إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
البطريرك بافلي
(1914 – 2009).

بطريرك "بيك"، متروبوليت بلغراد وكارلوفكي
بطريرك صربيا


طفولته

     ولد البطريرك بافلي (بولس) في 11 أيلول/29 آب 1914 يوم عيد قطع هامة السّابق المجيد يوحنّا المعمدان في ضيعة اسمها كوسانسي (Kucanci) في مقاطعة دونجي ميلانوفاك (Donji Milanovac) في ما كان يُعرف سابقًا بالبلاد النمساوية-الهنغاريّة وهي الآن تقع شرقي كرواتيا. والداه أنّا وستيفان ستوجسيفيك (Stojcevic) كانا مزارعين فقيرين وقد أعطياه اسم غوجكو (Gojko) في المعمودية. أجداد العائلة جاؤوا إلى هذه النّاحية من كوسوفو أيام النزوح الصّربي الكبير عام 1690 هربًا من الأتراك، هذه المقاطعة الصّربيّة الّتي سيرتبط بها البطريرك بافلي برباطٍ وثيق في المستقبل.

     عام 1914 اندلعت الحرب العالميّة الأولى الّتي تسببت للصّربيّين والمملكة النمساوية-الهنغارية بأوقات صعبة: كلاهما اتّهم بمقتل الدوق الأوّل فرنسيس فردينان في سراييفو الجريمة الّتي كانت السّبب الأساسيّ في نشوب الحرب العالميّة الأولى. بالنّسبة لـ"أنّا"، والدة غوجكو، الهمّ الأساس كان تأمين لقمة العيش، فالأسعار ارتفعت، وقد غادر زوجها إلى الولايات المتحدة بحثًا عن عمل.

     في بداية العام 1917 عاد ستيفان من الولايات المتحدة دون أن يكون في حوزته قرشٌ واحدٌ ورقد بعد ذلك بقليل من مرض السّلّ (Tuberculose) الّذي أُصيب به خلال إقامته في الغرف المستأجرة غربي بنسيلفانيا.

     بعد سنة من رقاده، تزوجت "أنّا" من جديد وأنجبت ثلاث بنات ولكن، لسوء الحظ، رقدت وهي تلد الطفلة الثالثة. وقد اهتمت عمّة غوجكو بتربيته مع أخيه البكر دوسان في منزلها، فكانت بمثابة أمٍ لهما حتّى قال غوجكو لاحقًا :"عندما أموت سوف ألتقي بها أوّلاً قبل أن أرى الآخرين".

     كانت صحة غوجكو رقيقة جدًا وكان كثير المرض مما جعله غير أهلٍ للأعمال الزراعية، ولكن لاحظت عمّته مقدرته الذهنيّة وهمته في الدّراسة فأمّنت له تعليمًا جيّدًا رغم فقرها.




المسيرة نحو التكريس

     تخرّج غوجكو من المدرسة الثّانويّة في بلغراد بتفوّق، ثم، رغم ميله إلى العلوم، دخل المعهد الأرثوذكسي للدراسات اللاهوتيّة في بوسنيا في مدينة ساراييفو عام 1930.

     ثم بعد ست سنوات انتقل إلى جامعة بلغراد، إلى كليّة الطّب، بدءًا، ثم إلى كليّة اللاهوت. قبل نشوب الحرب العالميّة الثّانيّة عمل سكرتيرًا لوزير الشؤون الكنسيّة. و عام 1939، عندما اندلعت الحرب التحق بالفريق الطّبيّ للجيش. خلال الاحتلال النّازيّ عاد إلى سلافونيا قبل توجّهه إلى بلغراد حيث أُوكل مهمّة تنظيف المباني المهدمة.

     خلال هذه الفترة، قُتل شقيق بافلي "دوسان" نظير عدد كبير من الصرب في ضيعته "كوسانسي" لوجودها على حدود "الدولة الكرواتيّة المستقلّة" الفاشيّة.

     أمضى غوجكو بقيّة الحرب في عدد من الأديرة وأخذ يعلّم الأطفال اللاجئين خلال الاحتلال البلغاريّ. لكنّه إذ شُخّص له مرض السّلّ التجأ إلى دير الثالوث القدّوس في أوفكار (Ovcar) في صربيا الوسطى. عام 1944، أُعطي ثلاثة أشهر ليعيش. تعافيه العجائبي في أيام ما قبل البينيسيلين، دفعه إلى أخذ النذور الرّهبانيّة.

