من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
موعظة في عيد الملاكين ميخائيل وجبرائيل

الملاك جبرائيل
الملاك ميخائيل

        إذا أُعطي لي، أنا الّذي لا يساوي شيئًا، نعمة معرفة إحدى اللغات الملائكية، كما قال بشكل جيّد بولس رسول المسيح:"إذا كنت أتكلّم لغة الملائكة..."، لكنت، كما تعرفون جيدًا، قد استعملتها لأتكلّم عن ميخائيل وجبرائيل، رئيسي ملائكة الله، لمدحهم كما يجب. لو كانت إحدى لغات النار اللاهيوليّة الّتي وُزعت على القدّيسين والرّسل قد أُسبغت عليّ، لكنت رنّمت أناشيد فائقة الطبيعة لرئيسي الملائكة النيّرَين اللاهوليَّين. لو كان على الأقل لساني قد تنقّى، كما تنقّى لسان إشعياء، بالملقط السّيرافيميّ، لكنت رجوت قول أشياء لائقة بسموّ رئيسي أجناد الله.

        ولكن، بما أنّي محروم من كلّ هذه الخيرات، وبما أنّ لساني ليس ملائكيًّا بل بشريٌّ، وليس من نار بل من تراب الأرض، وليس لاهيوليًّا بل هيوليٌّ، ليس نقيًا بل ملوّث، وبالأكثر عديم الترتيب وغير متمرّس على البلاغة، فماذا تتوقعون منّي؟ كلمات فقيرة على رئيسي الملائكة القدّيسَين. كذلك، لن أسمح لنفسي بفحص طبيعتهما، وخلقهما، وطريقة تفكيرهما، وانتقالهما من مكان إلى آخر، ومزاياهما الأخرى الّتي يعلّمها اللاهوتيّون، بخاصة القدّيس ديونيسيوس الأريوباغي، اللسان المجيد، صديق الملائكة.

        سأكتفي إذن، في هذا المديح، بالقول أنّ ميخائيل الإلهيّ وجبرائيل المقدّس كانا خادمين استثنائيَّين لأعمال الإله الكليّ القدرة.

        كونوا إذن منتبهين وحاولوا أن تفهموا.

        إنّ الطاقات والصّفات الأساسيّة للإله القدّوس، بحسب اللاهوتيين، هما اثنان بالعدد: العدل، المعروف أيضًا بالدّينونة، واللطف، المعروف أيضًا بالعذوبة، والرّحمة والرأفة، الّتي يعظّمها داود قائلاً:"رحمةً وحكمًا أسبحك يا رب". (المزمور 1:100).

        بالعدل، يدين الرّبّ ويعاقب الّذين أخطأوا وتجاوزوا وصاياه؛ وباللطف يرحمهم ويرأف بهم.

        إلاّ أنّ رئيس الملائكة ميخائيل هو ملاك عدل الله. نراه مفوَّضًا بمعاقبة وتأديب الخاطئين، وحماية وتشديد الصّالحين. هذا نقرأه في عدة مقاطع من الكتاب المقدّس، خاصة عندما أباد ميخائيل أبكار المصريين وعفا عن أولاد العبرانيين.

        أمّا الملاك جبرائيل، فيظهر كملاك فائق اللّطف، لمراحم الله. هو الّذي نراه، عندما يرحم الله، يغرف من لطفه. جبرائيل هو الّذي حمل إلى العالم البشائر السّارة. مثال ذلك رحمته العظمى الّتي أعلنت مجيء المسيح.

الرّبّ الإله يخلق الملائكة والنّجوم والكواكب

        ثلاثة هي أعمال الله الكبرى الفائقة الطبيعة: خلق العالم الرّوحاني، وخلق العالم الحسّيّ، وتدبير تجسّد كلمة الله. في هذه الأعمال الثلاثة، ميخائيل وجبرائيل هما الخادمان البارزان لله.

