<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
رسالة إلى
غبطة أبينا البطريرك يوحنـّا العاشر
وأعضاء المجمع الأنطاكيّ المقدّس
بشأن المجمع الكبير.

غبطة أبينا البطريرك

يوحنّا العاشر (اليازجي)

والسّادة أعضاء المجمع الأنطاكيّ المقدّس

المركز البطريركيّ - البلمند


   غبطة أبينا البطريرك،

   بعد سؤال البركة والدّعاء، أوافيكم، كأحد أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة، في الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس، بهذه القراءة والتّساؤلات والانطباعات، في شأن المجمع "الكبير" المزمَع انعقاده في حزيران القادم، 2016. هذه أرفعها إليك وإلى مجمعنا الكريم، بمثابة مساهمة متواضعة في مقاربة المجمع العتيد، عساها أن تنفع في جلاء الخلفيّة والصّورة وحياكة المآل الممكن أن يؤول إليه هذا الحدث غير العاديّ في حياة الكنيسة، اليوم.


ابنكم في المسيح
الأرشمندريت توما (بيطار)
عائلة الثّالوث القدّوس
٢١ أيّار ٢٠١٦



المجمع "الكبير المقدّس"
قراءة وتساؤلات وانطباعات!.

"ليس المجمع قوّةً، بالمعنى القانونيّ للكلمة، لأنّه لا يمكن أن تكون
هناك قوّة تتسلّط على الكنيسة، جسد المسيح. المجمع، بالأحرى، هو شاهد لهوّيّة
كلّ الكنائس بصفتها كنيسة الله، في الإيمان والحياة والمحبّة"
الأب ألكسندر شميمان (1963).


   مقدّمة لا بدّ منها.

   هذا هو المجمع المحدَّد انعقاده بين السّادس عشر والسّابع والعشرين من شهر حزيران القادم (2016). توصيفه، من قِبَل الّذين أعدّوا له، بـ"الكبير المقدّس"، لا يعني شيئًا، في هذه المرحلة، ولو، ربّما، قصدوا به أشياء!. نحن كنيسة بشريّة إلهيّة. والكنيسة هي يسوع المسيح!. لذا، ما لروح الله إنّما يُحكَم فيه روحيًّا (1 كورنثوس 2). والرّوح يعمل ويتكلّم في وجدان الكنيسة، ما لا يُحصَر لا في فرد ولا في جماعة، بما في ذلك المجمع، أيّ مجمع، كائنًا مَن كان الّذين يجتمعون فيه، أو ما كان عددهم، أو الموضوعات الّتي يبحثون فيها!. هذا، بتعبير سِفر أعمال الرّسل، في ما عُرف بمجمع أورشليم (49 م)، حينما اجتمع الرّسل والمشايخ وسائر جمهور المؤمنين، أي الكنيسة هناك، أقول هذا هو المترجَم بقولتين، بهما أُخرجت الرّسالة إلى الإخوة الّذين من الأمم في أنطاكية وسورية  وكيليكية. الأولى: "رأينا وقد صرنا بنفس واحدة" (أعمال 15: 25). والثّانية: "قد رأى الرّوح القدس ونحن" (أعمال 15: 28)!. القولتان، هاتان، لا تُمثَّلان تمثيلًا، لأنّ الرّوح القدس فضّاح، والقول الفصل للحقّ الإلهيّ ليس وقفًا على المعتَبَرين "أعمدة"، الله لا يحابي الوجوه، على قولة الرّسول المصطفى، لأنّ الرّوح قادر أن يقيم "الصّغار"، دونهم، حَمَلَةً لكلمته؛ ولا القول وقفًا على المعتبَرين حكماء وفهماء، لأنّه، أي الرّوح، إحقاقًا للحقّ، أيضًا وأيضًا، يدفع، أحيانًا، جهّال العالم ليُخزي الحكماء (1 كورنثوس 1: 27)!.

   من هنا أنّ المجمع الرّاهن لا يعدو كونه "مجمعَ"، أو، حتّى، "لقاءَ" أساقفة، ولو كانوا "ممثِّلين" لما يُعتبَر "الكراسي المستقلّة" بمجملها، في العالم الأرثوذكسي، الأربع عشرة. كراسٍ تزيد أو تنقص، هذا ترتيب النّاس!. في الكنيسة، لا ممثّلون لجماعات، بل أفواه لروح الله في الكنيسة، لأنّهم لا يستمددون قيمتهم من ذاتهم أو "كتلهم"، ولا اعتبار لهم في أنفسهم!. فقط، إذا كان الرّوح فيهم وفي ما يؤدّون، صاروا مجمعًا "كبيرًا مقدَّسًا"!. أقول هذا القول حتّى لا يخطر ببال أحد أنّ كنيسة المسيح قبيلة جاهليّة أو أنّها ممالك تُساس كما يُساس أهل العالم، الّذين حُكْمُ الكلمة الإلهيّة فيهم: "رؤساء الأمم يسودونهم، وعظماؤهم يتسلّطون عليهم، أمّا أنتم فلا يكن فيكم هكذا. بل مَن أراد فيكم أن يكون أوّلًا فليكن آخر الكلّ وخادمًا للجميع" (متّى 20: 25- 27).

   عليه، تلك الأوراق السّتّ الّتي تمخّضت عن لقاءاتٍ وتحضيراتٍ استمرّت خمسة وخمسين عامًا، والّتي حملت تواقيع ممثّلي الكنائس في لقاء القمّة الأرثوذكسيّ في شامبيزي - جنيف (سويسرا)، 21- 28 كانون الثّاني 2016، كما في صيغتها شبه النّهائيّة الّتي ستُرفع إلى المجمع العتيد، لإجراء "الرّوتشة" الأخيرة عليها وإقرارها، أقول هذه الأوراق مطروحة على ضمير الكنيسة لا مفروضة عليه!. لذا، أنّى تكن صيغتها الأخيرة، فإنّها لا تستمدد سلطتها على الكنيسة من كونها صادرة عن الملتقين في المجمع العتيد!. هذا غير صحيح!. الكلمة الفصل تبقى لروح الله الفاعل في الكنيسة!. ولا تماهٍ يجوز بين أيّ مجمع والرّوح في الكنيسة!. الشّورى، في المجمع، ولو جرى الكلام عليها، لا يجوز اعتبارها تحصيلَ حاصلٍ، ولا إن تكلّم المجمع باسم الله وكنيسته أتت قراراته معبِّرة عن حقّ الإنجيل بصورة تلقائيّة. للمجمع، أشخاصًا، احترامُه، في كلّ حال، لكن ما يصدر عنه لا يُقبَل آليًّا، ولا يُلزِم الكنيسة ما لم يكن على شفافيّةٍ وروحَ الله وضمير الكنيسة!. لا يمكننا أن نخضع لقرارات مجمع، أيّ مجمع، ما لم يكن خاضعًا لله، بالرّوح والحقّ!. أمّا تبيان صوابيّة المقال المجمعيّ، فمسؤوليّة الكنيسة برمّتها، ومن ثمّ كلّ مؤمن فيها، بقوّة النّعمة المُسبَغَة على شعب الله في أن يكونوا أمّة ملوك وكهنة وأنبياء لله!.

   على هذا، تلك الصّفحات الممهورة "بتواقيع" مَن حضروا لقاء شامبيزي، حتّى لا نتكلّم على ما كان قبله، لا تعدو كونها، إلى إشعار آخر، مؤشّرات على حضور مَن حضر!. موافقتهم، عن قناعة أو عن جهل أو عن إذعان، على ما ورد فيها، لا يُلزِم الكنيسة، وللكنيسة أن ترفض ما تتضمّنه تلك الصّفحات جملةً أو تفصيلًا، إذا ما شعروا بروح الله أنّه معيوب!. أليس أنّ الله هو مَن ينبغي أن يُطاع لا النّاس؟!. لذا، لسنا مقيَّدين بورقة ولا بتواقيع!. لسنا في سلاسل لأجل النّاس، بل سفراء في سلاسل لأجل يسوع المسيح، ربّ المجد، نظير بولس رسول الأمم (أفسس 6: 20)!.

   أقول هذا القول حتّى لا يحسب أحد نفسه مُلزَمًا، أو مُلزِمًا الكنيسة، ممَّن وقّعوا، بحجّة أنّه سبق لهم أن وافقوا على نصّ أو ارتبطوا بموقف!. توقيعهم ضميرُهم في المسيح أوّلًا!. التّوبة عن الخطأ، الممكن أن يَرِد، خير من الإغضاء عنه، حفظًا للكرامة البشريّة!. هيرودس الّذي أمر بقطع رأس يوحنّا المعمدان، وهو العالِم بأنّ يوحنّا نبيّ، ولمّا يتراجع، حفظًا لماء الوجه، أمام الأعيان وقادة الجند، أضحى، إلى كونه زانيًا، مجرمًا!. على هذا، لا ينسجم والأمانة للرّبّ يسوع المسيح، له المجد، ما ورد في النّظام الدّاخليّ لأعمال المجمع "الكبير المقدّس" للكنيسة الأرثوذكسيّة، المادة 11، بشأن التّعديلات على النّصوص، البند "ب"، أنّ التّعديلات أو الإضافات أو التّصويبات "الّتي لم يتمّ التّوافق عليها بالإجماع، لا تمرّ". هذا لا يفسح في المجال لأيّ تغيير يُذكَر في النّصوص المعدَّة وكأنّها باتت منزَلَة!. المرونة لازمة!. فقط، الكتاب المقدّس، وما ثبت في ضمير الكنيسة أنّه من روح الله لا نغيّر منه حرفًا!. ما عدا ذلك يبقى الكلّ تحت الفحص والامتحان مهما استغرق النّظرُ فيه من وقت!. لا حدود مقبولة لتعاطي النّصوص المعروضة، لا سيّما إذا كان فيها التباس أو مساس بمسائل عقديّة أو كنائسانيّة، كما الحال في بعض ما تتضمّنه هذه النّصوص!. لذا، يُفترض أن تبقى الأوراق، إلى النّهاية، مفتوحة للزّيادة والنّقصان، وحتّى للحذف تمامًا، لأنّ "كلمة الله لا تقيَّد" (2 تيموثاوس 2: 9)!.

   ثمّ، غير موافق أخذُ ضمير الأساقفة وشعب الله اختلاسًا أو ابتزازًا!. إذا لم يكن عمل المجمع مفتوحًا على الرّوح والحقّ، في كلّ حال، فإنّه يضرب الصّفح عن الله باسم الله!. وحاشا أن يكون ذلك!. خاتمةُ الكلمة، في كلّ أمر، هي للكلمة وحدَه!. في المسيح يعمل المجمع أو ما قيمة عمله؟!...


   بعض المسلّمات الكنائسانيّة.

   الكنيسة شعب وأسقف، في المسيح، على أرض محدَّدَة. لا الشّعب بلا أسقف ولا الأسقف بلا شعب. الشّعب في الأسقف والأسقف في الشّعب (القدّيس كبريانوس القرطاجيّ) وبإزائه؛ وكلاهما في المسيح، إيمانًا قويمًا بالرّبّ يسوع المسيح، فاعلًا بالمحبّة الحيّة!. لا الخلل في الإيمان نطبّعه، ولا الزّغل في المحبّة نجيزه!. لذا القول: "أيّها الأولاد، احفظوا أنفسكم من الأصنام" (1 يوحنّا 5: 21)!. كلّ خلل في الإيمان ننام عليه صنم، وكلّ زغل في المحبّة عبادة صنم!. "مَن وُلد من الله، لا يخطئ... ونعلم أنّ ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحقّ. ونحن في الحقّ في ابنه يسوع المسيح" (1يوحنّا5: 18، 20)!.

   أمّا الإيمان القويم، فأخذناه تسليمًا. قولة بولس الرّسول، على هذا، إلى أهل كورنثوس: "تحفظون التّعاليم كما سلّمتها إليكم..." (1 كورنثوس 11)؛ وقولة يوحنّا الشّيخ إلى كيريّة المختارة، وإلى أولادها، "إن كان أحد يأتيكم، ولا يجيء بهذا التّعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام" (1 يوحنّا 10)!.

   وأمّا المحبّة، فبلا رياء (رومية 12).

   وأمّا الأسقف، فأيقونة المسيح في شعبه، ولسان حاله حيالهم لسان حال الرّسول المصطفى، حيال أهل كورنثوس أن "كونوا متمثِّلين بي، كما أنا، أيضًا، بالمسيح" (1 كورنثوس 11)!. هو سليل الرّسل. المفترض، في كلّ موقف، أن تكون "رغباته متّفقة وإرادة الله" (الذّهبيّ الفم). محبّة المسيح تحصره (2 كورنثوس 5). يشتاق إلى شعبه في أحشاء يسوع المسيح (فيليبي 1: 8)! امتدادًا ليسوع، يكون، في حَمْل آلام شعبه!. "مَن يعثر وأنا لا ألتهب"، قال بولس في أهل كورنثوس (2 كورنثوس 11)!.

