إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
في حدود علم النّفس ومخاطره.

   إريك فروم (١٩٠٠-١٩٨٠): عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني- أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ١٩٣٤. التحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنّفسية والفلسفية.

* * * * * * *

   تعزى الحماسة المتزايدة لشعبيّة علم النّفس في أيّامنا، إلى اعتبارها مؤشّرًا واعدًا بدنوّنا من تحقيق المسلّمة الدلفيّة "إعرف نفسك". من الطبيعيّ أن يكون ثمّة سبب وجيه لهذا التفسير. فكرة "معرفة الذات" لها جذورها في التقليد اليونانيّ واليهوديّ- المسيحيّ. إنّها جزء من موقف عصر التنوير. كان كلاّ من "جايمس وفرويد"، متجذّرين في هذا التقليد بشكلٍ كبير، وقد ساعدا بلا شكّ في نقل هذا الجانب الإيجابي من علم النّفس إلى زمننا الرّاهن. لكنّ ذلك، يجب ألاّ يقودنا إلى تجاهل النّواحي الأخرى من الإهتمام الحالي بعلم النّفس، والّتي لها نتائجها الخطرة والمؤذية على نموّ الإنسان الرّوحي. نهتمّ في هذا الفصل، بتعاطي هذه النّواحي بالذّات.   

   لعب علم النّفس دورًا مميّزًا في المجتمع الرّأسمالي، لكنّه دورًا ومعنىً مختلفان تمامًا عن المعنى المكنون في عبارة "إعرف نفسك".

   ينصبّ اهتمام المجتمع الإستهلاكيّ على السّوق؛ سوق المواد الإستهلاكيّة، وسوق العمل، حيث يتمّ تبادل السّلع والخدمات بشكل حرّ، من دون الخضوع للمعايير التّقليديّة، أو للقوّة، أو للإحتيال. بالعكس، فمعرفة المستهلك بالنّسبة للبائع، تتّخذ أكثر فأكثر أهميّة أكبر. وإذا كان الوضع على هذا النّحو، خلال الـ٥٠ أو حتّى المئة سنة الأخيرة، فإنّ معرفة المستهلك اكتسبت أهميّة أكبر بأضعاف في العقود الأخيرة. فمع تزايد التّركيز على الإستثمار ورأس المال، أصبح من المهم جدًّا،  أن تكون رغبات المستهلك معروفة مسبقًا، لا فقط لمجرّد معرفتها بل للتّأثير عليها والتّحكّم بها. الإستثمارات الرّأسماليّة، بمقياس المؤسّسات الضّخمة المعاصرة، ليست سوى "تكهّنات"، تأتي بعد الدّرس الدّقيق للمستهلك و التّأثير عليه. وراء معرفة المستهلك هذه ("علم نفس السّوق")، برز ميدان جديد في علم النّفس، مؤسّس على الرّغبة في فهم المستهلك أو العامل والتّحكم به. هذا الميدان الجديد يسمّى "العلاقات الإنسانيّة". إنّه النّتيجة المنطقيّة للعلاقة المتبدّلة بين رأس المال والعمل. بدل الإستغلال للطّاقات الخام، ثمّة تعاون بين المؤسّسة بحجمها الهائل، واتحاد الموظفين في العمل، وقد توصّل الطّرفان إلى القناعة بأنّ التّوافق في نهاية المطاف، أصلح من الصّراع. بالإضافة إلى ذلك، بات من المعروف اليوم أنّ عاملًا مرتاحًا، "سعيدًا"، يعمل بشكل فعّالٍ أكثر، ويساهم في سير العمل بشكل سلس، ما يشكّل حاجّة أساسيّة لعمل الشركات االكبيرة اليوم. ويسيّر العامل والموظّف اليوم، من قبل علماء النّفس، من خلال الإهتمام العام بعلم النّفس و العلاقات الإنسانيّة. ما قام به "تايلور" في عقلنة العمل الجسدي، يقوم به علماء النّفس بالنّسبة للجانب الذّهني والعاطفي للعامل. قد تحوّل العامل إلى "شيء"، وهو يعامل ويسيّر على هذا الأساس، وما يسمّى بـ"العلاقات الإنسانيّة"، هو بالحقيقة علاقات "لا إنسانيّة" بامتياز، لأنّها علاقات "مشيّئة" ومنحرفة.

