"لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيوي"... حالة فردوسيّة... الحياة الرّوحيّة هي رجوع إلى الحالة الفردوسيّة.(الأب الياس مرقص).جوهر صلاة القدّيس أفرام السّرياني هو روح العفّة: ابتغاء الرّبّ وحده، البقاء في الذّهن العميق نحو الرّبّ ومعه وحده، متجاوزين كلّ شيء آخر.(الأب الياس مرقص). تتطلّب حياتنا يقظةً هائلة،لأننّا بمقدار ما نتمّم الأعمال والفرائض والواجبات، نزداد كبرياءً في العمق، كبرياء خفيّة في داخلنا. لذلك ترانا يذلّنا الله في صلاتنا وجفائنا وضيقتنا.(الأب الياس مرقص).متى نحسّ بالرّحمة العظمى؟. إذا كان الجسد تعبًا كلّ التعب،والرّوح منكسرًا كلّ الانكسار... بكاء ورحمة... بنعمة الرّبّ.(الأب الياس مرقص).كما أنّ الحبّ المتقطّع للمحبوب لا معنى له، ولا قيمة ثابتة حقيقيّة له، كذلك هي الصّلاة غير الدّائمة.(الأب الياس مرقص).
شــهيـــد بئــر يــــعقــوب.
القدّيس "فيلومانوس" الشّهيد الجديد.
(1913-1979).

   ينحدر القدّيس فيلومانوس القبرصيّ، شهيد القرن العشرين الجديد، من قرية "أورونتا" من مقاطعة "مورفو"، في "قبرص". منذ عمر مبكر، تعلّم مع أخيه "ألبيذيوس" محبّة المسيح والكتب المقدّسة، من جدّتهما. وقد درسا حياة القدّيسين والتّرتيل الكنسيّ. وانضمّا إلى دير"ستافروفوني"، حيث أقاما خمس سنوات ثمّ غادراه إلى "أورشليم". بقي القدّيس "فيلومانوس" في أورشليم 46 سنة، وقد وُجد مقتولًا من أحد المتعصّبين الصّهاينة، مساءً، بينما كان يقيم صلاة الغروب بقرب بئر يعقوب حيث كان يقيم، كحارس أمين للمكان المقدّس.

عائلة القدّيس.

    في الأسبوع الّذي سبق مقتل القدّيس، حضرت مجموعة من المتزمّتين اليهود إلى دير بئر يعقوب، يوم الجمعة ليصلّوا، كما كانت عادتهم أن يفعلوا،  وكانوا، في كلّ مرّة، يدّعون أنّ المكان هو مكان مقدّس لليهود ويطالبون أن تُرفع كلّ الصلبان والإيقونات الموجودة، لكنّ القدّيس أشار إلى أنّ أرض الكنيسة الّتي يقفون عليها، قد أشادها الإمبراطور قسطنطين قبل السّنة 331، وقد استمرّت مقامًا أرثوذكسيًّا مقدّسًا لمدّة 16 قرنًا قبل قيام الدّولة اليهوديّة، وكانت تحت سلطة السّامريين، قبل ذلك بثمانية قرون. الكنيسة الأساسيّة دمّرها الشّاه "خوسران بافيس" في القرن السّابع. في ذلك الحين قتل اليهود كلّ مسيحيي أورشليم.

القدّيس عند بئر يعقوب.

    ثمّ غادرت هذه المجموعة، وراح أفرادها يهدّدون ويكيلون الشّتائم والكلام البذيء، ممّا اعتاد أن يعانيه المسيحيّون المحلّيون دائمًا.

    بعد بضعة أيّام، في ال29 من تشرين الثّاني، (الّذي تقيم فيه الكنيسة تذكار الشّهيد "فيلومانوس" من "أنغيرا")،وتحت الأمطار الغزيرة، تسلّل متعصّب يهوديّ إلى الكنيسة، وكان القدّيس قد وضع بطرشيله عليه ليبدأ بصلاة الغروب. فهجم عليه،  وقطّع أصابعه الّتي يرسم بها إشارة الصّليب، ومزّق وجهه بشكل صليب، ودنّس الكنيسة والأواني المقدّسة.

    سُلّم جسد القدّيس للكنيسة الأرثوذكسيّة بعد ستّة أيّام، وكان بعد محتفظًا بنضارته، وتمّ دفنه في جبل صهيون. وقد حضر جمع غفيرمن المؤمنين، ومن المسلمين وأبناء الطّوائف الأخرى، ممّن أحبّوا القدّيس وأرادوا توديعه.

    ثمّ  بعد أربع سنوات، تمّ فتح القبر، كما هي العادة المتّبعة، فوُجد جسدُ الشّهيد غيرَ منحلٍّ بشكل كامل، تنبعث منه رائحة عطرة. أعيد إغلاق القبر، ثمّ في عيد الميلاد سنة 1984، وُضع في تابوت زجاجيّ، في القسم الشّماليّ من المذبح المقدّس في جبل صهيون. تمّ إعلان قداسة القدّيس في كنيسة أورشليم في 30 آب 2008، ومذ ذاك تمّ نقل رفاته غير المنحلّة إلى دير بئر يعقوب حيث قضى شهيدًا حبًّا بالمسيح. يقام تذكاره في 29 تشرين الثّاني من كلّ عام.

رفات القدّيس.

