قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
شهداء أوبتينا
(+ 1993م).

شهداء أوبتينا: الرّاهب فيرابونت والرّاهب الكاهن فاسيلي والرّاهب تروفيم

     ”ثم سمعت صوتًا من السّماء يقول: اكتب: هنيئًا للأموات الّذين يموتون منذ الآن في الرّب! فيجيب الروح: نعم، فيستريحون من متاعبهم، لأن أعمالهم تتبعهم“. (رؤ-14-13).

     نسرد هنا سيرة ثلاثة شهداء جدد من دير أوبتينا في روسيا الوسطى، قَتَلهم عابدٌ للشياطين ليلة الفصح من العام 1993. الشهداء هم الرّاهب الكاهن فاسيلي (روسلياكوف) والرّاهب تروفيم (تاتارينوف) والرّاهب فيرابونت (Ferapont) (بوشكاريف).

     في تلك السّنة، جرت خدمة الفصح كالعادة. أُقيم زياحٌ من الدّير إلى إسقيط القدّيس يوحنّا المعمدان شرقي الديّر. وقد سُمع دق الأجراس من جراسيّتي الدّير والإسقيط. اجتمع، في ذلك اليوم، عدد كبيرٌ من المؤمنين (حوالي العشرة الآلاف بحسب تقرير الشرطة الّتي كانت تقوم بحراسة الدّير أثناء الإحتفالات).

صورة من الدّفن

     بعد القدّاس الإلهي توجّه الرّهبان إلى المائدة لتناول فطور الفصح. بعد ٱنتهاء الوجبة، توجّه الرّاهبان فيرابونت وتروفيم لاستكمال دق الأجراس. كانت السّاعة السّادسة وعشرة دقائق صباحًا. فجأة، أصبح رنين الأجراس غير منتظم، ثم توقف كليًّا. كانت قد ارتكبت جريمة فظيعة عند الجرسية وأُصيب الرّاهبان بطعنات سكين في الظهر وهما يدقّان الأجراس. على الأثر رقد الرّاهب فيرابونت. أما الرّاهب تروفيم فبقي على قيد الحياة، وتمَّ نقله إلى الكاتدرائية حيث رقد بعد ذلك بقليل. وقد سُمع يقول: ”يا رب ارحمنا!“ و”النجدة“!

     ٱنتقل المجرم إلى الإسقيط، حيث طَعن الرّاهب الكاهن فاسيلي بالظهر وهو في طريقه إلى الكنيسة لقبول الاعترافات. ورغم جرحه البليغ بقي على قيد الحياة أكثر من أخويه. نظر إلى النّاس المحيطين به وحاول الوقوف. نُقل إلى الكاتدرائية ووُضع أمام رفات القدّيس أمبروسيوس، ثم نُقل إلى المستشفى، حيث ما لبث أن فارق الحياة.

صورة أخرى من الدفن

     بعد ذلك تسلّق المجرم سور الدير مخلّفًا وراءه سكّينه المدمّى. كان خنجرًا ذا طرفين، عرضه 5 سنتمرات، ويشبه السّيف. حُفر عليه الرقم "666" و"الشيطان". الكتابة عينها وجدت على سكين آخر في جيب المعطف الّذي خلّفه المجرم. إسم هذا المجرم بحسب المحقّقين هو ”نيقولاي أفيرين“. وقد طعن الضحايا بالظهر بشكل محترف بحيث لم تكن الطعنة عميقة لجعل الضحية ينزف حتّى الموت لوقت طويل. هذا ما حصل للرّاهب فاسيلي بينما رقد الرّاهبان تروفيم وفيرابونت على الفور. بعد ارتكابه الجريمة رفع أفيرين جُبب الرّهبان وغطى بها رؤوسهم ووضع سكوفياتهم* على وجوههم.

     منذ ذلك الحين والرّهبان في دير أوبتينا يجمعون المعلومات عن هؤلاء الشهداء الثلاثة، إذ استبان أنّهم كانوا يُعدّون أنفسهم لهذه اللحظة حتّى إنّ واحدًا منهم وزّع أغراضه على إخوته قبل رقاده بقليل.


     الرّاهب الكاهن فاسيلي

الرّاهب الكاهن فاسيلي

     اسم الرّاهب فاسيلي في العالم هو "إيغور روسلياكوف" وهو من الّذين بدأوا بإعادة إعمار دير أوبتينا. قبل وصوله إلى الدير بثلاثة أشهر، كتب يقول في مذكّراته: ”صباح 12 آذار 1988، وجدَتْ والدتي صليبي الصّغير الّذي كنت قد أضعته سابقًا. عمري الآن 27 سنة. لقد وضعت هذا الصّليب لأوّل مرة عندما تعمدت منذ 27 سنة. علامة واضحة من الله، معيدةً إلى الأذهان كلمات الرّب يسوع المسيح:... ٱحمل صليبك واتبعني...“.