        في البدء خلق الله العالم الرّوحانيّ. أخرجه من العدم إلى الوجود. هنا أتكلّم عن السّماء النّاريّة.  لقد ملأها الإله بالنّجوم اللامعة الّتي هي ربوات الملائكة اللاهيوليّين. وزيّنها بالمراتب الثلاثة المثلّثة: 1- العروش، الشيروبيم، السّيرافيم. 2- السّيادات، القوّات، السّلاطين. 3- الرّئاسات، رؤساء الملائكة، الملائكة. وعلى رأس هذه المراتب التسع، جعل ميخائيل وجبرائيل قائدَين وزعيمَين. كيف؟ وبأية طريقة؟ اسمعوا إذن.

جمع الملائكة

        ميخائيل هو الخادم المملوء ٱمتنانًا للإله الكليّ القدرة. هو الّذي شنّ المعركة، في السّموات، على الشيطان الجاحد وملائكته، الّذين من شدّة كبريائهم تمرّدوا على الإله الحيّ. هو الّذي أحدرهم إلى أسافل دركات الأرض، كما هو مكتوب في الرّؤيا: "وحدثت حربٌ في السّماء: ميخائيل وملائكته حاربوا التّنّين. وحارب التّنّين وملائكته ولم يقوَوا، فلم يوجد مكانُهم بعد ذلك في السّماء. فطرحَ التّنّينُ العظيم، الحيّةُ القديمة المدعوّه إبليس والشّيطان، الّذي يُضلُّ العالم كلّه، طُرح إلى الأرض، وطُرحت معه مرئكته". (رؤيا يوحنّا اللاهوتيّ 7:12-9).

        من أجل هذا العمل الفائق الشجاعة، جُعل ميخائيل زعيمًا للمراتب الملائكية التسع ولقّنهم أن يكونوا شاكرين دومًا لله، طائعين، متواضعين، أوفياء وغير منفصلين عنه.

        ولجبرائيل، من بين كلّ الملائكة، أَوْكل سرّ تدبير التجسّد، كما يصفه بشكل نيّر الذهبيّ الفم الإلهيّ، مستتبعًا الترانيم الّتي تؤلّف خدمة البشارة: "لك وحدك، أُوكل السّر." هو أيضًا صار أوّلاً وخادمًا مميزًا. هو أيضًا منذ البدء، كان المتقدّم وزعيم كلّ المراتب الملائكيّة حتّى للسّيرافيم والشيروبيم. هو الّذي أطلعهم على الأسباب الخفيّة العميقة لهذا السّرّ. وعندما يقول بولس:" لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ" (أفسس 10:3)، علينا ألاّ ننسى أنّ جبرئيل كان الوسيط. لقد تلقّن، بالحقيقة، من الكلمة المتجسّد والرّوح القدّس الّذي كان معه، هذه الحكمة المتنوّعة، الله يغلب الضدّ بالضدّ: الكبرياء بالتواضع؛ المجد بالخزي؛ القوة بالضعف؛ الحكمة بالتّباله، وذلك بحسب القدّيس غريغوريوس النصصي. نقل جبرائيل السّر، بدون حسد، إلى لملائكة، مردّدًا أقوال سليمان: "الّذي لقّنتني إيّاه، وزّعته بوفرة".

        وأنّ جبرائيل جُعل أوّلاً على المراتب التسع يظهر جليًّا في ما يلي. بحسب تعليم الكنيسة المقدّسة والقدّيس إسحق بخاصة، تتلقّى المراتب الملائكيّة النّور من المسيح الّذي هو، عند بولس، "فوق كلّ رئاسة وسلطان وقوّة وسيادة وكلّ اسمٍ يُسمّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضًا." (أفسس 20:1-21).

والدة الإله الأكرم من الشاروبيم والسّارافيم

        هناك رأي عام يقول، إنّه بوالدة الإله، الـ"ثيوطوكس"، الأرفع مجدًا بغير قياس من السّيرافيم، تستنير كلّ المراتب الملائكيّة، كما قال القدّيس غريغوريوس بالاماس في عظته حول دخول والدة الإله الهيكل ورقادها. بيد أنّه حيث لا يوجد أحد أقرب إلى المسيح ووالدة الإله من جبرائيل، لذلك من الواضح أنّ به تستنير كلّ المراتب الملائكيّة. إذا كان القدّيس ديونيسيوس الإلهيّ قد قال أنّ أولى المراتب الملائكية هي العروش وثامنها رؤساء الملائكة، فهو يتكلّم عن ما قبل التجسّد، لأنّه، بعد ذلك، وبحسب القدّيس إسحق، تغيّر الترتيب، الأوّلون أصبحوا آخرين والآخرون أوّلين.