هذا ويُخبر الأب "يوستينوس"، وهو الأب الّذي تولّى خدمة بئر يعقوب بعد القدّيس "فيلومانوس"، كيف أنّ القدّيس حاضر أبدًا في المكان، وأنّه يشعر دائمًا بمساعدته له. يقول: "ذات ليلة، رأيتُ القدّيس، في الحلم، يقول لي:" استيقظ عاجلًا، حان وقت الصّلاة". استيقظت، لكنّني وجدتُ الوقت باكرًا جدًّا، فعدت للنوم،لكنّني رأيتُه أمامي بغنبازه الرّماديّ، وقد كرّر القول بحزم:"قلت لك أن تنزل، ولكن انزل من الباب الأيسر، لا من الأيمن". وإذ خشيت أن يكون في

الأب "يوستينوس" المسؤول الحالي عن بئر يعقوب.
الأمر حيلة من الشّيطان، رحت أتلو صلاة لوالدة الإله، لكنّ القدّيس أمسكني من كتفي الأيسر وقال: لا تخش، هذا أنا "فيلومانوس"، لكنّني أقول لك أن تنزل من الباب الأيسر لا من باب الكنيسة الأيمن!". حينئذ رسمت علامة الصّليب، ونزلت فوجدت بابَي الكنيسة كليهما مفتوحين! وسمعت صوتًا قويًّا من الناحية اليسرى للهيكل، كصوت دقّات ساعة حائطيّة قويّة؛ كانت قنبلة موقوتة!. اتّصلت بالشّرطة، وما إن تمّ  إبعادها خارجًا حتّى انفجرت". 

    يُروى عن العديد من العجائب الّتي تمّت بشفاعات القدّيس "فيلومانوس"، إنْ في أورشليم، أم في اليونان، أم في "قبرص"، شهادة على دالّته الّتي أحرزها لدى الله بشهادة الدّم، وحياته الفاضلة.

   

الأب "سيرافيم" رئيس دير القدّيس سابا السّابق.
كان الأب "سيرافيم"، الرّئيس السّابق لدير القدّيس سابا في فلسطين، يقول عنه، وقد ربطته به أواصر الصّداقة:" كان إنسانًا قدّيسًا، عاش حياة بارّة، منذ الطّفوليّة، ثمّ كراهب مجدّ في دير "ستافروفوني"، ولاحقًا في أورشليم. لذلك أهّله الله لإكليل الشّهادة، مظهرًا ذلك من خلال الرّائحة الزّكيّة المنبعثة من قبره، ونعمة الأشفية الّتي وهبه إيّاها". 


    تذكر "ألكسندرا"، أخت القدّيس بالجسد، حادثة شفاء حصلت لأحد الأطفال الصّغار بواسطة رفات القدّيس:" كان لديّ قطعة من رفات القدّيس، وعندما ذهبت إلى أوستراليا وأقمنا تذكار القدّيس "فيلومانوس"، والأب "إلبيذيوس"(الأخ التوأم للقدّيس، الّذي رقد في نفس اليوم بعد أربع سنوات)، أخذت الرّفات معي، وأعطيتها للكاهن، الّذي، بعد انتهاء القدّاس الإلهيّ، عرضها للتبرّك، ثمّ طلب منّي أن أبقيها يومًا آخر لأنّ سيّدة أرادت أن تُحضر ولدها، المريض بالسّرطان، ليتبرّك منها. وعندما حضر الصّبي ووُضعت قطعة الرّفات على رأسه تعافى!".


الأب "ألبيذيوس" أخ القدّيس، مع "ألكسندرا" أخته.
أمّا الأب "إلبيذيوس"، أخ القدّيس التّوأم، فقد عاش في أورشليم مدّة سبع سنوات، ثمّ انتقل إلى "الموزنبيق" حيث بقي حتّى السّنة 1952.عاد من الموزنبيق، إلى أثينا حيث درس اللّاهوت، ثم أدّى خدمة رعائيّة في العديد من البلدان، وعاد إلى قبرص ليصير رئيسًا لدير والدة الإله في "ماخيراس" حتى سنة 1961. بعد ذلك، عاد إلى اليونان من جديد، وخدم كأب روحيّ، ثمّ انتقل سنة 1976 إلى الجبل المقدّس آثوس، حيث أنهى حياته، في كهف البشارة، في الإسقيط الجديد.

الأب "ألبيذيوس".
    وفي 29 تشرين الثّاني 1979، عندما كان أخوه الأب "فيلومانوس" يقتبل إكليل الشّهادة، في تلك السّاعة عينها، كان الأب "إلبيذيوس" يصلّي في الإسقيط الجديد، فسمع صوت أخيه يردّد :"إنّهم يقتلونني يا أخي، ولكن لا تغضب، هذا لأجل مجد الله". ثمّ بعد أربع سنوات من استشهاد القدّيس "فيلومانوس"، في اليوم عينه، أي في 29 تشرين الثّاني 1983، رقد الأب "إلبيذيوس" بالرّب  ..!!..

   

فبشفاعات قدّيسك "فيلومانوس" وجميع قدّيسيك، اللّهم ارحمنا وخلّصنا. آمين.

   

المرجع:

Ο Άγιος Νέος Ιερομάρτυς Φιλούμενος ο Κύπριος.(2003). Ιεράς Μονής Αγίου Νικολάου, Ορούντα-Κύπρος.

 

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share