتين، بعد نفيه عن بلغراد، عاش المجاهد يوستينوس في عدد من الأديار في صربيا-كالينيش وأوفشار وسوكوفو ورفانيتسا. في 14 أيّار 1948، دخل دير شيليجي قرب ضيعة ليليش، على بعد أميال قليلة من أهم مدينة في فالشيفو في صربيا الغربيّة. بقي الأب يوستينوس في دير شيليجي (Chelije) إلى حين رقاده. هناك رُفّع إلى رتبة أرشمندريت وأصبح المرشد الرّوحي للدّير. برعايته، أصبح الدير ديرًا نسائيًّا. هناك، أيضًا، أسّس مدرسة لتعليم كتابة الإيقونات معيدًا إحياء التراث الصربي- البيزنطي، كما شيّد كنيسة على اسم القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم وأمكنة للسّكن عام 1970. عددٌ كبير من المؤمنين الأتقياء من كلّ أنحاء يوغسلافيا واليونان والبلقان، وتقريبًا من كلّ أنحاء العالم، تقاطر لسماع كلمة وعظه وتعاليمه عن الإيمان القويم والحياة بالمسيح بمؤازرة الرّوح القدس.

الأب يوستينوس في دير شيليجي

     مما لا شكّ فيه أنّ الأرشمندريت يوستينوس شكّل قطب الأرثوذكسية في موطنه بدءًا من نهاية الحرب العالميّة الأولى إلى حين رقاده.

     في فترة حجزه في دير شيلجي أنجز الأب يوستينوس مؤلفّات أدبيّة مهمة: ترجم وجمع من عدة مصادر إثني عشر جزءًا (واحد لكلّ شهر) عن حياة القدّيسين. كذلك وضع مجموعة التريوديون والبندكستاري في 13 جزءًا ألّفت أكثر من 7000 صفحة، ونُشرت بين العامين 1972 و 1977. كان ناسكًا صارمًا مع نفسه، في صلاة مستمرّة، ويُقيم، يوميًّا، دورة الخدم الأرثوذكسيّة في كنيسة الدّير الصّغيرة أو في الكاثوليكون: غروب وسحر وسهرانات وقدّاس إلهيّ إلخ.... كان الأب يوستينوس يساهم القدسات يوميًّا، لأنّ المناولة المقدّسة كانت "زاده اليوميّ" والمصدر الحقيقيّ لكلّ حياته وأعماله وتعاليمه ووجوده. كلماته وأنجازاته وأفكاره  كشفت نمط عيشه المستوحى من آباء الكنيسة القدماء.  أبٌّ جديدٌ للكنيسة سار على هذه الأرض بشخص الأب يوستينوس.

     بالإضافة إلى السنكسار، وضع الأب يوستينوس عددًا كبيرًا من المؤلّفات، بعضٌ منها لم يُنشر إلى الآن، منها:

     شرح رسائل القدّيس بولس والقدّيس يوحنّا

     شرح إنجيلَيّ القدّيس متّى والقدّيس يوحنّا

     لاهوت القدّيس سابا كفلسفة حياة (1953)

     حياة القدّيسَين سابا وسمعان (1962) وباللّغة اليونانيّة (1975)

     الإنسان والإله الإنسان (1966 باللّغة اليونانيّة)

     الكنيسة الأرثوذكسيّة والمسكونيّة (1978)

     ثلاثة قداديس إلهيّة (1978)

     الطريق إلى التألّه (بعد رقاده عام 1980)

     مديح للرّب يسوع ووالدة الإله وعدد من القدّيسين.

الأب يوستينوس وقد تقدّم في العمر

     كانت لديه عبقريّة أدبيّة مميّزة. لم يضع، فقط، عددًا كبيرًا متنوّعًا من المؤلّفات، لكن مؤلّفاته كانت أرثوذكسية المنحى على نمط آباء الكنيسة القدامى: عقائديًّا، مستقيمًا في الرّؤية ومفصّلاً، أسراريًّا معلنًا الحقيقة في المسيح، رعائيًّا وواعظًا، مرشدًا وملهِمًا. من خلال هذه الكتب بانت قدرات الأب يوستينوس الفكريّة والقلبيّة على التحليل وإدراك الأمور. لا شك أنّه ابتدع جديدًا من اللّغة اللاهوتيّة والفلسفيّة الضروريّة لِلَمْسِ قلوب الإنسان المعاصر. كتاباته وتعاليمه عكست التزامه الكامل والأصيل بالرّبّ يسوع المسيح، وهو التزام عاشه بنسكه الشديد ورؤيته التأمّليّة للنور غير المخلوق الّذي للرّب الإله، الثالوث القدّوس. كان "العقيدة معيشة" و"معزفة الرّوح" مُشعًّا  بحبِّ الإله ذات الثلاثة الأقانيم. اللاهوت كان الحياة المعيشة للقدّيس يوستينوس.



 

رقاده وإعلان قداسته
مثوى الأب يوستينوس

     رقد القدّيس يوستينوس في 25 آذار، يوم ذكرى مولده وعيد بشارة والدة الإله. كان قد بلغ من العمر 85 سنة.

     ووري الثرى بإكرام مقابل النّاحية الشرقيّة للكنيسة الرئيسية في دير شيليجي. وقد حضر دفنه عدد كبير من المؤمنين من كلّ أنحاء العالم.

