يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).
الكنيسة والكنائس في فكر الأب جورج فلوروفسكي
الحركة المسكونية: من أين؟ وإلى أين؟

تقديم

          الأب جورج فلوروفسكي أحد أبرز اللاهوتيّين الآبائيّين الأرثوذكسيّين في القرن العشرين. جمَع إلى المعرفة العميقة استقامة الموقف ورحابة التوجّه ونفاذ البصيرة والشفافية التراثية. واكب الحركة المسكونية التي تمخّضت عن تأسيس مجلس الكنائس العالمي في أمستردام سنة 1948. عبّـر بوضوح وبلاغة عن الموقف الأرثوذكسي التراثي من العمل المسكوني كما لم يعبِّر عنه أحد سواه. في مجموعة أعمال الأب فلوروفسكي الصادرة بالإنكليزية في أربعة عشر جزءاً، في الثمانينات من القرن العشرين، تحتلّ كتاباته، في الشأن المسكوني، المجلّدين الثالث عشر والرابع عشر (1989). الإطّلاع على مساهماته إغناء للفكر المسكوني وعود على بدء اتقاء الضبابية والحيدان عن المسرى القويم. ستة عقود من الزمن كادت تنقضي سبقتها تحضيرات هامة، هذه اعتورتها تفاعلات بدّلت النظرة إلى الذات. اهتمامات خبت واهتمامات احتدّت، كلّها بحاجة إلى إعادة نظر وتقويم حتى لا يكون استمرار التلاقي المسكوني بقوّة العطالة (Inertia) وحتى لا يتكوّن، من جرّائه، جسم يستمدد قيمته من ذاته ويفرض نفسه كأمر واقع له تكوينه وغاياته الخاصة من حيث يدري الناشطون فيه أو لا يدرون. مطالعتنا لما كتب تمدّنا بالمنطلقات التي كان، على أساسها، في نظره، الإقبال الأرثوذكسي على العمل المسكوني.


ما هو واضح لديه

          يعبِّر فلوروفسكي، في إبداء نظرته إلى الكنيسة المقدّسة، عن قناعة هي، إليه، بديهيّـة لا مانع أن يُوسَم، في شأنها، بالعناد معتبراً عناده "عناداً في البديهيّـة"1 ،على حدّ تعبيره. مؤدّى هذه البديهيّـة، التي هي في أساس إقباله على الحوار المسكوني، أن الكنيسة واحدة، وهذه الوحدة هي جوهر الكنيسة بالذات. ما انقسم هو العالم المسيحي. أما الكنيسة فغير منقسمة ولا سبق لها أن انقسمت وهي غير قابلة للإنقسام. لفظة "الكنيسة"، في الاستعمال الصارم والدقيق للكلمة، ليست لها صيغة جمع ولا لها موقف متساهل من هذه الصيغة إلاّ مجازيا2. لذلك نخطئ إذا ما تكلّمنا على انقسام في الكنيسة. الدقّة تحدونا، بالأحرى، إلى التحدّث "لا عن انشقاق في وحدة الكنيسة بل عن افتراق عن الكنيسة"3. ويمضي الأب فلوروفسكي في وضع النقاط على الحروف فيُبدي أنه، بصفته عضواً وكاهناً في الكنيسة الأرثوذكسية، يؤمن بأن الكنيسة التي اعتمد ونشأ فيها "هي، في الحقيقة العميقة، الـ "الكنيسة" أي الكنيسة الحقّ والكنيسة الحقيقية الوحيدة". تعليلاته قناعته الشخصية أولاً والشهادة الداخلية للروح القدس الذي ينفخ في أسرار الكنيسة وما تعلّمه من الكتاب المقدّس والتقليد الجامع للكنيسة. بناء عليه يصرّح، من دون عقد، أن كل الكنائس المسيحية الأخرى، في نظره، تعتورها العيوب. "وبإمكاني في حالات عديدة"، على حدّ تعبيره، "تحديد هذه العيوب بالدقّة الكافية". من هنا أن إعادة الوحدة المسيحية، لديه، هي، ببساطة، "الهداية الجامعة إلى الأرثوذكسية". ويؤكّد الأب فلوروفسكي، في هذا الإتجاه، أنه ليس له ولاء طائفي. ولاؤه، حصراً، هو للكنيسة الواحدة المقدّسة4. من هذا المنطلق يبدي أنه لا يحكم البتّـة على أحد "أنه خارج الكنيسة" لأن الدينونة معطاة للابن. "ليس أحد مخوّلاً باستباق الدينونة". ولكنْ هذا لا يمنع ولا يتعارض البتّـة مع كون الكنيسة صاحبة سلطان في التاريخ هو أولاً "سلطان التعليم وحفظ كلمة الله بأمانة"5.


