فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
القدّيس البار جاورجيوس كارسليدس من دراما
(1901 -1959).

       هو قدّيسٌ جديد أُعلنت قداسته في الثاني من شهر تشرين الثاني 2008 من قبل غبطة البطريرك المسكوني برثلماوس الأول ويعيّد له في 4 تشرين الثاني.


       طفولته

       ولد القدّيس جاورجيوس كارسليدس في أرغيروبوليس من البنطس في سنة 1901. البنطس في آسيا الصغرى كانت تاريخياً مركزاً أرثوذكسياً مهماً ، وتاليًا، مقراً لأديرة ذات وزن روحي  منها  دير  سيدة  صوميلا  (Panagia Soumela)  ودير  سيدة  بريسترييوتا (Panagia Peristereota) ودير سيدة القدّيس يوحنا فازيلونُس. تيتم أثناسيوس (إسم القدّيس جاوجيوس في المعمودية) صغيراً. ربّته جدّته التي زرعت فيه خوف الله و محبة متّقدة للخِدَمِ  الألهية.  عندما بلغ الخامسة من عمره أخذ يرعى قطيع العائلة، محتملاً مع أخته الصغرى "أنّا" معاملة قاسية من أخيه الأكبر. كل ذلك احتملاه بصبر ومحبة وقدّاسة. وعندما توفيت "أنّا" عن عمرٍ صغير، فاض نورٌ من قبرها. ثم بعد ثلاث سنين، عندما نُقِبَ قبرها، كان لون عظامها الأصفر مشابهاً لعظام القدّيسين. تعلّم أثناسيوس منذ نعومة أظافره التقوى والقدّاسة كمختاري الله، وعانى الألم وعدم الإستقرار.

       النظرة الواقعية لماهية الحياة كوّنت الأساس المكين لنمو أثناسيوس الروحي ومستقبله.


       راهباً

       بسبب الظروف الصعبة التي واجهها أثناسيوس، فرّ من البيت وهو في السابعة من عمره والّذي عاش فيه لفترة قصيرة. كان العظيم في الشهداء جاورجيوس شفيع أثناسيوس ومحامياً عنه. وذات مرّة، ظهر له، وقال له أن يمتطي حصانه وساعده على السفر إلى "تيفليس" في جورجيا، حيث اعتنى به كاهن تقيّ وألبسه "السكوفة" وهو في التاسعة من عمره. ثم عام 1919 سيم راهباً وأعطي اسم "سمعان". خلال رسامته أخذت أجراس الدير تدق من ذاتها. هناك واجه "الأخ سمعان" صعوبات كثيرة، إذ بعد قليل من رسامته، أَقفل الشيوعيون الدير وتعرّض الرهبان للإهانة والسجن وهُدّدوا بالإعدام.

       وذات مرّة، أثناء فترة إعتقال القدّيس جاورجيوس، طلب الرهبان والكهنة الإذن من معتقليهم للذهاب إلى الكنيسة يوم الفصح فرُفض طلبهم. إثر ذلك أَخذوا يُصلّون بحرارة ليعطيهم الله القوة لإكمال الجهاد. وعند ترتيلهم "المسيح قام من بين الأموات"، إهتزّ السجن وفُتِحَتْ أبوابُهُ من ذاتها. خرج سكان المنطقة من بيوتهم ليروا ما الذي يجري، فرأوا ثلاثة هيئات مقدّسة ترتل "يا رب ارحم" وتطوف في شكل دائري فوق السجن. استمرّت الرؤية حتى الفجر، عندما بدأ تحضير الأسرى للإعدام. رُبط الأسرى مع بعضهم البعض واقتيدوا إلى حافة منحدر. هناك، صوّبت فرقة من الرماة بنادقها باتجاههم وأطلقت النار. فأُصيب سمعان بثلاث طلقات خدشته فقط ولم تؤذه. لكنه بسبب ثقل الآخرين هوى إلى الجُرْف. وبأعجوبة، لم يمسّه أذى ونجا من الموت.


       كاهناً

       عندما أُطلق سراحه، سيم، عام 1925، كاهناً بيد "المطران يوحنا تسياباراسكي" من غروزيا سكيتا (Metropolitan John Tsiaparaski of Grouzia Scheta) وأُعطي اسم "جاورجيوس". عُرف من الكثيرين على أنه أب روحي متوشح بالله. ورغم الظروف الصعبة التي كان يمرّ بها، كان في جهاد نسكي دائم، يأكل خضاراً برّية، وينام قليلاً. حافظ على الفقر الطوعي، رافضًا استبدال سكوفته البالية بأخرى جديدة. كان يتمّم القدّاس الإلهي بكثير من روح التقوى والحرص واليقظة.

       عند تحضيره الذبيحة، كان يُعْلِمه الرب الإله بالحالة الروحية التي يَتَّسِم بها من كان يذكرهم، أحياء كانوا أو أمواتاً. وبكثير من التمييز الرعائي، كان القدّيس ينقل المعلومات لأبناء الرعية لتشجيعهم على الصلاة أكثر لمن توفوا أو لدفع الخطأة منهم إلى التوبة. قبل مناولته المؤمنين، كان يطلب من المتقدّمين إلى المناولة الوقوف إلى شمال "الإيقونستاس"، حيث كان يقرأ عليهم صلاة الحلّ ويدهنهم بالزيت المقدّس. وفي بعض الأحيان كان المؤمنون يرَون القدّيس جاورجيوس مرتفعاً عن الأرض أثناء إقامته خدمة القدّاس الإلهي. وأحياناً أُخرى كان القدّيسون يزورونه ويساعدونه في الخدمة.