     ٱعتنق إيغور الإيمان بحميّة عام 1984، وأخذ يذهب إلى الكنيسة باستمرار. نظر أحد السّواح مرة إليه وقال: ”هذا راهب يصلّي“. في ذلك الزمن لم يكن إيغور يفكّر مطلقًا بالرّهبنة. كان يقف دائمًا في الزاوية عينها في كاتدرائية الظهور في موسكو. في الزمان الغابر كانت توجد قرية ٱسمها ”ييلوهشوفو“ (Yelohovo) في هذا المكان، وهي موطئ رأس القدّيس باسيليوس المتباله المغبوط (يُعيّد له في 2 آب). كان إيغور يقف قرب أيقونة القدّيس باسيليوس، وجهه ناحية الإيقونسطاس مقابل أيقونة الملاك ميخائيل وفوقه حائطية لتقدمة دخول السّيدة إلى الهيكل. فيما بعد أُعطي إيغور اسم القديس باسيليوس عند رسامته. وفي عيد الملاك ميخائيل سيم كاهنًا في كنيسة دخول السّيّدة إلى الهيكل في دير أوبتينا.

     في 21 حزيران 1988، قدِم إيغور إلى دير أوبتينا الّذي كان خرِبًا مهملاً. فقام هو وبعض الإخوة القليلون الّذين أتوا إلى الدير بإعادة إعمار هذا المكان المقدّس.

الرّاهب فاسيلي طفلاً

     عند دخوله إلى الدّير قدّم إيغور إلى رئيس الدّير السّيرة الذاتية التالية: ”إسمي إيغور روسلياكوف. ولدت في موسكو في 23 كانون الأوّل 1960. درست في الثانوية رقم 466 في ناحية فولغوغراد من العاصمة. بعد أن أنهيت دروسي، عملت سنة في مصنع سيّارات. عام 1980 دخلت إلى قسم الصّحافة في جامعة موسكو. عام 1985 تخرجت من الجامعة حائزًا على شهادة صحافي للجرائد. وكعضوٍ في فريق كرة المياه شاركت في المباريات المحلية والعالمية. كذلك حزت على شهادة عليا في الرّياضة. تزوجت. ثم وقّعتُ أوراق طلاقي في مقاطعة فولغوغراد في دائرة الأحوال الشخصية. لا أولاد لي. ومنذ 1985، أعمل كمعلّمٍ للرياضة في جمعية إتحاد التجارة الرّياضية“.

     لم يعرف الإخوة في الدير شيئًا عن هذه السّيرة الذاتية، لأنّه لم تكن العادة أن يُسأل أحد عن ماضيه أو أن يعرض تفاصيل عن نفسه. ولكن بعد عدة سنوات أتى واحد إلى الدير حاملاً صحيفة فيها صورة لإيغور حاملاً كأس بطولة رياضية. عندها أصبح معلومًا أنّه كان قائد فريق كرة المياه في الجامعة وفي وقت لاحق معلّمًا للرياضة.

إيغور (الرّاهب فاسيلي) رياضي محترف

     أوّل من شك في أنّ إيغور رياضيٌ محترف هم شبيبة مدرسة كانت ما زالت ضمن أراضي الدير. هؤلاء الفتية سببوا الكثير من الإزعاج للرّهبان، فكانوا كلمّا تمّ بناء حائط أو ترميمه، يكتب المشاغبون عليه كلمات لا ينطق بها، من دون أي احترام للعمل المبذول في بنائه. في البدء تمّ التكلّم معهم بهدوء ليعودوا عن غيّهم وأُنذروا ولكن دون جدوى. في نهاية المطاف أخذ إيغور الأمر على عاتقه، فرفع بعضًا منهم عن الأرض ماسكًا إيّاهم من مؤخرة عنقهم وقذف بهم على الحشيش. كان لهذا تأثير كبير على الطلاب الّذين لم يوفّروا أي جهد لنقل الإشاعة أنّ كلّ الرّهبان رياضيّون محترفون. هذه الحادثة فرضت الإعجاب بالرّهبان والاحترام  لهم، ووضعت حدًّا لكلّ المشاكل والمشاكسات وساد السّلام في الدير.

     يُخبِر رئيس الدير ”ملكيصادق“ أنّه عندما كان مرة يُعمّد طفلة ٱسمها إيرينا، والرّاهب الشاب إيغور يساعده، أنهى الخدمة، وكان إيغور يمسك بيد الطفلة إيرينا لأنّ التعميد كان يجري في مياه عميقة. وبعد ثالث غطسة رأى إيغور شعاعَ نورٍ يخرج من عيني إيرينا. المعروف أنّ النّعمة تتنزّل في كلّ خدمة معمودية، إلا أنّ الرّب الإله قد منح إيغور نعمة خاصة وهي رؤية هذه النّعمة كنورٍ لا فقط الإحساس بها.

     كان إيغور يشعر بنّعمة ربّه خاصة في عيد الفصح، لدرجة أنّ عينيه كانتا تدمعان، وكأنّه خارج الزمن. وكان يقف لمدة خدمتين كاملتين غير قادر على فَصْل نفسه عن بركات الفصح المنبثّة في الجو. كان الفصح بالنسبة له سرًا، يُسمع فيه الرّوحُ نداءَ العالم الآتي الّذي يخيّلَ لك أنّ إيغور كان يسمعه.