        هكذا، عَلّمَ ميخائيل وجبرائيل كلّ الملائكة، التواضع المقدّس المكمِّل كلّ فضيلة، جاعلَين إيّاهم لا فقط محصّنَين ضدّ الشرّ الّذي - كانوا عليه أصلاً، بحسب القدّيس غريغوريوس اللاهوتي – بل غير متغيّرين وغير انفعاليّين، إلى الأبد، أمام الفساد، كما علّم القدّيس غريغوريوس بالاماس والقدّيس نيقيطا والعلاّمة غريغوريوس اللاهوتي.

الرّبّ الإله يخلق الحيوانات والنباتات

         خلق الله، بستة أيام، هذا العالم المنظور. زيّن السماء بأصناف النجوم والكواكب، ومُجمِّلاً الأرض بأصناف النّباتات والحيوانات، مالئًا الهواء بزقزقات العصافير الرقيقة! ثم خلق الإنسانَ ووضعه في الفردوس، طالبًا منه أن يحفظ فوق كلّ شيء الوصيّة الإلهيّة المعروفة. ولكن للأسف! تجاوز الإنسان الوصيّة وطُرد من فردوس النّعيم، إلى هذه الأرض الملأى بالدّموع. هنا أيضًا، استخدم الله ميخائيل وجبرائيل، الخادمَين المتفوقَين لأحكامه وتدبيره للبشر لسنين تخطّت الخمسة آلاف وخمس مئة سنة.

        هكذا الأقمار يعلّمون في الكنيسة أنّ ميخائيل المتألّه تعاطف مع مآسي آدم المطرود. علّمه (لأنّ الخبرة كانت تنقص آدم) كيف يفلح الأرض، كيف يزرعها، كيف يحصدها، بكلمة كيف يسوس حياته المؤلمة، كيف يأكل وكيف يلبس. لم يأنف ميخائيل من السّهر على كلّ الأجداد الّذين قبل الشريعة وحمايتهم: شيت، أنوش، أخنوخ، نوح، إبراهيم، إسحق، يعقوب والأسباط الإثني عشر. فهو الّذي قادهم إلى معرفة الإله الأوحد والحقيقي الّذي عاقب وأدّب كلّ الّذين قاوموه!. ميخائيل كان معلّم الشعب الإسرائيليّ ومرشده، سائرًا في المقدمة وإلى جانبه، هازمًا الشعوب المعادية الّتي كانت تحاربه، مرشدًا خطاه نحو أرض الميعاد.

الملاكان ميخائيل وجبرائيل يطردان آدم وحوّاء من الفردوس

        سنتأمّل أيضًا كِبَرَ ميخائيل! عندما تقاسم الملائكة السّلطة على الأمم، لم يكن لشعب إسرائيل ملاك ليتقاسمها؛ بل كان الله بشخصه يهتمّ به، كما علّمنا موسى في نشيده. (تثنية 8:32): "حِينَ قَسَمَ الْعَلِيُّ لِلأُمَمِ، حِينَ فَرَّقَ بَنِي آدَمَ، نَصَبَ تُخُومًا للشعُوبٍ حَسَبَ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ". ولكن، مرارًا، أعلم الله موسى، أنّه انتدب ملاكه، ميخائيل الإلهيّ، ليحفظ إسرائيل، كما درّس معلمو الكنيسة. ديونيسيوس الأريوباغي يقول إنّ اللاهوت يُعطي لميخائيل لقب أمير إسرائيل. أَتَرَون؟ ميخائيل يحتلّ مكانة الله عند اليهود.

        جبرائيل هو الّذي حمل البُشرى السّارة لعدد من النساء، قبل الشريعة وبعدها، مُعلنًا لهنّ نهاية عقمهنّ. هو الّذي حدّد للأنبياء نبوءاتهم ورؤاهم عن المسيح المنتظر!. والكتاب المقدّس يُظهِر ذلك جليًا، عندما لُقّن النّبيّ دانيال عن ميلاد المسيح وصلبه وزمن هذه الحوادث. (دانيال 16:8 إلى 21:9).