   وأمّا الأرض، فليست، في ذاتها، شيئًا من الكنيسة، بل الخطابُ، كلُّ خطاب، موجّه إلى الكنيسة، إلى المؤمنين، إلى الإخوة، إلى القدّيسين في أورشليم أو أنطاكية، أو حتّى في بيت أحد الإخوة كنِمْفاس (كولوسي 4) أو فيليمون (فيليمون 1)!.

   مسرى التّسليم، في الإيمان، رافق الآباء القدّيسين، جيلًا بعد جيل. كمثل ما هتفوا في المجمع المسكونيّ الرّابع (457 م)، كان هتافهم في كلّ آن: "هذا هو إيمان الآباء. هذا هو إيمان الرّسل... بطرس يتكلّم هكذا بفم لاون. هكذا الرّسل علّموا. وهكذا علّم كيرلّس...".

   ورباط المحبّة الّذي شدّ الشّعب والأسقف، في المسيح، هو جَعَل أمثال القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ، حفظًا لوحدة الكنيسة، يقول: "كونوا مطيعين للأسقف طاعتكم لوصايا الله" (إلى أهل تراليان 13)؛ وأيضًا: "الرّوح يقول لا تفعلوا شيئًا بدون الأسقف، واحتفظوا بأجسادكم هياكلَ لله، وأحبّوا الوحدة، وتجنّبوا الشّقاقات" (إلى أهل فيلادلفيا 7)!. مثل هذا هو الأسقف الّذي "يرتبط بوصايا الله كارتباط الأوتار بالقيثارة" (إلى أهل فيلادلفيا)!. هذا ما يجعل الأساقفة، في أطراف الأرض، "فكرًا واحدًا بيسوع المسيح" (إلى أهل أفسس 3)!. وهذا هو المُعطى الّذي يحدو القدّيس الحامل الإله إلى الحثّ على "احترام الشّمامسة كالمسيح يسوع والأسقف كصورة الآب والكهنة كمجلس الله ومصفّ الرّسل" (إلى أهل تراليان 3)!

   الله في كلّ كنيسة. يسوع المسيح رأسها. وحقُّه رئيسُها. لا فرق بين كنيسة وكنيسة إلّا بالتّقوى. لذا، لا تُؤخَذ الكنائس لا بأحجامها ولا بعظمتها الدّهريّة ولا بغناها، لئلّا يمسي المسيح، في الوجدان، محتقَرًا!. من هنا أنّ الأساقفة متساوون في الكرامة، سيموا على كنيسة كبيرة أم صغيرة!. هيبة الله تقدّمنا لا تعظّمُ المعيشة!. ولو كان الأسقف أسقفًا على شعب في دسكرة، فإنّ غيرته على كنيسة الله هي الّتي تجعله قيّمًا، حيثما دعت الحاجة، على كلّ كنيسة، في كلّ المسكونة!. ألسنا جميعًا إخوة في الرّبّ، والأخ يغار على أخيه غيرته على نفسه؟!.

   ثمّ الأساقفة، في النّاحية، أو المدينة، أو الكرسي، بعدما اتّسع نطاق الكرازة وازداد المؤمنون والرّعاة، لا يرأس أحد منهم على أحد، حتّى لا يُطعَن برئاسة يسوع، رئيس خلاصنا، الحاضر هنا والآن (متّى 28: 20)، في حقّه وإنجيله!. لتنظيم شؤونهم، يُقام أوّلٌ بين متساوين فيهم، تكون له موهبة خدمة الخدّام بينهم، إنفاذًا للقولة الإلهيّة: "الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدّم كالخادم" (لوقا 22)!. هذا ليس مدى للمجد والسّلطة، تمويهًا، لئلّا يُجدَّف على اسم الله بسببهم، بل نموذج لخدمة التّقى واتّضاع القلب في محبّة الرّبّ!.


   في ضوء ما تقدّم.

   لكي يتسنّى لنا أن نبدي الرّأي، في المجمع العتيد، في ضوء ما استلمنا، من تراث الكنيسة الأرثوذكسيّة، علينا أن ننظر فيما إذا كنّا في خطّ الفكر الرّسوليّ الآبائيّ، وفيما يتّفق والوجدان الإلهيّ البشريّ المنحدر إلينا من الكنيسة الأولى، الوجدان الّذي يشكّل، بالإيمان القويم والنّعمة الإلهيّة، الهادي الأوحد إلى تمييز ما هو من الكنيسة ممّا ليس من الكنيسة!. تحديدُ ما إذا كنّا بحاجة إلى عقد مجمع، على مستوى العالم الأرثوذكسيّ، والموضوعات الّتي ينبغي للمجمع أن يعالجها، لحفظ الإيمان القويم وبنيان المؤمنين، يتوقّف على واقع الكنيسة الأرثوذكسيّة والتّحدّيات الّتي تواجهها، على كلّ صعيد، وكذلك على المقاربة الّتي ينبغي اعتمادها في تعاطي هذه التّحدّيات وذاك الواقع. أقول هذا لأنّ ثمّة علامات سؤال ترتسم في شأن مسلَّمات "صنّاع" المجمع العتيد ومناحي مقاربتهم للمسائل المطروحة. مجرّد إبداء الرّأي في ما بلغوه، لجهة بعض التّفاصيل، هنا وثمّة، لا فقط لا يكفي، بل يجعلنا، أيضًا، في موقع مَن يذعن للفكر والمسلّمات والمقاربات الّتي بُنيت، على أساسها، الأوراق المعدَّة. وفي يقين العديدين، ونحن منهم، أنّ في الأسس، أو المنطلقات المعتمدَة، معايب لا يجوز الإغضاء عنها، ولا اعتبارها كَلا خطر فيها!. لذا، نسائل المنطلقات أوّلًا، حتّى لا نُؤخَذ، عن أساس المقاربة، بما نجم عنها، فنجدنا وقد جمعنا ماء في بئر مشقَّق!.

   - حيث لا كنيسة، بالمعنى المبرَز أعلاه، لا أسقف، لأنّه لا أسقف على أرض، بل على كنيسة تقيم على أرض، ولا أسقف على أرض سبق أن استوطنتها كنيسة، ولمّا تعد، بعد. لا أسقف على خلقيدونيا، مثلًا، لأنّه لم يعد هناك شعبٌ كنيسةٌ في خلقيدونيا. لا أساقفة شرف لأنّ مجرّد وجودهم يحطّ من شرف كنيسة المسيح، إذ لا يتعاطون الكنيسة، ويفتخرون بها، ككيان حيّ بل ككيان، في التّاريخ الجغرافيّ، انقضى!. ولا أساقفة مساعدون لأنّ ارتباطهم يكون بوظيفة لا بشعب!. الأساقفة الشّرف، والأساقفة المساعدون، ومن جرى مجراهم، يُبطِلون معنى الأسقفيّة، ومن ثمّ يفسدون الممارسة التّراثيّة أنّه طالما هناك كنيسة فهناك أسقف!. أمّا إذا دعت الحاجة لوجود مساعدين للأساقفة، على الكنيسة، على الأرض (بطاركة، متروبوليتيّة، رؤساء أساقفة...)، فالمفترض أن يُعيَّن أشخاص تُطلَق عليهم ألقاب تتّفق والوظائف الّتي يتبوّؤونها، غير لقب الأساقفة، حفظًا للمعنى والموقع التّراثيّ لتسمية "الأسقف"، ولكي لا تعتاد الكنيسة الاستعاضة عن شرف رعاية شعب الله، على غرار مَن الخراف له، بألقاب الشّرف الأجوف، وتَضحى كنيسة المسيح، الّتي هو إيّاها، محطًّا للمجد الباطل وشهوة التّعظّم!. الأسقفيّة مطرح للموت، كلّ يوم، في المسيح (1 كورنثوس 15: 31)، لا مطرح لما يُشرِّف خدّامَ الكنيسة في هذا الدّهر!. أمّا الحنين إلى ماضٍ طواه التّاريخ، فيُفهَم، ويمكن أن يتعاطف المرء معه، ولكن، لا تُبنى الممارسة الكنسيّة الحقّ عليه!.

   - الجغرافية مرهونة بالسّياسة. أمّا الكنيسة، فلا تُرتَهَن لا لجغرافيا ولا لسياسة لأنّ قِبلتها ملكوت السّموات، هنا وثمّة، وفي كنف أيّ حاكم وأيّ نظام سياسيّ!. أورشليم تسمّت يبوس، قبل اليهود. وهدريانوس الرّومانيّ (135 ب.م) أسماها "إياليا كابيتولينا". والعرب أسمَوها "القدس". ليست للمدن، في الكنيسة، أسماء مسيحيّة أو مقدَّسة، ولا هناك ممالك سياسيّة كنسيّة!. لذا، لا يليق بأبناء الإيمان أن يتمسّكوا  بأسماء الأماكن والمدن، كما لو كان لها طابع مستيكيّ أزليّ!.

   - الأمبراطوريّة البيزنطيّة زالت. جغرافيّة عالم الأمبراطوريّة، الّذي كان يُعرف بـ"المسكونة"، تغيَّرت. التّوزّع السّكّانيّ للكنائس، في الأمبراطوريّة، جغرافيًّا، صار غير ما كان عليه!. واقع جديد طرأ!. صيغة واحدة لم تتغيّر، ولا يجوز أن تتغيّر: أسقف على شعب يقيم على أرض!. نيقية تغيّر اسمها، صار إيزنيك، ماذا إذًا؟. إذا كان فيها شعبٌ كنيسةٌ عرّفنا عنها بـ"الكنيسة الّتي في إيزنيك". وإذا أقمنا أسقفًا على الكنيسة هناك، قلنا عنه هو "أسقف الكنيسة الّتي في إيزنيك". أين الخطأ في أن يكون المرء واقعيّ المقاربة؟. أمّا إذا لم تعد هناك كنيسة في إيزنيك، فلا حاجة البتّة لتسمية أسقف شرف على الكنيسة الّتي كانت في نيقية ولمّا تعد!. نُبقي على اسم "نيقية" لأسباب وجدانيّة؟. هذا لا يجوز أن يطغى على التّعاطي الواقعيّ للكنيسة، لئلّا تستحيل الكنيسة كنيسة نفسانيّات!. هذا، بالأكثر، يجعلنا نتصرّف وكأنّ الجغرافية التّاريخيّة توقّفت عند حدود الأمبراطوريّة البيزنطيّة!. لا التّاريخ يعود يسير، إثر ذلك، إلى الأمام، ولا الجغرافية تعود قابلة لأن تتغيّر!. كلّ شيء، إذ ذاك، يُقاس بالمعايير المعتمدة في الزّمن الغابر، وكأنّ التّاريخ وصل إلى هناك وانتهى، والجغرافيا وصلت إلى هناك وتحدّدت معالمها إلى الأبد!. اللّاهوت والرّوحانيّة اللّذان نميا في كنف الأمبراطوريّة نستمرّ نتغذّى بهما، هذا نفهمه، لأن له علاقة صميمة بإيمان الكنيسة والحياة فيها!. ولكن أن نبقى مقيَّدين بترتيبات وضعيّة مستمددة من الواقع المدنيّ والسّياسيّ المنقضي للأمبراطوريّة، وكأنّ الأمبراطوريّة لم تَزُل منذ 563 سنة، فهذا مؤشّر مرض نفسيّ مؤدّاه احتقار الحاضر أو عرقلته، كمَن يؤثر العيش في الماضي، ولا يريد أن يواجه تحدّيات الحاضر!. هذا يؤسّس، لا محالة، كما نظنّ أنّه حاصل اليوم، لحالة انفصام وجدانيّة!. أما يعطّل ذلك حياة الكنيسة إلى حدّ الشّلل أحيانًا؟.

   - إذا لم تعد هناك أمبراطوريّة بيزنطيّة، فهذا معناه أنّه لم يعد هناك، بالدّرجة الأولى، مبرّر لاستمرار البطريركيّة القسطنطينيّة ولا لمكوّناتها!. لم يعد الكرسيّ القسطنطينيّ قادرًا على أن يكون نموذجًا يُحتَذى!. أقول بـ"الدّرجة الأولى"، لأنّ البطريركيّة القسطنطينيّة الّتي طَبعت بطابعها العالم الأرثوذكسيّ، عندما كانت الأمبراطوريّة، بعدُ، في الوجود، إذا ما استمرّت في طبع العالم الأرثوذكسيّ بطابعها، بعدما زالت الأمبراطوريّة، فإنّها ستوجَد، وقد وُجدت، لا كيانًا معيقًا لرعاية الكنيسة وكرازتها، وشهادتها في المكان والزّمان اللّذين دفعتها إليهما التّغيّرات الحضاريّة والسّياسيّة والجغرافيّة في العالم، ستوجَد، بالأكثر، وقد وُجدَت، كيانًا يشدّنا إلى ذاته، لا إلى المسيح، كما لو كانت البطريركيّة المسكونيّة لا تزال تستمدد "سلطتها" من شخص الأمبراطور البيزنطيّ، لا من خدمة المسيح، الأمبراطور الّذي به ارتبطت، عضويًّا، في التّاريخ (من مقالة للأب جون مايندروف)1!.