       في دراما

       عام 1929، ولعلّه بسبب تردّي صحته (كان في الثلاثين من عمره نصف مشلول)، انتقل القدّيس جاورجيوس إلى اليونان، واستقرّ في "سيبسا" قرب "دراما" في شمال اليونان. أيقن سكان المنطقة قدّاسة هذا الأب الذي كانوا يطلبون صلاته وبمعونتهم ابتدأت صحته تتحسّن. عام 1936، ذهب الأب في رحلة حج إلى الأراضي المقدّسة حيث التقى عمّه الذي كان راهباً. حثّه عمّه أن يعود ليخدم في العالم الذي هو بأمسّ الحاجة لمن يرشده روحياً. وبعد عودته بقليل إلى سيبسا، أعطت الدولة اليونانية الأب جورج قطعة أرض هناك. ثم عام 1939، بنى عليها ديراً كُرِّس "للصعود الإلهي".

       هذه الفترة من حياة "القدّيس جاورجيوس" ضمّت العدد الأكبر من أقواله وعجائبه حين كان راعياً لرعية  "دراما". تنبأ مُسْبَقاً عن الحرب العالمية الثانية والحرب الأَهلية اليونانية. واللاّفت أنّه خلال الحرب الأهلية، حاولت ثلاث فرق من المقاتلين الدخول إلى "سيبسا" والفتك بقاطنيها. ولكن في كل مرّة كان أفراد الفرقة يشعرون بتبكيت الضمير ويتوبون قبل أن يدخلوا المنطقة، لأن الأب القدّيس، بموهبة البصيرة التي منحها إيّاه الله، كان يسبق ويرى الخطر الُحْدِق بالمنطقة، فيطلب من سكانها أن يقوموا بتطواف حول القرية حاملين أيقونة والدة الإله. وهكذا أُنقذت القرية  من دمار مؤكّد.

       من الأخبار التي تُظهر التمييز عند  القدّيس ومواهبه الروحية، أنه ذات مرّة زارته امرأة وقبل أن تسلّم عليه قال لها: "يداك تحترقان، إنهما تحترقان لكنني لا أستطيع أن أرى النار. ماذا تعملين؟" قالت له: "أنا مُولِّدة"، فسألها: "وكم من الأطفال قتلتِ؟". فأنكرت. فأجابها: "أتريدينني أن أقول لك كم من  الأطفال قتلتِ؟. خمسة". وأخذ يسرد لها الأمهات اللواتي أجهضت لهن أولادَهنّ والقرى التي فعلت فيها هذا". أما المرأة فأخذت تبكي ولم تتفوّه بكلمة. وبتوبة جديّة  تصالحت مع الله.

       في أحد الأيام أَتَتْ سيدة ببعض من السفرجل للأب، وفي طريقها إليه، أوقفتها امرأة حبلى وطلبت منها البعض منه، فرفضت إعطاءها. ولدى وصولها إلى الدير وتقديمها العطيّة للأب، قال لها: "في الطريق، فُتحت لك أبواب الفردوس، لكنك أغلقتها."

       في مطلع سنة 1959، تيقّن "القدّيس جاورجيوس" من قرب وفاته. ولدى دنو الموعد، أعطى توجيهات لأولاده الروحيين بشأن رقاده. ثم في عشية ذلك اليوم، طلب منهم أن يأخذوه إلى كنيسة الدير. هناك قبّل الأيقونات وساهم القدسات للمرّة الأخيرة. وبعد بضع ساعات، في منتصف ليل الرابع من تشرين الثاني عام 1959، رقد رقاد القدّيسين في الرب.

       توجد رهبنة نسائية اليوم تكمل تراث القدّيس جاورجيوس الروحي في "دير الصعود الإلهي" في "سيبسا" في دراما شمالي اليونان.

صلاته تكون معنا


     
  من أقواله

       إذا صلّى المرء دون أن يتصدَّق تكون صلاته فارغة (ميتة). يجب أن تكون يداه ممدودتين دائماً للأَيتام والأرامل. فإن الصلاة والصَّدقة يتكاملان.

       يجب على المرء أن يجاهد في تزكية إيمانه. وفي القدّاس الإلهي، يجب أن يبقى مركِّزاً الذهن على الخدمة دون تشتت، لكي يستحق المرء أن يساهم القدّسات.

       على المرء ألا يتأثر لا بمال ولا بمجد. يجب أن يكون مستقيماً في حياته وأن يأكل خبزه بعرق جبينه. والذي يحصل عليه بشرف لا يبدد بلا هدف. عليه العيش بكرامة وتواضع وأن يتصدّق قَدْرَ استطاعته على الفقراء...يجب أن يفضّل بيوت الحزانى على بيوت الفرحين. وإذا ما صنع الأعمال الخيرية، فسينال مكافأة كبيرة من الرب.

       أحبب كل النّاس حتى أعداءك، هذا هو الأساس. أحبب لا من يحبك فقط، بل من يكرهك أيضاً. سامح كل الناس وأَحبهم جميعاً حتى لو صنعوا بك شروراً عظيمة؛ هكذا يعرف الناس أننا أبناء الله. وبهذه الطريقة تُغفر ذنوبنا أَيضاً...بشِّر دائماً بالحب. هذه هي شريعة الرب الجوهرية: الحب والحب وحده.

مرسوم إعلان قدّاسة القدّيس البار جاورجيوس كارسليدس


      المرجع:

       Middleton, Herman A. (2003) Precious Vessels of the Holy Spirit: The Lives and Counsels of Contemporary Elders of Greece, Thessalonica: Protecting Veil Press.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share