إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش الّذي من شانغهاي - الجزء الثّالث
(1896م -1966م).
رسول الغرب

     قال الأسقف القدّيس: "من واجبات الرّاعي الاهتمام بالّذين لا يعرفون الإيمان الحقيقي... بحسب قول المسيح: "لي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضًا"(يوحنّا 16:10). من هنا وعظ الجالية الرّوسية قائلاً: "يجب أن نفهم أنّ التشتت الرّوسي في أنحاء العالم ليس فقط عقابًا من الله لخطايا الشعب، بل هو أيضًا دعوة إلى التّبشير بالأرثوذكسية في العالم أجمع قبل الدينونة الأخيرة". لهذا السّبب كان الأسقف يرعى بكثير من الحنان الغربيين الباحثين عن الكنيسة الأصليّة.

     في أوروبا عُرف بـ"القدّيس يوحنّا ذي القدمين العاريتين" (Barefoot)، والحقيقة هي أنّ الأحذية، على حسب قوله، كانت تسبب له الحساسيّة لذلك كان يلبس صندلاً من جلد. كان النّاس يتقاطرون عليه في الشوارع لأخذ بركته، أمّا النّساء المتبرجات فكنّ ينزعن تبرجهنّ بسرعة لتقبيل يده. كان يثير حفيظة بعض النّاس بقامته القصيرة، ووجهه ذات التقاسيم غير المتناسقة، وشعره المنكوش، ولحيته الطويلة... إلا أنّ الأكثرية اعتبرته بحق "متبالهًا من أجل المسيح". ضمّ إلى أبرشيته الرعايا الفرنسية والهولندية الّتي تحولت إلى الأرثوذكسية.



سان فرانسيسكو
الأسقف يوحنّا في الولايات المتحدة عام 1959

     في سان فرانسيسكو شُيّدت أكبر كاتدرائية للجالية التّابعة لكنيسة روسيا في المهجر. الأسقف تيخون، راعي هذه الأبرشية والصديق القديم للأسقف يوحنّا، أراد أن ينسحب من كرسيه بسبب تراجع صحته. غيابه عرقل إتمام الكنيسة الكبيرة هناك، وأدخل الجالية الرّوسية في جدالات عقيمة. في هذه الأجواء المشحونة، بعض مِمَن عرفوا الأسقف يوحنّا ألحّوا عليه للقدوم إلى سان فرانسيسكو. وعام 1962، أصدر المجمع المقدس قرارًا بإرسال الأسقف يوحنّا إلى أميركا لإعادة السّلام والهدوء إلى هذه الرّعية. بعد 28 سنة من ٱستلامه رعية شانغهاي، وصل الأسقف يوحنّا إلى سان فرانسيسكو في 21 تشرين الثّاني، يوم عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل.