   إنطلاقًا من تسيير المستهلك والعامل والموظّف، انتقل علم النّفس إلى التّحكّم بالجميع، وهو ما يتضّح بالأكثر في السّياسة. تمحورت فكرة الدّيموقراطيّة، في الأساس، حول مفهوم التّفكير الواضح والمسؤول للمواطنين، ولكن في التّطبيق، تخضع الدّيموقراطيّة، أكثر فأكثر، إلى أساليب التّسيير الّتي تطوّرت أوّلًا في الأبحاث التّجاريّة والعلاقات الإنسانيّة.

   بعد توضيح ما تقدّم، أودّ أن أبحث الآن مشكلةً أكثر دقّة وصعوبة، مرتبطة بعلم النّفس الفرديّ، لا سيّما ما يختصّ بالشّعبيّة الكبيرة للتّحليل النّفسي. السّؤال المطروح هو إلى أيّ مدى يمكن التّحليل النّفسي، بمعنى، معرفة الآخرين والذّات؟. ما هي حدود هذه المعرفة، وما هي المحاذير في حال لم تحترم هذه الحدود؟.

   طبعًا، في عمق كيان الإنسان، تتجذّرالرّغبة في معرفة قريبنا الإنسان وذواتنا أيضًا. يعيش الإنسان من دون أيّ معرفة اجتماعيّة. يشعر بالحاجة إلى الإمتداد نحو أخيه الإنسان، لكنّه ما يلبث أن يجد نفسه مجنونًا. يتميّز الإنسان بالإدراك والمخيّلة.  يشكّل الإنسان مشكلةً لأخيه الإنسان، كما أنّه مشكلةٌ لذاته أيضًا، ولا يجد معونةً في حلّها، وهي سرّ عليه أن يسبر غوره.

   "علم النّفس"، هو الجهد المبذول في سبيل فهم فكر الإنسان، وهو المسمّى "معرفة الرّوح". علم النّفس، بهذا المعنى، يحاول أن يفهم القوى الّتي تستتر وراء تصرّف الإنسان، وتطوّر شخصيّة الإنسان، والظّروف الّتي تتحكّم بهذا التطوّر. بالمختصر، يحاول "علم النّفس"، تقديم تقرير فكريّ عن الحقيقة العميقة لروح الفرد. لكنّ المعرفة  الذّهنيّة الكاملة، هي فقط ممكنة للأشياء. بإمكاننا أن ندرس أجزاء الأشياء، دون أن يعرّضها ذلك للأذى. بإمكاننا التّحكّم بها دون أن نعرّض طبيعتها للضّرر. بإمكاننا أن نعيد صناعتها. لكنّ الإنسان ليس شيئًا ليس بإمكاننا تجزئته دون تعريضه للضّرر، ولا التّحكّم به دون تعريضه للأذى، ولا يمكن إعادة إنتاجه اصطناعيًّا. لمّا كانت الحياة، من ناحية بيولوجيّة، هي عجيبة وسرّ، فالإنسان، بطبيعته الإنسانيّة، سرّ غامض لذاته ولأخيه الإنسان. نحن نعرف أخانا الإنسان وذواتنا، وفي نفس الوقت لا نعرف لا هذا ولا ذاك بشكل كامل، وذلك لأنّنا لسنا أشياء، وأخونا الإنسان ليس شيئًا أيضًا. كلّما تعمقنا في معرفة أنفسنا، أو نفس إنسان آخر، كلّما شعرنا بأنّنا بعيدون عن المعرفة الكاملة، وأنّنا لا نستطيع المساعدة في تحقيق الرّغبة في النّفوذ إلى سرّ روح الإنسان، إلى تلك النّواة الّتي هي "الذّات".

