قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
القدّيس الشّهيد الجديد في رؤساء الكهنة
المتروبوليت بنيامين كازانسكي الرّوسي
(+ 1922 م).

راعي بتروغراد وغْدُوف

 

القدّيس الشّهيد الجديد في رؤساء الكهنة المتروبوليت بنيامين كازانسكي الرّوسي

     اسمه، أساسًا، فاسيلي (باسيل) بافولوفيتش كازانسكي. بنيامين، الاسم، اتّخذه عندما اقتبل النّذور الرّهبانيّة سنة 1895 م. ولادته كانت في 17 نيسان سنة 1873 م، لعائلة من الفلاّحين، في قرية في أُولونِتْزْ غوبَرْنيا، في القسم الشّماليّ الغربيّ من الأمبراطوريّة الرّوسيّة. والده كان كاهنًا.

     تخرّج من معهد أُولونِتْزْ اللاّهوتيّ سنة 1893 م، ومن أكاديميّة بطرسبرج اللاّهوتيّة سنة 1897م. صار شمّاسًا راهبًا سنة 1895 م وكاهنًا راهبًا سنة 1896 م وأرشمندريتًا سنة 1902 م.

     درّس الكتاب المقدّس في معهد ريغا اللاّهوتيّ وصار عميدًا لأكاديميّة بطرسبرج اللاّهوتيّة سنة 1905 م.

     اختير أسقفًا على غْدوف في 23 كانون الثّاني سنة 1910 م. وفي 24 أيّار سنة 1917 م اختاره الإكليروس والشّعب رئيس أساقفة على بتروغراد ولادوغا. هو أوّل أسقف تمَّ اختياره من قِبَل الشّعب في الكنيسة الرّوسيّة. لقبُه تغيَّر، فيما بعد، إلى متروبوليت بتروغراد وغْدُوف.

     تركّز اهتمامه في رعاية شعبه ولم يكن له أيّ اهتمام بالسّياسة. هو من أكثر الرّعاة تسامحًا في تعامله مع الحكومة البولشفيّة.

     بين العامَين 1921 و 1922 م ضربت المجاعة البلاد. انتهزت السّلطة الحاكمة الفرصة وطالبت الكنيسة بتسليم مثمَّناتها بحجة إطعام الشّعب. في ذلك الوقت، وتحديدًا في 12 أيّار سنة 1922 م، استقال البطريرك تيخون. جرى ذلك في أعقاب اختراق السّلطة الحاكمة صفوف الإكليروس وحملِها اثني عشر كاهنًا على إصدار رسالة أعلنوا فيها انشقاقهم عن بقية الجسم الكهنوتيّ*. هؤلاء هم الّذين نشطوا، فيما بعد، في ما عُرف بـ "الكنيسة الحيّة" الّتي اعترفت بها السّلطة ودعمتها. هؤلاء باتوا أدوات للحكومة البولشفيّة لضرب الكنيسة من الدّاخل. أحد كهنة بتروغراد، المدعو فادنسكي، دفعته السّلطات البولشفيّة إلى إعلان نفسه ممثِّلاً لبتروغراد في الإدارة الجديدة المزعومة للكنيسة.

     المتروبوليت بنيامين، من جهة تسليم المثمَّنات الكنسيّة، توصّل إلى تفاهم والسّلطات البولشفيّة المحلّيّة، في شأن تسليم كلّ ما يمكن أن يُعين في تخفيف المجاعة عن الشّعب من المقتنيات الكنسيّة، إلاّ ما له قيمة تاريخيّة ودينيّة؛ هذا جرى الاتّفاق على استبداله بهبات اختياريّة من الرّعايا تعادل ما تشاء الكنيسة الحفاظ عليه. الصّحف المحلّيّة، يومذاك، أثنت على المبادرة الطّيّبة الّتي أبداها المتروبوليت والإكليروس لخدمة الشّعب.

     المكتب السّياسيّ في موسكو أطاح الاتّفاق لأنّه لم يشأ أن يعطي المتروبوليت بنيامين فرصة تحلُّق الشّعب حوله، وأمر بمصادرة كلّ شيء!