   دخل غوجكو إلى دير بلاغوفيستينجي (Blagovestenje)، حيث صُيّر راهبًا في نيسان من العام 1948 وأُعطي اسم بافلي (على اسم الرّسول بولس، قدّيسه المفضل). في السّنة عينها سيم شمّاسًا. ثم انتقل إلى دير راكا (Raca)، غربي صربيا، متممًا مختلف أعمال الطاعة. وخلال العام الدّراسيّ 1950/1951 عُيّن الراهب الشّمّاس بافلي محاضرًا في معهد بريزّن (Prizen)، وبقي يحاضر هناك إلى اليوم الّذي انتُخب فيه بطريركًا على صربيا.

     في هذه الأثناء كانت الكنيسة الصّربيّة قد خسرت عددًا كبيرًا من الإكليريوس ودُمّرت لها كنائس وأديار كثيرة. بعد العام 1945، تُركت تحت رحمة "تيتو"، رئيسًا للنّظام الشيوعي في البلاد. معظم ممتلكات الكنيسة صودرت، وقد حُرّم التعليم الدّينيّ والمشاركة في الخدم الكنسيّة وذلك تحت طائلة الملاحقة العسكريّة. رغم كلّ ذلك استمرّ الرّاهب بافلي في استكمال علمه ونموّه الرّوحيّ.

     عام  1954  سيم  بافلي  كاهنًا،  وفي  السّنة  عيّنها  رُفّع  إلى  بروتوسينغلّوس. ثم  عام  1955  تابع  دراساته  العليا في جامعة أثينا للعلوم اللاهوتيّة وتخرّج من هناك، عام 1957، حائزًا على دكتوراه في العهد الجديد والليتورجيا.




بافلي أسقفًا
بافلي أسقفًا

     لدى عودته إلى بلاده سيم بافلي أرشمندريتًا وفي 29 أيار من تلك السّنة انتخبه مجمع الأساقفة المقدّس أسقفًا على راسكا-بريزّن (Raska-Prizen). شملت أسقفيته جنوب صربيا وكوسوفو (ناحيّة تتضمن أكثرية مسلمة ومجموعات مسيحيّة غير أرثوذكسية صغيرة أخرى). بقيّ بافلي في منصبه 33 عامًا إلى أن انتُخب بطريركًا.

     التزم الأسقف الجديد ترميم الكنائس القديمة وإعادة بناء المهدّم منها ودعا إلى بناء كنائس جديدة. كذلك اهتمّ بمعهد القدّيسَين كيريلّلس وميثوديوس القديم في بريزّن. وبالإضافة إلى واجباته الأسقفيّة كتب دراسة مفصّلة عن دير ديفيك (Devic) المكرّس للقدّيس يوانيكيوس الّذي من ديفيك (القرن الرابع عشر). كما حرّر عددًا من المقالات الدراسيّة في "صوت الكنيسة الأرثوذكسيّة الصّربيّة". هذه المقالات استرعت انتباه عددٍ من الدّارسين في مجال الليتورجيا وتاريخ القرون الوسطى والبيزنطيّة وتاريخ اللّغات والفن. كان مسؤولاً عن إصدار كتاب جديد موسّع للقدّيسين الصّربيّين نشره المجمع الصّربيّ المقدّس عام 1986. وبفضل جهوده، أيضًا، صَدَر، باللغة الصّربيّة، عن المجمع المقدّس، كتاب الإفخولوجي الكبير وكتاب الخدم الليتورجيّة وكتاب الصلوات والتبيكون الكبير بالإضافة إلى عدد من الكتب الكنسيّة الأخرى.

     وكرئيس للجنة الترجمة التابعة للمجمع المقدّس، أصدر ترجمة صربيّة للعهد الجديد منقحة وموسّعة. كما رأس المجلس التحريريّ للدراسات المفصلّة عن العدد الكبير من المباني الأثريّة في كوسوفو. وقد كتب ثلاثة أجزاء من الأسئلة والأجوبة تختصّ بالمواضيع الليتورجيّة والقدسات. وبفضل مساهمته الهائلة في مجال اللاهوت أُعطي دكتوراه شرفية من قبل المعهد اللاهوتي في بلغراد عام 1988.