   كيف إذًا نعرف ذواتنا أو الآخرين؟. بشكل مختصر، أن نعرف ذواتنا يعني أن نتخطّى الأوهام الّتي نكوّنها عن ذواتنا، ومعرفة الآخرتعني في هذا السياق أن نتخطّى "الإنفتال الإردافي" (التحويل)*(Parataxis distortions)، الّذي نكوّنه عنه.كلّنا يعاني، بنسب متفاوتة، من الأوهام الّتي لنا عن ذواتنا. كلّنا رهائن خيالاتنا عن قوّتنا الفائقة ومعرفتنا الكاملة، الّتي كنّا نظنّ أنّنا نمتلكها عندما كنّا أطفالًا. نبرّر دوافعنا الآثمة بأنّها نتيجة إندفاع طيّب، أو واجب أو حاجة. نبرّر ضعفنا وخوفنا بأنّها نتيجة دوافع صالحة، وانعزاليّتنا، بأنّها نتيجة عدم تجاوب الآخرين معنا. نشوّه الأمور ونبرّرها كثيرًا بما يختصّ بقريبنا، وهو ما لا نفعله بالنّسبة لأنفسنا. نقْصُ محبتنا، يجعل الآخر يبدو عدائيًّا بينما ببساطة يكون هو خجولًا. حقارتنا تجعله يبدو غولًا متسلّطًا في أعيننا، بينما يكون ببساطة بصدد إثبات ذاته. خوفنا من العفويّة تجعلنا نعتبره صبيانيًّا بينما يكون هو بالفعل كالأطفال ويتصرّف بعفويّة.

   أن نعرف أنفسنا يعني أن نُسقط الكثير من الحجب الّتي تستر ذواتنا والآخرين عن أعيننا. إذا ما أسقطنا حجابًا تلو آخر، يضمحلّ تشوّه إثر آخر.

   علم النّفس يُظهر لنا ما ليس الإنسان عليه. لا يمكنه أن يظهر لنا من هو الإنسان، من هو كلّ واحد منّا. روح الإنسان، الجوهر المميّز لكلّ فرد، لا يمكن القبض عليه ووصفه بدقّة. لا يمكنه أن "يعرف"، إلاّ بقدر ما نعرف ما ليس هو عليه. الهدف المشروع إذًا لعلم النّفس هو ما هو سالب، أي التّخلّص من التّشويهات والأوهام، لا ما هو موجب، أي المعرفة الكاملة للكائن البشري.

   من ناحية أخرى، هناك مسار آخر لمعرفة سرّ الإنسان، وهذا المسار ليس الفكر بل الحبّ. الحبّ هو النّفاذ الحيويّ إلى الإنسان الآخر، حيث يهدأ توق المعرفة من خلال الوحدة مع الآخر. وهذا هو الحبّ بالمعنى الكتابيّ للموت، الّذي هو عكس "أحبّ". في عمليّة الإتّحاد هذه، أعرفك، وأعرف ذاتي، وأعرف الكلّ كما أنّني لا "أعرف " شيئًا. أعرف بقدر ما تكون ممكنة للإنسان معرفة ماهيّة ما هو حيّ، من خلال خبرة الوحدة معه، وليس بواسطة ما تقدّمه المعرفة أوالفكر. الطّريق الوحيدة للمعرفة الكلّية، هي بالحبّ، هذا العمل يسمو على الفكر، والكلام. إنّها الوثبة الجريئة نحو جوهر ما هو لي أو للآخر.

   علم النّفس، بإمكانه  أن يكون شرطًا للمعرفة الكلّية في عمليّة الحبّ. عليّ أن أعرف الآخر وذاتي بطريقة موضوعيّة، كي أكون قادرًا على رؤية حقيقته، أو بالأحرى، كي اتخطّى الأوهام، واللاّمنطق الّذي يشوّه الصّورة الّتي أعرفها عنه. إذا ما عرفتُ إنسانًا كما هو ، أو كما ليس هو عليه، إذ ذاك يمكنني أن أعرفه في جوهره الكامل، من خلال الحبّ.