        في نبوءة دانيال، رئيسا الملائكة موجودان سوية. دانيال صام ثلاثة أسابيع في بابل. صلّى إلى الله أن يحرّر العبرانيّين من نير الفرس والبابليّين. بعد تقديم رئيس الملائكة لله صلاة دانيال، اعترض ملاك هذه البلاد على تحرير العبرانيّين، لا عن سوء نيّة، بل لأنّ كثيرًا من عابدي الأوثان بعد احتكاكهم بالعبرانيّين اهتدوا إلى الإله الحقيقي، كما فسّر إرميا النّبيّ؛ وهو، أي الملاك، لم يُبلَّغ من العُلى بتحريرهم. لذا حضر ميخائيل لمساعدة جبرائيل، وحرّرا اليهود سوية. (دانيال 10).

        وفي النّهاية، أتى ملء الزمان، حين كان يجب أن يولد ابن الله، في هذا العالم، ليتمّم العمل المخوف الّذي هو فداء البشريّة. هنا أيضًا ٱستعان الله بخادمَيه البارعَين، رئيسي الملائكة. جبرائيل يأتي في المرتبة الأولى وميخائيل يحتلّ  المرتبة الثّانيّة.

"افرحي أيّتها الممتلئة نعمة الرّبّ معك!"

        إنّ جبرائيل، الّذي ٱسمه بحسب "بروكلس" "الإله الإنسان"، له هيأة إلهيّة. بُعث به إلى ملكة الكون، الدائمة البتوليّة مريم، ليبوح لها بالسّرّ، وليحمل لها البشرى السّارة، السّلام الّذي أنقذ العالم: "أفرحي أيّتها الممتلئة نعمة الرّبّ معك!". إنّه جبرئيل الّذي بشّر الرّعاة بالميلاد المفرّح للسّيّد الّذي صار إنسانًا؛ هو الّذي أعلن للنسوة الحاملات الطّيب قيامة المخلّص. وهو الّذي، في الصّعود الإلهيّ، تنبّأ للرّسل بالمجيء الثّاني للمسيح الّذي صعد إلى السّموات.

        أما ميخائيل، كما يعتقد الكثيرون، هو الملاك الّذي شدّد وساند المسيح، في آلامه، كما كتب لوقا: "وظهر له ملاكٌ من السّماء يقوّيه" (لوقا 22:43)، مستنتجًا ذلك من الاسم عينه، لأنّ ميخائيل معناه قوّة الله أو سلطته، والكلمتان مرادفتان..

        ميخائيل وجبرائيل أعلنا القيامة للنّسوة الحاملات الطيب، كما كتب يوحنّا الدّمشقي في قانونه عن الملائكة. ميخائيل وجبرائيل تنبأا للرّسل بعودة المسيح الّذي صعد إلى السّماء. ميخائيل حرّر الرّسول بطرس من السّجن، وضرب هيرودوس وسلّمه إلى الدّود. أترون الآن، كيف أنّ ميخائيل وجبرائيل صارا الخادمين البارزين لله، في أعماله وأفعاله المعجزة؟.

        ميخائيل وجبرائيل هما العينان، الفائقتا اللّمعان اللّتان من خلالهما يرى الله كلّ شيء. من خلالهما ينير العالمَ المنظور والغير المنظور. ميخائيل وجبرائيل هما اليدان القديرتان للكليّ القوة؛ بهما يسوس الكلّ، ما في السّماء وما على الأرض.

        ميخائيل وجبرائيل هما القدمان المجنّحتان والفائقتا السّرعة للسّيّد الحاضر في كلّ مكان. من خلالهما، يسير ويطوف الكون ويزور الأرواح اللاهيوليّة للبشر، حتّى الّتي تقبع في الهوّة المظلمة. لذلك نراهما ينتقلان بلمح البصر من أقصى العالم إلى أقصاه، يصنعان العجائب على الأرض، وينتزعان من الهاوية الّذين سقطوا فيها.

