كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
عبادة الموضة

قال الرّبّ الضابط الكلّ: "احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي لأنّي وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم. لأنّ نيري هيّن وحملي خفيف."

     منذ بعض الوقت سمعت شخصاً يقول: "ألا تظنّ أنّه، في أغلب الأحيان، حين يتعاطى الناس المخدّرات أو الكحول أو يتورّطون في مشكلات جنسيّة فإنّ ذلك لأنّهم يتبعون الجمهور الكبير ويتبنَّون مقاييس الفئات الدنيا حولهم بدل أن يتمسّكوا بمعاييرهم الخاصة السامية، معايير المسيح؟"

     لا شك في أنّ هناك ضغوطاً حقيقية تدفع الناس إلى هذا النوع من المطابقة. أحد معلمي الصف التاسع في مدرسة الأحد قال:

     "تناول الصف التاسع في مدرسة الأحد درس "المطابقة" أو تكيّف المرء مع أفكار الآخرين، وكنّا نتحدّث عن مقدار ما هو ضروري للشبّان ألاّ يكونوا مختلفين عن سواهم. فإذا أُخرجتْ الأحذية المطاطية الخفيفة التي تُلبَس فوق الأحذية العادية لحمايتها فإنّ أي مراهق يفضّل أن يصل إلى المدرسة وكلّه مبلّل حتى إلى وسطه والجليد يتدلّى على أطراف معطفه من أن يظهر وهو لابس جزمة واقية!

     "تلاميذ الصف التاسع سلّموا بكل هذا بسرور. لكنّهم فوجئوا عندما طرحت عليهم السؤال التالي: "ولكنْ إذا كانت واحدة منكن، أيّتها الفتيات، تسير في رواق المدرسة وهي لابسة ثوباً جديداً فالتقت فجأة بفتاة أخرى تلبس ثوباً كثوبها تماماً فلماذا تضطرب اضطراباً شديداً؟

     "فقهقهت الفتيات شاعرات بالذنب وابتسم الفتيان بتكلّف.

     "ثمّ قالت إحدى الفتيات: "هذا لأننا لا نرغب في أن نكون تماماً كأي فتاة أخرى!"

     "وأضافت فتاة أخرى: أظنّ أننا نريد أن نكون متشابهات ولكن مختلفات في آن معاً!"

     ليس المراهقون وحدهم هم الذين يريدون أن يشبهوا الآخرين وأن يختلفوا عنهم أيضاً. كلّنا يريد ذلك لأننا بحاجة للشعور بالأمان. إحدى الطرق التي بها نتمتّع بهذا الشعور هي أن نكون مطابقين للآخرين، أن نكون مثلهم لنشعر بأننا جزء من الجنس البشري. ولكن إذا وجدنا أنفسنا، نظير الفتاتين اللتين تلبسان الثوب عينه، وكأننا مثلهم أكثر مما نتطابق مع غيرهم فإنّ هذا يزعجنا. نشعر بالسأم والمهانة. نبحث عن شيء جديد.

نحن نماذج أصلية ولسنا نسخا

 

 

      لقد جعل الله كلاً منّا مختلفاً عن سواه. من بين مليارات الناس في هذا العالم، ليس هناك اثنان لهما بصمات الأصابع واحدة أو الشخصية عينها. ولكن بدل أن نفرح بفرادتنا كثيراً ما نقرِّر أنّ علينا أن نكون نظير الجميع في الفريق. نأخذ هبة الفرادة الإلهية هذه ونخفّفها حتى إلى محوها. وكما أحسن أحدهم القول: "أكثر الناس يُولدون أصليّين ثمّ ينتهون نسخاً".

     هذا، في الحقيقة، شكل من أشكال اللاأخلاق لأننا عندما نشرع بطرح خصوصياتنا عنّا فكأننا نقول لله إنّنا لا نريد أن نكون الشخص المميّز الذي خلقه ليكون، وإذا فعلنا ذلك نأخذ في فقدان حرّيتنا. الشخص الذي يماشي الجمع كيفما اتّفق ليس شخصاً حرّاً. لا يتمتّع بحياته الخاصة بل يجعل الآخرين يحيونها عنه. عليه أن يتبع القطيع وليس عنده إلاّ القليل أو لا شيء يقوله في شأن وجهة سير هذا القطيع. يبدأ بفقدان الطاقة على التفكير والعمل بنفسه ثمّ يصل أخيراً إلى حدّ يأمل فيه أن يقول له الآخرون ماذا عليه أن يفعل وإلى أين يتوجّه. والنتيجة تكون أنّه لا يعود شخصاً فريداً مميّزاً بعدُ، مخلوقاً على صورة الله، بل مجرّد تكملة عدد.