   ليس الحبّ إنجازًا سهل التّحقيق. كيف بإمكان الإنسان العاجز عن الحبّ، أن يسبر سرّ القريب؟. هناك طريقة أخرى، يائسة، لمعرفة هذا السرّ: إنّها الهيمنة الكاملة على الشّخص الآخر، السّيطرة الّتي تجبره على فعل ما أريده أنا، الشّعور بما أريده أنا أن يشعر به، والتّفكير بما أريده أنا أن يفكّر به، وهو ما يحوّله إلى شيء، شيء يخصّني، مُلكٌ لي. إنّ أعلى درجة في هذا السّعي إلى المعرفة، يكمن في السّاديّة المتطرّفة، في الرّغبة في إيلام إنسان آخر، في تعذيبه، في إجباره على خيانة "سرّه" من خلال التّعذيب، أو سحقه في النّهاية. في العطش إلى النّفاذ إلى سرّ الإنسان، يكمن دافع أساسيّ لوحشيّة وتدمير بالغَين.

   عبّر الكاتب الرّوسيّ "اسحق بابل" عن هذه الفكرة، بشكل مقتضب. لقد نقل تعبير موظّف زميل له، في الحرب الرّوسيّة، قام لتوّه بالقضاء على سيّده السّابق، بالقول "سوف أعبّر على هذا النّحو، بقتله سوف أتخلّص فقط من شاب... بالقتل لن أنفذ أبدًا إلى الرّوح، أين تكمن في الآخر وكيف تظهر. لكنّني لن أحجم عن ذلك، وقد قيّض لي أن أدوس عدوًا لأكثر من ساعة. أترى، أريد أن أعرف ما هي الحياة حقًّا، هنا على هذه الأرض."**

   في حين تحفّز الساديّةَ والرّغبةَ في التدمير، الرّغبةُ في السيطرة على سرّ الإنسان، فإنّ ذلك ليس بإمكانه بحال أن يبلّغ إلى الهدف المنشود. بجعل قريبي يتألّم، تعظم المسافة بيني وبينه إلى حدّ لا تعود فيه أيّة معرفة ممكنة. السّاديّة والرّغبة في التّدمير، هي ضلال، لا جدوى منها، ومحاولة مأسويّة لمعرفة الإنسان.***

   تماثل إشكاليّة معرفة الإنسان إشكاليّة المعرفة اللاّهوتيّة. يفترض اللاّهوت السّلبي أنّني لا أستطيع أن أقدّم أيّ تعبير إيجابيّ عن الله. معرفة الله الوحيدة هي في معرفة ما ليس هو عليه. بحسب "ميمونايدس"، كلّما ازدادت معرفتي لما ليس الله عليه، كلّما عرفته بالأكثر. أو بحسب تعبير "ميستر إيكهارت": "في حين يعجز الإنسان عن معرفة الله، بإمكانه بأيّ حال أن يدرك ما ليس هو عليه". إحدى نتائج هذا اللاّهوت السّلبي، هو التّصوّف. إن كنت أعجز عن معرفة الله بالكامل من خلال الفكر، وإذا كان اللاّهوت بأحسن الأحوال سلبيًّا، فإنّ معرفة الله الإيجابيّة تكون في فعل الوحدة معه.

   إذا ما نقلنا هذا المبدأ إلى حيّز نفس الإنسان، يمكننا التّحدّث عن "علم النّفس السّلبي"، أو القول أكثر من ذلك أنّ المعرفة الكاملة للإنسان من خلال الفكر، هي مستحيلة، وأنّ هذه "المعرفة" الكاملة بإمكاننا بلوغها فقط من خلال فعل الحبّ. تمامًا كما أنّ التّصوّف هو النّتيجة المنطقيّة للاّهوت السلبيّ، الحبّ هو النّتيجة المنطقيّة لعلم النّفس السّلبي.

   لقد قمنا بإظهار حدود علم النّفس، في سبيل الإشارة إلى الخطر النّاجم عن تجاهل هذه الحدود. إنسان هذا العصر، وحيد، خائف، وذو قدرة ضئيلة على الحبّ. يريد أن يكون قريبًا من أخيه في الإنسانيّة، لكنّه كثير التّفرّد والبعد بحيث يعجز عن التقرّب من الآخر. علاقته الهامشيّة مع قريبه متعدّدة الأشكال، ويسهل الحفاظ عليها، أمّا "العلاقة المركزيّة"، من القلب إلى القلب، فنادرة الوجود. في سعيه إلى الإقتراب من الآخر، يبحث عن المعرفة، وفي سعيه إلى المعرفة، يجد علم النّفس. يصير علم النّفس بديلًا عن الحب، والحميميّة، والإتّحاد بالآخرين وبالذّات، ويصبح الملجأ للإنسان الوحيد، المنعزل، بدل أن يكون خطوةً على طريق الإتّحاد الآخر.

