إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
فاليريو غافنكو المعترف الرّوماني الجديد.
(+ ١٩٥٢).
يُعيّد له في ٥ شباط.

صورة للعائلة، الطّفل هو فاليريو، والد "فاليريو" "باسيل غافنكو" مع أخته وعلى رأسها غطاء أبيض وأمّه "هيلينة" بغطاء الرّأس الأسود وأختَيه.
   وُلد "فاليريو غافنكو" (Valeriu Gafencu) في ٢٤ كانون الأوّل ١٩٢١، في القسم الشّماليّ من "رومانيا" بالقرب من الحدود الرّوسيّة. كان والداه مسيحيَّين أرثوذكسيَّين مؤمنَين. نُفِي أبوه* إلى "سيبيريا" عام ١٩٤٠ بسبب نشاطاته المناصرة للحكم الرّومانيّ. عندما كان في الثّانويّة التحق "فاليريو" بحركةِ شبيبة أرثوذكسية عُرفت بـ"أخويّة الصّليب". إبّان الحرب العالميّة الثّانية، أُدرجت هذه الأخويّة في لائحة المنظّمات غير القانونيّة، فجرى توقيف "فاليريو" وحُكم عليه بـ٢٥ سنة من الأعمال الشّاقة. كان عمره آنذاك ٢٠ سنة. حاول أصدقاؤه وأساتذته الدّفاع عنه في محاكمته مبيّنين براءته وميزاته الإنسانيّة الرّاقية ولكن دون جدوى. أُرسل أوّل الأمر إلى سجن اسمه "آيود".

   كانت سنواته الأولى فترةً أخذ فيها يتأمّل بميراثه المسيحيّ. ثمّ ما لبث أن التزم حياةً كلّها صلاة، وكان يقرأ بلهفة كتابات الآباء القدّيسين. ورغم أنّ "رومانيا" كانت تحت سلطة ديكتاتوريّة أثناء الحرب إلّا أنّ الحياة في السّجن لم تكن قاسية وكانوا يؤمّنون للسّجناء بعض الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة: كان باستطاعتهم أن يذهبوا إلى الكنيسة ويعترفوا لدى كاهن ويُساهموا القدسات، حتّى إنّهم كانوا يلتقون ويقرأون الكتب الّتي يختارونها. لذلك قرأ "فاليريو" الكثير: الكتاب المقدّس، والفيلوكاليا وآباء الكنيسة القدّيسين.

"فاليريو" عام ١٩٣٨.
   أثناء الحرب، اعتُقل عدد كبير من الكهنة والرّهبان لأسباب سياسية مختلفة ولحقهم آخرون فيما بعد تحت الحكم الشّيوعيّ، فكان للسّجناء الرّاغبين في حياة روحيّة مجموعةٌ من البشر يستطيعون اللّجوء إليهم لإرشادهم. فكّر "فاليريو" كثيرًا بموضوع الخلاص في سنواته الأولى. وفي رسالة له عام ١٩٤٢ كتب: "إنّ الإيمان في الحياة هو كلّ شيء، فمن دونه يكون المرء ميتًا". حاول أن يعيش مع رفقائه السّجناء بكلّ تواضع ممارسًا المحبّة المسيحيّة.

   وإذ استأثر به التّفكير بالخطيئة، شاء أن يدخل ديرًا عندما يتمّ إطلاق سراحه. كان يعترف باستمرار ويصلّي كثيرًا في زنزانته. وقد وضع مع مجموعة من السّجناء المكرّسين قانونًا صلاتيًّا لا يتوقّف لا ليلاً ولا نهارًا.كانوا يصلّون معًا كما لو في الكنيسة، وأيضًا كلّ على حدة في زنزانته.

   استطاع "فاليريو" بفضل مشاعره الأرثوذكسية الأصيلة ولطفه وحياته الملأى بالصّلاة أن يؤثّر على عدد كبير من النّاس، ومنهم من لم يلتقِ به شخصيًّا ولكن عرفه ممّا كان يُروى عنه حتّى قبل رقاده. لُقِّب بـ"قدّيس السّجون".

