يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).
القدّيس الشهيد إفجيني روديونوف
(19 سنة - (1977 - 1996)).

 

القدّيس أفجيني في بدلته العسكرية

      ولد إفجيني في 23 أيار عام 1977، بعد نصف الليل بثلاثين دقيقة. ولادته كانت سهلة. كان طفلاً جيداً ينبض بالصحة، ويزن 3900 غرام. عندما سمعت أمّه المدعوة لوبوف روديونوفا بكاءه شعرت بالإرتياح وكأنه يقول لها: "لقد جئت إلى العالم، أحبوني!". تطلّعت الأم بشكل عفوي إلى النافذة  وكان الظلام حالكاً، وإذا بها ترى نجماً يسقط. اضطربت للرؤية وتحوّل قلبها إلى قطعة من الثلج. حاول الإطباء إقناعها أنها إشارة جيّدة، إلا أنها عاشت في حياتها يرافقها شعور بأن شيئاً خطيراً سوف يأتي عليهم. مع الوقت تلاشت هذه الفكرة إلى أن بلغ إفجيني عامه التاسع عشر.

       لقد نُشر في الجريدة الروسية الوطنية عن مآثر الجندي الروسي ذات التسعة عشر عاماً، إفجيني روديونوف. هذا الشاب أسره الشيشان عام 1996. لم يخن لا وطنه ولا إيمانه. لم يقبل أن ينزع صليبه في أصعب أوقات التعذيب الشرس. قلّدته الحكومة وسام الشجاعة. وساهمت عطاءات الناس في وضع صليب أرثوذكسي على قبره علّوه متران. يأتي الناس إلى قبره للتبرّك من كل أنحاء روسيا. وقد غيّر موقف الناس نظرة أمّه لوبوف روديونوفا للحياة. أحد المحاربين في الحرب العالمية الثانية زار قبر إفجيني، فنزع وسامه العسكري – وسام الشجاعة – ووضعه على ضريحه.

       لقد نُشرت سيرة إفجيني روديونوف في كتاب صدر عام 2002. اسم الكتاب "شهيد المسيح الجديد. المحارب إفجيني". هو بالحقيقة كتيّب كتبه الكاهن ألكسندر شارغونوف. يُعرف القليل عن أفكار إفجيني الحميمة ومشاعره وأحاسيسه وما كابد خلال الأشهر الثلاثة من الجحيم الشيشاني. معظم الأمور تبقى سراً. لقد شاركت لوبوف روديونوفا معلوماتها عن طفولة إبنها مع الكاهن ألكسندر: إهتماماته المدرسية وتصرّفه في الخدمة العسكرية. كذلك أخبرته عن اضطرابها ومخاوفها عندما أُبلغت عن خبر فراره المزعوم من الجيش والأحداث التي تبعت.




  طفولته

والدة القدّيس أفجيني تحمل صورته طفلاً مع إيقونة له

       عاش   إفجيني   في   منطقة   ساتينو-روسكويي   (Satino-Russkoye) قرب موسكو في ما كان يُعرف آنذاك بالإتحاد السوفييتي. كل ما كان يرغب هو به كان أن يصبح طبّاخاً. عندما بلغ سن الحادية عشرة، أهدته جدته قلاّدة مع صليب. أراد أن يضعها حول عنقه لدى ذهابه إلى المدرسة، فحذرته أمّه من هذا العمل لأنها كانت ملحدة وكانت السلطات الشيوعيّة لا تشجّع هذه التصرّفات. إلا أن إفجيني وضعها على كلّ حال ورفض خلعها.

 

  في الجيش

       عام 1995، لدى بلوغ إفجيني الثامنة عشرة أُلحق بالجيش الروسي كما هو مطلوب من كل ذكر في روسيا. كان إفجيني قبل ذلك بقليل قد اعتمد في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بناء لقراره الخاص.


  الأسر

الصليب الذي وُضع على قبر القدّيس إفجيني

       عُيّن الشاب إفجيني روديونوف في منطقة حدودية بين الجمهورية الشيشانية وجمهورية إنغوشيتيا. لقد أتى هو وثلاثة شبّان آخرين من كالينيغراد وكانوا يراقبون الحدود. نقطة المراقبة كانت تبعد حوالي 200 متر عن سريّة الأمن وكانت مجرّد كوخ صغير دون إي إضاءة أو وسيلة إتصال. لم يكن الكوخ يتمتع بأي دعم عسكري رغم كونه الكوخ الوحيد على الطريق الجبلية، وهو يستعمل لنقل الأسلحة، والمؤن والمأسورين والأدوية وما إلى ذلك. أوقف حرّاس الحدود سيارة إسعاف لفحصها. للحال، خرج منها أكثر من عشرة جنود شيشانيين. تمّ القبض على الشبّان الأربع الغير المختبرين بأيسر مرام. لقد حاول الشبّان المقاومة ولكن المعركة كانت محسومة قبل بدئها. هنا تقول لوبوف روديونوفا أن هذا الحادث حصل من تهاون الضبّاط المسؤولين. وتقول:"إن الأسر هو أبشع ما يمكن أن يحصل لإنسان. وهو يعني فقدان الحرّية مع تعذيب وإذلال. لقد برهنت الخبرة أن الأسر الشيشاني هو من أفظع خبرات الأسر، لوحشيته وعدم إنسانيته".