الرّاهب فاسيلي عندما كان شمّاسًا

     في ما يلي بعض مما دوّنه في مذكراته:

     ”10 نيسان 1988، ثالث فصح لي... الوقت شيء غامض. أسأل نفسي: هل كان من صوم أم لا؟ هل كانت هناك خدمة؟ ذات يوم، سوف أُسأل عن حياتي. ما الموجود في الحقيقة؟ الرّوح. نقية من أية خطيئة أو ملطخة بها.“

     ”إفرحي وتهلّلي يا صهون..." نعم تهلّلي! هذه هي حال الرّوح، لأنّه تجلٍ داخلي، ولا يأتي من الخارج.“

     ”30 نيسان 1989. لقد وهبني الإله نِعَمَهُ مجّانًا، ولكنّ علينا أن نأتيه بكلّ ما لدينا.“

     وعندما صار كاهنًا، سأله أحد المؤمنين: ”أيّها الأب، هل لديك أمنية مقدّسة خاصّة؟“ فأجاب: ”نعم، أرغب أن أموت يوم الفصح على دق الأجراس“. وتحققت أمنيته عام 1993.

قلاية الرّاهب فاسيلي

     مما كتبه الأب فاسيلي في مذكراته: ”أحبِبْ قريبك كنفسك. صلِّ من أجله كما لو أنّك تصلّي لنفسك، حتّى ترى أنّ خطاياه هي خطاياك أنت. عليك أن تنزل إلى الجحيم من أجل هذه الخطايا لتخلّص قريبك... يا رب أنت أعطيتني هذا الحب، وغَيَّرْتَني بالكليّة، والآن لا أستطيع إلا أن أَقبل الآلام طوعًا محبةً بقريبي. أبكي وأتنهد ولكن لا أستطيع فعل أي شيء آخر، لأنّ حبّك يا رب يسيّرني ولا أريد أن أنفصل عنه، لأنّ فيه أجد رجاء في الخلاص.“

     يذكر أحد الرّهبان أنّه كان يشعر لدى اعترافه عند الأب فاسيلي أنّ هذا الأخير كان كأنّه يأخذ على عاتقه خطايا الآخرين. وما سمعه منه في عظة له صباح أحد السّبوت أكّد له هذا الشعور. كان هذا الرّاهب قد قرأ عن أحد الآباء الشيوخ أنّه استُشهِد لأنّه قد تراكمت عنده خطايا الآخرين الّتي كان يحملها طوعًا... وٱفتكر في نفسه كيف سيموت الأب فاسيلي وقد أخذ على عاتقه هذا الكمّ من الخطايا. 

     لم يجرء على هكذا عمل إلا الشيوخ النّسّاك القدامى الّذين كانوا يحملون خطايا الآخرين ويكفّرون عنها بصلاتهم. لم يكن الأب فاسيلي يعتبر نفسه ناسكًا، لكنّ الظروف المحيطة بزمن سقوط الشيوعية وبزوغ الحياة الرّهبانية الّتي كانت قد انتفت لفترة طويلة بالإضافة إلى نقصٍ كبير في الإكليروس أدّى إلى إلزام الرّهبان الكهنة بخدمة إضافية وبذلٍ متزايد.

الرّاهب فاسيلي

     يقول والد أحد الرّهبان عن رهبان أواخر العام 1980:

     ”أنّ حالهم تشبه حالنا (وكان قد حارب الفاشيّة الألمانية بين 1941 و1945) في حرب 1941. شبّان، لا خبرة لهم، في أوّل انطلاقة لهم في الحياة يدخلون مباشرةً إلى ساحة المعركة. يزحفون ليزيلوا القنابل، متجمّدين من الخوف ولكن عالمين أنّ على أحدهم القيام بهذا العمل...“.

     نورد هنا شهادة لأحد المؤمنين عما حصل له مع الأب فاسيلي:

     ”كنت على حافة اليأس حتّى أردت الانتحار... على هذه الحال كنت منطلقًا ذات يوم إلى دير أوبتينا للعمل جاهشًا بالبكاء. لمّا رآني أحد الآباء هناك وعرف حالي نصحني بالذهاب إلى الأب فاسيلي. وصلت إلى قلاّيته فكلّمني لمدة خمس عشرة دقيقة. أذكر كيف قال لي: ”إذا كنت تستطيع... سامح، وإذا كنت لا تستطيع.. غادر“. وصلّى لي. تركته وأنا في أحسن حال، أضحك من شدّة فرحي بالحياة!“.

     لم يبالِ الأب فاسيلي بإرضاء الآخرين أو كسب محبّتهم أو تلقي المديح لدرجة أنّ عددًا كبيرًا من رهبان دير أوبتينا وزوّاره لم يتعرّفوا على هذا الرّاهب الصّامت إلا قبل وفاته بقليل.

     سيم فاسيلي كاهنًا قبل سنتين ونصف من استشهاده. في البدء لم يكن يعترف لديه سوى الزوّار. وهؤلاء كانوا قلّة لأنّ كثيرين كانوا يخشون هيئته المهيبة. كان الشبّان يدعونه بالـ"نصب"، لأنّه كان ينتصب دون حراك أثناء الخدم. وعندما كان يقبل الإعتراف لم يكن يجلس قط. كنت تراه في الأسبوع العظيم يقف 18 ساعة متتالية. لم يكن لديه الكثير ليقوله في الاعتراف. كان يسمع بصمت. بعد وفاته، تبيّن في مذكراته أنّه لم يكن فقط يسمع بدقة كلّ كلمة يقولها المعترف، بل كان أيضًا يتضرّع أمام الله لكلّ واحد منهم قائلاً: ”سامحني يا رب، لأني أنا الّذي أخطأت أمامك.“

الرّاهب الكاهن فاسيلي يحمل علبة من الذخائر

     كان الأب فاسيلي يسجّل أسماء كلّ المعترفين والمعتمدين لديه ويذكرهم في صلاته الخاصة في القلاية.