"فاليريو" طالبَ محاماة في جامعة "إيازي" قبل اعتقاله بقليل..
   علّمته سنواته الثّمانية الأولى في السّجن أن يترسّخ في الإيمان (الأمر الّذي كان ضروريًا ليتشدّد فيما بعد). عندما تغيّر الحكم في "رومانيا" تغيّرت أيضًا الأوضاع في السّجن بشكل جذريّ: فقد حُرم السّجناء من كلّ التّسهيلات الّتي كانت مؤمنة لهم قبلاً وصاروا مضطهدين لأجل إيمانهم (كذلك لاشتراكهم في أخويّة الصّليب). في تلك الفترة كانت أقوال "فاليريو" كمثل شهب نار تدفئ وتُعزّي كلّ من حوله. عندما كان في "آيود" التقى، مرّة، رجلاً فقيرًا فأعطاه سترته الجامعيّة. هذه الحادثة يذكرها كاهن في باريس اسمه "فاسيلي بولدونو" أُدخل سجن "آيود" وعليه فقط قميصٌ وبنطلونٌ وقد أعطاه أخوه الأصغر المكابد معه سترةً دافئة.

   بين العامَين ١٩٤٦ و١٩٤٨ أُرسل "فاليريو" مع سجناء أكبر منه سنًّا إلى معتقل للعمل في حقول قرب "غالدا". لم يكن النّظام بعدُ صارمًا إذ كان للسّجناء وقتٌ، بعد أن يُنهوا أشغالهم، كي يصلّوا وكانوا يعيشون في مكان واسع ويلتقون يوميًّا.

   عام ١٩٤٨، أُغلق هذا المعتقل وأُعيد السّجناء إلى "آيود" حيث واجهوا الحكم الشّيوعي وسعيه ليفرض نظامه الملحد. بعد وقت قصير أُرسل كلّ الطّلاب إلى سجن خاص يُدعى "بيتيشتي"، حيث كان يجب "إعادة تثقيفهم" (هناك جرت التّجارب الفظيعة والمعروفة جدًا عن سجن بيتيشتي). ثمّة أمور كثيرة تُروى عن هذه الظّاهرة المرعبة وعن الصّمود المسيحيّ المميّز الّذي حصل هناك.

   بقي "فاليريو" في "بيتيشتي" فترةً قصيرة فقط لأنّه، بسبب التّعذيب والبرد والجوع، أُصيب بمرض السّل وأُرسل إلى مستشفى السّل الإصلاحيّ المعروف بـ"تارغو أوكنا". وقد رأى في ذلك عناية الله ورحمته إذ أعتقه من العذابات الرّهيبة والأفظع الّتي أبدعها الإنسان والّتي أخذت تُمارس في "بيتيشتي" بعد وقتٍ قليل من رحيله.

   كان النّاس الّذين يلتقون به خلال هذه الفترة الصّعبة من "إعادة التثقيف"، المُتّبعة من قبل النّظام الشّيوعي، يرَون فيه الرّسول بولسَ جديدًا إذ كان يؤاسيهم ويشجعهم ويُغنيهم روحيًّا. لذلك كان المرضى في سائر الغرف يجتمعون إلى سريره ويستمعون إلى كلامه فيحظون بالقوّة لمواجهة الضّيق الّذي كانوا يلاقونه. كانت قوّة محبّته تشعّ على وجهه كلّ حين.

مشفى "تارغو أوكنا".
   كانت قدرة "فاليريو" على التّضحية فائقة: لم يكن يفرّق بين أي إنسان وإنسان مهما كان أصله أو دينه أو انتماؤه السّياسيّ. مرّة، رغم مرضه الشّديد، وهو على شفير الموت، فضّل أن يقدّم الدّواء المضاد للسّل (الّذي كان الحصول عليه صعبًا ونادرًا) لمريضٍ آخر يهوديٍّ كان على شفير الموت. هذا اقتبل الإيمان المسيحيّ فيما بعد وصار قسًّا بروتستنتيًّا وكتب الكثير عن ذاك الّذي أنقذ حياته.