   - لم يعد هناك "قسطنطينيّة"!. التّابعون للبطريركيّة القسطنطينيّة باتوا، عددًا، دون الألفين!. صارت هناك محلّها مدينة اسمها "اسطمبول"!. وحتّى اسطمبول ليست، حاليًّا، عاصمة الدّولة الّتي نشأت في أعقاب الأمبراطوريّة البيزنطيّة والسّلطنة العثمانيّة، الّتي كانت للبطريركيّة المسكونيّة، فيها، امتيازات، بل أنقرة حيث ليس مسيحيّ واحد!. والسّلطات التّركيّة ضغطت، مرّات، لحمل البطريرك المسكونيّ على الانتقال إلى أنقره!. أما علينا أن نتّضع ونقبل بأنّ القسطنطينيّة لم تعد بطريركيّة، بل مجرّد رعيّة عاديّة في حدود الخمسمئة عائلة؟!. ننحني أمام التّضحيات الهائلة لكنيسة القسطنطينيّة، ولكن، الجغرافية تغيّرت، والتّاريخ تغيّر، والكنيسة انتقلت إلى غير أمكنة، و"المسكونة"، بالمعنى البيزنطيّ للكلمة، لم يعد لها وجود!. الموضوع يتخطّى العواطف البشريّة والحنين إلى الماضي!. باسم أيّ عقل سليم وأيّ لاهوت قويم، يحقّ القول باستمرار البطريركيّة بطريركيّة، والبطريرك بطريركًا، وبقاء البطريرك محتفظًا بلقب "المسكونيّ"، ولكن لا على المسكونة، بعدُ، كما عُرفت في الزّمن البيزنطيّ، بل على المسكونة بمعنى العالم بأسره، كما هو حاصل اليوم!.

   - بهدوء نفس، ولكن بألم عميق، نقول إنّ الإصرار على التّمسّك باستمرار الكرسيّ القسطنطينيّ وأوّليّته "المسكونيّة"، في العالم الأرثوذكسيّ، يعني أمرين أساسيّين:

   أوّلًا. أنّ الكرسيّ القسطنطينيّ، المتمثّل بالبطريرك والمجمع، من حيث إنّه لم يعد على شعب، أو على كنيسة تقيم على الأرض الّتي تحمل اسمه، أي القسطنطينيّة، يُرسي سلطته على كنيسة ظلّيّة!. إذًا، عندك كرسيّ، أو قل مجموعة من الأساقفة على لا شعب، وعلى لا كنيسة!. إذًا، عمل الكرسيّ القسطنطينيّ، أنّى يكن، لا عاد في الكنيسة، ولا لرعاية الكنيسة!. خدمته لم تعد خدمة، بالمعنى الكنسيّ الصّريح للكلمة!. لم يعد يخدم الكنيسة، بل باسم الكنيسة، وشتّان ما بين الأمرين!. الامتيازات والحقوق الّتي يتحدّث عنها الكرسيّ القسطنطينيّ تجعله في موقع مَن يطلب، أبدًا، لا أن يتعاطى خدمة، بل سلطة وامتيازات!. إذًا، التّمسّكك بالكرسيّ القسطنطينيّ، بكلّ أسف، معناه الاستعاضة عن الكنيسة بالمعتبَرين ممثّلين لها، ما يجعلهم، عمليًّا، وبالعبارة الصّريحة، لا فقط، يتكلّمون عن الكنيسة، بل يتصرّفون باعتبارهم هم الكنيسة وفوق الكنيسة، كما بتكليف من فوق، وإلى الأبد (!)، عبر "أمبراطور" لم يعد له وجود!.

   ثانيًا. إنّ تعاطي الكرسيّ القسطنطينيّ ما يعتبره "سلطته التّاريخيّة" يعني الدّخول على خطوط كنائس أخرى، على أراضٍ غير أرضه، وادّعاء السّلطة عليها، بقوّة القوانين الوضعيّة الّتي لم يعد جائزًا العمل بها، لارتباطها المدنيّ بالأمبراطوريّة البيزنطيّة الّتي زالت، من حيث إنّ ضامنها كان شخص الأمبراطور، وهي مرتبطة به شخصيًّا!. مثل ذلك، القانون 28 من قوانين المجمع المسكونيّ الرّابع، في خلقيدونية. تصوّرُ الآباء المائة والخمسين، في المجمع، عبّروا عنه بالتّالي: "إنّ المدينة الّتي صارت جديرة بأن تكون مقرًّا للملك ومجلس الشّيوخ يجب أن تُعظَّم مثل [روما القديمة] في الشّؤون الكنسيّة". أوّلًا، لا تعظيم إلّا لصاحب أيقونة "التّواضع الأقصى"!. ثمّ، بِمَ تمثَّل هذا التّعظيم؟. "بسيامة المطارنة في أبرشيّات البنطس وآسية وتراقية، وكلّ أساقفة الأبرشيّات الواقعة بين البربر..." (مجموعة الشّرع الكنسيّ، كسّاب). هذا فهمه بعض الشّرّاح على أنّه سلطة على أبرشيّات "البربر"، في زمانه، لا بأس. هذا، ولو سلّمنا به جدلًا، ماذا يُستنتَج من الخلفيّة الّتي ينتمي فيها؟.

   يُستنتَج أنّ هذا القانون، لمّا صدر، كان مرهونًا بكون مدينة القسطنطينيّة مقرًّا للملك ومجلس الشّيوخ!. فبما أنّ المدينة لم تعد متملّكة، لأنّ الأمبراطوريّة زالت، ولم يعد هناك لا ملك ولا مجلس شيوخ فيها، فإنّ القانون لم يعد ساري المفعول، ولا عاد هناك مبرِّر لـ"تعظيم"(!) الكرسيّ القسطنطينيّ في الشّؤون الكنسيّة، أسوة بـ"روما القديمة"!. ما ينفع، في كلّ حال، ليس الموقع، بل الإشعاع!. أصلًا، هذا لا ينفع الخدمة، بعدُ، في شيء!. دور البطريرك القسطنطينيّ البارز، المستمدد من قرباه من القصر، بات شيئًا من الماضي!. لافتٌ هنا، كما ورد في البيذاليون، أنّ سببًا من أسباب سنّ هذا القانون، لدى آباء المجمع، كان خدمة الكنائس الأخرى، وقضاء حاجاتها، لدى القصر. أسقف اللّاذقيّة، نونتشيوس، عندما أراد أن يدافع عن مجد أسقف القسطنطينيّة، قال: "هو مجدنا لأنّه يهتمّ بقضاء حاجاتنا"!. أمّا البرابرة، الّذين هم غير النّاطقين باليونانيّة، لغةً، واعتُبروا برابرة، في تصنيف الأمبراطوريّة البيزنطيّة، فالتّدبير المتَّخذ، في شأن سيامة أساقفتهم، بات، وضعيًّا، في حكم الملغى، لانتفاء الموجبات المدنيّة وسقوط تصنيف الشّعوب إلى يونانيّين وبرابرة، كما كان الحال في الزّمن البيزنطيّ!.

   - حيث إنّ البطريركيّة القسطنطينيّة لم يعد لها شعبٌ كنيسةٌ تتولّى خدمته، فإنّ استمرارها، في تعاطي السّلطة، المعتبرَة كنسيّة، بات يستند، فعليًّا، عن الخدمة، إلى مزاعم ثلاثة:

   أوّلًا. التّقدّميّة المسكونيّة الدّائمة للكرسيّ القسطنطينيّ على الكراسي الأخرى، في العالم الأرثوذكسيّ. بما أنّ أوّليّة الخدمة ليست، عمليًّا، في الوارد، بعد، وبما أنّ أوّليّة الشّرف لا تشبع توق الكرسيّ القسطنطينيّ إلى "العظمة" الغابرة، ولكن، الحيّة في النّفوس، إلى اليوم، للأمبراطوريّة البيزنطيّة وأمجادها، فإنّ الأوّليّة المتمثّلة بصيغة "الأوّل بين متساويين Primus inter pares" لا تكفي البطريرك المسكونيّ لأنّها ليست لها دلالة رئاسيّة صريحة، تجعل له سلطة فعليّة على بقيّة الكراسي، كما كان له، وضعيًّا، في ظلّ الأمبراطوريّة، ما يلقيه في وضع التّوازن غير المستقرّ، وغير المريح، وله النّموذج الفاتيكانيّ، بإزائه، بعضَ حافزٍ، "يذكّره" بما يشتاق إلى استرداده!. والبادي، كما يتردّد صداه هنا وثمّة، أنّ "الأرق" القسطنطينيّ كان، أبدًا، من بعد الأيّام الخوالي، كيف يجمع البطريركُ، في نفسه، المدى الأرثوذكسيّ إلى شبه الأوّليّة البابويّة، والإيمان القويم إلى السّلطة الأحديّة على العالم الأرثوذكسيّ، والمجمعيّة إلى حكم الرّجل الواحد الّذي يستمدد سلطته من ذاته، أعني البطريرك المسكونيّ، من حيث إنّه لم يعد هناك أمبراطور يستمدد هذه السّلطة منه!. لسنا نقول ذلك من قبيل التّجنّي أو بقصد الإساءة، بل من باب الملاحظة الموضوعيّة لما تنبعث الأصوات بشأنه في الأوساط القسطنطينيّة. فإنّ هذا "التّوق"، في اطّلاعنا، جرى التّعبير عنه، أقلّه، لدى اثنين من المقرَّبين إلى البطريرك المسكونيّ الرّاهن:

   1) الأوّل هو ألبيذوفوروس لامبرينياديس، متروبوليت بورسا، في البطريركيّة القسطنطينيّة. هذا سبق له أن كان سكرتيرًا للبطريرك المسكونيّ. في ردّه على النّصّ حول الأوّليّة، الصّادر عن بطريركيّة موسكو، إثر تصدّيها لوثيقة راڤينا (2007)، الصّادرة عن الهيئة الدّوليّة للحوار اللّاهوتيّ بين الكنيسة الأرثوذكسيّة والفاتيكان (www.vatican.va/roman_curia)، قال، فيما قال لامبرينياديس: "في حال رئيس أساقفة القسطنطينيّة، نلاحظ الالتقاء الفريد لمستويات الأوّليّة (Primacy) الثّلاثة، أعني المستوى المحلّيّ (بصفته رئيس أساقفة القسطنطينيّة - روما الجديدة)، والمستوى المناطقيّ (بصفته بطريركًا)، والمستوى العالميّ (بصفته البطريرك المسكونيّ). هذه الأوّليّة الثّلاثيّة تُترجَم امتيازات خاصّة... أوّليّة رئيس أساقفة القسطنطينيّة لا علاقة لها بـ"الذّيبتكا"... وإذا كان لك أن تتكلّم على مصدر هذه الأوّليّة، فإنّ مصدرَها هو شخص رئيس أساقفة القسطنطينيّة بالذّات، الّذي هو، كأسقف، أوّل بين متساوين Primus inter pares؛ أمّا كرئيس أساقفة القسطنطينيّة فهو الحبر الأوّل الّذي لا معادل له (Primus sine Paribus)!2.

   2) والثّاني هو الأب يوحنّا بندلايمون مانوسّاكيس، أستاذ لاهوت أرثوذكسيّ وفلسفة، في أوستراليا. هذا وضع كتابًا عنوانه: من أجل وحدة الجميع: مساهمات للحوار اللّاهوتيّ بين الشّرق والغرب3. الكتاب مهدى للبابا فرنسيس الأوّل والبطريرك المسكونيّ برثلماوس. المقدّمة من وضع البطريرك المسكونيّ. يتكلّم الكاتب على كون الأوّليّة البطرسيّة أساسيّة للبنيان الهيرارخيّ للكنيسة. هذه لا يمكن أن تكون أوّليّة شرف، على حدّ قوله. كذلك يدافع الكاتب عن كون الأوّليّة البطرسيّة تتضمّن أوّليّة كونيّة Universal لبطريرك القسطنطينيّة. عنده أنّ هذا الحلّ يمكن أن "ينهي انقسامات الكنائس المستقلّة (Autocephalies & autonomies)"، ويضع حدًّا حتّى للانشقاقات!. لا يتكلّم على أوّليّة بطرسيّة ذات حقّ إلهيّ، معلَنة كعقيدة، كما في الغرب، بل على "خدمة أوّليّة، على المستوى الكونيّ، (للبطريرك المسكونيّ بصفته رأسًا حقيقيًّا لكلّ الأرثوذكس)"!. كما يبدي مانوسّاكيس أنّه لا تناقض بين الأوّليّة والمجمعيّة الفاعلة في الكنيسة. ويضيف أنّ إرساء الأوّليّة الكونيّة للبطريرك القسطنطينيّ، ما يتيح له أن يتكلّم باسم الأرثوذكس، يمكن أن يسهِّل، إلى حدّ هائل، إمكانيّة استعادة الوحدة مع روما!4.