     يشهد له كلّ من اعترف لديه أنّه رغم عدم بوح الأب فاسيلي بكلمة إلاّ أنّه كان يتركه مرتاحًا كمن أزاح عن قلبه حملاً ثقيلاً!


     استشهاده

     كان الأب فاسيلي يملك صليبًا خشبيًا كبيرًا عليه أيقونة للسّيّد. كان هذا الصّليب عزيزًا عليه لأنّ بعض الحجّاج الرّوس حملوه معهم عند دخولهم إلى أورشليم ومرورهم بالجلجلة وحتّى وصولهم إلى قبر المسيح حيث وضعوه للتبرّك. قبل وفاته بقليل، أخذ الأب فاسيلي هذا الصّليب وقدّمه لأحد الرّهبان الرّسامين في مشغل الأيقونات قائلاً له: ”أريدك أن تحتفظ بهذا الصّليب لبعض الوقت! هيا لنجد له مكان!“. ثم علّقوه على الحائط في المشغل... لقد أحضر الأب فاسيلي صليب الجلجلة هذا لينصبه في مكان جلجلته إذ إنّه قتل قرب مشغل الأيقونات مقابل الصّليب!


     الرّاهب تروفيم

الرّاهب تروفيم

     وُلد ليونيد تاتارنيكوف في قرية داغون، في مقاطعة إركوتسك في 4 شباط 1957. عندما كان طفلاً صغيرًا كان يبكي ليلاً ونهارًا حتّى ظنّ بعض النّاس أنّه لن يعيش، إلا أنّ بكاءه توقّف ما إن اعتمد . ومنذ ذلك الحين صار طفلاً مرحًا ذا صحة جيدة.

     كبُر الصبي وغدا شابًا وسيمًا تهيم به الشابات، وقد حاولن جهدهن للزواج منه دون جدوى؛ حتّى إنّ بعضهن لجأن إلى السّحر! لكنّه كان يكتفي دائمًا بمخاطبتهن بـ"أختي". إلى جانب جمال طلعته كان يحبّ القراءة كثيرًا ويُمضي لياليه مطالِعًا الكتب. كأنّ مجِّدًا في العمل لم يذق الخمرة في حياته. كان راهبًا بالفطرة لكنّه لم يفهم ذلك إلا في وقت لاحق.

     أنهى ليونيد دروسه الثانوية ثم استكمل علمه في معهد لخدمات السّكة الحديدية. وبعد خدمة العَلَم، عمل كبحارٍ في باخرة صيد.

     تغيّر ٱسمه من ليونيد إلى ألكسي أثناء حصوله على جواز سفر لسببٍ مجهول. شغل عددًا من الوظائف: التّصوير، تنشئة الأحصنة، صناعة الأحذية (وكانت نوعيّة الأحذية الّتي يصنّعها ممتازة لدرجة أنّ كلّ أبناء قريته كانوا يقفون بالصّف للحصول على أحذية لديه). علاوة على ذلك كان ألكسي عضوًا في عدد من النوادي: نادي اليخوت، المصارعة والكاراته، بالإضافة إلى الرّقص الفلكلوريّ والكلاسيكي. كان كثير المرونة. درس الرّقص الكلاسيكي مع أخته ناتاشا، وشارك وإيّاها في عدد من المباريات وربح ميداليات، حتّى إنّه عُرض عليه إمضاء عقدٍ يصير به راقصًا محترفًا.

الرّاهب تروفيم طفلاً

     كان ألكسي يبحث عن معنى لحياته، لكنّه لم يفهم ما كان ينقصه. وقد حاول مررًا الاقلاع عن التدخين، الّذي تعلّق به في سن مبكر، بصومٍ طويل ومتواصل لمدة عشرة أيام مرتين في الشهر ولكن من دون جدوى. فلمّا أخذ يذهب إلى الكنيسة، خيّره الكاهن ما بين الله والنيكوتين. وبالصّلاة استطاع ألكسي الإقلاع عن التدخين.

     رأى ألكسي رؤيا يوم العنصرة من العام 1990، قرّر على أثرها أن يصير راهبًا واشترى تذكرة للذهاب إلى دير أوبتينا. لكنّه عندما أصبح جاهزًا للرحيل، سُرق جواز سفره، وأمواله والتذكرة، وٱضطر للأنتظار شهرًا أو أكثر للانطلاق إلى مينائه الأخير. كان ألكسي قد بلغ الثالثة والثلاثين من عمره عندما وصل إلى الدّير. وبعد ثلاث سنوات أدّى نذوره الرّهبانيّة وسُمي تروفيم.

     في تلك الآونة، كان الدّير ركامًا والأراضي بحاجة ماسّة إلى من يعيد إصلاحها. ساهم الرّاهب تروفيم في إعادة إخصاب هذه الأراضي الّتي خلّفها الحكم الشيوعي السّابق جرداء.