مؤامرة شيطانية

 

 

     في الحالة التي وصفنا تأثير شيطاني. نحن نعلم أنّ الشيطان دائماً ما يحاول أن يبقى مجهولاً. لو كان ليظهر كشيطان فما كان يجد أحداً يتبعه. لذلك يتّخذ شتّى أنواع الأقنعة. القدّيس بولس يقول عنه إنّه يظهر أحياناً كملاك نور. أحد تكتيكاته المفضّلة أن يجعلك تقتنع بأنّ الجميع يفعلون ذلك وأنّ هذه هي موضة العصر. وإذا كنتَ لا تفعل ما يفعله الآخرون فلا بدّ أن تكون شاذاً ولست في المستوى ورجعي. لن يقول المجرِّب أبداً: "تعال أعلّمك الخطيئة"، بل سيقول دائماً: "هيّا أُريك أمراً مهماً، أمراً ممتعاً، أمراً سوف يجعل حياتك أغنى ويجعلك أكثر شعبية من ذي قبل".

عبادة الرأي العام

 

 

     إذ يفعل المجرِّب ذلك يستغل إحدى ضعفاتنا، عنيت بها عبادة الرأي العام. منذ قرن مضى كتب هارييت مارتينو أنّ عبادة الرأي العام هي الديانة الشائعة في أميركا. منذ ذلك الحين جرى تأسيس المعهد الأميركي للرأي العام ووكالات شتّى للاستطلاع.

     في عالمنا الدهري الاتجاهات والميول أكثر أهمية من المبادئ والأخلاق. في كل حال، كثيراً ما نسمع القول يتكرّر: "خمسون مليون فرنسي لا يمكنهم أن يكونوا على خطأ". صحيح أنّ خمسين مليون رأي يمكن أن يجعل فكرة ما شعبية ولكنّه لا يجعلها صحيحة. خمسون مليون فكرة خاطئة لا تبلِّغ إلى الحكمة بل إلى الخطأ الهائل. إذا كان رأي إنسان ما خاطئاً فإنّه لا يصير صحيحاً لمجرّد أنّه ينتشر ويصير شعبياً. الحقيقة لا علاقة لها بالأرقام. غالبية الرأي العام هي التي حكمت على يسوع بالموت. سأل بيلاطس الحشد: "ماذا عليّ أن أفعل به؟" أجابه (الرأي العام): "اصلبه! اصلبه!"

     حسناً فعل كولومبوس حين لم يشأ أن يعبد الرأي العام في زمانه الذي ظنّ أنّ العالم مسطّح أو الإخوة رايت أن الإنسان لا يستطيع أن يطير البتّة!

     عبادة هذا الإله المزيّف، إله الرأي العام، بلغت حتى بعض الكنائس. أحد اللاهوتيّين سُمِعَ يقول: "إنّ قانون الأخلاق الذي لا زلنا نعلّمه ينبغي تغييره. ليس هناك اثنان في المائة من شعبنا يؤمن به أو يعيش على أساسه بعد، وما قيمة دستور أخلاقي إذا لم يكن هناك مَن يسلك فيه؟"

     هذا اللاهوتي المزيّف بحاجة لأن يقرأ كلمة الله أكثر قليلاً من استطلاعات الرأي العام غالوب، لا سيما متى 5: 8 حيث قال يسوع: "فإنّي الحقّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل". إن سلطتنا في شأن الصح والغلط لا تقوم على أساس عدد الناس الذين يقبلونها بل على الله الذي كشفها. ناموسه لا يتغيّر ليوافق هشاشة الطبيعة البشريّة.


حين تكون في روما

 

 

     تكتيك آخر يُستعمل لحملنا على اتّباع الجمهور هو النصيحة التي تتضمّنها الكلمات الشائعة: "حين تكون في روما افعل ما يفعله الرومان". عندما يخبرنا الناس بذلك علينا أن نقول لهم: "أي رومان؟ الفقراء؟ متوسّطو الحال؟ الأغنياء؟ الإكليروس؟ بائع الموز؟ الشيوعيون؟ البابا؟" أترى؟ هؤلاء كلّهم يعيشون في روما. وهم لا يعملون الشيء عينه. كيف بإمكاني أنا أن أعرف ما الذي يفعلونه كلّهم؟ ولماذا عليّ أن أتبعهم؟ لماذا لا أكون أصيلاً؟ لماذا لا أفعل ما يختصّ بي؟ لماذا لا أسير بحسب مبادئي الخاصة؟