   ثانيًا. الهيمنة الفعليّة على الكنائس الأرثوذكسيّة النّاطقة باليونانيّة. يتصرّف البطريرك المسكونيّ، حيال الكنائس الأرثوذكسيّة، النّاطقة باليونانيّة، وكأنّ له نوعًا من الدّالة أو حتّى السّلطة المعنويّة عليها، بمثابة استمرار لربقته عليها إلى الزّمن العثمانيّ!. كذلك يَشيع، في الكراسي النّاطقة باليونانيّة، شعور بأنّها وريثة الأمبراطوريّة البيزنطيّة!. الحدود القانونيّة لهذه الكراسي تجتاحها، بسهولة، العواطف الإثنيّة القوميّة اليونانيّة!. مرشّحون للأسقفيّة يؤخَذون من أحد الكراسيّ ليُسقَّفوا في غير كرسيّهم، وكذلك كهنة وأساتذة لاهوت ورهبان وراهبات يُتناقَلون بيسر من كرسيّ إلى كرسيّ آخر، ضمن دائرة شبه العالم البيزنطيّ اليونانيّ!. هذا قلّما يُطرَح للبحث، ولكن تَلْقى تململًا بشأنه لدى بعض الإكليريكيّين والأساتذة، في الكنائس النّاطقة باليونانيّة، وأحيانًا بالعبارة الصّريحة، كما خلال حديث مسجّل، منذ بعض الوقت، للمتقدّم في الكهنة ثيودوروس تسيزيس. عمليًّا، لا يمكننا إلّا أن نلاحظ أنّ البطريرك المسكونيّ يستغلّ، كأمر عاديّ تلقائيّ، المشاعر الإثنيّة القوميّة اليونانيّة ليثبّت سلطته وأوّليّته، في العالم الأرثوذكسيّ. يُشار، في هذا السّياق، إلى أنّ مجمعًا انعقد في القسطنطيّنيّة بالذّات، العام 1872، وأعلن الإثنيّة القوميّة هرطقة في الكنيسة!. هذا حدث إثر ما فعله الأرثوذكس البلغار في القسطنطينيّة حين أسّسوا كنائس ناطقة بالبلغاريّة، تابعة للكنيسة الأمّ مباشرة، ولا تفتح أبوابها إلّا للنّاطقين بالبلغاريّة. يُذكر أنّ الإثنيّة القوميّة أخذت تشيع، بدءًا من مطلع القرن التّاسع عشر، كردّ فعل على هيمنة طالت للسّلطنة العثمانيّة، في كلّ مكان، وهي، أي الإثنيّة القوميّة، لا تزال فاعلة بقوّة إلى اليوم، لا في الكنائس اليونانيّة النّطق وحسب، بل السّلافيّة وسواها أيضًا!. والحقّ أنّه ليست هناك كنيسة لا تلعب المشاعر الوطنيّة أو الإثنيّة القوميّة فيها دورًا مؤثّرًا، وحتّى رئيسيًّا!. هرطقة مدانة، ومع ذلك سارية المفعول ومطبَّعَة!.

   ثالثًا. اعتبار الكرسيّ القسطنطينيّ نفسه قيّمًا على الأرثوذكس في ما يُسمّى "بلاد الانتشار". هذا، يُشار إليه جهرًا أو لمحًا، استنادًا إلى القانون 28 من مجمع خلقيدونية، المارّ ذكره!. إذًا، الأرثوذكس، في "بلاد الانتشار"، إمّا يُعتبرون مشمولين بالقانون الّذي يتناول الأساقفة في بلاد البربر، وإمّا يُعتبرون، إذا ما كانوا يونانيّي الإثنيّة، من رعايا البطريركيّة المسكونيّة، سواء ارتحلوا إلى "بلاد الانتشار" من اليونان أم من قبرص أم من سواهما!. أمّا أوّليّة الكرسيّ القسطنطينيّ هناك، فيعبَّر عنها برئاسة ممثّلي الكرسيّ القسطنطينيّ في المناطق المختلفة لهيئات الأساقفة المنشأة حديثًا، بدءًا من العام 2009، بقرار صدر عن المؤتمر الأرثوذكسيّ التّمهيديّ الرّابع للمجمع الكبير (6 - 12 حزيران)!. إلى أيّ حدّ يمكن لصيغة هيئات الأساقفة، برئاسة ممثّلي البطريكيّة المسكونيّة، أن تصمد وأن تنجح في مناخ كهذا؟. ما دام الهاجس هو تأكيد سلطة البطريركيّة المسكونيّة، فإنّ هذه الصّيغة باقية هشّة وتُخترَق، وذلك لسببين:

   1) أنّ الكراسي المستقلّة الّتي لها وجود في "بلاد الانتشار" لا يمكن أن ترضى بأن يكون للكرسيّ القسطنطينيّ عليها أكثر من موقع "رئاسة شرفيّة". أيّة محاولة سيطرة من قبل البطريرك القسطنطينيّ هناك سوف تجعل الآخرين ينصرفون عن الهيئة وكأنّها لم تكن!.

   2) أنّ رئاسة الممثّل القسطنطينيّ ليست، دائمًا، موافقة، في هيئات الأساقفة، إمّا لقلّة عدد "اليونانيّين" في منطقة ما، وإمّا لكون الأسقف القسطنطينيّ لا يُناسِب. كلا الأمرين يثير تحفّظات بعض الكراسي الأخرى!. هذا هو حال الأرثوذكس في أميركا الجنوبيّة، مثلًا. الأساقفة الأنطاكيّون، هناك، يعترضون لأنّ الوجود الأنطاكيّ أعرق من اليونانيّ وأكبر حجمًا. ثمّ ليس سهلًا عليهم أن يقبلوا رئاسة أسقف حديث العهد عليهم، لمجرّد أنّه يمثّل القسطنطينيّة. النّاس لا يُقَولَبون بيسر!. لذا، السّؤال مطروح هنا: هل رئاسة ممثّلي البطريرك القسطنطينيّ، في كلّ مكان، سليمة؟. أليس أجدى، إذا كانت الخدمة والرّعاية الطّيّبة هما الهمّ، أن يَختار الأساقفة أنفسهم، في هيئاتهم، رؤساء عليهم، ربّما بصورة دوريّة، أو على أساس المواهبة والجدارة، كما كانت الممارسة القديمة؟. المجمع المسكونيّ الثّاني، مثلًا، لم يرأسه، بدءًا، رئيس أساقفة القسطنطينيّة، بل رئيس أساقفة أنطاكية، القدّيس ملاتيوس الكبير، لأنّه كان رجل تضحيات ومواهب، وكان مشعًّا!. لافت للنّظر، في هذا السّياق، موقف المتقدِّم في الكهنة، ثيودوروس تسيزيس الّذي اعتبر تعدّد الأساقفة، ومن ثمّ الهيئات الأسقفيّة، قضيّة مخالفة للشّرع الكنسيّ، ومصطنعة، مقترحًا أن يتبع الجميع، في كلّ ناحية، أسقف الكنيسة الأكثر حجمًا!.


   في أيّ مناخ يُعقَد المجمع؟.

   منذ آخر مجمع كبير، اعتَبِرْه ما شئت، في القرن الثّامن الميلاديّ أو الرّابع عشر الميلاديّ، إلى اليوم، ثمّة متغيّرات عدّة دخلت في وعي العالم الأرثوذكسيّ، هي الّتي تحكم مسار المجمع العتيد، وتتحكّم في ما قد يصدر عنه، إلى حدّ بعيد. هذه، إن لم نتبيّنها ونحرص على تعاطيها بالحكمة والرّصانة اللّازمتين، نجدنا عرضة لا لخيبة كبيرة وحسب، ونحن لا ندري، متى انعقد المجمع، بل، أيضًا، لتداعيات يمكن أن تهدّد تماسك العالم الأرثوذكسيّ!.

   - في ضوء ما تقدّم، بات الكرسيّ القسطنطينيّ في وضع لا يطيق البقاء فيه طويلًا. تقلُّصه على أرضه قارب الاضمحلال. حاجته ماسّة إلى مجمع يعيد له، على الأرض، دوره اللّائق بعراقته وامتيازاته الغابرة!. البطريركيّة القسطنطينيّة، في السّنوات العشرين الماضية، كانت، في إعدادها للمجمع الكبير، كأنّها تسابق الزّمن!. الثّابت الوحيد في الأوراق المعدَّة كان الدّور الرّئاسيّ للقسطنطينيّة!.

   المطّلِع على هذه الأوراق يلاحظ، بعامّة، أنّها متواضعة، وليست في مستوى الحاجات والتّوقّعات. هذه الحاجات لا تبدو أساسيّة، لدى "مهندسي" المجمع العتيد، وهي قابلة للتّأجيل!. كلمة السّرّ تبدو، أوّلًا، لديهم، جمع الكلمة، ولو ظاهرًا، مهما كلّف الأمر، بقيادة البطريركيّة القسطنطينيّة!. بعد ذلك، كلّ شيء يتبع!. المهمّ أن نبدأ!. الباقي يتكشّف تباعًا!!!. لذا، يتكلّم المتروبوليت يوحنّا زيزيولاس على كون المجمع مسارًا Process!.

   - الإثنيّة القوميّة، في العالم الأرثوذكسيّ، اليوم، طاغية إلى حدّ ليس بقليل. هناك ما هو أخطر من الإلحاد. هناك قناعة متفشّية أنّ الأرثوذكسيّة جزء من الهويّة الوطنيّة أو الإثنيّة أو القوميّة. ما تأثير هذا المعطى الجديد؟. تأثيره أنّه يُفرغ الأرثوذكسيّة من مضمونها، ويجعلها، بيُسر، مسمَّرَة على صليب الكيانات الإثنيّة والقوميّة، ومن ثمّ بُعدًا داعمًا للمقاصد السّياسيّة لتلك الكيانات!. في الأمبراطوريّة البيزنطيّة، كان ثمّة تركيب Synthesis حضاريّ فذّ للشّعوب، على اختلاف مشاربها. كنسيًّا، لم تكن ثمّة حاجة، مثلًا، إلى كنائس يونانيّة وأخرى سريانيّة لأسباب قوميّة. عندما كان الذّهبيّ الفم يعظ باليونانيّة، في أنطاكية، كان هناك مترجمون إلى السّريانيّة في الكنيسة. والّذين اجتمعوا إلى قدّيسين كبار، كالقدّيس سمعان العموديّ الكبير، كانوا يونانيّين وسريانًا، وما وجدوا غضاضة في الصّلاة بلغاتهم في مكان واحد، وفي أوقات مختلفة، أو حتّى في وقت واحد، أو في إنشاء أديرة متلاصقة تحت رعاية شيخ واحد، يونانيّ أو سريانيّ اللّسان، لا فرق، إذا كان بارزًا!. اليوم، الأرثوذكسيّة، بالأكثر، مطيّة للإثنيّات القوميّة!.

   - الإلحاد النّظريّ، اليوم، خفت. الإلحاد، اليوم، عمليّ. مسيحيّون بلا مسيح، وأرثوذكس بلا أرثوذكسيّة حيّة حقيقيّة فاعلة بالمحبّة والرّوح والحقّ. هذا ما فعلته الدّهريّة، اليوم، والمقصود بالدّهريّة، مسيحيًّا، تطويع الكنيسة لجعلها في خدمة شؤون هذا الدّهر. البراغماتيّة تحلّ محلّ الإلهيّات في المسرى. دهريّة، إذًا، سواء في مستوى المقاربة الاستهلاكيّة للحياة أم في مستوى العلم والفكر!. لاهوت بلا روح، طقوس بلا عبادة، دراسة بلا مخافة الله، لاهوت للعلماء لا للقدّيسين، أساقفة للسّلطة لا للرّعاية!.

   - ثمّة وحدة يرنو إليها، اليوم، كثير من المسمّين مؤمنين، بغيرة شديدة: وحدة المسيحيّينّ!. هذه يعتبرونها وحدة جسد المسيح، وحدة الكنيسة!. يقولون إنّ المسيح صلّى لكي يكون الجميع واحدًا... ولكن أيّ وحدة مسيحيّة نرتجي؟. موضوع علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ ما مؤدّاه؟. وحدة المسيحيّين كيف تكون؟. يُؤتى بهم إلى الحقّ أم يُجعل كلّ منهم على حقّ؟. المهمّ أن يتّحدوا!. أن يشعروا بأنّهم واحد!. جرن واحد، كأس واحدة!. فكرهم؟. كلٌّ يفكّر على طريقته!. نيّتهم؟. هذه ربّهم يحكم فيها!. إذًا، لِمَ كان التّسليم والإيمان القويم؟!. سؤال كبير، الإجابة عنه تحدّد حاضر الكنيسة، في النّاس، ومستقبلها!.


