<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
القدّيس جبرائيل أورغيبادزي المعترف (المعروف بجبرائيل المتباله)
(1929 – 1995).
قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان  (2 تيم 7:4)


 

 

     ولد الأرشمندريت جبرائيل في تبيليسي (Tbilisi)، جيورجيا، في 26 آب 1929 لـ”فاسيلي“ و”بربارة“ أورغيبادزي (Urgebadze)، وأُعطي ٱسم ”غوديردزي“ (Goderdzi). هو في أيامنا هذه من أشهر الرّهبان الأرثوذكس في جيورجيا. أُعلنت قداستُه في 20 كانون الأول 2012. عاش في زمن كان فيه النّظام الشيوعي عنيفًا جدًا في كلّ ما يتعلّق بالإلهيّات: كانت الكنائس تهدم وتُقفل، والنّاس الأبرياء يُساقون إلى الموت أو يُرحّلون. قُتل والد ”غوديردزي“، وهو ٱبن سنتين، في ظروفٍ غامضة، فأطلق عليه ذووه ٱسم ”فاسيكو“ إكرامًا لوالده.

     كان ”فاسيكو“ طفلاً مميّزًا، تظلّله النّعمة الإلهية. هوايته المفضّلة كانت بناء الكنائس الصّغيرة من عيدان الكبريت. في صباه، كان يتصرّف بغرابة. يتوقف عن اللعب مع رفاقه، أحيانًا، ويخلو للوحدة والصّمت. كانت لديه هواية غير مألوفة: يلتقط غصنًا صغيرًا في يده ويركض في الأمداء، والطيور تجلس على العود وتتبعه وهي تغرّد. كان ”فاسيكو“ رقيق القلب، لا يسمح لنفسه بأن يضع مصيدة للفئران، بل يلتقطها في قفصٍ صغير ثم يحررها خارج الحديقة. دخل المدرسة في السّادسة. كان سهلاً عليه تعلّم القراءة والكتابة والحساب. أحبّه الجميع للطفه. عندما كان في السّابعة سمع الجيران يتشاجرون. قال أحدهم للآخر: ”بالتأكيد ستفرح إذا صلبوني مثل المسيح“. كانت هذه أوّل مرة يسمع فيها ”فاسيكو“ هذا الاسم. من هو المسيح؟ ولماذا صلبوه؟ أرشده البعض إلى الكنيسة ولكنّ الكنائس كانت مقفلة. نصحوه بأن يقرأ عن المسيح في كتابه أي ”الإنجيل المقدّس“. جمع ”فاسيكو“ مالاً وٱشترى الإنجيل.

     هذه كانت بداية حياته الجديدة. من ذلك اليوم إلى حين رقاده، ٱمتلكت ”الراهب جبرائيل“ رغبة واحدة: أن يعيش للمسيح فقط. فكان يقرأ الأنجيل بٱستمرار ولم يبدِ ٱهتمامًا بأي شيء آخر. قبل خلوده إلى النّوم كان يدخل غرفته ويسجد لفترة طويلة في زاوية الأيقونات مصليّا متضرّعًا. قبل أيام قليلة من رقاده ذكر الرّاهب جبرائيل هذه الفترة من حياته قائلاً: ”كنت جالسًا ذات مرّة قرب الشرفة في الطابق الثّاني، غارقًا في أفكاري، عندما أتاني صوت في داخلي يقول لي أن أنظر إلى السّماء. وقفت وٱقتربت من زاوية الشرفة ونظرت إلى أعلى، فرأيت صليبًا كبيرًا في السّماء. لم أعرف عندها، ولكنّي الآن أعلم أنّ هذا هو الصّليب الّذي كان علي أن أحمله محبّةً بالله والنّاس“.