البطريرك بافلي يطّلع على الأعمال في كنيسة القدّيس سابا الصّربيّ في بلغراد مع مجموعة من الرّهبان

     كرّس الكثير من وقته للسّفر ولقاء أبناء رعيّته مشاركًا إيّاهم في آلامهم في زمن كثرت فيه الإبادات العرقيّة. كَتَب وحذّر من تهجير الصّرب* من مقاطعة كوسوفو، وهجمات الألبان على الأديار الصّربيّة، واغتصاب الرّاهبات، وإرهاب المؤمنين، وتدنيس المقابر والمعاناة الإجمالية للشعب الأرثوذكسي في كوسوفو وميتوهيجا (Metohija). عام 1989، تعرّض الأسقف بافلي إلى الضرب من عدد من الشبّان الألبان في كوسوفو. خطورة إصابته تطلبت 3 أشهر من العلاج في المستشفى. ولكن في روح التسامح الّتي علّمنا إيّاها السّيّد المسيح، لم يُقدّم الأسقف بافلي دعوى. لهذا السّبب ولأسباب أخرى دُعي البطريرك بافلي بـ"القدّيس الحيّ".




"القدّيس الحيّ"
البطريرك بافلي يلبس ثيابه الليتورجيّة دون مساعدة

     مما عُرف عن البطريرك بافلي أنّه استمرّ إلى نهاية حياته يلبس ثيابه الليتورجيّة من دون مساعدة. يعترف ويناول المؤمنين. يقيم الذبيحة الإلهيّة يوميًا في كنيسة صغيرة خلوًا من مرتلين. فقط المؤمنون الحاضرون كانوا يقيمون الخدمة. يلبس الغمباز والجبّة اللتين أُعطيتا له يوم سيم راهبًا (أي منذ أكثر من خمسين سنة). لم يكن ليستبدلهما. كان يغسلهما، يكويهما ويصلحهما بنفسه. يحضّر طعامه بنفسه. ويصلح حتّى أحذيته إذ كان لديه العدة الكاملة لذلك. ولدى زيارته الكنائس، إذا رأى كاهنًا جبّتُه ممزقة كان يقول له: "أعطني إيّاها وأنا أصلحها لك"... لم تثنه المراكز الّتي تبوءها عن متابعة جهاداته النّسكيّة. سعى إلى العيش البسيط. كان يتنقل في المدينة سيرًا على الأقدام أو مستعملاً وسائل النّقل العامة. لم يكن عنده حبّ القنية. يأكل قليلاً جدًا مثل آباء الصّحراء القدامى. لا يأكل اللحم أبدًا ويصوم الإثنين والأربعاء والجمعة وسائر الأصوام كأي راهبٍ أرثوذكسيّ.

البطريرك بافلي سائرًا على الأقدام البطريرك بافلي في وسائل النقل العامة

     ذات مرة، بعد تنصيبه بطريركًا، كان عائدًا إلى مبنى البطريركية فوجد أمام المدخل عددًا من السّيارات. وفي حيرة، سأل عن أصحاب هذه السّيارات، فعرف أنّها تعود إلى أساقفته، فضحك قائلاً: "إذا كان هؤلاء الّذين يعرفون وصيّة المخلّص بشأن الفقر يمتلكون مثل هذه السّيّارات فما كانت ستكون حالهم لو لم يكن هناك وصيّة". وعندما سئل مرة عن سبب عدم اقتنائه سيّارة أجاب: "سوف أبتاع سيارة عندما يملك كلّ ألبانيّ وصربيّ في كوسوفو وميتوهيجا سيارة!.