لِمَ انخراطنا في الحركة المسكونية؟

          بديهي، في ضوء ما تقدّم، أن هناك قاعدة إيمان ونظام يصفها الأب فلوروفسكي بـ"القاعدة السويّـة".  ما لا يتّفق وهذه القاعدة هو غير سويّ.  وغير السويّ ليس فقط برسم الإدانة بل برسم المعالجة أيضاً.  "هذا"،  بكلمات الأب فلوروفسكي،  "تبرير لاشتراك الأرثوذكسي في الحوار المسكوني على الرجاء أنه من خلال شهادة حقّ الله يمكن كسبُ القلوب والعقول البشرية" 6. أما الغرض الآني من العمل المسكوني فهو التخلّص من الأحكام المسبقة وقصر النظر والاقتراب معاً "من فهم المعنى الحقيقي للانشقاقات الحاصلة وجذورها وأسبابها الحقيقية". والأب فلوروفسكي يعتبر الإشتراك في الحركة المسكونية عملاً رسولياً. فإن "الكنيسة الأرثوذكسية"، على حدّ تعبيره، "مدعوّة، بخاصة، إلى لعب دور في تبادل الأفكار مسكونياً، بالضبط لأنها تعي دورها كحافظة للإيمان الرسولي والتراث في هيئتهما الكلية المتكاملة". ويتحدّث عن وعي الأرثوذكسية كونها ممسكة "بكنز النعمة الإلهية من خلال استمرار الخدمة والتسلسل الرسولي". لذلك لها، من هذا المنطلق، "مكانة خاصة وسط المسيحية المقسّمة"7. كذلك يبدي أنه قد يكون مفيداً لنا جميعاً "أن نعيد تكامل القطع التي لنا من التقليد المسيحي المشوّه في تركيب جديد يشكّل، في آن، استعادة للوجدان المشترك للكنيسة العريقة"8. ويخلص إلى أن التماس الوحدة أو إعادة الوحدة ضرورة والوحدة أمر إلهي. "الانقسام المسيحي لا يعني أقلّ من إخفاق المسيحيّين في أن يكونوا مسيحيّين حقيقيّين... حتى لو كان الواحد في موقع ملء الحقّ... لأنه ليس مسموحاً لأحد أن يكون حراً من المسؤولية عن الآخرين"9.


العلّة والعلاج المرتجى

          علّـة الانقسام في العالم المسيحي، العلّة التي هي أم كل علّة أن هناك تبايناً بيننا في النظرة إلى الحقّ. لذلك "اللاهوت السليم"، بكلام الأب جورج فلوروفسكي، "هو الأساس الوحيد المكين للوحدة المسيحية. هو الأداة الوحيدة لخلق فهم حقيقي..." 10. هذا لا يعني اتفاقاً في الصيغ ودستور الإيمان وحسب. الانقسام الحاصل أعمق من ذلك لأنه "انقسام في الإيمان، في خبرة الإيمان بالذات"11. الوجدان الواحد مفتقد. الفكر ليس واحداً. قراءتنا ليست واحدة. لذلك، بحسب الأب فلوروفسكي، لا نتغلّب على الانقسام إلاّ "بقدر ما نتغلّب عليه من خلال الاتفاق ووحدة الفكر – من خلال الاستنارة الروحيّـة، في وحدة الحقّ"12. وفي موضع آخر يقول إنه "فقط بالعودة إلى الفكر المشترك للكنيسة الأولى يمكن التغلّب على الانقسامات". صحيح أنه لم يكن هناك تماثل لدى القدامى ولكن "كان هناك فكر مشترك"13.


سبيل ينبغي تجنّبه

          هذا ويبدي فلوروفسكي أن مواجهة الخلافات كما هي، بواقعية، خطوة أساسية في الاتجاه السليم. علينا أن نعترف بأن خلافاتنا "عديدة ومتأصلة وجذرية". بإزاء ذلك لا مجال للمساومة. واقعنا نواجهه، بالأحرى، "بصراحة وشجاعة، بلا تحفّظ ولا مراوغة، بثقة وأمانة". أجل الانقسام الحاصل عميق. لذلك الاختزال والطرق السهلة لا تنفع. "على المرء أن يكون شجاعاً بما فيه الكفاية لمواجهة تحدّي المأساة المسيحية". علينا أن نعمل على إزالة حجارة العثرة لا أن نكتفي بتجاهلها أو تجنّبها"14 ما نتشوّف إليه هو "الإجماع اللاهوتي العميق". "هذا وحده يضمن صحوة حقيقية في الوعي المسكوني". أما البحث عن الحد الأدنى المشترك فلا قيمة له على الإطلاق15.