الرّاهب تروفيم بحّارًا

     كان كلّما زرع شيئًا ينمو ولا يمسّه أي من الأمراض أو الحشرات الّتي تصيب المزروعات المجاورة. لذلك كان يأتي الكثير من أبناء الجوار يسألون عن الصّلاة الّتي كان يتلوها الرّاهب تروفيم أثناء الزراعة. فكان يجيب بكل بساطة: ”إنّي أتلو صلاة واحدة: ربّي يسوع المسيح يا ٱبن الله ٱرحمني أنا الخاطئ“. بعد رقاده، اعتاد المزارعون أخذ بعض التراب من قبره ومزجه بالماء لريّ مزروعاتهم.

     قام الرّاهب تروفيم بعددٍ كبيرٍ من أعمال الطاعة في الدير، لكنّه، بشكل أساسي، كان يدق الأجراس ويقوم بوظيفة القندلفت ويعمل على الجرار الزراعي. شعر النّاس المحيطون به أنّه قادر على القيام بأي عمل. فقط بعد موته، علموا أنّه لم يقم بحياته بأي من الأعمال الّتي أوكلت إليه وأنّ الرّب وحده هو الّذي أغدق عليه بمواهبه بفضل صلاته.

     في هذا السياق نذكر تسلّمه طاعة إعداد الخبز للدّير. في تلك الآونة لم يكن الخبز متوفّرًا بروسيا. فأخذ تروفيم يفتّش عن وصفة مناسبة؛ وببركة الآباء قام بتحضير أوّل دفعة من الخبز. كان طريًّا خفيفًا لذيذ المذاق. عُرف خبزُه بالشافي في المحيط، حتّى إنّ أحد الأغنياء طلب المقادير لأنّه الخبز الوحيد الّذي يستطيع أكله دون أن يزعج ماعدته الحسّاسة، لكنّه لم يحصل على النتيجة المرجوة، لأأنّ الرّاهب تروفيم كان يصلّي كثيرًا قبل الخَبْز مع عدد كبير من السّجدات أمام أيقونة والدة الإله ”المكثرة القمح“!

أيقونة والدة الإله ”المكثرة القمح“ الرّاهب تروفيم

     كان تروفيم راهبًا حقّانيًا. اهتمامه كان مركّزًا على حياته الداخلية. يحتفظ بأموره لنفسه.  لم يُظهر أي تباه نفسه. لم يكن هناك أشرار بنظره والكلّ كان يستطيع أن يطلب منه خدمة في أي وقت كان ويحصل عليها. كانوا يلجؤون إليه من أجل تصليح السّاعات أو آلة التصوير أو الأحذية!

     ومن شدة محبّته للنّاس لم يكن يستطيع أن يمنع نفسه من مساعدة السّيّدات المسنّات في الضيعة المجاورة في مجال فلاحة أرضهن بالجرار الزراعي. هذا كان يعرّضه، في كثير من الأحيان، إلى التأخر عن الخدم في الدير وبالتّالي إلى القصاص. والرّاهب تروفيم كان شديد البأس في تحمّل القصاصات الكثيرة الّتي كان يتلقّاها وإتمامها لأنّه كان يدرك أهميّة الطاعة الرّهبانية، حتّى إن أحد المطارنة لمّا رآه يتمم قصاصه لم يستطع أن يضبط نفسه من مدحه.

     كان يقول: ”في البدء وبسبب كبريائي كنت أريد أن أتمّم كلّ شيء على طريقتي؛ ولكن عندما يتمرّس المرء على الطاعة، يستقرّ السّلام في نفسه“.

قلاية الرّاهب تروفيم

     كان يصلي كثيرًا وينام قليلاً ويأكل قليلاً، مُحدِّدًا لنفسه حتّى كمية الماء. ولكن رغم كلّ هذه الضوابط، لم يمرض قط ولا بدا عليه التعب. الكل في الدير اعتاد على مثابرته. كان يصعب على المرء أن يتخيّل أنّ هذا الرّاهب القوي البنية، ذا الرّوح الفرحة المرحة، هو ناسك بالحقيقة، لا يأكل شيئًا في أوّل وفي آخر أسبوع من الصّوم. بعد رقاده عندما أخذ النّاس يجمعون المعلومات عنه، اتضح أنّه لم يكن له مع أحد أي حديث دنيوي. كانت أفكاره تدور حول ربّه.