     من جهة أخرى، عمد المتروبوليت بنيامين، بإزاء خطر تفكيك الإدارة والنّظام الكنسيَّين، الّذي برز إثر ما فعله فادنسكي ورفاقه، إلى طرح الحرم الكنسيّ عليهم إلى أن يتوبوا. هذا أغاظ السّوفييت الّذين هدّدوا المتروبوليت عبر فادنسكي وباكاييف، القائد العسكريّ لبتروغراد، فلم يمتثل وتمسَّك بموقفه. بعد أيّام قليلة، جُعِل بنيامين قيد الإقامة الجبريّة، ثمّ نُقل إلى السّجن. كان ذلك في 29 أيّار سنة 1922. جرت محاكمته بين العاشر من حزيران والخامس من تمّوز، من تلك السّنة. أخيرًا اتُّهم المتروبوليت بالتّحالف مع البرجوازيّة وتوزيع تصاريح أثار فيها المؤمنين على الحكومة السّوفيتيّة. بنتيجة ذلك حُكم عليه بالإعدام رميًا بالرّصاص. مئات الألوف تظاهروا على مدى أيّام معبِّرين عن تعاطفهم مع متروبوليتهم. لكن، دون جدوى. أخيرًا، ليل 31 تمّوز (12 آب وفق الرّزنامة القديمة)، نُفِّذ فيه حُكم الموت مع ثلاثة من رفاقه: الأرشمندريت سرجيوس، وكلّ من الرّجلَين العاميَّين يوري (جورج) نوفيتسكي ويوان (يوحنّا) كوفشاروف، بعدما جرى حلق رؤوسهم وذقنَي بنيامين وسرجيوس وأُلبسوا أسمالاً حتّى لا يعرف الجنود أنّهم يطلقون النّار على رجلَين من الإكليروس!

     كلمات القدّيس الشّهيد الأخيرة في محاكمته كانت: "أنّى يكن الحكم، المجد لله، المجد لله على كلّ شيء"!

 

صورة من محاكمة القدّيس بنيامين كازانسكي، متروبوليت بتروغراد وغدوف

     شهادة البار شمشون عنه

     في كُتيِّب صدر عن منشورات دير سيِّدة البشارة في حلب، العام 2011، نُقلت، عن اليونانيّة فيما يبدو، لمحات وكلمات من سيرة القدّيس البار شمشمون الّذي من بطرسبرج. هذا عاش بين العامَين 1898م و 1979 م، وله سيرة عطرة جدًّا. ترهّب سنة 1918 م وعانى أشدّ المعاناة كمعترف. عرف المتروبوليت بنيامين عن كثب وتكلّم عنه. دونكم بعض ما ورد في الكتيِّب المذكور أعلاه.

إيقونة للقدّيس بنيامين كازانسكي

     فيما كان المتروبوليت بنيامين يقيم، ذات مرّة، خدمة القدّاس الإلهيّ، وكان القدّيس شمشون أحد المشتركين في الخدمة، إذا بنار تنزل من السّماء على الكأس المقدّسة. "كلّنا من حوله عاينّا ما حدث"، قال القدّيس شمشون. كان ما جرى محسوسًا ومنظورًا بوضوح. أراد الله أن يعرف الحاضرون، عن قرب، أنّ المتروبوليت ليس إنسانًا عاديًّا. كانت النّار لهيبًا كبيرًا ينسكب على الكأس المقدّسة. إنّها النّعمة الإلهيّة!

     ويورد البار شمشون أنّه التقى المتروبوليت، يومًا، وعلى صدره صليب بلون الدّم، فسأله: "لماذا هذا الصّليب الدّمويّ اللّون، أيّها السّيّد الأب القدّيس؟" فأجاب: "سوف أستشهد. غدًا يقتلونني!"

     كان هذا الأسقف عجيبًا تقيًّا. اعتاد أن يتلو صلاة الشّكر بعد مساهمة القدسات ثلاث أو أربع مرّات على التّوالي. لم يكن يضع شيئًا آخر في فاه قبل إنهاء صلاته. كان الشّمّاس يحمل إليه الكتاب ويتضجّر من الانتظار. ماذا يقرأ الأسقف؟! كان يتساءل! يقرأ ويقرأ ولا يتوقّف! لم يكن الأسقف المبارَك يُمضي يومًا لا يقيم فيه خدمة القدّاس الإلهيّ.