مزالق ينبغي الحذر منها

          1-  اعتبار اللاهوت مسؤولاً عن التوتّر والانقسام في الكنيسة. "الدين والعقيدة (وأعني بذلك اللاهوت) لا زالا، في العادة، يُجعَلان في تضاد". ثمّـة ميل كبير إلى الاعتماد، بالأحرى، على الخبرة الدينية المباشرة، على التقوى من دون العقيدة. في تقييم الأب جورج فلوروفسكي أننا في الخبرة الدينية المباشرة نواجه "تنوّعاً يائساً" في الخبرة الدينية لا يقبل التكامل ولا يؤمّن أية وحدة على الإطلاق. بكلمات الأب فلوروفسكي: "حرّية الخبرة الدينية المباشرة هي العامل الأكثر إحداثاً للانقسام والأكثر عبثاً بحياتنا الروحيّـة. الوحدة والإتفاق لا يمكن تحقيقهما إلاّ على صعيد العقيدة... تاريخياً اللاهوت دواء يحفظ من الشواش البالغ للخبرة الحرّة... العقيدة خارطة... ليست نظاماً قائماً بذاته يمكن أن يحلّ محلّ الخبرة بل هي خارطة ومرشد ورفيق للمسافر"16 وفي مقال يأخذ فيه فلوروفسكي على المؤمنين الأرثوذكس الروس قلّة اهتمامهم بالعقيدة، يبدي أن عقيدة الآباء هي نبع الأرثوذكسية في الحياة وأنه لا فصل عندهم بين "الروحانية" و "اللاهوت". القداسة في التراث الأرثوذكسي دائماً ما تفسّر لاهوتياً، في فئات الرصانة والأمانة للحقّ. على ذلك يؤكّد أن شواش الحياة المعاصرة مردّه، مباشرة، "إهمال التعليم الصحيح"17. في هذا الإطار أيضاً، يشير إلى أن ثمّـة نزعة خطرة جداً في الحركة المسكونية إلى الإقلال من أهمية "الخلافات الفكرية" أو حتى تجاهلها. لذا يُصار، أحياناً كثيرة، إلى الطعن في أهلية أساتذة اللاهوت من حيث إنهم "باقة من الناس يخلقون تعقيدات لا لزوم لها"18. هذه النزعة، بنظر الأب فلوروفسكي، تعيق التقدّم في مسار الإعادة الحقيقية للوحدة. ويخلص إلى أن "اللاهوت السليم هو الأساس الأمين الوحيد للوحدة المسيحية وهو السبيل الوحيد لخلق تفاهم حقيقي"19

       2- الحذر من الإفراط في الحداثة في تعاطي الأمور. هذا، في المواقف والتوجّه، بنظر الأب جورج فلوروفسكي، يحول دون وصولنا إلى أساسات الإيمان المسيحي والواقع التراثي الذي يُصار إلى اعتباره مهجوراً مماتاً. "على المرء أن يستعيد المنظور التاريخي الحقيقي لا أن يُستأسَر مقعَداً إلى حداثة منعزلة"2.

       3-  تعاطي موضوع الانقسام وكأنه موضوع أخلاقي بحت. ليست القضية قضية سلام أو تسامح وحسب. لسنا، هنا، في صدد مواجهة مسألة تتعلّق بالانحراف الأخلاقي أو الضعف البشري. "المنشأ الأول للانقسامات المسيحية"، بكلام فلوروفسكي، "...هو الوهم... اختلاف الآراء في شأن الحقّ". لذا دائماً ما تفضي الأخلاقية، في طرح المسائل اللاهوتية، إلى ضرب من عقائدية الحدّ الأدنى إن لم يكن إلى رفض عقائدي. "مثل هذه الأخلاقية"، بنظر الأب فلوروفسكي، "تتغذّى أو تنشأ من نوع من اللاحسّ أو اللامبالاة العقائدية أو قصر النظر"21.

