الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
قدّيس جديد.
القدّيس يعقوب "تساليكيس".
(1920 - 1991).

ولد القدّيس يعقوب في 5 تشرين الثّاني 1920، لأبوين تقيّين. سنة 1922 احتجز الأتراك أباه ونفوه إلى الأناضول، ثمّ خلال التّبادل السّكانيّ بين تركيّا واليونان سلكت العائلة طريق المنفى. وقد سمح الله بأن يعود ربّ البيت ليلتقي عائلته سنة 1925، ثمّ استقرّت العائلة أخيرًا في "فاراكالا" في "إيفيا".

    منذ الطّفوليّة، عشق "يعقوب" الصّلاة، وخدمة الكنيسة، والخلوة مع الله. في عمر السّابعة حفظ لقدّاس الإلهيّ عن ظهر قلب. وإذ لاحظ ميتروبوليت "خالكيذا" محبّته للرّبّ، سامه قارئًا سنة 1933 ، رغم أنّ العوز كان قد منعه من متابعة الدّراسة. ولمّا التحق بالجيش، كان رفاقه ينادونه مستهزئين "الأب يعقوب".

 

الأب "يعقوب" مع رفقته في الجيش.
   في عمر ال32 سيم "يعقوب" راهبًا. وسنة 1952 صُيّر كاهنًا في "خالكيذا". ككاهن وراعٍ للمناطق المجاورة، كان الأب "يعقوب" مثالًا طيّبًا للرّاعي الصّالح السّاهر على خرافه، والمهتمّ بها على كلّ صعيد.

    وإذ تابع حياته في كهف القدّيس "داود"، كراهب مجدّ، كان الله ينعم عليه بظهور القدّيس له مرارًا كثيرة. وقد صارع الأبالسة وظفر بنعمة الله الّذي حباه موهبة البصيرة والنّبوّة، فكانت الملائكة تتراءى له أثناء خدمة القدّاس الإلهي.

    سنة 1975 أصبح رئيس الدّير، وحمل هذا النّير حتّى رقاده. عبر البارّ بأتون الأمراض الكثيرة، ثمّ سنة 1990 بدأت قوّته تهن. صباح الحادي والعشرين من تشرين الثّاني 1991، حضر خدمة عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل، وساهم القدسات، ثمّ رقد مساءً، رقود الأبرار، فأمّ الآلاف الدّير لحضور جنازته، وتوديع الأب الوديع الّذي طالما أحبّهم واعتنى بهم مادّيًّا وروحيًّا.

رقاد القدّيس يعقوب.
   بعد رقاده تمّت به عجائب جمّة وما زالت تتمّ إلى هذا اليوم.

    أعلن المجمع في كنيسة القسطنطينيّة قداسته في السّابع و العشرين من تشرين الثّاني 2017، وتحدّد عيده في ال22 من تشرين الثّاني من كلّ عام.

    من أقوال القدّيس:

- أنا، يا أخي، أهمس في أذن القدّيس، وهو يفتح اتّصالًا مباشرًا مع المسيح.
-عندما نعتمر قلنسوتنا، نبدأ سعينا لتقديس روحنا. الإنتباه ضروريّ، دائمًا، لأنّ تشبّثنا الأنانيّ بمحبّة مجد العالم وشرفه، بإمكانها أن تقود إلى هلاك نفوسنا بدل من تقديسها.
-على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وان تكتفين بالألبسة البسيطة.
-لا يجدر بالكهنة ان يقصّوا شعرهم. في آسيا الصّغرى، عندما كان الكهنة يضطرّون لقصّ شعرهم، كانوا يجمعونه ويضعونه في كيس صغير، يدفن معهم عند رقادهم، لأنّ الرّوح القدس الّذي ينزل أثناء الرّسامة الكهنوتيّة، يقدّس الكاهن، وحتّى شعره يصبح مقدّسًا.
-البشر عميان ولا يرون ماذا يحدث أثناء القدّاس الإلهيّ. يومًا كنت أخدم، ولم أستطع أن أخرج في الدّخول الكبير، لأجل ما عاينت، ذلك أنّني فجأة، شعرت بيد تربّت على كتفي وتدفعني إلى الأمام، ظننتُ أنّه القارىء، وإذا بي أشاهد جناح ملاك كبير على كتفي، وهو يدفعني في الدّخول الكبير. ما أعظم الأمور الّتي تتمّ أثناء القدّاس الإلهيّ.!. أحيانًا لا أستطيع الاحتمال، لذلك أنزوي في كرسيَّ، ويعتقد مشاركيّ في الخدمة أنّني متعبٌ صحًّيا، والحقيقة أنّهم يجهلون ما أرى وأسمع.
-عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.