     ومرة أخرى، ٱستفاق من نومه فرأى الشيطان، وجهًا مخيفًا، نافثًا سمّه في وجهه، غاضبًا. لم يشعر بالخوف، رحمةً من الله عليه، لكنّه ٱضطرب بعض الشيء، لم يقم بأية حركة لإخراجه. فقط نظر إليه بتعجّب وسمعه يزأر ويقول: ”أنت تحاربني؟!“ ثم ضربه بقبضة يده. دخلت أمّه عليه فألفته فاقد الوعي. ولكنّ الله حفظه. عرف الرّاهب جبرائيل يقينًا من تلك الحادثة أن الله موجود وٱزداد إيمانه بالمسيح.

     لقد أسبغ الله على ”فاسيكو“ في عمر 12 سنة بقدرات وإعلانات إلهية. فكان يأتيه النّاس الّذين لم يعد لديهم معلومات عن أقربائهم في الجبهة مستخبرينه. فكان يعطيهم الجواب ويرشدهم إلى الكنيسة ويحثّهم على الصّلاة. في هذه الحقبة من الإضطهاد الشيوعي، كان النّاس يخبّئون الرّموز الدينية، فٱعتاد ”فاسيكو“ الذهاب إلى منازلهم قائلاً لهم: ”لديكم أيقونة مخبأة هنا“ مشيرًا بيده إلى مكان وضعها بالضبط، ”فإمّا أن تعطوني إيّاها أو تكرموها كما يليق“. كان البعض يتخشّع ويحتفظ بالأيقونة بإكرام والبعض الآخر يعطيه إيّاها غير مبالٍ بقيمتها. لذلك جمع الرّاهب جبرائيل كمية كبيرة من الأيقونات والصّلبان الّتي زيّنت، فيما بعد، جدران قلايته حتّى السّقف بشكلٍ لافت.

الأب جبرائيل مع البطريرك الحالي إيليا II وعدد من المطارنة

     خشيت أمّه بربارة* أن يلاحظ أحد تصرفاته، فيشي به لدى السّلطات على أنّه يتعرّض للأيديولوجية الشيوعية. لذلك حاولت مرارًا وتكرارًا ردعه عن مسيرته قائلة له :”لا تعذب نفسك! عشْ كسائر البشر! كن متديّنًا ولكن لا تجعل من الدّين حياتك!“. وإذ أصرّ ”فاسيكو“ على موقفه، أخذت منه أمّه مرّة، الإنجيل ورمته في المرحاض، فأسرع ”فاسيكو“ وٱلتقطه ضامًا إيّاه إلى صدره وباكيًا. على الأثر قرّر ترك المنزل الوالديّ وأخذ ينتقل من دير إلى آخر. لم يستطيع أحد أن يستضيفه أكثر من ثلاثة أيّام نظرًا لصغر سنّه. في ترحاله وصل إلى دير ”بيتاني“ حيث تعرّف إلى شيخَين  وقورَين  أُعلنت  قداستهما   فيما   بعد   وهما:   الأب    جورج   (القدّيس  جورج -  يوحنّا   مخيدزي)   (St Georges-John Mekheidze) والأب يوحنّا (القدّيس يوحنّا فايسورادزي) (St John Maisuradze). تأثّر بهما كثيرًا وٱستمر يتردّد عليهما إلى حين رقادهما. في النّهاية ٱنتقل إلى بيت امرأة ٱسمها ”مارغو“، حوّلها عن التنجيم وعلم الغيب إلى التوبة والإيمان هي وكلّ من كان يستشيرها. وإذ أخذ يبشّر ويرشد النّفوس، اشتهر، فعرفت بمكانه أمّه وتوسّلت إليه أن يعود إلى المنزل فرضي بعد أن وعدته بأن تتركه يعيش كما يشاء.

     عام 1949، أكمل ”فاسيكو“ خدمته العسكرية في الجيش السّوفيتي ولكنّه ٱستطاع الحفاظ على أصوامه وحتّى اللجوء إلى كنيسة قريبة لمساهمة القدسات. بعد تسريحه من الخدمة، ٱستدعت السّلطات ”فاسيكو“ إلى المستشفى وٱستجوبته بشأن الظهورات الّتي عاينها في صغره. وبعد أخذ وردّ، حسِبت السّلطات أنّه يعاني مرضًا عقليًا يمنعه من مزاولة أية مهنة فخصّص له، من ثمّ، راتبًا شهريًا.