   شخّص الطّبيب في السّجن أنّ "فاليريو" مصاب بالزّائدة الدّوديّة ويجب أن يخضع لعملية جراحيّة. أرسل تقريرًا بذلك لإدارة السّجن كي يتمّ نقله إلى مستشفى في المدينة لإجراء العمليّة. وإنّ المسؤول عن السّجن جاء إلى "فاليريو" وقال له: "إنّ حياتك بين يدَيّ. إذا لم تُجرَ لك هذه العمليّة، ستموت!". فابتسم "فاليريو" متفهمًا وأجاب: "إذا كانت حياة الإنسان هي رهن بآخر، فإنّه تقع على هذا الأخير مسؤوليّة كبيرة!. ولكن إن أدرك الجميع أنّ حياتهم في يد الله، فسيقيمون أهميّة كبيرة لحياة قريبهم!". فقال له المسؤول: "أنت مجنون!"، وأرسله إلى المستشفى في المدينة لإجراء العمليّة بحراسة مشدّدة. بعد أن أنهى الطّبيب العمليّة قال له "فاليريو" إنّه شعر بكلّ شيء لأنّ التّخدير لم يكن له مفعول. غير أنّه لم يتفوّه بكلمة أثناء الجراحة فقط كان جبينه يتصبّب عرقًا. عاد "فاليريو" إلى السّجن، فقال له المسؤول: "انظر لقد كنت على شفير الموت!. شئنا أن نبيّن لك أنّ حياتك هي بين أيدينا. ربّما الآن ستغيّر فكرك وتتعاون معنا. سنعطيك الدّواء المضاد للسّل!. وستتلقّى كلّ الحزم الّتي تبعثها لك عائلتك... وهل تعرف ماذا سيحصل فيما بعد؟... أنت إنسان ذكيّ وستكون نافعًا لنا. نحن نعرف أنّ السّياسة لا تهمّك ولكنّ الدّين... أليس البطريرك وكلّ كهنته إلى جانبنا الآن؟. لماذا لا تنضم إليهم؟. ستربح الكثير!".

   فأجابه "فاليريو": "أشكرك لأنّك سمحت أن تُجرى لي العمليّة. لكن من الآن فصاعدًا آلامي ستدوم لفترةٍ أطول... أما بالنّسبة لكلّ ما تقترحه، فإنّ المسألة بينك وبيني هي مسألة ضمير. فإنّي اخترتُ الموت كي أحظى بالحريّة الرّوحيّة. من الجيّد أن نتكلّم عن الحقيقة بصراحة، وأنا خادم للحقيقة. لست أدين أحدًا بل أنا شاهدٌ للمسيح. ليس هناك ما تحت الشّمس يمكنه أن يحيا من دون الله. أنت لا تستطيع أن تقبل المسيح وأنا لا يمكنني أن أقبل الموت الرّوحيّ".

   "سبقتُ وقلتُ لكَ أنّك مجنون!... سوف أكتب تقريرًا بشأنك. أنت ثوريّ فاشستيّ عدوّ للشّعب، في خدمة السّرّاق الأميركيّين!. نحن نعرف كيف نتعامل مع أمثالك!. لا يليق بك سوى الموت!. اذهب ومُت مع مسيحك!".

   "باستطاعتك أن تقتلني الآن، ولكن ليس باستطاعة أحد أن يقتله هو (أي المسيح). إنّه حجر عثرة لكلّ كبرياء. اعرف جيّدًا أنّ المسيح هو القوّة الوحيدة الّتي باستطاعتها أن تُعتق البشريّة من العذاب ومن الخطيئة".

   "تخلَّ عن كلّ هذه التّرّهات فإنّ الحقيقة إلى جانبنا!".

   "الحقيقة هي المحبّة الّتي تضحّي بنفسها من أجل الفقير والمضطهَد!".

   "هل أنت مختلّ؟... هل، وأنت على شفير الموت، تعطيني مواعظ ميستيكيّة؟!... هل تريد أن تقنعني أنا أيضًا؟. لقد تماديتَ كثيرًا!".