ميخائيل هو النّظرة الثّاقبة

        ميخائيل، هو ملاك الخشية الإلهيّة؛ أما جبرائيل، فهو ملاك الفرح الإلهيّ. ميخائيل هو اليد اليسرى للعدل الّذي يعاقب. وجبرائيل هو اليد اليُمنى للرّحمة المحبّة للبشر. ميخائيل هو ملاك القوى؛ وجبرائيل هو ملاك الأسرار. ميخائيل هو النّظرة الثّاقبة للقاضي؛ وجبرائيل هو النّظرة الهادئة للتدبير الإلهيّ. ميخائيل هو ملاك الأصوات المرعبة للبروق، لأبواق الله النازلة على سيناء، وجبرائيل هو ملاك الفجر السّاطع للسّلام الّذي لا يعبّر عنه، النّازل على الجزّة، وهو تاليًا ملاك انحدار كلمة الله في حشا مريم. ميخائيل هو الخادم البارع في العهد القديم؛ وجبرائيل هو الخادم المختار للنّعمة الجديدة في الإنجيل. نميخائيل خدم الشّريعة، وهو المعلّم الّذي قادنا إلى المسيح، بحسب الرّسول بولس، وجبرائيل هو خطاب الختم، التأمّل. الّذي خدم سرّ المسيح، الّذي هو هدف الشريعة وما بعد الشريعة.

وجبرائيل هو النّظرة الهادئة

        ميخائيل هو البداية؛ وجبرائيل هو النّهاية. ميخائيل هو الألفا؛ وجبرائيل هو الأوميغا. الإثنان لا يتعارضان، بل يتناغمان. عند الآباء القدّيسين، ليس هناك عمل من دون تأمّل، وليست هناك معرفة تجريديّة نظريّة من دون براكسيس (Praxis) أي عمل. لذلك ميخائيل لا يوجد من دون جبرائيل، وكذلك جبرائيل لا يوجد من دون ميخائيل.

        وكما أنّ الشريعة يحتويها الإنجيل والإنجيل في الشّريعة، كذلك نجد في جبرائيل ميخائيل وميخائيل في جبرائيل. هما موثقان الواحد إلى الآخر أكثر من وثاق الرّوح مع الجسد. كذلك حيثما وُجد ميخائيل هناك جبرائيل وحيثما وُجد جبرائيل هناك ميخائيل.

        دائمًا وأبدًا، الإثنان لا ينفصلان! لا ينفصلان في السّماء، لا ينفصلان في العهد القديم، لا ينفصلان في الجديد ولا ينفصلان في المعجزات ولا على الأرض!.

        إذا كان ميخائيل يعاقب الأشرار، فذلك لكي يتحسّنوا ويخافوا الله، قوّته وعظمته، ولا يحتقروا رحمته. وعندما يترأف جبرائيل، فذلك ليعطي الخطأة الرّجاء، حتّى لا يقودهم الخوف إلى اليأس. الإثنان ليس عندهما إلا هدفٌ واحدٌ: خلاص البشر، تحقيقًا لإرداة الله الكثير الصلاح. وهما الملاكان الصّالحان.

        بين هذين الملاكين ليس هناك مِن متقدّم.

        كلا! بل الحبّ الجامع بينهما، يجبرهما على أن يكونا "الثّاني" و"الواحد" للآخر. شرفهما كرئسي ملائكة يجعلهما، كلاهما، متقدّمين أو بالأحرى، كلاهما أوّل وكلاهما ثان.

        ومَن هما هذان النيّران اللامعان، اللذان زيّن بهما الله السّماء النّاريّة للعالم الملائكيّ، المتساويان بالعظمة، المتساويان بالكرامة، المتساويان باللّمعان، المتساويان بالسّرعة، إلاّ هذان الرئيسان للملائكة؟.

        من هما هذان القطبان السّماويّان، الشّماليّ والجنوبيّ، اللذان أسلمهما الله جَلَدَ الحياة الرّوحيّة في الكنيسة، إلاّ الرئيسان للملائكة ميخائيل وجبرائيل؟!.