  عملية البحث عن إفجيني

إيقونة للقدّيس إفجيني

       لقد قيل للوبوف روديونوفا أن ابنها قد فرّ من الجيش فذهبت لتفتش عليه في الشيشان، هناك علمت أنّ ابنها اسرته المليشيا الشيشانية. بقيت لوبوف روديونوفا تبحث عنه لمدة تسعة أشهر، عبرت خلالها بكلّ الفظائع الممكن تصوّرها. تقول "أظن أن الله كان يرعاني. كنت أسير في طرقات مفخخة، ولكني لم أدس أيّ قنبلة. لقد حماني الرب الإله من القذائف، ولم يدعني أموت، لأن واجبي كان أن أجد ابني، لأدفنه في بلاده بحسب التقليد المسيحي.  لقد أدركت هذا مؤخراً. عندما كنت أسير في الطرقات العسكرية، وكنت أُحافظ على الصمت، مصلية لله في قلبي."

       لقد قتلت الميليشيا الشيشانية إفجيني روديونوف في 23 أيار من العام 1996 في المستوطنة الشيشانية في باموت. استولى الجيش الروسي على هذه المستوطنة في اليوم التالي. لم تعلم لوبوف روديونوفا بموت ابنها إلا في شهر أيلول. لقد اضطرت إلى وضع منزلها قيد الرهن للعثور على جسد إفجيني وأخذه مع أجساد أصدقائه المقتولين معه. وذلك لأن أحد الرجال الشيشان وافق أن يدلّها على المكان الذي دُفن فيه إفجيني، مقابل مبلغ طائل. تروي أنه عندما وصلت إلى الشيشان في منتصف شهر شباط، اضطرت لدفع 10 ملايين روبيل للتكلّم مع هذا الرجل وهو ملازم في الجيش. تقول لوبوف روديونوفا :"كان الليل قد أسدل ستاره عندما نبشنا الحفرة. هناك وجدنا جثث أربعة جنود روس ملقاة. كنت أصلّي كل الوقت، آملة ألا يكون إبني إفجيني هناك. لم أكن أستطيع ولم أرد أن أصدّق أنه قد قُتل. عندما كنّا نُخرج البقايا، تعرّفت على جزمته. رغم ذلك، لم أقبل فكرة موته، إلى أن عثر أحدهم على صليبه. عندها فقدت الوعي".



استشهاده

       رسلان خييوروييف (Rusland Haihoroev)، أحد القادة في الميليشيا الشيشانية، هو الذي قتل الجندي الشاب إفجيني روديونوف. لقد أسره مع رفاقه وعرّضهم للتعذيب ولأسوء ظروف الأسر. حاول إفجيني الفرّار مرة. اعترف رسلان للوبوف روديونوفا أنه ترك لابنها الخيار أن يبقى حياً إذا ما اقتبل الإسلام، ولكنه رفض أن ينزع صليبه فقطع رأسه بسكين أصدأ. يُذكر هنا أنه تَمَّ قتل رسلان مع كلّ حرّاسه في 23 آب 1999، في معركة مع فرقة شيشانية مسلّحة أخرى.


إعلان قداسته

جنود من الجيش الروسي يكرّمون رفات القدّيس إفجيني

       وعادت لوبوف روديونوفا إلى ديارها مع جسد ابنها لتواريه الثرى. بعد خمسة أيام من دفنه رقد والده، إذ  لم يستطيع أن يتحمّل خسارة ابنه. ذهبت لوبوف روديونوفا إلى الشيشان مرة ثانية للحصول على رأس ابنها. يقول الكاهن ألكسندر شارغونوف: "نحن نعلم أنه عانى عذابات فظيعة وطويلة كالتي كابدها شهداء العصور القديمة. لقد قُطعت رؤوسهم، وبترت أعضاؤهم ولكنهم ثبتوا بإيمانهم بالرب يسوع المسيح على كل حال".

       تمّ إعلان قدّاسة إفجيني روديونوف في 20 آب سنة 2002 وبُنيت له كنيسة في هانكالا قرب غروزني وهي الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في الشيشان. وقدّمت أمّه صليبه لكنيسة القدّيس نيقولاوس في أوردينكا في موسكو، أما قبره في ضيعته ساتينو-روسكويي فيشكّل محجة يقصدها الناس لطلب المعونة والشفاء.

       تُعيّد له الكنيسة الأرثوذكسية في 23 أيار و20 آب.


قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share