   أغمض "فاليريو" عينيه إذ كان متعبًا للغاية وأخذ يُصلّي لهذا الإنسان التّعيس كي يصل إلى معرفة الحقّ، أمّا هو فتركه محتارًا بأمره.

أختا "فاليريو" "إليونورا" و"فالنتينا" مع زوج "إليونورا" واقفون في مكان المدفن الجماعيّ في "تارغو أوكنا".
   رقد "فاليريو" في ١٨ شباط عام ١٩٥٢، في "تارغو أوكنا". كلماته الأخيرة كانت: "لا تنسوا الصّلاة إلى الله كي نلتقي هناك!. إنّ الله منحني القيود الّتي تحرّر الرّوح وأخذ منّي الحريّة الّتي تأسر روحي!". لا نعرف مكان ضريحه إذ إنّ السّجناء في تلك الفترة كانوا يدفنون في مدافن جماعيّة وكانت وجوهم تُهشّم كي يتعذّر التّعرّف عليهم. غير أنّ "فاليريو" طلب أن يُدفن مع صليبٍ فضيٍّ صغير في فمه وربّما، بإذن الله، سوف يتمّ التّعرّف على رفاته.

   بقي "فاليريو" في ذاكرة كلّ الّذين عرفوه بقية حياتهم. وإنّ كلّ كتاب يستذكر الفظائع الشّيوعيّة الّتي حصلت في السّجون الرّومانيّة يأتي على ذكر اسم قدّيس السّجون.





*  *  *  *  *  *  *

   رؤية لوالدة الإله قبل رقاده:

   ليلة الميلاد الأخيرة من حياته، عند الفجر، شهد "فاليريو" لصديقه "يوان إيانوليد" بالتّالي:

   "رفعت نظري، وكلي عجب، نحو مقدّمة سريري ورأيت والدة الإله متسربلة بالبياض حيّة أمامي حقيقيّة. لم يكن طفلها معها. بدا حضورها حسيًّا بالنّسبة إلي. كانت فعلاً بقربي!. شعرتُ بالبهجة ونسيت كلّ شيء. بدا لي أنّ الوقت لا نهاية له. ثمّ قالت لي: "أنا حبيبتك!. لا تخف. لا تشكّ. فإنّ ابني سينتصر. لقد قدّس هذا المكان لحياةٍ مستقبلية. إنّ قوّات الظّلمة تنمو وسترعب العالم، بعد، أكثر من ذلك، لكنّها ستتشتّت. ورغم أنّه قد يبدو لك أنّه لا إيمان بعد على الأرض، لكن اعلم أنّ النّجاة قريبة، ولكن بالنّار والدّمار. على العالم أن يتألّم بعد. غير أنّه ما زال هناك إيمان كبير راسخ وأنا جئت لكي أشدّدك. كُن شجاعًا فإنّ العالم هو مُلك للمسيح!".

*  *  *  *  *  *  *

   رسالة "فاليريو" إلى أمّه - ٧ آذار ١٩٤٦:

"فاليريو" مع أمّه في "غالدا" ١٩٤٦-١٩٤٧.
   أمّي المحبوبة، رأيتُكِ في قلب "نوريكا" (أخته) عندما جاءت لزيارتي. كنت جيّدة، طيّبة، كثيرة التّفهم. بقيت صامتًا ونظرتُ إلى ما في داخلي. هناك وجدتُ الحبّ... أنا اليوم سعيد للغاية، أنظر إلى حياتي وما حول العالم بهدوء ، وأرى إصبع الله في كلّ شيء. أتأمّل في حياتنا وأرى معجزات الله.