البطريرك بافلي أثناء الخدمة يخدم نفسه بنفسه

     ومما يُروى عن فقره، أنّ إحدى السّيدات جاءت إلى البطريركية للتكلّم شخصيًا معه لأمر طارئ. هذا الطلب غير الاعتيادي لم يسهل لها المقابلة إلا أنّ إصرارها أمّن لها، في نهاية المطاف، لقاء البطريرك. وقفت السّيّدة في حضرة البطريرك وقالت له بكثير من الحماس إنّها في الليلة السّابقة شاهدت في الحلم والدة الإله، الّتي طلبت منها أن تقدّم المال إلى البطريرك ليشتري حذاءً جديدًا (وكان حذاؤه رثًا جدًا يقوم بتصليحه وترقيعه). عندما قالت له هذا ناولته مغلفًا من المال. لم يأخذ البطريرك المغلف منها. وبنظرة ملؤها الحنان سألها: "في أيّة ساعة استلقيتِ لتنامي؟". فوجئت المرأة وأجابت: "حوالي السّاعة الحادية عشرة". فقال لها البطريرك: "تعرفين جيدًا أنّي أنام متأخرًا جدًا، أي حوالي السّاعة الرّابعة صباحًا، وقد رأيت في الحلم أنا أيضًا والدة الإله تطلب منّي أن أقول لك أن تأخذي المال وتعطيه لمن هم بحاجة إليه!". ولم يأخذ المبلغ!...

البطريرك بافلي ساجدًا أمام كرسيّه البطريركي

     مرة في رحلة جويّة للبطريرك، دخلت الطائرةُ دائرة من العواصف خضخضتها. كان جالسًا بقرب البطريرك أسقفٌ شاب سأله ماذا سوف تكون ردة فعله إذا ما سقطت الطائرة. فأجاب قدس البطريرك بهدوء: "شخصيًا، سوف أعتبر هذا حكمًا عادلاً: لقد أكلت الكثير من السّمك في حياتي، فلا عجب إذا أكلتني الأسماك الآن!".

     انتمى البطريرك بافلي إلى تقليد مختلف عن سائر البطاركة. لقد كان راهبًا مصليًا، لا أميرًا متسلطًا على الكنيسة. كان بطريركًا جمع بتناغم كامل ثلاث وظائف في مقامه: الأب والكاهن والنّبيّ. لقد فهم وعاش إرث الأمير لعازر الّذي قُتل في كوسوفو عام 1389 والّذي قال:"إنّ ملكوت الأرض تافه وعديم القيمة، أمّا ملكوت السّموات فهو أبديّ ولا يعرف حدودًا".

     قال ذات مرّة:

     "البعض يتّهمني بالدعوة إلى الحرب والدمار، على هذا أُجيب: إذا كان بقاء صربيا كبرى على حساب جرم غير إنسانيّ، فإنّى أرفض ذلك، لِتَزُلْ صربيا الكبرى! ولكن أن تبقى على حساب الجرائم فلا!. وإذا كانت لتبقى صربيا صغرى على حساب جرمٍ غير إنسانيّ، فإنّي لا أقبل بها، لِتَزُلْ أيضًا! ، ولكن أن تبقى على حساب الجرائم فلا طبعًا. وإذا كان بقاء صربي واحد، وإذا كنت أنا ذلك الصّربي، على حساب جرم غير إنسانيّ، فإنّي أرفض ذلك. لِنَزُل جميعًا، ولكن كبشرٍ، لأنّنا عندها لن نزول، ولكن سنكون أحياء بين يدي الله الحيّ."

     دعا إلى الصّلاة لا فقط من أجل الحسني النيّة بل أيضًا للمجرمين لأنّ هؤلاء يحتاجون إلى الصّلاة أكثر. وعندما اجتمع ذات مرة إلى السّفير الأميركي زيمرمين سأله هذا الأخير: "ماذا نستطيع أن نفعل لنساعدكم؟". فأجابه البطريرك دون أن يرف جفنه: "أفضل ما تستطيعون فعله لمساعدتنا هو عدم فعل أي شيء للإساءة إلينا..."