الأسقف يوحنّا على مقعد الاتهام في المحكمة

     في البدء، عُيّن الأسقف كمدير للأبرشية. لكنّه بقي دائم الاهتمام برعيّته في أوروبا الغربية، حتّى إنّه حفظ ساعته بتوقيت فرنسا. وفي كلّ مناسبة، كان يذكر أنّه في هذه السّاعة لا بد للرعية في فرنسا من أن تكون محتفلة بعيد معيّن. في 30 أذار 1963 رقد الأسقف فيلاريت. عندها، عيّن المجمع الأسقف يوحنّا أسقفًا رسميًا على أميركا الغربية. أمضى الأسقف أوّل صوم كبير له في سان فرانسيسكو في جو من التُقى: الكلّ التزم الصّيام، وحضور الخدم، وأصبحت الخلافات كأنّها من الماضي. وفي أحد توما، دعا الأسقف يوحنّا المؤمنين إلى شد أحقائهم لمتابعة بناء الكاتدرائية. لكنّ المعارضين على بنائها استمرّوا باختراع الحجج وٱبتكار الاتهامات، إلى أن نجحوا في حمل المجمع المقدّس على إصدار قرار يأمره بالعودة إلى أوروبا الغربية، (علمًا أنّ القدّيس، منذ أن استلم الأبرشية الجديدة، أخذ يتردد إلى اجتماعات المعارضين، لكن دون جدوى). إلاّ أن بعض المؤمنين، والشباب الّذين كانوا في ميتم شانغهاي، رفعوا عريضة تدعو المجمع إلى العدول عن قراره، الأمر الّذي لم يشجعه الأسقف؛ لأنّه كان يعتبر نفسه راهبًا، أولاً وأخيرًا، في أُمرة المجمع، كما كان صارمًا في ما يخص النظام الإكليريكي. وبالفعل، تراجع المجمع عن قراره. لكنّ المعارضين استمروا في سعيهم الآثم، إلى أن نجحوا في جرّ الأسقف إلى المحاكمة، بخاصة بعدما ٱنتُخب مجلسٌ جديد للرّعية كان لصالحه. ٱتهموه بٱحتكار السّجل الّذي يحوى أسماء الرّعايا وبالتالي منع أي تدقيق في صحة الانتخابات. في 9 تموز 1963 مَثَلَ القدّيس أمام المحكمة. كان القاضي متعاطفًا معه، وطلب منه الانتظار في غرفة مجاورة. لكنّ الأسقف رفض بتواضع، وجلس بين الحضور. بقربه جلس عددٌ من الأساقفة المساندين له. في 27 تموز صدر قرار من المحكمة يقول إنّها ليست أهلاً لأن تبتّ في الموضوعات الإكليركية، إلا أنها طلبت تدقيقًا في السّجلات المالية الخاصة بالأبرشية. الشركة القيّمة على التدقيق في  الحسابات، بعد إنجازها المهمة، أصدرت تقريرًا نفى أي سوء ٱستعمال لأموال الأبرشية من قبل الأسقف. وفي 14 آب، وبعد التشاور مع الأساقفة، أصدر المجمع المقدس قرارًا بتسليم أبرشية أميركا الغربية وسان فرانسيسكو بشكل نهائي إلى الأسقف يوحنّا. عند عودته من المجمع، استُقبل الأسقف يوحنّا بأقواس النّصر. تصف جريدة الـ"سان فرانسيسكو كرونيكل" (San Francisco Chronicle) الحدث كالتّالي: "جمهرة من المؤمنين، من الجالية الرّوسية، ذهبوا بمحجة إلى مطار سان فرانسيسكو الدولي، أمس مساءً. الكلّ جاؤوا يهلّلون لعودة أسقفهم مظفّرًا، هذا الرّجل النحيل الّذي يعتقد الكثيرون بأنّه قدّيس...تهافت مئات الرّوسيّين على مدخل المطار، مرتّلين نشيدَ الفرح بعيون دامعة، استقبالاً للأسقف وصارخين: "لا ينام في الليل، يزور المرضى والمختلين ويشفيهم...إنّه قدّيس!".

الأسقف يوحنّا مع خدّام الكنيسة في كاتدرائية سان فرانسيسكو الجديدة

     الحقيقة هي أنّ قدّيسنا، الهادئ بطبعه والرّقيق، أظهر في هذه القضية صرامةً غريبة عنه، لأنّه لا يقبل أن تُدير مجموعة من المؤمنين الكنيسة من دون رأي الأسقف، أو تدخّل الإكليروس. واللافت أنّه إبّان هذه التجربة أظهر تمسكًا بالمبادئ لا يتزعزع، وتنزّهًا عن أيّة مشاعر بالحقد أو الغضب تجاه معارضيه. وعندما سُئل من المسؤول عن البلبلة الّتي حصلت، أجاب من دون تردد: "الشيطان". لقد حفظ بالصّمت كلّ ما حدث، رافضًا الكلام عليه مع أحد؛ فتحوّلت هذه الأحداث المؤسفة إلى نصر، لا فقط للجالية الرّوسية في كاليفورنيا، بل أيضًا لكلّ أميركا الأرثوذكسية بشفاعات والدة الإله، إذ ٱنتهت الأعمال في الكادرائية.