   يا أمّي العزيزة، أحسّ بك كثيرًا!. قولي لي يا أمّي أنّك تشعرين بمحبّتي!. قولي لي يا أمّي أنّك تشعرين بحضوري دائمًا إلى جانبك!. قولي لي يا أمّي أنّك سعيدة!. لدي الكثير أقوله لكِ يا أمي!. أستيقظ في اللّيل وأُصلّي. أبعث بأفكاري إلى أُمّي وبعدها أشعر بسلام عميق في داخلي!. وأُحسّ بوالدي، أشعر بحبّه اللّامتناهي. وأُفكّر أحيانًا بالمحبّة الّتي تكنّينها له. ما أجمل العائلة الّتي ألّفتِها!. وما أجمل الحبّ!.

   يا أمّي أتذكرين أيّام الصّيف عندما كنت طالبًا في الثّانويّة وكنّا نتمشّى سويّة في حديقتنا، بين الأشجار. أذكر الأفكار الّتي كانت لكِ وقد تنبّأتِ لي بمستقبلي.

   أفكاري الأوّليّة كانت أنّي سأصبح رجلاً ذا شأن. قصدْتُ بذلك أنّي سأصير رجلاً يلعب دورًا كبيرًا في التّاريخ محقّقًا أمورًا كثيرة لأمّته. شئت أن أحقق الكثير من الخير في العالم، غير أنّ الإنسان يخطّط والله هو الّذي يقرّر. لقد أخذت الحياة مسيرها السّريع والحتميّ. وصلت بنفسي إلى جامعة "إيازي". هناك رأيت أنّ لي فرصة حقيقيّة لمستقبل باهر. عشت حياة طبيعية. كنتُ من التّلاميذ الموهوبين، صديقًا للجميع، مع ظمأ غير اعتيادي للمُثُل لعالم جديد، حيث يسود الحبّ والعدل بتناغمٍ كامل.

"فاليريو" مع أمّه وصديقه "يوان إيانوليد" في "غالدا" ١٩٤٧. في الخلف الكنيسة الّتي كانوا يصلّون فيها أيّام الأعياد.
   حسنًا، انتهى بي الأمر في السّجن، وإنّي مدركٌ أنّ حياتي في السّجن ستسبّب لي متاعب كثيرة من خلال العذاب والابتعاد عن العالم. غير أنّي أؤمن أنّي أعاني من أجل الحقّ. لقد جلبَتْ هذه الظّروف لنفسي سلامًا عميقًا. وتمّمتُ برضى مُثُلي.

   وأشاء يا أمّي الحبيبة أنّ تعلمي أنّي عانيتُ الكثير. كنت أستيقظ في اللّيل خلال شتائي الأوّل شاعرًا بوحدة السّجن والبرد والجوع. كنت أنظر في الظّلمات وأهمس بصوت خافت، حتّى لا يتمكّن من سماعي أحد غيري، ولكن بصوت واضح أيضًا كي يسمعني الرّبّ وأقول: "يا أمّي، أشعر بالبرد والجوع!".

   في البدء كان الأمر صعبًا للغاية. ولكنّ الله كان دائمًا معي. لم يتركني ولا للحظة. وبدأتُ أواجه عذاباتي الجسديّة، وأخذتُ شيئًا فشيئًا أتذوّق أفراحًا جديدةً. تيقّنتُ أنّي رجلٌ خاطئ. روّعتني خطاياي وضعفاتي. إذ ذاك أدركت أنّي أنا الّذي رغبت من كلّ قلبي بعالم مثاليّ، كنت خاطئًا. لذا كان علي، بدءًا، أن أصير رجلاً جديدًا نقيًّا. فشنّيت الحرب على الشّرّ الّذي في داخلي.

   وببطء نزل علي نور الحقّ. بدأت أختبر الألم بفرح. وملأ المسيح، حبّي الكبير، الفوهة الّتي في قلبي. أدركتُ أنّه عظيم بحقّ من كان له هذا الحبّ العظيم ولو بدا صغيرًا. أنا اليوم سعيد، وأحبّ كلّ إنسان في المسيح. المسير صعب كي يقبل النّاس هذه الأمور ويدركوها!. لكنّي مقتنعٌ تمامًا أنّ هذا هو السّبيل الوحيد إلى السّعادة...

*  *  *  *  *  *  *

   من أقواله في إجابة لبعض الأسئلة.