     من ذلك الحين تابع ”فاسيكو“ مسيرته الرّوحية بحميّة أكبر. ففي حديقة المنزل، بنى قلاية صغيرة لجهاداته النّسكية. وببركة البطريرك ”ملكيصادق III“، عُيّن ”فاسيكو“ حارسًا لكاتدرائية ”سيوني“ ومن ثم قارئًا. في كانون الثاني 1955، سيم شمّاسًا. وفي 23 شباط ٱقتبل نذوره الرّهبانية في دير ”كوتايزي موتساميتا“ (Kutaisi Motsameta) وأُعطي، بناء لطلبه، ٱسم ”جبرائيل“ تيمّنًا بالقدّيس ”جبرائيل الإيفيري“. وبعد ثلاثة أيّام سيم كاهنًا. ٱزدادت جهادات الرّاهب جبرائيل. قام ببناء كنيسة لها سبع قبب كرّسها للثالوث القدّوس في حديقة منزله. هناك ٱجتمعت حوله رعية صغيرة.

     في 1 أيار 1965، إذ كان الحزب الشيوعي يُقيم ٱحتفالاً لـ”تعاضد الطبقة العاملة“، أحرق الأب جبرائيل رسمًا  لـ”لينين“ طوله 12 مترًا. ضُرب ”جبرائيل“ بوحشية ثم نُقل إلى المستشفى بالكاد يتنفس مع ثمانية عشر كسر في أعضائه بالإضافة إلى خلع في فكّه. بعد أسبوعين ٱعتقلته الاستخبارات السّوفيتية ”KGB“ وٱتهم بالترويج لأفكار ضد الحكم. تمّ إحراق ملف الأب جبرائيل في السّجن لذلك لا توجد معلومات كثيرة عن تلك الحقبة. حُكم عليه بالموت ولم يُنظَر في قضيته إلا صوريًّا، لكنّ السّلطات طلبت منه الإقرار بأنّ الكنيسة الجيورجية الأرثوذكسية متآمرة للإطاحة بالحكم فينقذ حياته. ورغم هول التعذيب، بقي الرّاهب جبرائيل ثابتًا، حتّى إنّه، في إحدى إستجواباته، دعى ”لينين“ بالـ”وحش“، فعُذب بالأكثر. نشرت خبره أوساط إعلامية عدة في أوروبا وأميركا. فعدلت الدّولة عن قتله وأحالته إلى مصحٍّ للأمراض العقلية. كان المخطط إبقاءه في هذا المستشفى مؤبدًا بهدف تعذيبه بالأكثر. لكنّ الله حفظه وأُخرج من المستشفى لأنّ الأطباء ٱرتأوا أنّ وصف الأب جبرائيل للحياة الفاضلة للإله الّذي يعبد هو سبب كافٍ ليُطلِقَ المسؤولون عن الحزب الشيوعي سراحه!

الكنيسة الّتي بناها بيديه

     ٱعتُقل الأب جبرائيل سبعة أشهر، وعَلّق الأسقف كهنوته تحت الضغط. كانت مديرية الأمن تستدعيه مرارًا فيتعرّض للضرب من دون رحمة. وعندما كان يعجز عن العودة بمفرده كانت الشرطة تتصل بذويه ليحضروه.

     على الأثر قرّر الأب جبرائيل أن يُغيّر نمط حياته الّذي بات موجعًا للغاية. فٱدّعى الجنون كما شُخِص له! وبدلاً من الصّمت كان يخرج إلى الشوارع ويبشر بصوت عالٍ. وإذ كان، قبلاً، يرفض أن يتناول الكحول، أخذ يدّعي الثمالة. وإنّ التباله من أجل المسيح يتطلّب قوة روحية فائقة وذهنًا إلهيًا راسخًا في محبّة الرّب يسوع المسيح.