بافلي بطريركًا
بافلي بطريركًا

     في 1 كانون الأوّل عام 1990، أجتمع المجمع المقدّس للأساقفة الصّربيّين في مبنى البطريركيّة لانتخاب خلف للبطريرك جرمانوس بعد إصابته بمرضٍ خطير. في بدء الجلسة، عرّف المتروبوليت فلاديسلاف من دبار والبوسنة الحاضرين بالمرشحين الّذين يتمتعون بالكفاءات المطلوبة للمنصب. كانوا سبعة عشرة مرشحًا. عملية الانتخاب كانت كالتّالي: كلّ عضو من الحاضرين يختار ثلاثة مرشحين لتقليص اللائحة. ولكي يكون المرشح على اللائحة المصغرة عليه أن يحوز على أكثر من نصف أصوات أعضاء المجمع، أي على الأقل على ثلاثين صوتًا. أُعيدت عملية التصويت تسع مرات قبل أن تكتمل اللائحة المصغرة. فكانت الأسماء لكلّ من: الأسقف سابا من سوماديجا، والأسقف ستيفان من زيخا والأسقف بافلي من رسكا وبرزّن. بعد ذلك قام الحاضرون بالصّلاة والتضرّع ليرشدهم الرّوح القدس إلى الشخص المناسب لمنصب البطريركية. ثم تقدّم الجزيل الاحترام الأرشمندريت أنطونيوس دجوردجيفيك (Djurdjevic)، رئيس دير ترونوزا (Tronosa)، ودخل هيكل الكنيسة الصّغيرة في البطريركيّة المكرّسة على اسم القدّيس سمعان المفيض الطيب، ووقف أمام المائدة وقبّل الإنجيل. ثم أخرج من الإنجيل ثلاثة مغلفات محكمة الاقفال يحوي كلّ منها اسم مرشح واختار واحدًا من المغلّفات وقدّمها إلى المتربوليت فلاديسلاف الّذي فتح المغلّف وأعلن أنّ البطريرك الجديد لـ"بيك" (Pec)، متروبوليت بلغراد وكارلوفكي (Karlovci) والبطريرك الصّربيّ هو الأسقف بافلي الّذي من راسكا وبريزّن.

البطريرك بافلي يبارك المؤمنين

     بعد خدمة الشكر، ألقى الأسقف ستيفان الّذي من زيخا الكلمات التالية على الحاضرين: "لأوّل مرة في تاريخ الكنيسة الصّربيّة الأرثوذكسيّة، استعملنا الطريقة الرّسوليّة لانتخاب البطريرك. وكما ترون لقد كان هذا نافعًا جدًا لنا. وأنا أبكي من الفرح، لأن الشّخص الأكثر قداسة بيننا والأفضل والأكثر صلاةً اختير لاعتلاء عرش القدّيس سابا. قدومه للامساك بزمام أمور الكنيسة الصّربيّة الأرثوذكسيّة في زمن ندرت فيه الصّلاة، رغم الحاجة الماسة إليها، هو التعبير عن مشيئة الرّوح القدس لتشديد كنيسة القدّيس سابا روحيًا".

كان البطريرك بافلي رجل صلاة

     هذه الطريقة في انتخاب البطريرك كان قد أقرّها مجمع الأساقفة المقدس وأضافها إلى نظام الكنيسة الأرثوذكسية الصربيّة عام 1967. ورغم أنّ الأسباب الأساسيّة لاختيار هذه الطريقة في الانتخاب هي أسباب كنسيّة إكليركيّة إلا أنّ تبنّيها ساعد كثيرًا من النّاحيّة السّياسيّة أيضًا إذ جعل البطريرك بمنأى عن التدخلات العلمانيّة في الانتخابات.

     رُفّع قدس الأسقف بافلي إلى رتبة البطريركية يوم الأحد 2 كانون الأوّل في كاتدرائية القدّيس ميخائيل في بلغراد واعتلى العرش البطريركي التاريخيّ/القديم لبطريركيّة بيك في 22 أيار 1994. وهو البطريرك الصّربي الرابع والأربعون.

 


أزمات وحلول
البطريرك بافلي يشترك في التظاهرة السّلميّة في بلغراد

     بعد ستة أيام من انتخابه بطريركًا، جرت الانتخابات البرلمانيّة  في  صربيا،  وجاء   إلى الحكم  سلوبودان  ميلوسيفيك (Slobodan Milosevic) من الحزب الشيوعيّ الصّربيّ (Social Party of Serbia (SPS)). في البدء كانت العلاقات جيدة بين الدّولة والكنيسة ولكن، تدريجيًا أخذت تتدهور بسبب الحرب اليوغوسلافيّة** والأزمات المتواصلة في صربيا.  خلال الحرب، دعمت الكنيسة والبطريرك  القادة  الصّربيين  والدولة  الصّربيّة  المعلنة  ضمن  الأراضي  الكرواتيّة (Republic of Serbian Krajina (RSK)). ولقد قام البطريرك بافلي بلقاءات عديدة مع الرّئيس الصّربي ميلوسيفيك ومع رؤساء المعارضة. عام 1993 كتب البطريرك بافلي رسالة للرئيس يطلب فيها تحرير أحد أعضاء المعارضة (Vuk Draskovic) من السّجن.