   ملاحظات في المجمع وأوراقه.

   - في السّياق الّذي بسطنا والمناخ الّذي أبنّا، يأتي الإعداد، الّذي طال، للمجمع "الكبير" العتيد، وكذا انعقاده، بمثابة جهد بذله فريق تلو فريق من الإكليريكيّين، بخاصّة. السّؤال مطروح: أكان هذا الجهد المبذول، فعلًا، في الكنيسة أم على هامش الكنيسة؟. والهموم الّتي عرض لها، أهي هموم الكنيسة حقًّا أم هموم مَن يقولون إنّهم يتكلّمون باسمها؟. يتساءل المرء ما إذا لم يكن الّذين عملوا، في هذا الحقل، قد انشغلوا بإسقاط هموم معتبَرة "مسيحيّة"(!)، وهي ليست في عمقها كذلك، عمّا للكنيسة، أم لا؟. أخشى، في هذا السّياق، أن يكون المعنيّ بالعالم المسيحيّ، اليوم، شيئًا، وحقيقة الكنيسة شيئًا آخر!. أنّى يكن الأمر، في هذا الخضمّ الملتبس، فإنّ حاضن تلك الجهود بامتياز هو الكرسيُّ القسطنطينيّ، الّذي، ولو أقام، في الوجدان الكنسيّ الأرثوذكسيّ، كأمر واقع، فإنّه، في الحقيقة الإكليزيولوجيّة الصّارمة، يمثّل حالة تغيب فيها الكنيسة لديه، كشعب على أرضه، كما ردّدنا، وتستمرّ فيها هيكليّة أسقفيّة بلا شعب، باسم كنيسة غابرة على تلك الأرض، تعتمد الهيمنة على كنائس، خارج حدودها، كامتياز لها، تبريرًا لاستمرار وجودها!. هذا يجعل، في الحقيقة، أنّ الفكر الّذي يعتور المجمع وأوراقَه يسير في اتّجاه، فيما يسير فكر الكنيسة في اتّجاه آخر!. أما ينعقد المجمع، والحال هذه، عمليًّا، في غياب الكنيسة؟. كلّ ورقة من الأوراق المعروضة فيه تعكس، واقعيًّا، شيئًا من هذا الغياب والتّغييب!. ولعلّ ما يلي نماذج نوردها، باقتضاب، من هذه الإشكاليّة، حتّى لا يطول الكلام.

   - غياب الكنيسة وتغييبها، في ما يشبه التّحريك عن بُعد (Manipulation)، حتّى في مستوى الأساقفة على الأرض، أقصد في غير الكرسيّ القسطنطينيّ، جرى التّعبير عنه، فيما تسنّى لنا الاطّلاع عليه، من خلال رسالتين إلى المجمع المقدّس لكنيسة اليونان، وحديث مصوَّر لأحد الآباء هناك.

   +  الأستاذ الدّكتور ديمتريوس تْسيلنغيديس، من مدرسة اللّاهوت في جامعة أرسطو في تسالونيكية، وجّه رسالة إلى رئيس الأساقفة وأعضاء المجمع اليونانيّ، في 12 شباط 2016. ممّا جاء فيها: "من طريق البحث، اكتشفت، بكلّ أسف، أنّ كنيسة اليونان - منذ العام 1961 [حين بدأ الإعداد الفعليّ للمجمع الكبير]... - لم تتعاطَ معالجة قرارات اللّقاءات [المختصّة بالإعداد للمجمع الكبير]، في مستوى مجمع الأساقفة [عندنا]... ثمّة نقص خطير في المعالجة المجمعيّة [لدينا]... ومع ذلك، أظنّ... أنّ الأمور قابلة للإصلاح... شرط [أن تكون القرارات الّتي نتّخذها] منسجمة مع الوعي الذّاتيّ للكنيسة، وكذلك مع الخبرة المقودة من الرّوح القدس في تقليدها المقدّس...".

   +  كذلك وجّه المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، إلى المجمع اليونانيّ عينه، الّذي هو عضو فيه، رسالة أشار فيها إلى الاجتماع الّذي ضمّ رؤساء الكنائس الأرثوذكسيّة، وانعقد من 6 إلى 9 آذار 2014. هذا أقيمت، بنتيجته، لجنة خاصّة، تضمّ أسقفًا ومستشارًا من كلّ كنيسة مستقلّة، مهمّتها مراجعة الأوراق كمثل "الكنيسة الأرثوذكسيّة والحركة المسكونيّة" و"العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسيّة وباقي العالم المسيحيّ". ومن غير أن تُرفع ملاحظات اللّجنة الخاصّة إلى المجمع اليونانيّ، من قبل ممثّليها، لدراستها والموافقة عليها، أُحيلت، بصيغتها النّهائيّة، على المجمع الكبير!. فلمّا تسنّى للمتروبوليت إيروثيوس الاطّلاع على هذه الصّيغة، في كانون الثّاني 2016، إثر لقاء القمّة في شامبيزي، اكتشف أنّ الورقتين ضُمَّتا الواحدة إلى الأخرى، وأنّ تغييرات عدّة أُدخلت على الورقة الموحّدة!. عليه وجّه المتروبوليت فلاخوس جملة أسئلة إلى رئيس الأساقفة يسائله عن الأمر. في السّؤال الرّابع، مثلًا، ورد ما يلي: لماذا لم تُرفَع هذه النّصوص للموافقة عليها من قبل مجمعنا، وجرى تحويلها مباشرة إلى المجمع الكبير دون علم الأساقفة عندنا؟. وقد خلُص سيادته إلى أنّ الأسئلة الّتي يطرحها خطيرة وتحتاج إلى أجوبة، لأنّ المجمع اليونانيّ الحاليّ، على حدّ تعبيره، "لا يقدر أن يأخذ على عاتقه مثل هذه المسؤوليّة الجسيمة"!.

   +  من جهة أخرى، أشار المتقدّم في الكهنة ثيودوروس تسيزيس، في حديث مصوَّر5 له، عن المجمع الكبير العتيد، إلى النّصّ الخاصّ بـ"الكنيسة الأرثوذكسيّة والحركة المسكونيّة"، الّذي أقرّ في المشاورة الأرثوذكسيّة العامّة الثّالثة، العام 1986، والّذي جرى تعديله ودمجه بنصّ آخر عن "العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسيّة وباقي العالم المسيحيّ"، خلال العام 2014، في إطار اللّجنة الخاصّة الّتي أشار إليها المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس أعلاه. أفاد الأب تسيزيس أنّ النّصّ القديم كان أرثوذكسيًّا بكلّ معنى الكلمة. هذا ثمّة من اعتبره غير مناسب، وفات عليه الزّمن، وبحاجة إلى تحديث، رغم كونه نصًّا رائعًا، على حدّ تعبير الأب تسيزيس!. لذا، جرى تحديثه في شباط 2015 في شامبيزي. وقد عُدِّل دون أن تدع اللّجنة أحدًا يعلم بما جرى تعديله!. يعملون في السّرّ، قال، ولا ينشرون ما يتوصّلون إليه!. "يُخفون عنّا ما يعملونه"، على حدّ تعبير الأب تسيزيس. لماذا؟. "ليجعلوا فيه ما يريدون"، كما قال!. ويضيف: لكي لا يقاومهم أحد. لهذا، يعملون ما يعملونه في الخفاء"!. "حتى إذا ما احتججنا، فيما بعد"، كما أردف، "يقولون لنا: هذا ما قرّره المجمع"!.

   بعد هذه الملاحظات من قبل مراجع معروفة، أتساءل ما إذا كانت الكراسي الأخرى، في العالم الأرثوذكسيّ، أفضل حالًا وأكثر اطّلاعًا، على ما يجري، من كنيسة اليونان؟!.

   - في النّظام الدّاخليّ لأعمال المجلس الكبير، المادّة 3، البند (أ)، ورد أنّه "تمّ تحديد الأعضاء المشاركين [من كلّ كنيسة مستقلّة] في اجتماع رؤساء الكنائس المستقلّة في آذار 2014". العدد هو أربعة وعشرون أسقفًا، كحدّ أقصى، مع بعض المرافقين. ثمّ في المادّة 12، البند (أ)، تحدّد، في موضوع التّصويت على النّصوص والموافقة عليها، أن يكون لكلّ كنيسة صوت واحد فقط. على هذين البندين لنا الملاحظات التّالية:

   1) إنّ حدّ كلّ كنيسة مستقلّة بعدد محدود من الممثّلين، وبصوت واحد، لا يتّفق والممارسة المجمعيّة التّراثيّة. إمّا يكون كلّ أساقفة العالم الأرثوذكسيّ مدعوّين، لتكون كلّ الكنيسة حاضرة، بأساقفتها، حتّى لا نتكلّم، أيضًا، على ضرورة الحضور الرّهبانيّ والعامّيّ، أقول لتكون كلّ الكنيسة حاضرة في مجمع تدعو إليه الضّرورة الحقّ، شهادةً للإيمان المسلَّم مرّة للقدّيسين، وتثبيتًا للمؤمنين، أو لا يكون هناك مجمع بل مجرّد لقاء، حتّى لو كان في مستوى رؤساء الكنائس المستقلّة والوفود الّتي ترافقهم!.

   2) إنّ عدد الأساقفة في كلّ العالم الأرثوذكسيّ يتراوح بين 700 و800 أسقف. قيل: يتعذّر جمعهم لأسباب لوجيستيّة!. إلى أيّ حدّ هذا صحيح؟. القدّيس والملك قسطنطين الكبير بعث بالعربات البريديّة لنقل الأساقفة من كلّ مكان، بحيث التقى في المجمع المسكونيّ الأوّل (نيقية) مئات الأساقفة. أيُعقَل أن يتعذّر مثل هذا الأمر، على الكنيسة، اليوم؟!.

   3) يُشار، في هذا السّياق، إلى الاحتجاج الّذي رفعه المتروبوليت سمعان إزمير الجديدة (اليونان)، إلى مجمعه المقدّس، وقال فيه إنّ المجمع لا يكون مقدّسًا وجامعًا إذا لم يشترك فيه كلّ الأساقفة، لا فقط رؤساء الكنائس المحلّيّة، حتّى لو رافقتهم وفود ذات وزن. "تقليص عدد المشاركين يُنقص من سلطة المجمع"، على حدّ تعبيره. من جهة أخرى، في رأيه أنّ الاكتفاء بصوت واحد لكلّ كنيسة مستقلّة، بدل كافّة أصوات الأساقفة، لا ينسجم البتّة "والأرثوذكسيّة الدّيمقراطيّة"، كما قال!.

   4) من جهة أخرى، يُشار إلى الرّسالة الّتي بعث بها المتروبوليت سيرافيم بيراوس (اليونان) إلى مجمعه المقدّس (راجع الموقع الإلكترونيّ pravoslavie.ru)، وفيها يعبّر عن رفضه لتحديد عدد المشاركين من كلّ كنيسة مستقلّة، والاكتفاء، لكلّ منها، بصوت واحد، كما يفصح عن مغزى هذا التّدبير لديه. ممّا قاله إنّ تحديد عدد الأساقفة، في كلّ كنيسة محلّيّة، بأربعة وعشرين، "بدعة غير مسبوقة"، في تاريخ الكنيسة!. كما أبدى أنّه "لا مبالغة في اعتبار المجمع المزمع عقده مجمعًا من دون الأرثوذكس". كذلك، جهر، بصريح العبارة، أنّه واضح لديه أنّ الغرض من قرار التّمثيل في المجمع، المزمع انعقاده، هو اجتناب أصوات الأساقفة المعارضين لقرارات هذا المجمع، في حال شكّلت هذه القرارات إعادة نظر في التّقليد الشّريف (Revision of Tradition)!. كما رفض مبدأ صوت واحد للكنيسة المحلّيّة الواحدة. في رأيه أنّ كلّ أسقف يحضر المجمع ينبغي أن يكون له الحقّ في التّصويت!.

   - من جهة أخرى، في النّظام الدّاخليّ لأعمال المجلس الكبير، المادّة 12، في البندين (ب وج)، أنّ قبول النّصوص يكون من قِبل كنيسة، لا من قِبل أعضاء، وأنّ الخلافات، ضمن كنيسة واحدة، مسألة داخليّة يمكن أن تُحَلّ على أساس الأغلبيّة الدّاخليّة، الّتي يعبّر عنها رئيس الكنيسة. سؤالنا هو: ماذا إذا كانت المسألة المختلَف عليها تمسّ العقيدة أو الإكليزيولوجيّة الأرثوذكسيّة، كما هو الحال، مثلًا، في ورقة "علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ"؟. هذا غير محسوب حسابه!. عن قصد أو عن غير قصد، الله أعلَم!. أنّى يكن الأمر، فالموضوع، كما هو مرتَّب، ليس موضوع سلامة الإيمان، بل موضوع سلامة التّرتيب الإداريّ، الموضوع، في ما يبدو، لخدمة ما يرمي منظّمو الحدث إلى إيصال الكنيسة إليه، كما في أيّ شركة من شركات هذا الدّهر!.