حفل تنصيب الصّلبان على قبب الكاتدرائية

     وعام 1964 تمّ رفع الصّلبان على القبب الخمسة للكادرائية الّتي كُرّست لوالدة الإله "فرح المحزونين". هنا تجدر الإشارة إلى أنّ اليوم الّذي عُيِّن لرفع الصّلبان كان في شهر تشرين الثّاني، وأحوال الطقس كانت تشير إلى إمكانية حدوث عواصف كما هي الحال في سان فرانسيسكو، في هذه الفترة من السّنة. على الأثر طلب المؤمنون من الأسقف تأجيل حفل رفع الصّلبان، إلاّ أنّ الأسقف طمأنهم. صباح ذلك اليوم، كانت الأمطار غزيرة. ولكن، رغم ذلك، اجتمع النّاس بعد الظهر، للزياح تحت المطر، وما إن بان الأسقف حتّى بانت الشمس، وطلع قوس القزح، وأخذت الغيوم السّوداء المنتشرة تتجمع في مكان واحد ووقفت على حدة "بكل تهذيب" إلى أن انتهى حفل رفع الصّلبان.




الحياة اليومية في سان فرانسيسكو
كاتدرائية والدة الإله فرح المحزونين في سان فرانسيسكو

     في سان فرانسيسكو، سكن الأسقف في ميتم القدّيس تيخون زادونسكي (Saint Tykhon Zadonsky). وكان، كلّ يوم، يُقيم خدمة السّحر والسّاعات، يليها القدّاس الإلهي إمّا في الميتم أو في الكاتدائية. ومن ثم كان يزور المستشفيات، ليصلّي على المرضى الأرثوذكسيّين هناك. لكنّه ما كان ليرفض الصّلاة من أجل الّذين يطلبون صلاته، مهما كان ٱنتماؤهم. عند عودته إلى الميتم، كان يهتمّ بالأمور الإكليريكية، وذلك ما عدا أيام الآحاد والأعياد. مرة، جاءه قوم من المحاسبين بورقة ليضع ختمه عليها. وإذ قالوا له إنّهم أمضوا ليلة كاملة لإتمام العمل، سألهم: "هل قمتم بهذا العمل في اللّيلة السّابقة ليوم الأحد؟"، فأجابوه بالإيجاب. عندها، رفض الإمضاء، معتبرًا حضور خدمة غروب يوم الأحد والتحضير للقدّاس الإلهي أهمّ بكثير من أي عمل آخر.

في مكتبه في ميتم القدّيس تيخون في سان فرانسسكو عام 1966

     إلى جانب نشاطاته الاعتيادية، كان يردّ على الرّسائل الّتي كانت تصله بالآلاف. وكعادته، اتبع نظامه النسكي المعتاد: وجبة يتيمة في اليوم، بعد الغروب، يأكلها مُمسكًا مسبحة الصّلاة بيد، والملعقة بيده الأخرى. وإذا ما صادف أن جاءه اتصال وطالت المخابرة إلى ما بعد نصف الليل، كان يمتنع عن الأكل لكي يتمكّن من تناول القدسات في اليوم التالي.

     كان يزور كلّ المستشفيات (رغم أنّه قسّمها إلى مناطق أوكلها إلى كهنة الرّعايا)، بخاصة في عيدي الفصح والميلاد، حاملاً الهدايا للمرضى. وفي كلّ غرفة، كان يتلو مع مساعده طروبارية العيد وقنداقه. بهذه الطريقة البسيطة، كان يُدخل فرحًا كبيرًا إلى قلوب المرضى. كانت المستشفيات تُعِدّ له لائحة بالمرضى الأرثوذكسيّين. لكن، إذا ما طلبه مريض ليس على اللائحة، حتّى ولو كان يهوديًا، كان يدخل ليصلي عليه.