     عام 1997، شارك بافلي بتظاهرة كبيرة ضد الدولة في بلغراد. هذه كانت أوّل مرّة يعارض البطريرك علنًا حكومة ميلوسيفيك. ورغم قربه من زعماء المعارضة في السّنوات الّتي تلت إلا أنّه اشترك في يوم إحتفالي للدولة سنة 1999. غير أنّه ندم واعتذر عن هذا الإشتراك وأعلن حكومة ميلوسيفيك وميلوسيفيك مسؤولين عن الكارثة في يوغوسلافية وطلب من الرّئيس الاستقالة. وبعد التغيير السّياسي عام 2000 في صربيا***، تعاون بافلي مع الحكومة، وكان ضيفًا في عدد من الاحتفالات السّياسيّة. كتب بافلي إلى رؤساء الكنائس الأرثوذكسية الأخرى: "إن أساس النزاع في يوغسلافيا والبلقان ليس، فقط، في هذه النّاحية، بل هو أيضًا إصرار كنيسة روما على اعتبار البلقان، الّتي هي بمعظمها أرثوذكسيّة، أراضٍ للتبشير."

     موقف بافلي أثناء الحرب تراوح بين الترجّي والسّعي إلى إحلال السّلام ودعم الزعماء  الصّربيّين.

     في تشرين الثّاني عام 1992، التقى البطريرك بافلي رئيس أساقفة الكاثوليك وشيخ مسلم في زوريخ لإدانة الإبادات القوميّة المتبادلة. أما في ما يخص كوسوفو، فبقي البطريرك بافلي بمعزل عن أي حقد وتحقير رغم التدمير الّذي لحق بعددٍ كبيرٍ من الكنائس والأديار على أيدي الألبان. اعترف أنّهم يشكلّون الأكثرية هناك، وعلى الصّربيّين أن يمكثوا هناك ويحاولوا أن يزيدوا نسلهم. للأسف أكثر الصّربين لم يتبع تعليمات البطريرك الّذي قال:"إذا سلكنا كشعب الله، سيكون هناك مكان كاف للجميع في البلقان وفي العالم، وإذا تصرفنا مثل قايين، عندها الكون كلّه لن يسع ولا لشخصَين".

     حاول البطريرك بافلي إزالة العوائق مع الكنيسة المقدونيّة واستقبل برحابة صدر الجالية الصّربيّة المغتربة.



رقاده
البطريرك بافلي وقد هرم

     في 27 نيسان 2007، أعلن المجمع المقدس المتروبوليت جوفان قيِّمًا على السّدّة البطريركيّة إثر دخول البطريرك المستشفى. أُخرج بافلي من المستشفى في 1 أيار وعاد إلى مهامه في 14 أيار. ولكن ساءت حاله وصار قعيد الكرسي النّقال. ثم في 13 تشرين الثاني 2007، أُدخل المستشفى من جديد، واختار المجمع المتروبوليت أمفيلوخي رادوفيك لاستلام مهام البطريرك من حيث هو العضو الأقدم في المجمع. وفي 20 تشرين الثاني، أُعلن أنّ صحة بافلي في خطر. ثم في 17 أيار 2008 تسلّم المجمع كلّ مهام البطريرك لعجزه عن القيام بها. في 12 تشرين الأوّل 2008، طلب بافلي من المجمع المقدس قبول إستقالته بسبب تدهور حالته الصحيّة لكنّ المجمع رفض الاستقالة وتمسّك ببقائه على العرش مدى الحياة.

     رقد البطريرك بافلي في 15 تشرين الثاني 2009، بعد أكثر من سنتين أمضاهما في المستشفى العسكري في بلغراد عن عمر 95 سنة.