     كان يسهر كثيرًا وينام قليلاً، محييًا اللّيل في الصّلاة. وكان يعرف، في قرارة نفسه، أنّ الصّلاة خير قوّة يفيد منها من أجل رعيّته. يرفع الابتهالات إلى والدة الإله، ويؤخذ، في الضّراعة، كثيرًا، حتّى يُمضي لياليه مصلِّيًا. كان رجل صلاة بامتياز. قلاّيته دائمًا مضاءة. ملآنة إيقونات وشموعًا، لا رفاهية فيها. على بساطة أخّاذة! كان يبقى، عادة، بثوبه الأسود وزنّاره الجلديّ. شعر طويل ولحية عريضة. دائمًا بشوش فرح ووجهه لامع برّاق. على سلام داخليّ فيّاض. كان يحيا مع الله ولله.

     رُمي القدّيس بنيامين، يوم تنفيذ حكم الإعدام به، بالرّصاص ثماني مرّات. لم تؤثّر فيه الطّلقات أو لم تُصبه! لماذا؟ لأنّه كان في صلاة لا تتوقّف! إثر ذلك سُمع صوت يقول له: "كفى أيّها الأب، كفى صلاة!" عندها توقّف وقال: "تبارك الله إلهنا... الطّلقة التّاسعة!" عندها أصابته!

     كان غنيًّا بالحكمة والفَهم، ملآنًا نعمة، ذا نفس شهمة، معروفًا برجولته. وكان، في الوقت عينه، بسيطًا. رعيّته قريبة منه. أحبّ واعتنى، بخاصّة، بالفقراء والعمّال. عمله الرّوحيّ والاجتماعيّ كان فائقًا.

     قبيل تنفيذ حكم الإعدام بالأسقف القدّيس، بعث إلى رعيّته وكهنته برسالة أجابهم فيها على أسئلة كانت تُقلقهم. ممّا جاء فيها:

     اعتدتُ أن أقرأ قصص القدّيسين وأنا طفل ومراهق. شهامتهم جذبتني. كنت دائمًا أشعر بالأسى لأنّي لست في زمان يسمح لي بأن أقتدي بهم. ولكن ها قد حضرت السّاعة! الظّروف تغيَّرت والفرصة سنحت لنكابد، نحن أيضًا، عذابات واضطهادات من أجل المسيح، يوقعها قوم غرباء عنّا وآخرون إخوة لنا سواء بسواء.

إيقونة ثانية للقدّيس بنيامين كازانسكي

     قد يبدو رهيبًا أن يحتمل الإنسان كلّ ذلك! لكن، يا أحبّتي، بمقدار آلامنا من أجل الرّبّ يسوع يرسل لنا قوّته وتعزياته!

     اليوم تبلغ الاستشهادات الذّروة! نعمة الرّبّ، أيضًا، لا تقاس، اليوم، ولا توصف! إنّي مُفعَم فرحًا وغبطة! المسيح حياتنا ونورنا. الحياة معه وبقربه جميلة، ولا أجمل، أينما كانت وكيفما كانت! لا قلق عندي على مصير الكنيسة! علينا، فقط، أن نكون مؤمنين لننزع عن أنفسنا الشّعور بالاكتفاء بقوانا الذّاتيّة! لننسَ ذكاءنا وحكمتنا وقوانا ولنترك في المجال لنعمة الرّبّ أن تعتني بنا!

     لن يخلِّص الكنيسة أحدٌ، لا "بلاتونوف" ولا "بنيامين"! وحده المسيح سيخلِّصها! عندما تدعو الحاجة إلى خدمة الكنيسة علينا أن ننسى خدمة أنفسنا. لا يمكن أن نضحّي بالكنيسة لنربح ذواتنا! كثيرون يُضحُّون بذواتهم لمبادئ سياسيّة أو اجتماعيّة، ونحن، المسيحيّين، وخاصّة الكهنة، أما يتوجّب علينا أن نُظهر شهامة واستعدادًا للموت، إن كان لنا إيمان ولو بسيط بالمسيح والحياة الأبديّة؟!

     لا أُحبّ أن أُكثر من النُّصح. أعرف إيمانكم الّذي يعطيكم أن تتصرّفوا بحكمة وتفعلوا كلّ ما هو حقّ وصحيح! سلام المسيح معكم!

     هذا ويُعيَّد للقدّيس الجديد في الشّهداء الأساقفة بنيامين الرّوسيّ، راعي بتروغراد وغْدُوف في 31 تمّوز (12 آب وفق الرّزنامة القديمة). أوّل ما أُعلنت قداسته كان في العام 1992 في الكنيسة الأرثوذكسيّة الرّوسيّة. صلواته تشملنا آمين.

* كان ذلك في 24 آذار سنة 1922 م.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share