خلال زيارة الأسقف يوحنّا إلى ميتم دير سيدة فلاديمير عام 1963

     اهتمّ خصوصًا بتثقيف المؤمنين الصّغار كما الكبار على الإيمان. كثيرًا ما كان يحضر صفوف التعليم الديني، ويسأل الأطفال عن شفيعهم. كان يتفهّم الشباب، ويمازحهم، ويهتم لقضاياهم. حتّى إنّه كان يقيم على حسابه سهرات لهم في الميتم، لكي تتمكن الشبيبة الرّوسية من الالتقاء. وأمّن للراشدين صفوفًا للتعليم الدّيني يعطيها الكهنة، وهو اهتمّ بتعليم الخدم الكنسية.

     يُروى عنه أنّه عام 1964، عندما أعلن المجمع المقدس قداسة الأب يوحنّا كرونشتادت، أُقيمت سهرانة لتمجيد القدّيس المُعلن حديثًا في 1 تشرين الثاني. لكن، في هذا التاريخ، يصادف عيد يُعرف بالـ"هالويين" (Halloween). وقد فضّل عدد كبير من المؤمنين حضور الحفل الّذي تقيمه الجالية الرّوسية في هذا العيد، على القدوم إلى الكنيسة. لذلك، ما إن انتهت الخدمة في الكنيسة حتّى طلب الأسقف من السّائق أن يقوده لا إلى المستشفيات كعادته بل إلى المركز الرّوسي، حيث يقام هذا الاحتفال. هناك، دخل القاعة؛ فتفاجأ الحضور، وتوقفت الموسيقى؛ فجال الأسقف في القاعة بصمت، وعصاه الأسقفيّة في يده، وهو ينظر إلى الحاضرين بقسوة من دون حقد على أحد، ثم غادر بصمت. رفض الأسقف كلّ الاحتفالات الّتي كانت تقام في الليلة السّابقة لليوم الّذي تُقام فيه خدمة القدّاس الإلهي، حتّى لو كان ذلك لجمع التبرّعات. حياة الصّلاة في نظره كانت أهمّ بكثير من أي هدف آخر.

     عام 1964، عندما استقال المتربوليت أنستاسيوس لأسباب صحية، وهو المتقدّم بين أساقفة الكنيسة الرّوسية في المهجر، اجتمع مجمع الأساقفة لانتخاب خلفٍ له. كان الأسقف يوحنّا على قائمة اللائحة، لأنّه الأقدم؛ مما جعله أهلاً لأن يكون متقدمًا بين متساويين. لم يكن يقدّمه على آخر، على اللائحة، سوى صوت واحد. علم الأسقف، بروحه، أنّ هذا الموضوع سوف يثير النزاعات، بخاصة أنّ بعضًا من أساقفة المجمع يفضّل خلق شقاق عوضًا من الرّضوخ له. لهذا السّبب، دعا أسقفًا شابًا اسمه فيلاريت، وأقنعه باستلام المنصب. وفي الغد، سحب ترشيحه، وعرض ٱسم الأسقف فيلاريت عوضًا منه؛ فانتخبه المجمع بالإجماع.




من عجائبه أيضًا وأيضًا<
الأسقف يوحنّا إلى جانب أيقونة كورسك

     كثيرون شهدوا لعجائبه في سان فرانسيسكو. دونك بعضها:

     تعرّض رجل لحادث سيارة، فأصيب بجراح خطيرة أفقدته توازنه، وسببت له آلامًا مبرّحة، حتّى شارف الموت. زوجته، السّيّدة ليو (Mme Liu)، عرفت قوة صلاة رجل الله، وفكرت في دعوته. لكنّها ترددت بسبب كثرة انشغالاته. ولكن، حدث ما لم يكن متوقّعًا. فبعد يومين، وبعد أن ساءت حالة المريض للغاية، أتى بنفسه، من دون أن يدعه أحد، ودخل غرفة المريض، وصلّى عليه. لم تطل زيارته أكثر من خمس دقائق، غادر بعدها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت حالة المريض تتحسن، إلى أن استعاد عافيته بالكليّة. في وقت لاحق، عرفت السّيّدة ليو من مرافق الأسقف أنّه كان متهجًا إلى المطار عندما طلب من السّائق التوجه إلى عائلة ليو، فأبدى السّائق والمرافق ٱعتراضًا على طلبه، لأن هذا سيؤخّرهم عن الوصول إلى المطار في الوقت المناسب. لكنّ الأسقف أصرّ قائلا: "هل تأخذان على عاتقكما حياة شخص؟" ورغم الزيارة لم تفُته الطائرة.

     سيدة أخرى تُخبر أنّها كانت تعاني بسبب مصاعب مادية ومرض زوجها وأحد أولادها، وهي لا تعلم كيف عرف الأسقف بحالها، إذ لم تجرُء على دعوته نظرًا لفقرها. لكنّه قرع باب منزلها، ذات يوم، عند السّاعة الحادية عشرة مساءً، ثمّ دخل وصلّى على الزوج، واستعلم عن الولد الّذي في المستشفى، ثم غادر متوجّهًا إلى المستشفى، حيث صلّى على الولد، وفي حوزته أيقونة سيّدة كورسك الّتي كان يأخذها في كلّ زياراته للمرضى. وما هي إلاّ أيّام حتّى تحسّنت حال الزوج، واستعاد عافيته، وباشر عمله، وشُفي الولد. وفي وقت لاحق، أُصيب أيضًا أحد أولاد هذه السّيّدة بشلل نصفي في وجهه، وكان عليه أن يخضع لعملية جراحية لشفائه. لكنّ العائلة ذهبت إلى الكاتدرائية حيث كان الأسقف يقيم سهرانة القدّيس نيقولاوس؛ فمسح الأسقف الجهةَ المصابة في وجه الولد بالزيت راسمًا صلبانًا كبيرة في عدة أماكن. ومنذ تلك اللحظة، ٱبتدأت حال الولد تتحسّن، حتّى أقرّ الطبيب أمام الأم: "إنّها معجزة!".




رقاده
الأريكة حيث وُضع القدّيس يوحنّا بعد أن وُجد مستلقيًا أمام الباب

     علم الأسقف، بالرّوح، بدنو أجله، وعرف أيضًا أنّه سوف يرقد في حزيران، وفي سياتل (Seattle) وليس سان فرانسيسكو، هذا ما قاله لسيّدة قال عنها المتروبوليت فيلاريت أنّها جديرة بالثقة. وقد شهد له هذا الأخير إذ قال إنّه في آخر اجتماع له في المجمع المقدس ودّعه بطريقة خاصة؛ فعوضًا من أن يأخذ المِرَشة ويرش نفسه بالماء المقدس، كما هي عادة الأساقفة، طلب منه (أي من المتروبوليت فيلاريت) أن يرشّه. وبعد ذلك، عوضًا من أن يقبّل كلّ واحد منهما يد الآخر، أخذ الأسقف يوحنّا يدَ المتروبوليت وقبّلها، وسحب يده بسرعة، مريدًا بذلك توديعه. وقد ٱتصل بواحدة من معارفه، قبل خمسين دقيقة من رقاده، فسألته عن أوراقه الأميركية؛ فقال لها: "بات الأمر غير مهم الآن". أما رئيسة دير راهبات سيدة ليزنا في فرنسا، فقد تلقت منه رسالة في اليوم ذاته الّذي رقد فيه، يقول فيها: "أبعث بركتي لكِ ولكلّ الرّاهبات ". أما في ما خصّ تعيين إجتماع للأبرشية بعد ثلاث سنوات قال الأسقف يوحنّا بوضوع للمسؤول عن التنظيم "لن أحضر هذا الاجتماع"...