       4-  إحداث تضاد غير طبيعي بين الحقّ والمحبّـة واعتبار المسألة، في أساسها، سوء تفاهم مردّه النقص في المحبّـة الأخوية. هنا يوضح الأب فلوروفسكي أنه "لا يصار إلى التغلّب على الانقسام باللطف والمحبّـة الأخوية بقدر ما يُصار إلى التغلّب عليه بالاتفاق ووحدة الفكر". المحبّـة التي توحّد أساسها وحدة الإيمان. فقط في الحقّ لا من دونه هناك محبّـة حقيقية روحية لا مجرّد عاطفية عابرة22 صحيح أن مصدر الانقسام هو النقص في المحبّـة ولكنْ محبّتنا لله23، معرفتنا به، معاينتنا له. وبعدم معرفتنا للآب السماوي لا نعود نعرف أو نتبيّن إخوتنا.

       5-  "اختزال الوحدة المسيحية بقصرها على أبعاد التعاون في المسائل العملانية"24 الحركة المسكونية مجرّبة بانتهاج هذه القادومية مسلكاً. من أول الطريق كان هناك شعار طُرح بقوّة في ستوكهولم، سنة 1925 "ان العقيدة تفرِّق والخدمة توحّد". لا يجد الأب فلوروفسكي غضاضة في التعاون والتضامن في المسائل العملانية. هذه أيضاً مساهمة في الوحدة المسيحية. الخطر يتمثّـل في حجم هذا التعاون والغرض منه، ألاّ يحلّ الهاجس العملاني محلّ الهمّ اللاهوتي وان يبقى، بصدق وأمانة، مجرّد عامل مساعد على التلاقي العقائدي. بغير ذلك يمكن لهذا التعاون أن يشكل عائقاً دون البحث الحقيقي عن الوحدة. مرّة أخرى يؤكّد فلوروفسكي أن جذر الانشقاق ذو طبيعية عقدية وهو أعمق بكثيرمن مجرّد "التغرّب التاريخي أو العزلة المتبادلة". لذلك يستخلص "ان التعاون الفعّـال بين المسيحيّين المنقسمين في القضايا الاجتماعية أو في حقل المسائل الدولية دون أي إلحاح عميق في ابتغاء اتحاد أقصى في كنيسة واحدة، لا يمكن إلاّ أن يُعتم أو حتى يُفسد الرؤية بشأن "الوحدة المسيحية" الحقيقية التي هي وحدة في الإيمان والنظام ووحدة الكنيسة وفي الكنيسة".

       6-  الحذر من تعاطي الشهادة للأرثوذكسية أيديولوجياً، كمذهب فكري. هذا يكون شهادة للحقّ في معرض الباطل. "في الحقيقة"، بكلام الأب فلوروفسكي، "قبل أن نتمكّن من الكرازة بالأرثوذكسية الحقّ للعالم علينا أن نكون نحن، أنفسنا، أرثوذكسيّين بالفعل. فهل نحن كذلك؟ "ما هو حاصل أو ما نقع فيه، أحياناً كثيرة، هو أننا نلتمس مجداً في الميراث الذي خلّفه لنا آباؤنا، ولكنْ الخشية دائماً هي أن "نتعاطى هذا الميراث ببلادة"25.

       7-  الحذر من تخطّي حدود الواقعية الكنسية في التاريخ. إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البنّـاؤون. المعرفة والفهم والرؤيا الكاملة محفوظة ليوم الدين. "ولكن، أقلّه"، بكلام الأب فلوروفسكي، "ان معرفة وجهة السير موفورة للكنيسة، منذ الآن، في حجّها الأرضي. أن نستعيد الإحساس بوجهة السير هو الواجب الأول للحركة المسكونية في الوقت الحاضر". علينا أن نقرّ بأن الهدف بعيد المنال والطريق ضيّـق لكن مرشداً أكيداً لا يخطئ معطى لكل الذين يبحثون بتواضع وتفان وهو المعزّي، روح الحقّ. هو يقود المؤمنين إلى ملء الحقّ"26.


في ضوء ما تقدّم

          الأب جورج فلوروفسكي، في ضوء ما تقدّم، قال، في الشأن المسكوني، قول الكنيسة برمّتها.

       طبعاً الكلام على المسكونية يطال كل ما يمتّ، من جهتنا، إلى العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأخرى، سواء في مستوى الرؤساء أو اللاهوتيّين أو عامة المؤمنين، في إطار مجالس وهيئات تقام هناك وهناك ومن دونها. نحن، إذاً، لا نتحدّث عن جسم واحد من العلاقات بل عن أجسام تتفاوت في الجدّية والرصانة، بحسب الهيئات والأمكنة والأزمنة. يبقى أن ثمّـة ملامح تعكسها المناخاتُ المسكونية بعامة، خصوصاً في أوساطنا. هذا ما نقتصر عليه في هذا البحث.