   إنّ الملحدين الماديّين، المهووسين بمباهج هذا العالم، ورغبتهم في السّيطرة وأنانيّاتهم، خلقوا الحضارة، المتأجّجة بكلّ ما له علاقة بالتّكنولوجيا. عزلوا الطّبيعة البشريّة وتخلّوا عن الوصايا الإلهيّة. وإنّ محاولتهم خلقَ فردوس أرضيّ شهوانيّ باءت بالفشل. استُهلكت الطّبيعة للغاية وتلوثت، وأصبحت غير ملائمة للعيش. من ناحية أخرى، للتّكنولوجيا طاقة أكبر على الهدم مما للبناء. وفي أوجّ ذلك أسوأ الشّرور: تغرّب الإنسان!. في هذه الظّروف، لم يعد مناهضو العلوم المتمحورة في الإنسان يشعرون بأنّهم يسيطرون على مصير العالم الّذي خلقوه. لذا فإنّ العالم المتغرّب عن الله يتكبّد عقاب أعماله الشّرّيرة.

   وقال أيضًا:

   إنّ كمال الإنسان نجده في اشتراكه بالرّوح القدس. إنّنا نستدعي الرّوح القدس كي يجلب الوحدة لكلّ الفروقات، والتّرتيب للتّاريخ والقداسة للحياة. وإنّ القدّاسة هي غير هيوليّة وليست من هذا العالم، لكنّ المسيح، من خلالها، يأتي بنا إلى عالم مغمورٍ بالرّوح القدس.


   س. هل سيقبل العالم المسيحي في القرن العشرين الرّؤية المبتكرة والمسيحانيّة للحرّيّة؟.

   ج. إنّ الأحداث المفجعة الّتي يمرّ بها العالم المعاصر ستخلق ظروفًا تشجّع على العودة إلى الإيمان. علينا بالعودة إلى الرّوح القدس والإنجيل والزّخم الرّسوليّ. إنّ المسيحيّة تتمّ ولادتها الجديدة في أتّون نار وعذاب الإلحاد المادي!. إنّ الشّيطان، بالأساليب عينها الّتي يحاول إدارة شؤونه، سيخسر العالم الّذي ظنّ أنّه ربحه!.


   س. ما هو الجانب الأبشع في الشّيوعيّة؟.

   ج. إنّ الفقر الّذي تجلبه الشّيوعيّة صعبٌ احتماله، وكذلك إخضاعها الإنسان لنظامٍ صارم... لكن لا شيء أكثر فظاعة من تسييسها الضّمير وتحويلها الإنسان إلى دمية مسيَّرة!.


   س. ولكن أليست للشّيوعيّة ضعفاتها، صدوعها وثلماتها؟.

   ج. في الشّيوعيّة الكثير من "الصّدوع" الأيديولوجيّة، لكنّهم يبقونها في الخفاء، لأنّ النّظام الشّيوعيّ لا يستطيع أن يقبل الحرية (خارجه). لا يمكنه أن يسمح لأحد بأن ينتقد أو يرفض الشّيوعيّة. إنّ الاستبداد الشّيوعي مذهل!. ابتُدعَت الشّيوعية بغية خلق نظامٍ مؤسساتيّ يستأثر بالسّلطة بصورة دائمة، ويسعى كي يوسّع نطاق سيطرته مهما كان الثّمن. وإنّ الفرص لأمبراطوريّة شيوعيّة ظافرة، في هذا القرن، تتوفّر ولكن على حساب سوادٍ لا يتصوّر!. ليست "إعادة التّثقيف" الّتي تتمّ في "بيتيشتي" سوى رمزٍ لهذا النّظام العالميّ الجديد الشّيوعيّ!.


   س. ماذا ترى إذًا في مستقبل البشريّة؟.

   ج. إنّ الله يعمل في هذا العالم. وسوف تتحرّر البشرّيّة من خلال عذابات كثيرة وستُقهر الشّيوعيّة، لكنّ العالم لديه مشكلات أهمّ كي يحلّها. يجب أن يغيّر العالم نمط عيشه وتوجّهه. لذا فإنّ الشّيوعيّة ستندثر، لكن الأهمّ هو ما سيسود محلّها.