   إلى ذلك، المفترَض، القابل للجدل الكبير، أنّ الصّوت الواحد هو صوت كنيسة محدّدة ممثّلة برئيسها (بطريرك، رئيس أساقفة...)، أو مَن يقوم مقامه!. فكرة التّمثيل، في الكنيسة، غريبة عن وجدان الكنيسة. ليس للكنيسة ممثّلون، كما للدّول والأحزاب ممثّلون. هناك مَن هو لسان الكنيسة لأنّه حامل روح الله وحقّ الإنجيل وضمير الكنيسة في نفسه!. هذا مَن يتكلّم عن الكنيسة. يمكن أن يكون هو إيّاه رئيس الكنيسة، ويمكن أن لا يكون!. لذلك، حصرُ الكنيسة في ممثّلين عنها يُدلون بأصواتهم باسمها ويلزمونها بالقرارات الّتي يوافقون عليها، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت مناسبة أو غير مناسبة، يعني تحويل الكنيسة من جسم مواهبيّ، إلهيّ بشريّ، إلى جسم بيروقراطيّ مؤسّساتيّ دهريّ، وتاليّا إحداث اختراق أساسيّ للفكر والممارسة الكنسيَّين الأرثوذكسيَّين التّراثيَّين!. أما يعني ذلك تغييب الكنيسة والتّحكّم بها، من طريق القرارات الإداريّة، والاكتفاء بالتّكلّم باسمها؟!.

   - ثمّ في النّظام الدّاخليّ ذاته، المادّة 13، البند (ب)، في شأن الموافقة على النّصوص والتّوقيع عليها، علامَ ينطوي القول: "القرارات المجمعيّة الموقَّع عليها مع رسالة المجمع الكبير... لها سلطة على سائر الكنائس الأرثوذكسيّة"؟. أما ينطوي على الادّعاء أنّ المجمع يحاول أن يتّخذ صفة البابويّة الجماعيّة، ويحوّل المجمعيّة الكنسيّة إلى إجماعيّة إداريّة، ويعلن نفسه متمتِّعًا بنوع من العصمة الإدرايّة؟. هذا بند مخيف!. لماذا؟. لأنّ في بعض الأوراق المقدَّمة لاهوتًا جديدًا مشبوهًا مطروحًا، كما أبان العديد من الأحبار، وكما يظهر من خلال رسالتنا هذه!. المسألة ليست مسألة إداريّات كنسيّة عاديّة!. موقف كهذا، إذا ما جرى تبنّيه، يهدّد التّقليد الشّريف برمّته!!

   - تعقيبًا على اعتماد النّظام الدّاخليّ للمجمع العتيد الأكثريّة قاعدة (المادّة 12)، لفت الأستاذ الدّكتور ديمتريوس تْسيلنغيدس إلى أنّ الحقيقة، في مسائل العقيدة، لا تتمثّل في صوت الأكثريّة. "الحقيقة، في ذاتها، أكثريّة، لأنّ الحقيقة في الكنيسة هي واقع أقنوميّ Hypostatic reality"، على حدّ تعبيره. لا حقّ للمجمع الكبير في أن يترك لأجسام مجمعيّة دنيا موضوعًا على هذا القدر غير العاديّ من الخطورة، كمثل الخلاف المحتّم لصوت الأقلّيّة من الأساقفة مع الأكثريّة، في شؤون العقيدة!. إنّ المجمع، من حيث هو الجسم المجمعيّ الأبرز، مطالَب بمقاربته هذا الموضوع بصورة مباشرة، وإلّا "هناك خطر انشقاق حقيقيّ في الكنيسة"، تمامًا فيما يتشوّف المجمع الكبير إلى "إعادة تأكيد الوحدة المنظورة لكنيستنا" (رسالته الثّانية، 12 شباط 2016).

   - بين الأوراق السّتّ المرفوعة، هناك خمس يتساءل المرء، بشأنها، ما إذا كان يحتاج إلى مجمع كبير!. ورقة الصّوم تقول بأهمّيّة الصّوم وضرورته وأوقاته وتدبير الرّأفة بشأنه، وتترك للأساقفة المحلّيّين مسؤوليّة التّدبير فيه... (البند 7). عمليًّا، لا تأتي بجديد!. والأهمّ، لا تجيب عن السّؤال: كيف يمكن الصّوم أن يساهم في التّعاطي الإيمانيّ الحيّ لهموم الإنسان في النّظام الاستهلاكيّ، وما القيمة، الّتي للصّوم، روحيًّا ومادّيًّا، وكيف يُتّبع في الارتباط بالفقير والمريض والمهجّر والغريب...؟ ورقة الزّواج لا توجيه فيها يُذكَر، في شأن ما يواجهه المتزوّجون من هموم في عالم مختلط. تكرِّر، بعامّة، ما هو معروف. وإذ تحاول أن تأتي بمفيد تقع في إشكال6. هذا حال عنوان "موانع الزّواج"، البند (5، أ): زواج الأرثوذكسيّين بغير الأرثوذكسيّين وإشراطه بتعميد الأولاد وإنشائهم في الكنيسة الأرثوذكسيّة...! ورقة الانتشار الأرثوذكسيّ مُخيِّبة ومحبِطة!. بعدما كان الميل، في العام 1990 و1993، بتأثير شخصيّات معروفة كبول أفدوكيموف وأوليفيه كليمانت، إلى إعطاء كنائس الانتشار صفة الكنائس المحلّيّة، صير، في العام 2009، إلى ابتداع هيئات الأساقفة المحلّيّين، برئاسة ممثّلي القسطنطينيّة، ورُبطت كنائس الانتشار بالكنائس الأمّ، بحيث لم تعد للقاءات الأساقفة وقراراتها فعاليّة تُذكَر!. ثمّ ورقة الإدارة الذّاتيّة، Autonomy، وكيفيّة إعلانها اكتفت بالإشارة إلى الشّروط الواجب توفّرها في الكنيسة طالبة الإدارة الذّاتيّة، وإلى أنّ مَنح الإدارة الذّاتيّة رهن بالكنيسة المستقلّة، ولكن، فقط، ضمن حدودها الجغرافيّة القانونيّة؛ أمّا بلاد الانتشار فلا تؤسَّس فيها إدارة ذاتيّة إلّا بتوافق أرثوذكسيّ عامّ، عبر البطريركيّة المسكونيّة!. أخيرًا وليس آخرًا، الورقة الخامسة، مساهمة الكنيسة الأرثوذكسيّة في العالم المعاصر... تتراوح بين الكلام العامّ والجهد الفكريّ المتأثّر بالفلسفة الوجوديّة والمثاليّة الألمانيّة، واللّاهوت المستحدث المغلوط، ما بعد الآبائيّ، في علاقة شخص الإنسان بأقانيم الثّالوث7.

   - الورقة الوحيدة الّتي يمكن القول إنّها الورقة الّتي ربّما أصرّ مهندسو المجمع "الكبير" على عقد المجمع من أجلها، هي الورقة المعنونة "علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ". حَبَلُ الأوراق الأخرى كان طبيعيًّا، لا اتّفاق يُذكَر بين المتحاورين فيه، لذلك لم تأتِ ولادتها بشيء تقريبًا، فيما حَبَلُ الورقة السّادسة كان بالأنبوب، وأنبوبها، بخاصّة، كان الكرسيّ القسطنطينيّ، لذا أتت ولادتها في الخفية، وقيصريّة!. هكذا شقّت هذه الورقة طريقها إلى المجمع!.

   - تمثّل الورقة ذروة مسعى الفريق، الممكن وصفه بـ"المسكونيّ"، إلى دفع مقاربته لما ينبغي أن تكون عليه علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ، في نظره، حتّى إلى مستوى القرار المجمعيّ. إلى الآن، بعد الخيبة الكبرى، في مجمع فلورنسا (القرن 15)، كاثوليكيًّا، ومنذ تأسيس مجلس الكنائس العالميّ وملاحقه (1948)، بروتستانتيًّا، ومنذ أن توقّفت الحوارات مع الكنائس الشّرقيّة القديمة (الأقباط والسّريان والأرمن والأحباش)، في أوائل التّسعينات من القرن العشرين، أقول، إلى الآن، ومواقف "المسكونيّين" لا تعدو كونها آراء، توافقها أو لا توافقها. أمّا الآن، في ما يبدو، فقد حلّت ساعة الاستحقاق!. فهل ينجح هؤلاء في تغيير مجرى الفكر، ومن ثمّ الوجدان التّراثيّ، في قلب الكنيسة الأرثوذكسيّة، من خلال مجمع "كبير" مُقحَم، مسكونيّ أو شبه مسكونيّ، اعتبره كما شئت؟. هذا هو السّؤال!.

   - هناك، في الورقة، لغة ومفاهيم ومقاربة غير تراثيّة، أو، بعبارة أدقّ، تنسلّ في لغة ومفاهيم ومقاربة تراثيّة مألوفة تجعلك بإزاء ثنائيّة في اللّغة والمفهوم والمقاربة غير مسبوقة في لاهوت الكنيسة الأرثوذكسيّة الرّسميّ وإكليزيولوجيّتها!. على هذا تقرأ، من ناحية، "أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة... هي الكنيسة المقدّسة الجامعة الرّسوليّة" (1). وتقرأ، من ناحية أخرى، أنّ الأرثوذكسيّة تعترف "بالوجود التّاريخيّ لكنائس مسيحيّة ومذاهب ليست في شركة معها" (6). ومن ثمّ يأتي كاتب الورقة إلى لفظة "كنائس" في (16): هذه المرّة، ليجعل من الكنيسة الأرثوذكسيّة إحداها!.

   - تقول الورقة إنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة هي... الكنيسة الواحدة..." (1). وتضيف في (6): "إنّ وحدة الكنيسة، بحسب طبيعتها الكيانيّة، يستحيل أن تتزعزع". ثمّ، فجأة، تتكلّم على "إصلاح الوحدة المسيحيّة" (4). قد يبدو لك أنّ المقصود هو، كما في (5)، "السّعي لإعادة وحدة المسيحيّين النّهائيّة". لكنّك تكتشف في (6) أنّ ثمّة كلامًا عن الكنيسة الأرثوذكسيّة الّتي تمهّد "الطّريق الّتي تقود إلى الوحدة"!. أخيرًا، وليس آخرًا، تقول لك الورقة "إنّ الغاية الأخيرة من الحوارات اللّاهوتيّة هي استعادة الوحدة في الإيمان الصّحيح والمحبّة!.

   - يُسأل، طبعًا، لِمَ هذه الثّنائيّة في اعتبار الكنيسة الأرثوذكسيّة أنّها الكنيسة، وأنّها الكنيسة الواحدة، ثمّ يُصار إلى الكلام عن كنائس ومذاهب وعن وحدة بحاجة إلى إصلاح ووحدة ضائعة، برسم الاستعادة؟. هل الموضوع موضوع التباس، شطط...؟ لا أظنّ!. يبدو أنّ السّبب هو أنّ ثمّة كنيسة مستيكيّة غير منظورة بإزاء الكنيسة التّاريخيّة المنظورة، في ذهن الكاتب!. هذه شيء وتلك شيء آخر مع حفظ الرّابط بينهما رخوًا وغير واضح!. كأنّما الكنيسة المستيكيّة واحدة، فيما الكنيسة التّاريخيّة منقسمة على نفسها وبرسم الإصلاح والاستعادة!. هذا، ربّما، ما حدا بكاتب الورقة إلى القول: "إنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة... هي الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرّسوليّة..." (1)، مع التّحديد بكلمة "الأرثوذكسيّة"، فيما تكلّم على شيء آخر عندما ذكر "أنّ وحدة الكنيسة، بحسب طبيعتها الكيانيّة، يستحيل أن تتزعزع"، ولمّا يقل "وحدة الكنيسة الأرثوذكسيّة"!. هذا التّمييز، وحتّى الفصل بين الكنيسة المستيكيّة غير المنظورة والكنيسة التّاريخيّة المنظورة متَّكأ لاهوتيّ أساسيّ بالنّسبة إلى المسكونيّين!.