     كان شديد الاتضاع. عندما كان صغيرًا كان يضع نفسه في المزبلة ويقول: ”تذكّر يا فاسيكو أنّك قمامة ولست بشيء“. والآن، إذ صار كاهنًا، وكان النّاس يوقّرونه، كان يبكي مرارًا، نادبًا، أنّ الرّب الإله وُلد في مذود البهائم والنّاس يقبّلون يده هو الإنسان.

مقبرة حفرها القدّيس في كنيسته، كان يستلقي فيها، من وقتٍ إلى آخر، متذكّرًا الموت

     حاول الحكم الشيوعي التضييق عليه كثيرًا، فهدموا الكنيسة الّتي بناها ثلاث مرّات، وهو في كلّ مرّة كان يعيد بناءها. في النّهاية جعل لها قبّة واحدة كبيرة (وهي محفوظة إلى اليوم) ولم يجرؤ أحد من الحزب أن يهدمها إذ كان ينتاب كلّ من يحاول الإطاحة بها تخشع وخوف.

     عام 1971، وببركة البطريرك ”إفرام II“ والمتروبوليت إيليا (وهو البطريرك الحالي)، عُيّن الأب جبرائيل كاهنًا لدير ومعهد ”سامتافرو“ وأُعطي البرج القديم (برج ميرين) لإقامته الدائمة، إذ اضطره البطريرك إلى إعادة مزاولة كهنوته. كثيرًا ما كان يزور الكنائس والأديرة المهجورة وكان يقول: ”سيأتي يوم يُعاد فيه بناء هذه الكنائس والأديرة وتُقام فيها الخدم“ - كان هذا يبدو مستحيلاً في ذلك الوقت.

الأرشمندريت جبرائيل مع البطريرك إيليا II وراهبات دير القدّيسة نينا في سامتافرو

الأب جبرائيل

البرج القديم (برج ميرين)

     عام 1987 سكن الأب جبرائيل في غرفة كانت حظيرة للدواجن. هناك كان يمضي معظم وقته ويتعاطى الجهادات النّسكية دون تدفئة أو راحة حيث لا يستطيع المرء أن يقف مستقيمًا. عام 1990 رغب الأب جبرائيل في الإعتزال كليًّا فلجأ إلى دير ”شيو مغيفيم“ (Shio Mghvime) ليعيش ناسكًا، لكنّ الله أبان له أنّ عليه العودة إلى دير ”سامتافرو“ وخدمة النّاس هناك.

     بقي الأب جبرائيل في البرج المخصّص له إلى حين رقاده عام 1995.

     أحبّ الأب جبرائيل كلّ النّاس على السّواء. كان يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ٱنتشل الكثيرين من قعر هاوية اليأس. وآخرون نالوا عزاءً روحيًا كبيرًا خاصة بفضل موهبة النّبوءة لديه، الّتي كانت ترشدهم إلى السّبيل الّذي عليهم أن يسلكوه.

 
العلَّيقة حيث صلّت القدّيس نونة في القرن الرّابع موجودة في دير سامتافرو   كنيسة التّجلّي في سامتافرو مع دير للرّاهبات مكرّس للقدّيسة نونة

     كان الرّاهب جبرائيل يحاول كثيرًا إخفاء موهبة صنع العجائب المعطاة له من لدن الله إلا أنّه في الحالات القصوى كان يكشفها لأجل خلاص نفوس سائليه.

     مرة زاره أحد أبناء وطنه كان قد ٱعتنق الهندوسية وله أب روحيٌّ في الهند. أخذ يحاججه عن الثّالوث القدوس. فأمسك الأب جبرائيل رغيف خبزٍ في يده ورسم إشارة الصّليب عليه على ٱسم الثالوث القدّوس فتحوّل الخبز، بشكل عجيب، إلى لهب وماء وقمح. فقال له: ”أنظر! فالأمر عينه يقال عن الثالوث القدوس ذات الثلاثة الأقانيم: الآب والإبن والرّوح القدس“، ثم رسم الأب جبرائيل إشارة الصّليب ثانية، فتحوّل الماء واللهب والقمح إلى رغيف خبز، وقال: ”كما أنّ الخبز كامل، كذلك الثالوث القدّوس هو جوهر واحد غير منقسم“.