        من هما هذان العمودان الشهيران، اللذان شيّدهما سليمان أمام هيكل الله، "وعمل (سليمان) أمام البيت عمودين" (أخبار الأيام الثاني 15:3)، إلا رئيسا الملائكة، الواقفان أمام المسيح، الـ"سّليمان" المسالم، في العالم الّذي في الأعالي والعالم الّذي أسفل،  حتّى الّذين يدخلون يرونهما، ويستحسنوا جمالهما ويلتمسوا معونتهما. ونحن أيضًا بحاجة ماسة لمعونتهما، لدرجة أنّ الكنيسة رتّبت ذكرهما في خدمة خاصة كلّ يوم إثنين.

        إذا كان الأمر بحسب اللاهوتيّين فإنّ العروش تدين والسّيرافيم تشتعل والشيروبيم يعطون الحكمة، والسّيادات تقود، والقوّات تعمل، والسّلاطين تحفظ والرئاسات ترأس الأمم، ورؤساء الملائكة يسوسون الأمور الإيمانيّة والملائكة تخدم، فيكون ميخائيل وجبرائيل كرئيسين للأجناد السّماويّة وبما يفوق الجميع يديناننا، يشغلاننا، يعطيانا الحكمة، يقوداننا، يحملاننا إلى العمل ويحفظاننا. وأيضًا، يرأسان الأمم، يسوسان الإيمان ويخدماننا.

        وإذا كان الأمر بحسب القدّيس نيقيطا، فالمراتب الثلاث الأولى من الملائكة تُمجّد باستمرار الثالوث القدوس بترنيمة "Guel Guel " أي قويٌ هو الله وأيضًا الكشف عند القدّيس ديونيسيوس الأريوباغي الّذي هو مسار الأسرار الإلهيّة والمعلّم عنها؛ والمراتب الثلاث التالية ترنّم "قدّوس قدّوس قدّوس"؛ والمراتب الثلاث الأخيرة "هليلويا"، ويقود ميخائيل وجبرائيل الذكصولوجيات المستديمة، على رأس الأجواق الّتي تنغّم وتمجّد لاهوتيًا معها.

        في الحقيقة، يا أخوتي، إنّي أنذهل وأعجز عن وصف عجائب رئيسي الملائكة! أرى في الإيقونة ميخائيل الإلهيّ، في هيئته المهيبة اللامعة فيجفّ لحمي من الخوف، كما يقول النّبيّ. أترك هذا العالم ولا أفكر إلا بساعة الموت. ثم أُدير نظري إلى جبرائيل الإلهيّ، ذي المظهر الهادئ الوديع الفرح، والسّلوك المتعالي، فللتوّ أنسى الموت، أنسى الخوف، ويدبّ فيّ الحماس وتشتدّ الرغبة فيّ فأصير في الفرح والغبطة.

الملاك ميخائيل يُنزل النار بسادوم وعامورة

        أفتكر، من جهة، في معجزات ميخائيل الرّهيبة، معيدًا إلى هنا آلاف الرّجال بسيفه؛ محرقًا هناك وبدون رحمة، أرواح الخطأة القاسيّة المعاندة. ومن جديد يشملني الخوف، فأرتجف يائسًا، مفتكرًا بدينونة الله. ومن جهة أخرى، أتأمّل بشارات الفرح لجبرائيل البهيّ، ويفيض الرّجاء في داخلي. عندها أفهم محبّة دّيان البشر، ويعوزني القليل لأستقرّ في ملكوت السّموات.

        إنّي أتأمّل رئيسي الملائكة سويّة، ويخيّل لي أنّي أرى العمودين المنتصبين حتّى السّماء واللذين يقودان إسرائيل إلى أورشليم الأرضيّة، ميخائيل يُمثّل العمود الّذي من نار وجبرائيل الّذي من السّحاب (الخروج 21:13). واليوم، الإثنان باتفاق تام بينهما، يقودان المسيحيّين إلى أورشليم العلويّة.

        وماذا أضيف بعد؟ أتريدون يا إخوتي، أن تسمعوا شيئًا خاصًا برئيسي الملائكة؟ حسنًا: رئيسا الملائكة هما صورة عن الطبيعتين في المسيح. وأقصد الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة. ميخائيل هو صورة الألوهة، الّذي هو المدافع المثالي عنها؛ وجبرائيل هو صورة البشريّة، التي كان الخادم والرّسول إليها. أتريدون أيضًا سماع شيئًا أعظم؟ ميخائيل يُماهي شخص الكلمة وجبرائيل الرّوح القدس.