     وهناك تكتيكات أخرى مستعملة لجعلنا نتبع الجمهور، مثلاً، علينا أن ندرك أنّ الشخص الذي يعيش في الخطيئة يشعر بعدم الأمان، بالقلق، بالذنب. وهذه المشاعر، بصورة غير واعية، تدفعه إلى جرّ أكبر عدد ممكن من الناس إلى المركب عينه الذي هو فيه. كلّما زاد عدد الرفقة الواقعين في الجب الذي هو واقع فيه كلّما خفّ ثقل شعوره بالذنب كفرد. الشخص الذي بإمكانه أن يتطلّع إلى عالمه الصغير ويقول: "كل الناس يفعلون ذلك، أنا لا أختلف عن الآخرين" سوف يشعر مؤقتاً بذنب أقل أو بقلق أخفّ. لذلك علينا أن نحذر هؤلاء الناس الذين يحاولون أن يسحبوننا معهم إلى بؤرة الفساد لنساعدهم على التخلّص من شعورهم بالذنب.

     قال القدّيس أنطونيوس الكبير مرّة: "سوف يأتي وقت يُصاب فيه الناس بالجنون، وحين يرون أحداً ليس مجنوناً مثلهم سوف يهاجمونه قائلين: "أنت مجنون، أنت لست مثلنا".

الملح والنور

 

 

     المسيحي موجود في هذا العالم ولكنّه ليس من هذا العالم. حيثما خالف العالم المسيح قاوم المسيحي العالم. لا يسبح مع التيار بل عكس التيار. لا يتصرّف كما يتصرّف العالم لأنه مختلف. "أنتم ملح الأرض"، "أنتم نور العالم" بحسب قول يسوع.

     هذا يذكّرنا بتيّار الخليج. إذا هبّت الريح شمالية في المحيط الأطلسي فإنّ المياه حول الخليج تزداد برودة على برودة. مع ذلك، مهما اشتدّ الصقيع حول الخليج فإنّ مياه التيّار الخليجي، بحدّ ذاتها، تبقى دافئة. لا تبرّدها المياه المحيطة بها بل تراها تحفظ حرارتها المعتدلة وسط مياه تشتدّ صقيعاً. هذه صورة المسيحي الأصيل. لا يتّخذ حرارة العالم من حوله. هو منظّم للحرارة وليس مقياساً للحرارة. بدل أن يتأثّر بالطقس يخلق الطقس.

لماذا المسيحي مختلف؟

 

 

     المسيحي مختلف لأنّه "في المسيح". القدّيس بولس يستعمل هذا التعبير أكثر من ثمانين مرّة في رسائله. المسيحي لا ينسى أبداً حضور المسيح. يسير مع المسيح كل يوم. دم المسيح يسيل في عروقه نفسها. لا يقرّر شيئاً دون أن يطلب هداية المسيح. ولا يقوم بعمل ما دون طلب معونة المسيح. هو في المسيح تماماً كما هو في الهواء الذي يستنشقه. لهذا السبب اعتبر القدّيس بطرس المسيحيّين الأوائل شعباً يختلف اختلافاً كبيراً عن غيره: "وأمّا أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي، أُمّة مقدّسة، شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1 بط 2: 9).

     على الأهل المسيحيّين الأرثوذكس أن يلازموا أسلحتهم. ونقصد بذلك أن يعبّروا عمّا يؤمنون به قدر استطاعتهم وأن يضعوا المعايير والإرشادات ويتمسّكوا بها. نحن نعرف أنّ أولادنا سيكنّون لنا العرفان متى كبروا بسبب المعايير والقواعد التي أصررنا عليها في الماضي في تعاملنا معهم. هذا كان صعباً جداً يومها بسبب المقاومة التي أبدوها نتيجة ضغوط رِفقتهم عليهم (أنّ كل الناس يفعلون ذلك). لذلك قد يكون مناسباً للأهل أن يتعاونوا فيما بينهم ليضغطوا قليلاً، على طريقتهم، ويخفّفوا من ضغط رِفقة أولادنا عليهم.


المرجع:

       "عائلة الثّالوث القدّوس (2005)، تعامل الأهل والأولاد في العائلة المسيحيّة. دوما: سلسلة العائلة والكنيسة العدد الأوّل.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share