     قبل أيام قليلة من رقاده، ولسبب مجهول، أخذ أيقونة القدّيس ناحوم الأوخريدي وأيقونة القدّيس يوحنّا المعمدان، ووضعهما في وسط الكنيسة حيث يتمّ تقبيل الإيقونة. لم يفهم أحد شيئًا إلا عند رقاده؛ فلقد توفي يوم عيد القدّيس ناحوم، ودفن يوم عيد ميلاد النبيّ السّابق المجيد.

     رقد القدّيس في 2 تموز (19 حزيران بحسب الرزنامة القديمة) عند السّاعة الثالثة والنّصف من بعد الظهر. كان قد أقام القدّاس الإلهي، صباحًا، كعادته، في كنيسة القدّيس نيقولاوس والقدّيسين الشهداء الجدد، المُشَيّدة في سياتل. ثم بعد القداس مكث في الهيكل يصلّي حوالي الثلاث ساعات. بعدها صعد إلى غرفته، وطلب من مساعديه ٱنتظاره أسفل، لأنّه يريد أن يذهب إلى المقبرة. بعد دقائق سمعوا ضجة في غرفته؛ فصعدوا ووجدوه مستلقيًا أمام الباب. لقد كان واقفًا يصلّي أمام أيقونة سيدة كورسك، الّتي كان يجلّها كثيرًا ويأخذها أينما ذهب، تمامًا كما رقد شفيعه القدّيس يوحنّا توبولسك أمام أيقونة سيدة تشرنيكوف.

     أُقيمت الذكرانيات في كلّ كنائس سان فرانسيسكو. في يوم الأحد 3 تموز أُقيم القدّاس الإلهي في سياتل ورغم السّاعة المبكرة كانت الكنيسة مكتظة بالمؤمنين. بعد القدّاس، أُقيمت ذكرانية، وعند السّاعة الثالثة، ٱنطلق وفدٌ يرافق النّعش إلى المطار ليُصار به إلى سان فرانسيسكو. مئات الأشخاص استقبلوه هناك. ولأوّل مرّة في تاريخ المطار سار زياح جنائزيّ لملاقات النّعش على المدرج: الأسقف نيكتاريوس حاملاً أيقونة سيدة كورسك في المقدمة، تحيط به راهبات دير سيدة فلاديمير والكهنة، ثم جوقة الكاتدرائية، وجمع غفير من المؤمنين. بعد صلاة صغيرة جنائزية، ٱنتقل الموكب إلى الكاتدارئية الجديدة مع مواكبة الشرطة له. هناك كان في انتظاره حشد كبير من النّاس، وقد ٱستقبله الإكليروس كما لو كان حيًا. أُقيمت على الأثر خدمة الجنّاز. ولمدة أربعة أيام كانت السّهرانة مستمرّة: الإكليروس يقرأ الإنجيل طول النّهار. وعند منتصف الليل كان خدّام الكنيسة وقرّاؤها يقرأون المزامير طول الليل. هكذا أحاط بالأسقف الشباب الّذين أحبّهم بشكل خاص. وخلال كلّ هذا الوقت كان المؤمنون يتوافدون من دون توقف إلى الكاتدرائية للقبلة الأخيرة. وصباح كلّ يوم، بعد القدّاس الإلهي، كان الأسقف المحتفل يُلقي كلمة رثاء. الأسقف نيكتاريوس دعا المؤمنين إلى التبرّك بذخائر القدّيس الجديد، والأسقف سابا من إدمنتون (Edmonton) دعا الأسقف يوحنّا بالمغبوط والصّانع العجائب. خدمة الدفن بدأت مساء الخميس 7 تموز، واستمرّت ستّ ساعات، رأسها المتروبوليت فيلاريت، يعاونه عدد من الأساقفة، وحشد من الكهنة. وأكثر من ألف وخمسمئة شخص حضروا الخدمة. يقول الأب سيرافيم روز واصفًا إيّاها: "أفضل مقارنة لهذه الخدمة في عصرنا الحاضر هي خدمة عيد الفصح المجيد".

القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش بعد رقاده وهو مسجًى في النّعش

     بقي النّعش مفتوحًا طول الوقت: لا فقط لم يُظهر الجسد أيّة علامات للانحلال، بل بدا الأسقف يوحنّا كأنّه نائم، ويداه كانتا دافئتين ولونهما طبيعي... وحتّى يومنا هذا، لم ينحلّ جسد القدّيس بعد، وما زال مسجًا في كاتدرائية والدة الإله فرح المحزونين في الطابق السّفلي. ٱنتهت الصّلاة بزياح حول الكاتدرائية ثلاث مرّات، وبإنشاد ترتيلة "فليكن ذكره مؤبّدًا" عند السّاعة الواحدة بعد منتصف الليل.

ضريح القدّيس يوحنّا قبل الكشف عن رفاته

     بعد رقاده، ظهر لكثيرين، خلال نومهم، محاطًا بهالة ويشعّ منه النّور. ولكن، اللافت هو شهادة السّيّدة شاخماتوف، مديرة ميتم القدّيس تيخون، الّتي تقول: "في 4 أيلول 1966، عند السّاعة السّادسة صباحًا، رأيت، كما في رؤيا، موكبًا كبيرًا متجهًا من الكاتدرائية إلى الميتم، حاملاً راياتٍ وأيقونةً ونعشَ القدّيس. وإذ دخلوا الميتم، رأيت الأسقف يوحنّا خارجًا من غرفته، لابسًا الجبة والأموفوريون **** والبطرشيل، ومعه زيت ليمسح الشعب به. وقد قال: "تقدّموا بخشوع لأمسحكم بالزيت"، فتقدمت الحشود، وإذ تقدمت أنا لأُمسح... مسحني الأسقف قائلاً: "قولي للنّاس، رغم إنّي رقدت فإنّي حي!".



فحص رفات القدّيس وإعلان قداسته
حفل الكشف عن رفاته وإعلان قداسته

     في 12 تشرين الأوّل 1993، بعد إقامة خدمة جناز الرّاقدين على نية الأسقف يوحنّا، فُتِح نعشه وبان رفاته غير منحلٍ، فقط القفل الحديدي والأيقونة المعدنية علاها الصّدأ. وبعض العفن كان يغطي ملابسه الليتورجية. نُقل رفاته إلى نعش رهبانيّ أُعدّ خصيصًا لهذه المناسبة، ثم أُعيد إلى مكان ضريحه السّابق. في أيّار من العام 1993، التأم المجمع المقدّس، وباشر بإعداد إعلان قداسة القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش الّذي تمّ في 2 تموز 1994 في سان فرانسيسكو، حيث أُقيمت سهرانة تُليت فيها خدمة القدّيس المُعلن حديثًا وعُرضت الأيقونة المكتوبة له للتبرّك.

بعد غسل الرّفات الجثمان في مقرّه الأخير


من عجائبه بعد رقاده
أيقونة للقدّيس يوحنّا مكسيموفيتش

     تُخبر السّيّدة كيترينوس: "عام 1983 عاين أخصّائيّ ابني كريستوفور البالغ من العمر ثلاث سنوات، وأخبرني بأنّه يفقد السّمع تدريجيًا، بسبب تراكم سائلٍ خلف طبلة الأذن، مسببةً التهابات متكررة فيها. سمعه المتدني أخّر نطقه. على الأثر تمّ تعيين عملية لإزالة السّائل... وكنت، قبل ذهابي إلى الأخصائي، وقبل يومين من العملية، قد مسحتُ كريستوفور بزيت من قنديل الأسقف يوحنّا. وعندما عاينه الأطباء مجددًا، اكتشفوا أنّه شفي، فشعرنا بانفراج كبير، ودهشنا خصوصًا عندما قال لنا كريستوفور: "هذا هو الرّجل الّذي شفى أذني!"، ردد هذه الجملة عدة مرات. وذات مرة، أنهى صلاته قائلاً: "شكرًا لأنّك شفيت لي أذني". فسألته: "من شفى لك أذنيك؟"، فمد إصبعه وأشار إلى بطاقة بريدية للأسقف يوحنّا موجودة في زاوية المصلّى في المنزل".