   دور علم النّفس هذا كبديل، يتّضح بالأكثر، في ظاهرة شعبيّة التحليل النّفسي. التّحليل النّفسي بإمكانه أن يكون أكثر فائدة في تحليل الإنفتال الإردافي في ذواتنا والّذي لقريبنا الإنسان. بإمكانه أن يلغي وهمًا إثر آخر، فاسحًا في المجال لعمل شافٍ، باستطاعتنا نحن فقط أن نقوم به: "الجرأة لأن نكون"، الوثبة، وفعل الوحدة الكامل.

   بعد الولادة الجسديّة، على الإنسان أن يخوض عمليّة ولادة أخرى مستمرّة. بخروجه من أحشاء أمّه، أوّلًا، ثمّ من ثديها ثانيًا، ثمّ من ذراعيها، ثالثًا. هنا تتوقّف عمليّة الولادة، وينمو الشّخص إلى إنسان سَويّ ونافع، لكنّه يبقى سِقطًا من النّاحية الرّوحيّة إذا جاز التّعبير. إذا ما كان ليتوق إلى النّمو، إلى ما يجب أن يكون عليه، كإنسان، عليه أن يستمرّ في اختبار الولادة، أي أن يتابع عمليّة الإنعتاق من القيود الأصليّة للتّراب والدم. عليه أن ينتقل من عمليّة انفصال نحو أخرى. عليه أن يتخلّى عن قناعاته وحججه، ويثب نحو عمل الاتّحاد بالآخر، والإهتمام به، ومحبّته.

   ما  يحصل عامّة في عمليّة العلاج بالتّحليل النّفسي، هو وجود اتّفاق صامت بين المعالج والمريض، على الافتراض أنّ العلاج النّفسي هو الطّريق إلى السّعادة والنّضج، وبذا يتحاشى "الوثبة"، الفعل، ألم الإنفصال. إذا ما تعمّقنا أكثر في فكرة "الوثبة"، تبدو وضعيّة المحلّل النّفسي، كحالة إنسان يريد ان يتعلّم السّباحة، لكنّه يشعر بالهلع من لحظة القفز في الماء، وليس له ثقة بقدرتها على حمله. يقف على حافّة  بركة السّباحة، ويستمع إلى مدرّبه يشرح له الحركات الّتي يجب أن يقوم بها، وهذا صحيح وضروريّ، لكنّه إذا ما اكتفى بالكلام، والإصغاء، والحديث، نرتاب بأنّ الحديث والإستفسار قد صارا بديلًا عن الفعل المخيف. ما من تبصّر في التّحليل النّفسي، مهما كان عميقًا وقديرًا، بإمكانه أن يحلّ محلّ الفعل، و الإتحاد بالآخر أو تلك "الوثبة" الّتي ذكرنا. بإمكانه أن يرشد إليها، وأن يحضّر لها، ويجعلها قابلة للتّحقيق، وهذا هو الدّور المشروع لعمل التّحليل النّفسي. لكن يجب ألاّ يحاول هذا التّبصّر الحلول محلّ عمل الإتحاد المسؤول، الّذي من دونه لا يتمّ أيّ تغيير جديّ في الإنسان.