     وإلى يومنا هذا، تُسمع مدائح تُشيد بفضائله وحبّه للمسيح من كلّ أنحاء العالم الأرثوذكسي. كذلك، جرت عند ضريحه عجائب عدة كانبعاث شذرات من النّور المقدّس من قبره، وتَحوّل عددٍ كبير من النّاس إلى الإيمان بفضل كتاباته أو بتجلّي الرّبّ القدوس لهم بصلوات القدّيس يوستينوس.

     أَعلن المجمع الأرثوذكسي الصّربيّ قداسة الأب يوستينوس في 29 نيسان 2010.



 

من عجائبه
الأب يوستينوس مع راهبات دير شيليجي

     - عام 1952، كان يعيش في الدّير 40 راهبة. جاء وقت العشاء فلم تجد الرّاهبة المسؤولة عن المطبخ سوى كوبٍ واحدٍ من الطحين لصنع الخبز. أذاعت الرّاهبة الخبر على الأخوات خلال العشاء، فقال الأب يوستينوس: "صلّوا للرّب الإله، وهو سيهتمّ بنا!". في صباح اليوم التالي، باكرًا، ذهبت الأخت المسؤولة عن المطبخ فوجدت برميلين من الطّحين. شهدت لهذه المعجزة الأم سارّة والأخوات في الدّير وقدّمن الشكر لله.

     - عام 1963، في عيد تجلّي ربّنا وإلهنا يسوع المسيح، كان الأب يوستينوس يُقيم الذبيحة الإلهيّة. كانت الكنيسة مقتظة بالنّاس والكلّ ساهم القدسات. بين الحاضرين كان هناك مسلمٌ موظف لدى شركة بناء يعمل على خط القطارات الّذي يصل بلغراد بـ"بار" (مدينة ساحليّة في مونتينيغرو). كان اسمه "عصمت"، وإلى ذلك اليوم لم يكن الأب يوستينوس يعرفه. عندما تقدّم النّاس للمناولة، اقترب معهم. عندما وصل أمام الكأس المقدسة، نظر الأب يوستينوس إليه وقال له: "لا تستطيع مساهمة القدسات، لأنك لست معمَّدًا".     

إيقونة للقدّيس يوستينوس

- عام 1964، جاءت سيّدة إلى الدّير من قرية "فاليكا بلين" مع ابنتها سلافكا الّتي كان يسكنها روح خبيث. كانت سلافكا في السادسة والعشرين من العمر، وكان الرّوح الخبيث يتكلّم من خلالها. صلّى الأب يوستينوس كثيرًا من أجلها. وفي ليلة عيد الملاك ميخائيل، كانت الكنيسة مكتظّة بالنّاس، وكان الأب يوستينوس يقرأ الإنجيل، عندما تكلّم الرّوح الخبيث من خلال الفتاة. توقف الأب يوستينوس وقال: "ليست هي من تتكلّم بل الرّوح الساكن فيها". فأجابه الرّوح الخبيث: "كدتُ أدخل فيك، لكنّي لا أقدر".

     بقيت سلافكا في الدير لفترة طويلة وكان الأب يوستينوس يقرأ الصلوات عليها يوميًّا. وقد أقام خدمة تقدّيس الزيت من أجلها ثلاث مرّات، لكنّ حالتها لم تتحسّن. في نهاية المطاف قال الأب يوستينوس: "سوف أتوقّف عن الصّلاة من أجلها، لأنّ هناك خطيئة كبيرة لم تعترف بها هذه الفتاة". وطلب من بعض الأخوات أن يستجوبنها لمعرفة الخطيئة الّتي أخفتها.

     وأثناء تحدثها مع الأخوات، تبيّن بالفعل أن لسلافكا خطيئة تسببت بموت إنسان. اعترفت دوشيكا بخطيئتها وأقامت ذكرانيّة على قبر من تسببت، بشكلٍ من الأشكال، في قتله كما أقام الأب يوستينوس أربعين قدّاسًا من أجل راحة نفس هذا الشخص. وعندما تمت هذه القداديس عادت سلافكا إلى منزلها معافاة.

     - فتاة صغيرة عمرها سبع سنوات لم تكن تستطيع التكلّم، جاءت بها أمّها إلى الدير فصلّى الأب يوستينوس عليها لمدة شهر فشفيت.

     - فتاة أخرى عمرها ست سنوات لم تكن تستطيع المشي. صلّى عليها الأب يوستينوس فأصبحت تسير بشكلٍ طبيعي.

     بالإضافة إلى ذلك هناك عدد آخر كبير من العجائب، من شفاءات واهتداءات وطرد الرّوح الخبيث، أتمّها الله بواسطة قدّيسه يوستينوس. 

صلواته تكون معنا. آمين

 

يذكر كاتب السّيرة أنّ لاهوتييّ الغرب في معهد أوكسفورد بعد الحرب العالميّة الأولى، لم يكونوا مستعدّين لقبول أيّ نقض بنّاء وصحيح لتفكيرهم الغربيّ ولاهوتهم وحضارتهم كما اقترح الرّاهب يوستينوس.

 

المرجع:

    Fr. Daniel Rogich (1994) Serbian Patericon: Saints of the Serbian Orthodox Church, Vol. 1. California: St Herman of Alaska Brotherhood.
     “The Orthodox Word” No. 256, 2007, p. 226-230 - St Herman Press

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share