لم يكن الشّيخ يعقوب ليقدّم تفاسير لاهوتيّة، لكنّ خلقه المتّضع كان دليلًا على علاقته الحارّة بالله. لم يفكّر يومًا بالتّبشير لكنّه هو بالذّات كان موعظةً حيّةً. كانت كلماته ونصائحه بسيطة وعمليّة. لم يحلّل أو يسترسل في التّفسير يومًا. كان يلجأ إلى الجمل البسيطة، الموجزة، وحتّى غير الكاملة. لكنّ كلامه لم يكن أبدًا ضعيفًا بل على العكس، كان مفعمًا حكمةً إلهيّة، وقدرة على اختراق قلوب السّامعين، وإنارتها وتعزيتها. كانت نعمة الله السّاكنة في نفس القدّيس، الّتي تعكسها كلماته، تحمل نفحةً إلهيّةً تلمس شغاف القلب البشريّ. كلّ من عرفه، كان يجده مثالًا لحضور الله وقوّته الإلهيّة على الأرض.

    استند "تعليمه" إلى أخبارٍ لعجائب وآياتٍ، اجترحها كلٌّ من القدّيسَين "داود" الإيفي و"يوحنّا الرّوسي". لم يكن حديثه منسّقًا. فقط، في نهايته، بعد أن يكون قد وصف كيف تاب البعض أو شُفِيَ بقوّة النّعمة الإلهيّة السّاكنة في رفات القدّيس "داود"، كان يعمد إلى إسداء نصيحةٍ خاصّة لكلّ حالة.

 

القدّيس يعقوب مع إيقونة القدّيس "داود" شفيع الدّير.
   كان الشّيخ يردّد: "يا ولدي، إنّ قلبي حديقةٌ". كان قد بلغ حدًّا ساميًا من اللّاهوى، بحيث أصبح قلبه حديقةً للرّوح القدس.!. وبالرّغم من أمراضه وأوجاعه الكثيرة، وتحسّسه الكبير لأوجاع الآخرين، كان القدّيس "يعقوب" فرحًا على الدّوام، وكان يحذّر الآخرين من السّقوط في الإحباط. كان يعلم أنّ الإحباط هو الدّاء العالميّ الأسوأ.

    ظهورات القدّيس غير محصاة، كلّ من ناداه ألفاه سريع الاستجابة. كثير من المرضى نالوا الشّفاء، وآخرون وجدوا عونًا في ضيقاتهم المادّيّة والنّفسيّة. كان تعزيةً للجميع.



دير القدّيس "داود" في "إيفيا".


يا ربّ بشفاعات قدّيسك "يعقوب" وجيع قدّيسيك ارحمنا وخلّصنا. آمين.

المرجع:

    "https://iconandlight.wordpress.com/2017/11/29/saint-iakovos-jacob-james-tsalikis-of-evia-had-great-respect-for-priests-and-thought-that-priests-were-somehow-angelic/"

    نقلًا عن كتاب : "من حديقة الرّوح القدس: الشّيخ "يعقوب" من "إيفيا"(1920- 1991).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share