     عندما كان يعود من الحقل على الجرّار الزراعي كان يركض حوله الأولاد والكلاب وحتّى الأحصنة الّتي كان يجيد التعامل معها. الأولاد بالأخص كانوا يحبّونه. طباعه المرحة كانت تسبِّب له بعض الانتقادات، لا سيما من الحجاج. لم يدرك أحد قط النسك الّذي كان يعيش فيه وبكم من الحكمة والمحبّة كان يتصرّف. يذكر أحد الرّهبان هذه الحادثة:

الرّاهب تروفيم يدقّ الأجراس

     ذات مرة في خريف 1992، كان الطقس ممطرًا فتحوّل جمع البطاط في الحقول إلى كابوس؛ وعاد كلّ الرّهبان في ساعة متأخرة، متعبين لا قوة لهم على الذهاب إلى الخدمة الصّباحية. في اليوم التالي، أنّبهم أحد الرهبان الكهنة قائلاً: ”ألا تخجلون من فعلتكم. الكنيسة فارغة وكلٌّ عنده العذر عينه: لقد تأخرنا في العودة من الحقل! كان يجب عليكم أن تتبعوا مثال الرّاهب تروفيم. البارحة كان هو آخر من غادر الحقل واليوم هو أوّل من وصل إلى خدمة نصف الليل!“. إلى هذا يضيف هذا الرّاهب، أنّ تروفيم تمّم قانونه الصّلاتي بكامله مع كلّ القراءات المحدّدة، وأشعل النّار وعلّق ثياب كلّ إخوته وأحذيتهم لكي تكون جافة في الصّباح، وأصلح ما كان بحاجة إلى إصلاح. علاوة على ذلك جاءه أحد الإخوة العلمانيين مرتبكًا لأنّه أضاع مسبحته، خائفًا من أن يؤنّبه الآباء في الصّباح، فقام تروفيم بصنع واحدة له. على هذا لم ينم الرّاهب تروفيم، في تلك الليلة، وفي الصّباح، بعد أن حضر الخدمة في الكنيسة، ذهب لجمع البطاطا من جديد!

     تململ أمامه أحد الرّهبان لعدم قدرته على إتمام قراءاته لأنّه إن فعل ذلك لا يستطيع أن يقوم صباحًا لحضور خدمة نصف الليل. فأجابه تروفيم أنّه لا يأوي إلى فراشه أبدًا بل يجلس على كرسيّه يقرأ مطوّلاً ثم يركع أمام السّرير واضعًا رأسه بين يديه. وبهذه الطريقة، تتعب ذراعاه وتاليًا لا ينام مطوّلاً ويستطيع النهوض على دق النّاقوس.

     نورد هنا بعضًا من رسالة له إلى أقاربه في سيبيريا:

الرّاهب تروفيم

     ”الخلاصة – أن نعيش حياة بالرّوح! المال وكلّ شيء (الطعام واللباس) – ليس إلا بذار الشيطان، تفاهات دنيوية صرنا كلّنا مستغرقين فيها، ليحفظكم الله منها كلّها. حاوِلوا أن تدوسوا على الفرامل عند مروركم أمام كنيسة. اذهبوا إلى هناك واعترفوا بخطاياكم. هذا أهمّ شيء في الحياة. هل ذهبت ”ساشا“ مع الأولاد إلى الكنيسة للمناولة المقدسة بعد معموديّتهم؟ إذا لم يفعلوا ذلك، ليسرعوا إلى هناك. كلّ يوم يساوي ثقله من الذهب. العالم، كما نعرفه، ماضٍ بسرعة فائقة نحو الكارثة... ألا أعطاكم الله أن تبصروا ذلك بوضوح. سأحاول أن أتذكركم كلّكم بصلاتي قدر استطاعتي. إبعثوا لي بأسماء أجدادكم الرّاقدين لأصلّي من أجلهم.

     أنا لا أكتب لأحد ببساطة لأني أتمرّس لأن أكون راهبًا. لا تطلبوا منّي أن آتي لزيارتكم، لا شيء مرتجى من ذهابي. لقد أظهرت الخبرة ذلك. على الرّاهب أن يعيش في الدّير، في السّر. يجب عليه أن يسعى إلى التوحد. مونوس (من الكلمة الأجنبية Monastic) تعني وحيد. والدير يتضمن حياة التوحد والصّلاة من أجل الجميع. هذا صعب جدًا.

     أتمنى لكم جميعًا الغبطة الرّوحية... صلّوا من أجل بعضكم البعض. سامحوا بعضكم البعض. وكلّ شيء آخر هو تفاهات يستطيع المرء العيش من دونها. يجب أن تفهموا ذلك تمامًا. احفروا هذا في نفوسكم. ليُعنْكم الله على القيام بالخيارات المناسبة في حياتكم. سامحوني. بمحبّة. الرّاهب الحقير تروفيم.“

     وقد أثمرت صلواته إذ إعتمد 14 شخصًا من أقربائه دفعة واحدة.


     استشهاده

     كان الرّاهب تروفيم يدق الأجراس، داعيًا المؤمنين إلى خدمة الفصح عندما جاء عابد الشيطان ”نيقولاي أفيرين“ وطعنه بظهره بخنجر يُستعمل في مراسم العبادة.


     الرّاهب فيرابونت**

الرّاهب فيرابونت

     ولد الرّاهب فيرابونت في العالم باسم فلاديمير بوشكاريف في اليوم الّذي تُعيّد فيه الكنيسة لأيقونة والدة الإله العلّيقة الملتهبة عام 1955 (4 أيلول). ولد في قرية ”تايغا“ (Taiga) النّائية الّتي تعتاش من تقطيع الحطب وفيها الكثير من الفقراء والسّكارى. لم يعتمد معظم القاطنين في هذه القرية لأنّ أقرب كنيسة لا يمكن الوصول إليها إلا بالطائرة، ولم يكن أحد يملك المال لذلك.    