       يلاحظ المرء في قراءته لفلوروفسكي أن الحركة المسكونية حتى الخمسينات كانت وعداً طيِّباً للإيجابيات التي استبانت في فهم السلبيات بين الكنائس وللدراسات التي أُجريت في الشؤون الكتابية والتاريخية والعقدية وسواها وللحوارات الصريحة التي أُقيمت27 على ذلك لسنا، في هذا المقام، في معرض الطعن بالشأن المسكوني في المبدأ. العلاقات المسكونية جانب أساسي بديهي من حياتنا وشهادتنا في الكنيسة الأرثوذكسية لا غنى عنه. تساؤلاتنا تتناول نمط المسكونية الذي نريد، تمييز القويم من غير القويم وفرز غير المقبول لأنه يسيء، في العمق، لا إلى إخوتنا غير الأرثوذكسيّين وحسب، بل إلى استقامة انتمائنا نحن إلى الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية.

       إذاً، الحركة المسكونية، في هذا الإطار، كما استقرأناها في فكر الأب فلوروفسكي، هي حركة لاهوتية أولاً وأخيراً، والشأن المسكوني، لكي يكون ناجعاً، ينبغي أن يطال، في أساسه، الشأن العقدي. فهمنا للحقيقة ليس واحداً وخبرتنا أيضاً، لذلك إيماننا ليس واحداً. فحوار العقيدة، في إطار "المسكونية في الزمن"، أي بالعودة إلى تراث الكنيسة، بحسب تعبير الأب فلوروفسكي، هو منطلق العلاقات المسكونية ومآلها. فقط الهمّ اللاهوتي يبرِّر، من ناحيتنا، الحركة المسكونية. كل عمل، على كل صعيد آخر، يُفترض به أن يصبّ، بأمانة، في هذا المحور الأساس ويساعد فيه وإلاّ يساهم في تحويل الأنظار عن الحوار العقدي، وتالياً في تعطيل المسعى الوحدوي وتحويله في اتجاه آخر غير الاتجاه المحدّد له بدءاً. دور الكنيسة الأرثوذكسية هنا دور رسولي لأنها حاملة وجدان الكنيسة الرسولية بامتياز ولها سلطان في شأن التعليم القويم ولو لم تكن "الكنيسة الحقّ"، بتعبير فلوروفسكي، هي "إلى الآن الكنيسة الكاملة"28.

       قراءتنا للعديد من المعطيات المسكونية، في ضوء ما تقدّم، تعطينا الانطباع أن ما يجري اليوم غير ما تطلّع إليه فلوروفسكي وجيله. لا زال الكلام اللاهوتي في التداول ولكن لا يبدو لنا أن الهاجس اللاهوتي هو، بعد، محور الاهتمام. ثمّـة تحوّل حدث ويحدث.


إلى أين؟

          خشيتنا أن نكون قد أُخذنا بحمى تكتّـل المسيحيّين أكثر بكثير مما أُخذنا بوحدة الإيمان والخبرة والوجدان الكنسي.

       خشيتنا أن ما نحن في صدده ليس استعادة الانتماء إلى وحدة الكنيسة بل إقامة اتحاد بين الجماعات المسيحية هنا وثمّـة. هذا ما يسمّيه الأب جان رومانيدس "الدمج وإقامة الأحلاف الطائفية العالمية"29.

       خشيتنا أن تكون العقيدة قد تحوّلت إلى شعارات يتلبّسها همّ سياسي اجتماعي جامح.

       شعورنا أن اعتماد الاختزال اللاهوتي سيكون إلى ازدياد. المسيحية المسكونية سيُسوَّق لها باطراد باعتبار الحدّ الأدنى المشترك بين الكنائس فيما يتقلّص الاهتمام بالفروقات العقدية فتمسي من خصوصية هذه أو تلك من الكنائس. هذا سينعكس على الشأن التربوي وعلى كل الشؤون التعاونية بين الكنائس.