        يشبه ميخائيل الكلمة أحد الثالوث الّذي به فرّق الآب ونظّم كلّ الخلائق معطيًا لكلّ واحد منها النوع والشكل الّذي يناسبها. كذلك، من خلال ميخائيل الإلهيّ، ملاك العدالة الإلهيّة بتفوّق، فرّق الله بين الأخيار والأشرار، عند الملائكة وعند البشر، معطيًا لكلّ منهم ما يستحقّه.

        أما جبرائيل، فيشبه الرّوح القدس. بالحقيقة إنّ الآب من خلال الرّوح القدس أكمل خلق العالم، وببشائر جبرائيل أكمل إعادة خلق العالم.

        يا لهذا المجد! يا لهذه الروائع! يا لعظائم الملائكة!

الملاك ميخائيل دائسًا الشيطان

        أيّها الشيطان، نحن لم نعد نخاف منك، لم نعد نخشاك، لم نعد نرتعد من تهديداتك. نحن نصدّ الأفكار الّتي توحيها لنا. نحن نحتقر السّهام والقسيّ الصّبيانيّة، لأنّ لنا مساعدَين، كالحرّاس اليقظين، رئيسي الملائكة العظيمين. عندنا جبرائيل الفائق السّمو الّذي ببشائره المفرّحة، بدد الحزن القديم، اللعنة التّي أنزلتَها أنتَ بجنسنا، كما يُزال نسيج العنكبوت. لقد عرفتَ، بالخبرة، هزالتَك أمام الجزيل القدرة، رئيس أجناد الله ميخائيل، عندما طردك ككلبٍ أجرب، كحيوان صغير زاحف، من جسد موسى، بهذه الكلمات البسيطة: "الرّب الإله يأمرك...". واليوم أيضًا، من خلال رئيس أجناده جبرائيل، يأمرك أن تفرّ بعيدًا عنّا نحن الّذين نستنجد باسميهما. وحيث يُذكر اسماهما، تنحلّ قدرتك. ويهزأ منك ملائكة العليّ: "هذه مآثر الله، خلقها لتكون ألعوبة الملائكة." (أيوب 40:15).

الملاك جبرائيل ملاك فرح وغبطة ملكوت السّموات

         أيّها الآباء والإخوة، إذا أردنا من رئيسي الملائكة المكوث بقربنا، علينا، قدر المستطاع، الهروب من كلّ فساد، لأنّه، كما أنّ الدخان يطرد النّحل، كما قال القدّيس باسيليوس الكبير، كذلك الخطيئة الممقوتة تطرد الملائكة الطيّبين. عند ذكر اسم ميخائيل، دعونا نتذكر الموت والدينونة والعقاب المخوف؛ وعند ذكر اسم جبرائيل، دعونا نتذكر فرح وغبطة ملكوت السّموات.

        يا أيّها المجيد ميخائيل ويا أيّها المجيد جبرائيل، الإسمان الأكثر حلاوة عند الملائكة والبشر، من بين كلّ الأشياء والأسماء؛ ملاكا عدالة ولطف الله؛ رئيسا الأجناد العظيمان للثّالوث عنصر الحياة. النّسران ذوا الأجنحة الذهبيّة والفضيّة، والعين الّتي لا تكلّ عن مشاهدة النّور الغير المخلوق للإله ذات الشمس المثلّثة الأنوار.

        رئيسا الأجناد، الملاكان المتقدّمان لملك الملوك، لسيّد الأسياد؛ الحارسان الشخصيّان ليسوع المسيح الإله-الإنسان. الزوجان الرئيسان الملائكيّان المتحدان بالحبّ؛ العنصران المتكاملان المرغوبان عند كلّ العالم وكلّ الكون واللذان يطلبهما كلّ العالم وكلّ الكون؛ زينة مجد كلّ الملائكة؛ فخر المسيحيّين؛ المرشدان والمحاميّان الفريدان لكلّ الطغمة الرّهبانيّة المماثلة، على قدر المستطاع، سيرتهما الملائكيّة، تلقّيا المديح الّذي نقدّمه لكما في هذا اليوم، مجتمعين لنحتفل بمجد الإله الكليّ القدرة وحبيب البشر، وكذلك بعيدكما الجامع المقدّس.