     كلّ شيء في حياة فلاديمير كان عاديًا. ذهب إلى المدرسة ثم خدم العسكرية. تعلّم هناك الفن الشرقي في المحاربة الّتي اكتشف فيما بعد تداخلها مع السّحر. بعد أن أنهى خدمته تعلّم الزراعة وعمل مشجّرًا تقنيًا في ناحية بايكال (Baikal). لم يشرب في حياته الخمرة ولم يدخّن وكان الكلّ يحترمه.   

     ما يعرف عنه أنّه قَبِلَ الإيمان في هذه الفترة من حياته. يُقال إنّه، ذات مرة، أتاه إنسان عجوز وأعطاه بعض كتب السِحْر ورتّب لقاء ثانيًا معه في المكان عينه في السنّة المقبلة. لم يحب فلاديمير السّحرة وتاليًا لم يحضر في الموعد المحدّد؛ لكنّه كان يقوم ببعض الألعاب السّحرية ليمرح مع الفتيات في الجوار. تعاطيه السّحر كان مدعاة صيت سيء، وهو نفسه عانى مفاعيل هذه الألاعيب إذ خبر حالة شبه موته، وأحسّ بروحه تغادر جسده وتنزل إلى الجحيم، لكنّ ملاك الرّب ظهر له ووعده بأن يعيده إلى الأرض إذا ما وافق على الذهاب إلى الكنيسة.

الرّاهب فيرابونت طفلاً

     بعد هذه الحادثة ترك فلاديمير زراعة الأشجار لأنّه لا كنيسة قريبة وٱنتقل إلى روستوف. هناك عمل كبستاني لكاتدرائية ميلاد والدة الإله. من هناك كان يكتب لذويه في التايغا قائلاً: ”حيث لا توجد كنيسة، ليس هناك حياة“.

     عاش فلاديمير هناك ثلاث سنوات وأخذ يزور الأديرة أثناء العطل. لم يكن قد قرّر أن يصير راهبًا، لكنّه كان يصوم بصرامة خاصة أيام الصّوم الكبير إذ كان يكتفي بقليل من القربان والبسكويت المالح والماء المقدّس. من بستاني إلى منظّف للحمامات التابعة للكاتدرائية ثم إلى الدير ببركة أبيه الرّوحي كيريل وهو شيخ في لافرا القدّيس سيرجيوس.

     وصل فلاديمير إلى أوبتينا سيرًا على الأقدام من كالوغا وهي مسافة طويلة. وبعد فترة سنة تقريبًا اقتبل النّذور الرّهبانيّة وسُمي فيرابونت. كان ذلك في 22 آذار 1991 وهو يوم ذكرى شهداء سبسطية الأربعين بحسب الرّزنامة القديمة. ألقى الأب فاسيلي (وهو المستشهد معه فيما بعد) عظة في ذلك اليوم جاء فيها:

الرّاهب فيرابونت عندما كان في الجيش

     ”إنّ دم الشهداء مازال يُسفك من أجل خطايا... لا تستطيع الشياطين أن تنظر إلى دم الشهداء لأنّه يسطع أكثر من الشمس والنجوم لمعانًا ويحرق الشياطين. في كلّ يوم يساعدنا الشهداء، وفي يوم الدينونة الأخيرة سوف يدينوننا. إنّ ”ناموس الدّم“ سارٍ إلى انتهاء الأزمنة: أعطِ دمًا وخذ روحًا... كلّ الخطايا سوف تمحى بالدّم“.

     وبقي الرّاهب فيرابونت زمانًا طويلاً يردّد: ”صحيح لن تمحى أثامنا إلا بالدّم“!

     أُعطي فيرابونت أوّلاً مهام بواب للدير والحرص على لباس السّيّدات اللواتي يودن الزيارة بتزويدهن بما لزم من غطاء رأس إلى ملابس محتشمة. استبان، بعد زمن قصير، أنّ الرّاهب الجديد لا يُحسن التمييز في هذه الأمور لأنّه ما كان ليلاحظ الثياب الغير المحتشمة عند بعضهن ويسمح للكلّ بالدّخول. لذلك أُعطي عمل طاعة أخر وهو النّجارة. كان سريع التعلّم وموهوبًا لهذا العمل.

الرّاهب فيرابونت يدق الأجراس

     عُرف فيرابونت بالرّاهب الّذي عاش من دون أن يلمس الأرض، هزيلاً وصموتًا. روى فيرابونت لزميله في النّجارة كيف أنّه يوم اقتبل العماد المقدّس أخذت تزعجه الشياطين وتعذّبه وتظهر له وتهاجمه كما نقرأ في سير القدّيسين. وذلك يعود إلى ٱحترافه الفن القتالي الشرقي الّذي تتداخل فيه الشياطين باطنيًا، بالإضافة إلى تعاطيه السّحر لفترة من الزمن.

     لبّى فيرابونت نداء محبّة ربّه بغيرة كبيرة. أعطى نفسه بالكليّة طارحًا عنه كلّ اهتمام دنيويّ. عاش برغبة واحدة أن يكون مع ربّه وكان يصلّي بحرارة ليغفر له الرّب الإله خطاياه. شهد له الإخوة أنّه كان يذهب للاعتراف يوميًا وأحيانًا مرتين في النّهار ولا يتغيّب عن أيّة خدمة. الرّاهب الكاهن فيليب يتذكر كيف رفض الرّاهب فيرابونت أن يُكمل عملاً كانا يقومان به سوية عندما دق النّاقوس للصّلاة رغم أنّ ذلك مسموح في نصف الأسبوع قائلاً له: ”ماذا؟ هل تبت عن جميع خطاياك؟“ ثم تركه وانطلق إلى الكنيسة!