       شعورنا أن نطاق الاهتمام بقضايا شؤون الأرض كالسلام العالمي وحقوق الإنسان والبيئة سيتّسع لأن هذا المجال، بعد التحوّل الضمني التدريجي عن مجال العقيدة، سيصبح هو المجال الأمثل للتعبير عن اتحاد الجماعات المسيحية وترسيخ هذا الاتحاد.
شعورنا أن الخلطة في الصلاة والاشتراك في القدسات، ولو بصورة غير رسمية، سيستمر وسيكون إلى ازدياد لأن الليتورجيا، والحال هذه، ستكون عنصر الدعم الأكبر للمشروع المسكوني وتكريسه المَظنون "لدى الله"(!)

       شعورنا أن المرحلة المقبلة مرشّحة للمزيد من المشروعات الوحدوية على غرار محاولة توحيد الأرثوذكسيّين والسريان الأنطاكيّين وتوحيد الأرثوذكسيّين والملكيّين الأنطاكيّين.

       شعورنا أنّ ما يؤخّر مثل هذه المشروعات، بالدرجة الأولى، هو خوف الأرثوذكسيّين المحبّذين لها من ردود الفعل داخل المخيّم الأرثوذكسي.

       شعورنا أن التغرّب الوجداني والتشنّج بين الأرثوذكسيّين مرشّحان للتعمّـق والازدياد.

       شعورنا أن التكتّـلات ذات الشعارات المسيحية تخضع لمنطق تكتّـلات الأمم على غرار خضوع ديانات الأمبراطورية الرومانية لخدمة قيصر إلاّ المسيحية فعُدَّ المسيحيّون، يومها، ملحدين. اليوم، في زمن العولمة، زمن الأمبراطورية الرومانية الجديدة، الكل يتّجه نحو اتحاد الشعوب. وما أخفق قديماً يؤمَل نجاحه اليوم. لذلك التكتّـل المسيحي، راهناً، في تلاق مطّرد وديانات الأرض ومشروعات اتحاد الديانات قائمة على قدم وساق. الكل يعي أنك إذا شئت أن توحّد العالم فعليك أن توحّد الديانات أولاً. الماسونية الفكرية تجتاح العالم.

       خشيتنا أن نكون قد دخلنا، من حيث لا ندري، في زمن التطويع لبابل جديدة. هذا يفعلونه، في الظاهر، باسم الله. وما يراد به، في الحقيقة، بناء برج رأسه بالسماء30.


الأرشمندريت توما (بيطار)
دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما  –  لبنان

 

1

فلوروفسكي، الأب جورج. مجموعة أعماله (بالإنكليزية) الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.

2

فلوروفسكي، الجزء 13، إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 14.

3

المصدر عينه ص ص 14 – 15.

4

فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية منظور شرقي أرثوذكسي ص 134 وكذلك البحث عن الوحدة المسيحية والكنيسة الأرثوذكسية ص ص 139 – 140.

5

فلوروفسكي، الجزء 13. الكنيسة الحقّ. ص 134.

6

المصدر عينه ص 135.

7

فلوروفسكي، الجزء 13. المساهمة الأرثوذكسية في الحركة المسكونية ص 160.

8

فلوروفسكي، الجزء 13. التوتّر اللاهوتي بين المسيحيّين ص 12.

9

فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 24.

10

فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21

11

فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 16.

12

المصدر عينه.

13

 المصدر عينه ص 13.

14

فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171 – 172.

15

فلوروفسكي، الجزء 13. أغراض وشكوك مسكونية ص 26.

16

فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 9 – 10.

17

فلوروفسكي، الجزء 13. انتقاد القصور في الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس. ص ص  169 – 170.

18

فلوروفسكي، الجزء 13. الحاجة إلى الصبر ص 21.

19

المصدر عينه.

20

فلوروفسكي، الجزء 14. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 172

21

فلوروفسكي، الجزء 13. إشكالية إعادة توحيد المسيحية ص 15 – 16.

22

المصدر عينه ص 16 – 17.

23

المصدر عينه.

24

فلوروفسكي، الجزء 13. اشتراكي الشخصي في الحركة المسكونية ص 171.

25

فلوروفسكي، الجزء 13. مسؤولية الأرثوذكسيّين في أميركا ص 175.

26

فلوروفسكي، الجزء 13. مأساة الانقسامات المسيحية ص 33

27

فلوروفسكي، الجزء 14. مجلس الكنائس العالمي ص 189.

28

 فلوروفسكي، الجزء 13. المسكونية. منظور شرقي أرثوذكسي ص 134.

29

رومانيدس، الأب جان، الأرثوذكس: الوصول والحوار في "ما ينتظر الكنائس" (بالإنكليزية) 1965 ص 13.

30

تك 11: 4

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share