   س. "فاليريو" ما هو جوهر الأزمة اليوم؟.

   ج. الإلحاد.


   س. ماذا ترى في عالمنا اليوم؟.

   ج. أرى بلبلة داخلية وتفكّكًا يؤدّي إلى العدميّة، لأنّ البشر مهووسون بعدمية المادة، والخيالات في كلّ أشكالها، واستنزاف الحسيّات، ونزعة تاريخيّة لا يتمّ تجاوزها، وطقوس من دون الله، واستهلاك من دون روحانيّة، وزيف يحتجب بتأليه الإنسان لنفسه. إنّ الكوارث تداهم حياة الإنسان على كلّ الأصعدة. لا بدّ من ألمٍ كثير كي تستعيد الحياة توجّهها الرّوحيّ مع تغيّير في طريقة العيش!.


   س. لماذا سمح الله أن يغرق العالم في هذه الأزمة الحاضرة بعد حوالي ٢٠٠٠ سنة من المسيحيّة؟.

   ج. ليست هذه الأزمة من الله، وليست من الإيمان، ولكن بالحري من حريّة الضّمير البشريّ. إنّ الإنسان دنّس العالم في القرون الأخيرة، أفسد النّفوس، وشجّع على الشّهوانيّة وسقط فريسة لكبرياء العالم الماديّ والإلحاد. وفي الوقت عينه، أصبحت القوى الشّيطانيّة متقدّمة ومنظّمة بشكل أفضل في القرن العشرين ممّا كانت عليه في العصور الأولى للمسيحيّة. وإنّ الطّريقة الّتي يتمّ فيها قتل القدّيسين من قبل الوحش في القرن العشرين شيطانيّة أكثر، منحرفة أكثر، شاملة، مدروسة أكثر، وأفظع ممّا كان يتكبّده الشّهداء في مرحلة الدّهاليز.


   قال أيضًا:

   نستطيع أن نرى التّوق للصّعود إلى ما فوق في كلّ الطّبيعة. الجبال، السّموات، النّسر... وفي روح الإنسان أيضًا هناك ظمأ بالأكثر للارتقاء إلى أعلى، وما فوق، إلى قرب السّيّد بعيدًا عن هذا العالم!.


    وأخيرًا:

   أرغب بمكانٍ بعيد هادئ، كوخٍ أو فجوة محفورة في الصّخر، قلاية رهبانية عند قمّة الجبل، أن أكون بقرب طيور السّماء، فتكون الطّبيعة من حولي صديقتي والرّبّ يسوع دائمًا في قلبي. أرغب في أن أحبّ بسلام واتّضاع، منسيًّا من العالم. أفكّر أحيانًا بأن أصير كاهنًا. غير أنّي غير مستحقّ. أنظر إلى التّراب. في يومٍ من الأيّام سأصير ترابًا وآخرون سيحفرون الأرض. سيتحوّل جسدي إلى رماد.  وربمّا ستزهر من جسدي حياة أخرى. ستكون نفسي في السّماء وهناك ستنتظر كي تدان... أرغب في أن أخلص.


* كان والده ملّاكًا لأراضٍ كثيرة وقد وقعت المنطقة، بعد نزاعٍ، تحت سلطة الدّولة السّوفياتيّة، فانتقلت العائلة إلى "إيازي". ثمّ عاد الأب إلى بلدته وأمّن لعائلته دخلاً ثابتًا إذ عهد بأراضيه لمدير أمين. بعد ذلك أسلم نفسه ومات بعد سنة من اعتقاله في ظروف قاهرة لأنّه شاء أن يشهد لإيمانه.


المراجع:

http://www.apostle1.com/pascha_2006/valeriu-gafencu-saint-prisons-prisoners/valeriu-gafencu-saint-prison-prisoners1.htm

http://orthodoxengland.org.uk/bookread.htm

http://www.pravoslavie.ru/english/90761.htm

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share