     شاب ٱسمه "جون هولتز" (John Holtz)، قبل ذهابه إلى الجبهة في الفيتنام، زار ضريح الأسقف يوحنّا. هناك، وضع صورة للقدّيس على نعشه، ثم عاد، قبل رحيله إلى الجبهة، وصلّى أمام الضريح مجددًا. وعندما أنهى صلاته، أخذ الصّورة، ووضعها في جيب قميصه، جهة قلبه، كما ليحميه من قذائف العدو، وانطلق إلى الفيتنام، حيث كانت الحرب في أوجّها. كان من رتبة عريف، وقد شهد خلال هذه الحرب كلّ أنواع المعجزات. بينما كان الكلّ يموت من حوله، بقي هو سالمًا. ذات مرة، وقعت فرقته في كمين، وهو وحده لم يقتل، ولا حتّى جُرح، بينما أُسر أو قتل كلّ رفاقه. مرة أخرى، سقطت قنبلة في معسكره، وكلّ من حولّه أصيب بجراح خطيرة، إلا هو بقي سالمًا. وأيضًا في مواجهة مع الفيتكونغ (Viet-Cong) خرج من المعركة بجرح طفيف. وفي نهاية خدمته على الجبهة، أّعطي مهمة أخرى في مكان أخر. عندها، أدرك الحماية الّتي تلقاها من الأسقف يوحنّا وصورته الّتي في جيبه.

     في الأرض المقدّسة، أُجريت عملية المرارة لشاب أرثوذكسي عربي، لكنّها باءت بالفشل. بعدها، أخذ لونه يصفّر. أُجريت له عدة صور إشعاعيّة بآلات متطورة جدًا، ٱستطاع الأطباء من خلالها تشخيص العلّة، وقرروا إجراء عملية جراحية له. لكنّ العملية لم تنجح أيضًا. وأُصيب المريض بداء السّكري، وأخذت صحته تتراجع. في نهاية المطاف، أرسلوه إلى الأردن عند أخصائي لهذا المرض. خشي الطبيب من اللجوء إلى عملية جراحية بسبب حالة المريض المتفاقمة وصحته الضعيفة. عندها، قرر ذووه اللجوء إلى القدّيس يوحنّا مكسيموفيتش. فأُقيمت صلاة تضرّع لوالدة الإله والقدّيس في دير جبل الزيتون. أخيرًا، قرر الطبيب إجراء العملية. وعندما شقّه، بانت أعضاؤه بحالة ميؤوس منها. ولكن، بعد انتهاء العملية، قال الطبيب الّذي كان مسلمًا إنّ يديه أجرتا العملية ولكن كان هناك يدٌ ثالثة، أحسّ بعملها الّذي كان مصيريًا، مؤكدًا أنها معجزة من الله. وما لبث المريض أن تعافى.

فلتكن صلواته معنا أجمعين. آمين

 

**** تعريبه: "ملبوس الكتف"، يلبسه الأسقف على عنقه وكتفيه وهو يرمز إلى الخروف الضال (من كتاب العبادة المسيحية للأرشمندريت المتوحد إلياس مرقص)

 

المرجعان:

       Le Caro Bernard (2006), Saint Jean de Changhai. Lausannes: Edition L’age d’homme.

     Epstein Michel (2007), Saint Jean de Shanghai et de San Francisco (1896 – 1966) Thaumaturge – Témoignages. Paris: Office d’Edition Impression Librairie F.X. De Guibert.


الجزء الأوّل
الجزء الثاني

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share