   - في الورقة، القول إنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تعتبر أنّ أساس وحدة الكنيسة يرتكز على حدث تأسيسها من قِبل ربّنا يسوع المسيح، وعلى الشّركة في الثّالوث القدّوس، وفي الأسرار (2). يخطر بالبال، هنا، أنّ أساس وحدة الكنيسة، في ذهن الكاتب، هو عقيدة الإيمان بالرّبّ يسوع ومن ثمّ الشّركة في الثّالوث القدّوس والأسرار. يعزّز هذا الشّعور تمييز الكاتب، في مسار الحوارات اللّاهوتيّة، بين حلّ الفروقات اللّاهوتيّة المتوارثة والتّمايزات الجديدة، من جهة،  والبحث عن العناصر المشتركة في الإيمان المسيحيّ (11)، من جهة أخرى. لِمَ العناصر المشتركة؟. لاحظ القول: "حلّ الفروقات اللّاهوتيّة والتّمايزات الجديدة". ما مغزاه؟. مغزاه أنّ زمن القول بالهرطقة والقطيعة قد ولّى، وأنّ قاموس المفردات يتغيّر!. الهرطقات تصبح "فروقات وتمايزات"!. هذه تُقارَب بالحوار. وعلامَ يقوم الحوار؟. على أساس البحث عن العناصر المشتركة؟. ثمّة ثقة مفرطة تبدو، هنا، بالحوار!. الخلافات تُحَلّ بالحوار!. ولكن، ليس أيّ حوار، بل الحوار من منطلق البحث عن العناصر المشتركة!. بِمَ يمكن أن يأتي البحث عن العناصر المشتركة؟. بالكثيرَ!. النّزعة هي أنّ أكثر الفروقات ناجم عن فروقات لفظيّة!. هذا ما استبان، في نظر الكاتب، كما يبدو، في الكثير من الحوارات المسكونيّة، بما فيها الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسيّة والكنائس الشّرقيّة القديمة!. إذًا، بالحوار يُحلّ ما يُحلّ من فروقات وإشكالات. والأمور الّتي لا تُحلّ بالحوار ينبغي ألّا تكون عائقًا دون استعادة الوحدة، لأنّ الوحدة، في ذهن الكاتب، تكون مؤمّنة بما يمكن اعتباره الحدّ الأدنى الضّروريّ لقيام هذه الوحدة!. أليس لهذا السّبب، تُرى، في ذهن الكاتب، اشترطت واكتفت الكنائس الأرثوذكسيّة، للاشتراك في مجلس الكنائس العالميّ، في المادّة الأساسيّة من دستوره، باعتراف الكنائس والمذاهب بالرّبّ يسوع المسيح إلهًا ومخلّصًا، بحسب الكتب، ومن ثمّ الاعتراف بالله الواحد في الثّالوث، الآب والابن والرّوح القدس، بحسب دستور الإيمان النّيقاويّ القسطنطينيّ (19)؟. الغاية الأخيرة، من الحوارات اللّاهوتيّة، طبعًا، هي "استعادة الوحدة في الإيمان الصّحيح والمحبّة الواحدة"، كما ورد!. لكنّ هذا المسعى لا يجوز أن يعرقل العمل على إحقاق وحدة المسيحيّين!. علامَ، إذًا، تقوم وحدة المسيحيّين؟. أيُعقل أن يُعتمد الإيمان النّيقاويّ القسطنطينيّ والمعموديّة الواحدة أساسًا لاتّحاد الكنائس؟. هذا، تمامًا، هو البادي في الصّورة!. دلالة على ذلك، نبدي أنّ المتروبوليت يوحنّا زيزيولاس القسطنطينيّ، رئيس اللّقاءات الإعداديّة للمجمع، كثيرًا ما أبدى، أنّ الكنائس المتّحدة في معموديّة واحدة وبالإيمان عينه، النّيقاويّ القسطنطينيّ، هي ما تؤدّي شهادة كونيّة للكنيسة المسيحيّة في عالم اليوم، فيما يبقى تنوّع الكنائس المحلّيّة محترمًا8!. تنوّعُ الكنائس، في السّياق أعلاه، ما معناه؟. معناه أنّ الأمور الّتي لا يتمّ الاتّفاق بشأنها تكون من خصوصيّة الكنائس المحلّيّة، ولهذه الاختلافات، مهما كانت مهمّة في أعين أصحابها، ومن بينهم الكنيسة الأرثوذكسيّة، احترام ذوي الشّأن، وكفاها!. أمّا قيمتها، في النّطاق الأشمل، فنسبيّة، ومن ثمّ قابلة للعزل، ولا تؤثّر في مسار الوحدة المنشودة!.

   توسّعًا في معالم الصّورة، أعلاه، نشير إلى ما يبديه كاتب الورقة من أنّ "تطلّعات حوارات الكنيسة الأرثوذكسيّة اللّاهوتيّة مع الكنائس والمذاهب المسيحيّة الأخرى تتحدَّد، دائمًا، على أساس معايير التّقليد الكنسيّ المصاغة قانونيًّا (القانون 7 للمجمع المسكونيّ الثّاني، والقانون 95 من المجمع البنتكتي المسكونيّ) (20)!. ما هي هذه المعايير؟. هذان القانونان يتحدّثان عن قبول فئات الهراطقة، العائدين قديمًا، بالمعموديّة!. البادي أنّ الكاتب يقول بـ"لاهوت المعموديّة" أساسًا للوحدة المرتجاة!. هذا هو الموقف الأساسيّ للمجمع الفاتيكانيّ الثّاني، في شأن استعادة وحدة الكنيسة!. تجدر الإشارة إلى أنّ مجمعًا لبطاركة الشّرق (كيرلّس الخامس القسطنطينيّ، ومتّى الإسكندريّ، وبرثانيوس الأورشليميّ) انعقد في العام 1756 وفسّر القانونين المشار إليهما، أعلاه، ومغزاهما بالنّسبة إلى الغربيّين الآتين إلى الأرثوذكسيّة. الهراطقة الغربيّون، قيل، يُقبَلون في الأرثوذكسيّة "كنجسين وغير معمَّدين" بسبب فساد إيمانهم!. المقصود، يبدو، هو هرطقة الانبثاق وسواها. مع ذلك، كأنّنا بكاتب الورقة يقوم بعمليّة التفاف على قرار مجمع سابق، ليفتح بابًا على الوحدة على أساس الحدّ الأدنى (العناصر المشتركة) للإيمان والمعموديّة!.

   - بعد هذا الالتباس الكبير وثنائيّة الكلام في الورقة، على النّحو الّذي أبنّا، التباس بالنّسبة للتّراثيّين لا للمسكونيّين، وبعد أن ثمّن الكاتب عمل لجنة "الإيمان والعمل"، في مجلس الكنائس العالميّ، واعتبر النّصوص اللّاهوتيّة الّتي صدرت عنه "خطوة فائقة الأهمّيّة... لتحقيق التّقارب بين الكنائس" (21)، كأنّنا به يشعر بأنّه أُخذ بزهوّ الكلام، فاستبق كلّ مقاومة يمكن أن يواجهها، واستنفر قواه، وحذّر "عناصر الشّغب"، هذه المرّة، لا من خارج الكنيسة الأرثوذكسيّة، بل من ضمنها، لينذر: "تدين الكنيسة كلّ انقسام في وحدة الكنيسة، سواء حصل من قِبَل أفراد أو جماعات، تحت ذريعة صون الأرثوذكسيّة الأصيلة". واستند، في ذلك، إلى القول بالحفاظ على أصالة الإيمان الأرثوذكسيّ، الّذي "يتحقّق، فقط"، على حدّ زعمه، "بالنّظام المجمعيّ، الّذي كان يشكّل دومًا في الكنيسة القاضي ذا الصّلاحيّة والحكم النّهائيّ في الفصل، في موضوعات الإيمان" (22). ملاحظتان نبديهما هنا:

   1) تأكيد الكاتب أنّ للنّظام المجمعيّ الحكم النّهائيّ في الفصل في موضوعات الإيمان، معطيًا ذاته عصمة القرار دونما اعتبار لكون المعيار الأخير للحقّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة هو الوجدان العقديّ الحيّ الّذي لملء الكنيسة؛ لا نظام مجمعيّ يَضمن، آليًّا، صحّة الإيمان القويم. فقط في الرّوح القدس والمسيح الحقّ الأقنوميّ، يسير في إثر الآباء، أو يكون ناشزًا!.

   2) يؤسّس الكاتب لصراع لا هوادة فيه، متسلِّحًا بالمجمع وقراراته، سلفًا، ضدّ مَن لا يقولون قوله، أعني التّراثيّين الّذين لا يتمسّكون بمناهضتهم للعلاقة بباقي العالم المسيحيّ، إلّا من منطلق الحقّ التّراثيّ والإيمان القويم؛ ما يعني أنّ الخطوة المتّخذَة، في المجمع، في حيّز الفكر، سوف تتبعها خطوة أخرى... هذه المرّة على الأرض... بعد حين!!!.


   اعتراضات على الورقة.

   - أكثر ما اطّلعنا على اعتراضات، على ورقة "علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ". المعترضون تقليديّون تراثيّون كانت لهم، من زمان، مواقف رافضة لهذه العلاقة، بدرجات تتفاوت بين المعارضة المعتدلة والمعارضة الكلّيّة لمجمل العمل المسكونيّ. هذه عيّنة ممّا ورد، هنا وثمّة، إيضاحًا للصّورة وبيانًا لردّات الفعل:

   1) علينا أن ندرك، أوّلًا، أنّ الحركة المسكونيّة، المتمثّلة بمجلس الكنائس العالميّ ومشتقّاته، دخلها الأرثوذكس، في العام 1948، بذهنيّة، ثمّ تغيّروا وتبدّلوا وصاروا إلى ذهنيّة مختلفة تمامًا عمّا كانوا عليه بدءًا. ماذا أقصد؟. الأب جورج فلورفسكي، الّذي كان أحد مؤسّسي مجلس الكنائس العالميّ، تمثّل موقفُه في تأكيد أنّه "لا انشقاق في وحدة الكنيسة، بل افتراق عن الكنيسة"9؛ وأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة هي الكنيسة الحقّ، والكنيسة الحقيقيّة الوحيدة؛ وأنّ إعادة الوحدة المسيحيّة، لديه، هي "الهداية الجامعة إلى الأرثوذكسيّة". كما أبدى أنّه لا يحكم البتّة على أحد أنّه خارج الكنيسة لأنّ الدّينونة معطاة للابن: "ليس أحد مخوَّلًا باستباق الدّينونة". ولكن، هذا لا يمنع ولا يتعارض البتّة مع كون الكنيسة صاحبة سلطان في التّاريخ هو، أوّلًا، "سلطان التّعليم وحفظ كلمة الله بأمانة"!. اللّاهوت السّليم، عنده، هو الأساس المكين للوحدة المسيحيّة!. هذا لا يعني اتّفاقًا في الصّيغ ودستور الإيمان وحسب. الانقسام الحاصل "انقسام في الإيمان، في خبرة الإيمان بالذّات". لا فصل، لديه، بين اللّاهوت والرّوحانيّة الأرثوذكسيّة!. الوجدان الواحد مفتقد. قراءتنا ليست واحدة. فقط "بالعودة إلى الفكر المشترك للكنيسة الأولى يمكن التّغلّب على الانقسامات". وهذا ما على الكنيسة الأرثوذكسيّة أن تساعد الآخرين على بلوغه لأنّها وحدها الكنيسة الحقيقيّة الحاملة الوجدان الرّسوليّ إلى اليوم10.

   الأرثوذكس الّذين ينحون، اليوم، منحى مسكونيًّا سلّموا، وضعيًّا، بنظريّة الفروع، فصارت الكنيسة الأرثوذكسيّة كغيرها، عندهم، من بين "الكنائس والمذاهب"، الّتي تلتمس إصلاح وحدة ضاعت، بدل أن تستعيد الآخرين إلى الوجدان الأوّل الّذي وحدها حافظت عليه في ذاتها، في التّاريخ.

   2) المتروبوليت أثناسيوس ليماصول، القبرصيّ، بعث برسالة11 إلى المجمع المقدّس القبرصيّ، بتاريخ 11 شباط 2016، علّق فيها على ورقة "علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة بباقي العالم المسيحيّ". ممّا جاء فيها أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة هي الكنيسة "وليست هناك كنائس أخرى، فقط هرطقات وانشقاقات". أمّا تعبير "نحو استعادة الوحدة المسيحيّة"، فغير صحيح لأنّ وحدة المسيحيّين، الّذين هم أعضاء كنيسة المسيح، لم يسبق لها أن تزعزعت، "طالما أقاموا متّحدين بالكنيسة". ثمّ أوضح أنّه ليست هناك كنائس ومذاهب، هناك "كنيسة واحدة، وما سواها انشقاقات وهرطقات". وأضاف، في شأن الغرض من الحوارات اللّاهوتيّة، أنّ القول بأنّه استرداد الوحدة في الإيمان الصّحيح والمحبّة هو، لاهوتيًّا، غير مقبول لدينا. من جهة أخرى، أبدى أنّ القول بأنّ حفظ أصالة الإيمان الأرثوذكسيّ  يضمنها النّظام المجمعيّ وحده، من حيث إنّ هذا النّظام هو السّلطة الكفء والأخيرة في شؤون الإيمان هو قول مُبالَغ فيه ويتجاهل أنّ ثمّة مجامع عدّة، في تاريخ الكنيسة، علّمت واحتضنت عقائد غير صحيحة وهرطوقيّة. لا مجمع بلا شعب مؤمن، ولا شعب من دون مجمع أساقفة. وختم بالتّاكيد أنّ الحاجة هي إلى الصّياغة الدّقيقة للنّصّ وإزالة الالتباس الّذي فيه، كما ذكّر بأنّه لكي يكون المجمع مقبولًا وقانونيًّا، عليه ألّا ينحرف، بشكل من الأشكال، عن روح وتعليم المجامع المقدّسة الّتي سبقته.