الرّاهب فيرابونت

     أحد الحجاج العاملين في دير أوبتينا سرد الحادثة التالية الّتي حصلت له مع الرّاهب فيرابونت:

     ”ذات مرّة كنت شديد الصّرامة وديّانًا للآخرين. أذكر كيف كنت أستدير ناحية البوابة وأنا خارجٌ من المنسك وأرسم على نفسي صليبًا كبيرًا، مدركًا وآملاً أن يراني بعض السّواح المارين، مفتكرًا بنفسي: دعهم يرون تُقانا نحن الشباب! وقد علّق فيرابونت على تصرّفي هذا التقوي لمّا رآني قائلاً: ”ساشا“ لماذا تصلي كالفرّيسيّ؟ يجب أن تصلّي دون أن يراك أحد...“.

     كان الرّاهب فيرابونت يحتفظ بعدد كبير من المدوّنات في قلايته كاتبًا عليها مقاطع من كتابات الآباء. كانت هذه الأوراق تغطي جدران القلاية ليتمكن من قراءتها وإعادة قراءتها، لكنّه كان يعلّق قائلاً: ”هذه يجب أن تطبّق بالأعمال!“.

     أحد الزّوار جاء مرّة إلى راهب يهتم بخدمة الكنيسة وقال له: ”لقد رأيت ملاكًا يتكلّم مع الله، هل تعرف أنّ بينكم ملائكة“. فاستغرب الرّاهب ”أيّة ملائكة؟“، فأشار له الزائر بإصبعه إلى فيرابونت الّذي كان يغادر الكنيسة لتوّه!

الرّاهبان فيرابونت وتروفيم يدقان الأجراس

     يُخبر عنه الرّاهب الّذي كان يشاركه القلاية أنّه بعد أن كان فيرابونت ينتهي من إتمام قانونه الإعتيادي كان يستمرّ في الصّلاة لفترة طويلة من الليل. ذات مرة أراد أن يحصي عدد سجداته، لكنّه غفا أثناء ذلك. أراد فيرابونت أن يتمِّم عمل الرّاهب الأساسي: الصلاة من أجل خلاص نفسه ومن أجل العالم أجمع. كان يحبّ، بالأخص، أن يصلّي على انفراد في إحدى غرف الكنيسة حيث يحتفظون برفات شيوخ أوبتينا القدّيسين. كانت الخدمة في الكنيسة تنتهي والرّاهب فيرابونت واقفًا أمام الرّفات غارقًا في صلاة عميقة. خرج أحد الإخوة، ذات مرة، من الهيكل بعد انتهاء الخدمة، فصعقه وجه فيرابونت يشع كوجه ملاك وهو مستغرق بصلاته ظانًا أنّ الكلّ غادر الكنيسة.


     استشهاده

     قبل استشهاده بقليل أخذ فيرابونت يوزّع أغراضه على الإخوة قائلاً: ”لن أحتاج إلى هذا الغرض بعد اليوم“. وكأنّه أحسّ بدنو أجله. وقبل الفصح وزّع كلّ أدوات النّجارة الخاصة به على إخوته.

     في عشية العيد بان عليه فرح كبير. ويشهد له الرّاهب الّذي كان يشاركه القلاية أنّه لم ينم طول الليلة الّتي سبقت استشهاده مصليًا. أمّا خلال الأسبوع العظيم الّذي يسبق الفصح فلم يذق طعم الأكل.

الرّاهب فيرابونت مع آخرين

     ليلة الفصح قبل مقتله بقليل، وقف الرّاهب طوال الخدمة في الكنيسة ولكن ليس في مكانه الاعتيادي بل أمام الطاولة حيث كانت تقام الخدم من أجل الرّاقدين. وقف مطأطئ الرّأس مصليًا مكتئبًا. كانت تزحمه أعداد النّاس الهائلة إلا أنّه لم يكن لينتبه. ثم ذهب ليقوم بآخر اعتراف له في حياته. بعد ذلك بقليل قتله عابد الشيطان بخنجره عندما كان يدق الأجراس.

     بعد مقتله، وُجدت في جيبه ورقة مكتوب عليها: ”إذا احتجتم لأي أي مساعدة، سأكون سعيدًا بتقديمها“. لم يُعرف لمن كانت هذه الورقة موجهة ، ولكن الكثير من المؤمنين هم على يقين أن الشهيد فيرابونت يساعد كلّ من يلجؤون إليه بالصّلاة!

أضرحة الشهداء الثلاثة صورة لدير أوبتينا

     فلتكن صلواتهم معنا أجمعين. آمين


فيديو شهداء أوبتينا --> 


السّكوفة هي القبّعة الرّهبانية.

** وهو المعروف باللغة العربية بـ”طرابنتس“، وهناك قدّيسان بهذا الإسم  أحدهما شهد والآخر بار يعيّد لهما في 27 أيّار. 

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share