        تقبّلا منّا هذا المديح، كهديّةٍ، كعربون امتناننا اللامتناهي، لكلّ النّعم الّتي أغدقتماها علينا كلّ يوم،  منجدين ومنقِذين إيّانا، نحن البشر الفقراء، من سائر الأهوال.

        عسى أن لا تخذلنا أبدًا عنايتكما الأبويّة. أيّها الدائما العطف والرّحمة، لا تبرحا من قربنا، أحيطانا واملأانا من التأملاّت المقدّسة، من الأفكار السّامية. ليطرد حضوركما، بعيدًا عنّا، كلّ فكر رديء أو مخجل، بكلمة، كلّ الأعداء المنظورين والغير المنظورين الّذين يتهدّدوننا، لأنّ تلك هي النّعم الّتي تنشرانها حيث وُجدتما.

        يقول القدّيس مرقس النّاسك إنّه "عندما يقترب الملائكة منّا، يغمروننا بتأمّلات روحيّة". كذلك يورد الأنبا إسحق أيضًا:"عندما يكون الملائكة القدّيسون بقربك وحولك، يهرب أعداؤك من وجهك".

الملاك ميخائيل

        وبما أنّ اللاهوتيّين يعلّمون أنّ الملائكة يعطون البشر، في الحياة الحاضرة، ستة أشياء، أعطونا إيّاها نحن أيضًا:

        1- أَبعدا عن أرواحنا وأجسادنا كلّ داء يمكنه أن يضرّنا من الخارج كما من الدّاخل.

        2- وحثّانا على القيام، في كلّ ساعة، بما هو صالح. أنيرا أرواحنا بلمعانكما الإلهيّ. ليّنا قلوبنا وإرادتنا، بمواهبكما الإلهيّة.

        3- أنقذانا من الفخاخ الّتي نصبتها لنا الشياطين.

        4- قدّما صلاتنا إلى الله، كما قدّم روفائيل صلاة طوبيا وقدّم ملائكة الدينونة الأخيرة صلاة القدّيسين.

        5- في كلّ وقتٍ، تضرّعا إلى الله من أجلنا.

        6- عاقبانا عندما نخطئ، بروحٍ أبويّة وليس بانتقام، كما يفعل الشياطين. قوِّمانا، أصلحانا، لقّنانا، فهذه بركة لنا.

        يا رئيسي أجناد الله، صديقي البشر، نتوسّل إليكما استجيبا لصلواتنا، مهدِّئين، بشفعاتكما، سُخْط الله؛ ليصرف وجهه كلّ يوم عن خطايانا بصلاحه، لأنّنا نحزنه كلّ يوم بأعمالنا، بأفكارنا وبأقوالنا. نعم، نحن خطأة، ولكن ليس لنا إله إلاّه.

الملاك جبرائيل

        يا رئيسي الملائكة، البتولين، القاضيين للمتبتلين، اجعلانا مستحقين لأن نُمضي حياتنا في العفّة والبتوليّة، كما عهدنا عندما أخذنا الثوب الملائكيّ. كونا المدافعَين والحارسَين الغير المقهورين لنا ولكلّ الّذين يحتفلون بعيدكما المقدّس. أبعِدا عنّا، طيلة حياتنا، خزي وألاعيب الأعداء المنظورين والغير المنظرين. وفي ساعة خروج نفسنا، احضرا لدينا وأعينانا؛ كونا واقفَين عن يميننا، كونا واقفَين عن يسارنا، مظلِّلَين إيّانا بأجنحتكم الذهبيّة، كي لا ترى أرواحنا قتام منظر الشياطين الأشرار. استلمانا وقودانا إلى المظال الأبديّة المنيرة لملكوت السّموات، لكيما، هناك، نقدّم المجد، معكما، للإله الأوحد المثلّث الأقانيم. له المجد والعزّة والتسبيح إلى دهر الداهرين. آمين.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share