     زاره مرّة رئيس دير ”كزيروبوتامو“، الأرشمندريت يوسف، من الجبل المقدس مع وفد من الرّهبان فقال له الأب جبرائيل عندما ٱستقبله: ”كيف تقول إنّ والدة الإله قد تخلّت عن جيورجيا؟ فإنّنا إنّما نحن عائشون تحت ستر حمايتها، لكنّك لا تنظر الحقيقة لذلك تعترض“. فتخشّع الرّئيس جدًا وطلب المغفرة إذ إنّه، بالفعل، تفوّه بهذا قبل أيامٍ من زيارته الأب جبرائيل. عرض عليه آباء الجبل المقدس الذهاب إلى هناك لكنّه قال لهم: ”هذا هو جبل آثوس بالنّسبة لي، ولن أقايض جيورجيا خاصتي بآثوس!“.

     في الفترة الأخيرة من حياته، تعب الأب جبرائيل كثيرًا. وفي آخر سنة كان يلازم الفراش بشكلٍ شبه دائم. وبعدما كان يعلّم دائمًا عن الله ومحبة القريب، والتوبة والتواضع والرحمة، غيرّ طريقة وعظه وأخذ يتكلّم عن نهاية الأزمنة ويقول: ”سترون ضد المسيح وسوف تُضطهدون لذلك يجب عليكم اللجوء إلى الجبال. لا تخافوا! كما أنّ اليهود لم ينقصهم شيء في البرية عندما تركوا عبودية فرعون ومصر – أي ضد المسيح، كذلك أنتم أيضًا. يجب أن تعلموا أنّ هذا سيقودكم إلى أرض الميعاد، إلى الفردوس، حيث ستضيئون كالشمس“.

     عرف الرّاهب جبرائيل تاريخ رقاده فقال: ”قد حان ميعاد رحيلي“. ثم لمس أيقونة المخلّص المعلّقة فوق رأسه بحنان، وبقي صامتًا لبعض الوقت ثم قال: ”إني أتبعك أيّها المسيح، منذ سنّ 12 سنة. أنا حاضر، فخذني إليك!“. قضى الأب جبرائيل ساعات الليل حتّى الرّابعة بعد منتصف الليل في آلام مبرّحة. ثم أخذ يتنفس بصوت عالٍ مناديًا أمّه وأخواته. فأتت كلّ الرّاهبات من الدير مع أفراد عائلته وعدد من العلمانيين مع طبيب وكهنة. نظر الأب جبرائيل إلى أيقونة القدّيس نيقولاوس بحبّ. وقرأ عليه رئيس الأساقفة دانيال صلاة المحتضرين. في نهايتها ٱبتسم الأب جبرائيل وأسلم الرّوح بسلام. كان ذلك في 2 تشرين الثاني 1995. وبحسب وصيّته دُفن في حديقة دير ”سامتافرو“ ملفوفًا بكيس من الخيش بحسب التقليد الرّهبانيّ القديم. تحلّق حوله أحبّاؤه ولم يشأ أيّ منهم أن ينثر التراب عليه فكانوا يرمونه إلى جانب جثمانه، ولكن في النّهاية ٱستجمع التراب نفسه، بنعمة من عند الله، وغلّف جسد القدّيس. وبناءً لوصيته كُتبت على ضريحه هذه الكلمات: ”إن الحقيقة هي في خلود الرّوح“ – الرّاهب جبرائيل.

     جرت عجائب شفاء عدة عند ضريحه ونُشرت له عدة كتب عن حياته وتعاليمه وأعماله في جيورجيا وبلدان أخرى.

     فلتكن صلوته معنا أجمعين. آمين.

 
صورة من ذكرانية أُقيمت على ضريحه   قطرة من دمه غير منحلّة

 

* بعد رقاد الأرشمندريت جبرائيل ٱلتحقت والدته بدير ”سامتافرو“ وأُعطيت إسم ”حنة“. هناك رقدت بسلام ودُفنت إلى حانب ٱبنها.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share