   إذا ما تمّ فهم التحليل النّفسي بهذه الطريقة، يجب أن يتوفّر شرط إضافيّ. على المحلّل النّفسي أن يتخطّى غربته عن ذاته، وعن قريبه الإنسان، وهذه الغربة هي صفة غالبة في إنسان اليوم. كما أوردتُ في السّابق، يرى الإنسان المعاصر ذاته شيئًا، تجسيدًا لطاقات بالإمكان الإستفادة منها جيّدًا في التجارة. هو يعرف أخاه الإنسان كشيء يُستعمل في التبادل النّفعيّ. علم النّفس المعاصر، الطّب النّفسي، والتّحليل النّفسي، كلّها متورّطة في عمليّة الغربة العالميّة هذه. يُعتبر المريضُ شيئًا، مجموعة أجزاء. بعض هذه الأجزاء المعطوبة تحتاج إلى إصلاح، كما تحتاج قطع سيّارة ما إلى إصلاح. هنا عطب وهناك آخر، تسمّى عوارض، ويَعتبر الطّبيب النّفسيّ أنّ دوره يكمن في إصلاح أو تقويم مختلف الأعطاب هذه. لا ينظر إلى المريض ككليّة كاملة، فريدة، لا يمكن فهمها إلاّ من خلال الإرتباط بها بالكامل والإنعطاف نحوها. إذا ما شاء المحلّل النّفسي أن يقوم بدوره بالكامل، كان عليه أن يتحرّر من انعزاله هو شخصيًّا، وأن يرتبط بالمريض ارتباط القلب بالقلب، وهذا الإرتباط يفسح للمريض في المجال بأن تكون له خبرة حيّة، يستطيع من خلالها "فهم" ذاته. عليه ألاّ يعتبر المريض شيئًا، ولا أن يكون مجرّد "مراقب مشارك"، عليه أن يصير واحدًا معه، وفي نفس الوقت أن يحافظ على موضوعيّته وفرادته، حتى يكون بإمكانه التّعبير عمّا يعتمل في تفسه في عمل الوحدة هذا.

   الخلاصة الأخيرة، يجب ألاّ تكون مجرّد تعبير كلاميّ، ليست هي "تحليلًا" يصف شيئًا ذا أعطاب متعدّدة، ونشأة هذه الأعطاب، لكنّه فهم شامل، حدسيّ، يوجد لدى المحلّل بالدرجة الأولى، وإذا ما كان ناجحًا ينتقل إلى المريض. هذا الفهم هو عمل خاطف، إنّه عمل حدسيّ، بالإمكان التحضير له من خلال بعض التبصّر، الّذي لا يمكن أن يحلّ محلّه أبدًا. وإذا ما كان المحلّل النّفسي، لينمو بهذا الإتّجاه، فإنّه يوجد قابلًا لإمكانيّات لا تنفد للتغيّر الإنسانيّ والنّموّ الرّوحيّ، أمّا إذا بقي أسير عارض الإنعزال الإجتماعيّ المريض، يكون بإمكانه ان يداوي هذا العارض أو ذاك، لكنّ ذلك سيكون بمثابة أداة أخرى لجعل الإنسان أكثر آليّة وتعلّقًا بمجتمع إنعزاليّ.

  

من كتاب: العقيدة المسيحانيّة، ومقالات أخرى عن الدين، وعلم النّفس والحضارة بقلم إريك فروم تمّ نشره أوّل مرّة عام ١٩٦٣. 


* هي آلِيَّة دِفاعِيَّة تتسم بانْفِتال (تشويه) إِدْراكِيّ أو حُكْمي للعلاقات الحالية التي بَينَ الأَشْخاص لتتم قولبتها (صياغتها) بناء على تجارب سابقة.

** اسحق بابل، "حياة ماثيو بافليشنكو ومغامراته"، مجموعة القصص الكاملة، كتب كريتيريون، نيويورك، ١٩٥٥، ص١٠٦.

*** نجد عند الأطفال طريق المعرفة هذا واضحاً بالكامل، وكجزء من الرّغبة الطّبيعيّة للطّفل للتحرّك في عالم الحقيقة الجسديّة. يأخذ الطّفل شيئاً ويحطّمه في محاولة منه لمعرفته، ويأخذ جزءاً من حيوان، كأن ينزع بعنف جناحّي فراشة وذلك في سبيل معرفتها، والنّفاذ إلى سرّها. العنف الظّاهر بحدّ ذاته، يوجد مدفوعاً بما هو أعمق: الرّغبة في معرفة الأشياء أو الحياة.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share