     عشرات الألاف من الصّربيّين رافقوه في موكب جنائزي مهيب، ثم قبّلوه القبلة الأخيرة في كنيسة القدّيس ميخائيل في بلغراد. جرت مراسم الدفن في كاتدرائية القدّيس سابا. ووري الثرى في 19 تشرين الثاني في دير راكوفيكا حسب رغبته. حضر الدفن البطريرك المسكوني برثلماوس الأوّل من القسطنطينية، والبطريرك دانيال من رومانيا، وعدد كبير من المطارنة والأساقفة، بالإضافة إلى الكاردينال الكاثوليكي أنجيلو سودانو. وتلقت صربيا التعازي من عدد كبير من البطاركة والأساقفة الّذين لم يحضروا ومن بلدان مثل روسيا وبلاّروسيا، وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا. إلى ذلك قدّم التعازي كلّ من دول بوسنيا-هرزيغوفينا وكرواتيا وجمهورية مقدونية والجبل الأسود والجماعات اليهودية والإسلامية في صربيا. وقد طلبت الكنيسة الصّربيّة من المؤمنين ألا يشتروا أكاليل من الزهور بل أن يقدموا ثمنها لاستكمال بناء كاتدرائية القدّيس سابا في بلغراد وذلك بحسب وصية البطريرك بافلي.

     أعلنت الحكومة الصّربيّة ثلاثة أيام حداد على موت البطريرك بافلي.

     صراحة البطريرك وكلامه المباشر جعله يفوز باحترام كلّ من عرفه، رغم بساطة حديثه أحيانًا وعدم تماسكه. احترام الجمهور له كان للرّاهب المخلص، الّذي رافقته الأحداث المؤسفة الّتي لم يكن يستطيع السّيطرة عليها. وهو مواطن شهد سقوط عدد من الدول واعتبَر أنّ دوره الأساس هو الحفاظ على الإرث الرّوحي والحضاريّ لأمّته في زمن التقلبات.

     فليكن ذكره مؤبدًا

صور من جنازة ودفن البطريرك بافلي

 
من مركز البطريركيّة إلى كاتدرائية القدّيس ميخائيل في العاصمة بلغراد
في الكاتدرائية
جثمان البطريرك مسجى في الكاتدرائية
 
حشد من الأساقفة يرأسهم البطريرك المسكوني برثلماوس الأوّل يقومون بخدمة الجناز
 
القبلة الأخيرة
آلاف النّاس تتقاطر لإلقاء التحيّة الأخيرة
   
المسير المهيب إلى كاتدرائية القدّيس سابا
الوفود أمام كاتدرائية القدّيس سابا
 
الاستقبال في دير راكوفيكا
 
البطريرك بافلي في مثواه الأخير

مما قال: الحكمة تقينا من الذئاب، واللطف يقينا من التحوّل إلى ذئاب




*  لقد أُجبر أكثر من 100.000 صربيّ على مغادرة كوسوفو إبان الحرب العالمية الثّانية من قبل الألبان التابعين للسلطات الإيطالية الفاشية  ولم يُسمح لهم بالعودة بعد الحرب، بالإضافة إلى الذبائح الجماعية لأكثر من 400.000 صربي من قبل الـ"أوستازا" (Ustasa) وهي مجموعة كرواتية عرقيّة متعصبة للمذهب الكاثوليكي وللعرق الكرواتيّ. وقد أَجبرت هذه المجموعة أكثر من 200.000 صربيّ على اعتناق المذهب الكاثوليكي. وبين العامين 1950 و1980 أُجبر أكثر من 200.000 صربي على مغادرة كوسوفو وجيء بعائلات ألبانية من ألبانيا سكنت في المزارع الصربيّة المهجورة، مما جعل منطقة كوسوفو منطقة يغلب فيها الألبان.

**  هي سلسلة من الحملات العسكرية الّتي جرت في ما كان يُعرف سابقًا بـ"الدولة اليوغسلافية الشيوعيّة الفدراليّة" بين العامين 1991 و1995، كانت الحروب ذات طابع عرقيّ بمجملها بين الشعب اليوغسلافيّ (الصّربيّ بمجمله) من جهة والكرواتيين والبوسنيين من جهة أخرى وحتّى بين الكرواتيين والبوسنيين. جرت خلالها أشرس الإبادات الجماعية وأفظع أساليب القتل منذ الحرب العالميّة الثّانيّة. انتهت الحروب بتفكك الدولة اليوغسلافيّة إلى عدد من الدول الصّغيرة المستقلة.

***  وهو تاريخ استلام الدولة الفدرالية اليوغسلافية الحكم وهي ذات طابع ديموقراطيّ.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share