   3) المتروبوليت سيرافيم بيراوس (المرجع السّابق) علّق على القول الثّاني والعشرين من الورقة، بشأن إدانة كلّ انقسام في وحدة الكنيسة تحت ذريعة صون الأرثوذكسيّة الأصيلة، من حيث إنّ للنّظام المجمعيّ الحكم النّهائيّ في الفصل، في موضوعات الإيمان، أقول علّق عليه بالقول إنّه يعطي الانطباع أنّ المجمع العتيد يلتمس لنفسه سلفًا "عصمة قراراته". أمّا القسم الأخير من القول، فالبادي أنّه لا يأخذ في الاعتبار الواقع التّاريخيّ أنّ المعيار الأخير للإيمان في الكنيسة الأرثوذكسيّة "هو الوعي العقائديّ الذّاتيّ لأعضاء الكنيسة"، الأمر الّذي جعل بعض المجامع، الّتي قيل عنها "مسكونيّة"، في الماضي، تستبين لصوصيّة!.

   4) المتروبوليت إيروثاوس فلاخوس، في رسالته الثّالثة إلى المجمع المقدّس، في 5 آذار 2016، توقّف، فيما توقّف، عند القول السّادس من الورقة، فأبدى أنّ ما ورد فيها "أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تعترف بالوجود التّاريخيّ لكنائس مسيحيّة ومذاهب ليست في شركة معها" ينبغي، درءًا لثنائيّة التّعبير في الورقة، استبداله بما يلي: "إنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تدرك أنّ حدودها المواهبيّة تتّفق وحدودها القانونيّة، كما تدرك أنّ ثمّة مذاهب مسيحيّة أخرى، مقطوعة عنها، وليست في شركة معها".

   5) الدّكتور ديمتريوس تْسيلينغيديس، في الرّسالة إلى المجمع المقدّس اليونانيّ، حول الورقة الّتي نحن بصددها، بعدما استرسل في تحليل مضامينها بالدّقّة العقائديّة اللّازمة، خلُص إلى النّتيجة التّالية: "من خلال كلّ ما هو مكتوب وما هو مُضمَر في النّصّ المذكور، كما يُستشَفّ منه، واضحٌ أنّ مطلقيه ومحرّريه يسعون وراء تشريع مؤسّساتيّ لتلفيقيّةٍ مسكونيّةٍ مسيحيّةٍ عبر قرار مجمعٍ أرثوذكسيّ شامل. هذا، إذا حصل، سيكون كارثيًّا للكنيسة الأرثوذكسيّة. لهذا السّبب، أقترح، بتواضع، سحب النّصّ برمّته!.


   ماذا سيترتـّـب على الورقة إذا ما أُقرّت؟.

   إذا جرى تبنّي الورقة، كما هي مرفوعة للمجمع "الكبير"، فإنّ التّبعات الّتي ستنجم عن إقرارها ستكون عديدة وخطيرة. هذه بعض الانطباعات في هذا الشّأن:

   - إنّ قبول الحدّ الأدنى للإيمان، المتمثِّل بالإيمان النّيقاويّ القسطنطينيّ، وكذا بلاهوت المعموديّة، أساسين كافيَين لوحدة المسيحيّين، سيكون معناه التّخلّي عن قاعدة التّسليم في الكنيسة!. كلّ الآباء والمجامع من القدّيس لاون الكبير إلى القدّيس فوتيوس الكبير إلى القدّيس مرقص أسقف أفسس إلى كلّ الآباء والمجامع الّذين أدانوا الكثلكة بالهرطقة لتعليم الانبثاق (Filioque)، والمطهر، وعصمة البابا، والحبل بلا دنس وسواه وسواه، لا تعود لأحكامهم أيّة قيمة!. لا يعود بإمكاننا أن نقول، بعد: هذا ما علّمنا إيّاه لاون وفوتيوس، هذا ما استلمناه من مرقص، هذا تعليم الكنيسة... لأنّه خارج حدود تعليم المجمع النّيقاويّ القسطنطينيّ لا شيء، في ضوء الورقة، يعود مُلزِمًا!. لكلّ كنيسة أن تقول، إذ ذاك، ما تشاء أن تقوله. فإذا ما رغبت الكنيسة الأرثوذكسيّة في التّمسّك بأمثال القدّيسين "لاون وفوتيوس ومرقص"، فهذا شأنها. في كلّ حال، لا تعود هناك، بعد، هرطقات!. فقط فروقات واختلاف في وجهات النّظر!. الإيمان القويم والهرطقة يتآخيان!. ليس صدفة أنّ لفظة "هرطقة" لم ترد ولا مرّة واحدة في الورقة برمّتها!.

   - إنّ قبول الورقة وصيرورتَها مُلزِمةً للكنيسة معناه أنّ قاعدة "الحقّ الأقنوميّ"، الرّبّ يسوع المسيح، والرّوح المتكلّم في الكنيسة ومعها، والوجدان الكنسيّ العقديّ القائم في الشّعب المؤمن، والخبرة المعيشة للإيمان في الكنيسة، المسلَّم، مرّة، للقدّيسين، والمنتقل إلينا عبر الأبرار والقدّيسين والشّهداء، لا يعود له القول الفصل في الشّأن الكنسيّ، بل يُستعاض عنه جميعه ببيروقراطيّة تنتحل، باسم مجمعيّة شكليّة اسميّة، لا التزام روح فعليًّا فيها ولا شورى ولا علاقة بالكنيسةِ، شعبِ الله، ولا رباط وجدان، أقول تنتحل سلطة على الكنيسة وتعطي نفسها صفة العصمة، باسم الرّبّ يسوع والتّراث والتّعليم القويم...!!!.

   - إنّ اعتماد منطق التّمييز بين الكنيسة المستيكيّة غير المنظورة والكنيسة التّاريخيّة المنظورة، واعتبار الأولى واحدة في كلّ حال، وهي شاملة الجميع، فيما الثّانية منقسمة ويجري العمل على توحيدها، من باب السّعي إلى التّعبير، على نحو محسوس، عن وحدتها، من طريق توحيد المؤمنين فيها، على صورة الكنيسة المستيكيّة، أقول إنّ اعتماد مثل هذا المنطق يعني الاستعاضة عن كنيسة الرّوح القدس بكنيسة دهريّة نفسانيّة مفرَغَة من مضمونها الرّوحيّ، الحكمُ فيها ظاهريّ لا روحيًّا!. إذا لم تكن الكنيسة المستيكيّة حاضرة ومقيمة وفاعلة فينا ومترجَمَة في التّاريخ وهي إيّانا، هنا والآن، فأيّة كنيسة تبقى لنا؟!. المحبّة الّتي تتكلّم عليها الورقة لا تعدو كونها، في الواقع العميق، إذ ذاك، عواطف بشريّة ساقطة، لا محبّة في الرّوح والحقّ!. وحدة المسيحيّين، إذ ذاك، تستحيل، في زمن دهريّ خانق، وحدة، بالأحرى، سياسيّة؛ ما يعني أنّ العمل على تحقيق وحدة المسيحيّين يمسي قيمة في ذاته، ولو اعتُبر، زورًا ووهمًا، مسعى للوحدة المرتجاة للكنيسة، لأنّه لا يعدو، في الحقيقة، كونه مسعى لضرب الكنيسة الأرثوذكسيّة من الدّاخل، وإفراغها من مضمونها العقديّ الرّوحيّ!. وهذا إن هو سوى عمل شيطانيّ لا إلهيًّا!!!.

   - طبعًا، يفهم المرء أنّ ثمّة مشكلة بين الكنيسة الأرثوذكسيّة والّذين هم خارجها. كما يفهم، على قولة الأب جورج فلورفسكي، أنّ "الانقسام المسيحيّ لا يعني أقلّ من إخفاق المسيحيّين في أن يكونوا مسيحيّين حقيقيّين... حتّى لو كان الواحد في موقع ملء الحقّ... لأنّه ليس مسموحًا لأحد أن يكون حرًّا من المسؤوليّة عن الاخرين"12. طبعًا، وبكلّ صدق، معاناة مَن في الخارج، نحن، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، سببُها، إلى حدّ بعيد، وهذا ينعكس علينا، لقصورنا وبلادتنا في "توظيف سلطان التّعليم وحفظ كلمة الله بأمانة، في العالم"، على حدّ تعبير فلورفسكي!. ولكن، هذا لا يعني ولا يسمح ولا يبرّر، البتّة، أن نُكرِّس خطيئيّتَنا بقانون لنجعلها أساسًا لمسعى نحقّق به وحدة مسيحيّة مجوَّفَة، بديلًا عن وحدة الكنيسة الّتي لا يسعنا أن نحفظها إلّا في ذواتنا، أوّلًا، وبالتّوبة والأمانة والمحبّة في الرّوح والحقّ!.


   إلى أين الإبحار؟.

   الوضع خطير!. لذلك، لا نتكلّم عليه!. بالإيمان نسير لا بالعيان!.

   لست أشاء أن أخوض في ما يمكن أن تؤول إليه رحلة المجمع "الكبير". هذا حساب أهل الدّنيا. بشريًّا، العالم الأرثوذكسيّ يشلح نفسه في بحر داخليّ ومحيط خارجيّ تكثر فيه الرّياح المضادّة وأسماك القرش!. لكنّ الرّوح الأرثوذكسيّة وثّابة وقد ملّ ربّك الرّتابة والقعود، والنّفوس في صدور كثيرة تململت!. حتّى متى؟!. وقال بولس لأهل السّفينة، في الرّحلة إلى رومية، ليفهم القارئ: "أرى أنّ هذا السّفر عتيد أن يكون بضرر وخسارة كثيرة...".

   أخيرًا، رغم الإنذار، بعدما طال الانتظار، عزموا على أن ينطلقوا!. وإذ نسّمت ريح جنوب، ظنّوا أنّهم ملكوا قصدهم!. ولكن، بعد قليل، هاجت على السّفينة ريح زوبعيّة وخُطفت، ولم يمكنها أن تقابل الرّيح!. وكانت المعاناة سبعة أيّام وسبعة. ولكن، لا تخف، يا بولس، فقد وهبك الله جميع المسافرين معك. هكذا حدث أنّ الجميع نجوا إلى البرّ!.

   خير للسّفينة ألّا تُقلع، ولكن، إذ ما انطلقت لا خوف عليها لأنّ ربّك نائم على وسادة فيها!. ماذا تُراني أعمل والمياه راكدة، في الكنيسة، ونفسي محترَّة فيها الرّوحُ، تجيش في جسدٍ عظمت أربطته عبر التّاريخ؟. لا يتجلّى ربّك إلّا في العواصف، إذ يأتيك ماشيًا على المياه!. لا تخف!.

   المهمّ ألّا ينفرد أحد بذاته، كنوتيّة سفينة بولس، لينجوا بأنفسهم!. إذ ذاك، لا تستطيعون أن تخلصوا! نتمسّك أحدنا بالآخر، وأنت قبلي!. روح الشّركة تعلّمكم!. الأرثوذكس مجانين، ولا شكّ! لذا، لا يُضبَطون!. هذا سرّ الله فيهم وهذا سرّ عجز المُضادّ عن ضربهم!. لا أسهل على العدوّ من سحْق العاقلين!. "كلّكِ جميل، يا حبيبتي، ليس فيك عيبةٌ" (نشيد 4: 7)، هكذا رآكِ ربّك، يا كنيستي!.

   حسبنا أن يرى كلٌّ لإخوته، ولو زعق جيران الدّنيا وساستها عليه!. مسيحي فيكَ أوّلًا!. إذ ذاك، يُحيل ربّكَ الكلَّ بركة لديك!. بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا، قال، فإنّكم إن كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا فانظروا لئلّا تُفنوا بعضكم بعضًا (غلاطية 5: 15)!.

   ولكن، لا بدّ من أن نقع على جزيرة، أوّلًا، لأنّ ثمّة مَن يشاؤكم أن تقتتلوا!.

   ماذا، إذًا؟. أقلّه تتحرّك المياه الآسنة، عسانا، بنعمة من فوق، أن نسلخ الجلد الميت عنّا لئلّا نَعفَن!. عفا الرّبُّ الإله عن شطحاتكِ، يا أورشليم الجديدة!.



أبانا البطريرك الحبيب،

هذا ما عندي، أرفعه إلى أبوّتك، وإلى مجمعنا الكريم، مستسمحًا، سلفًا، عن كلّ تقصير أو قول نافل فيه!.


السّائل بركتك ودعاءك
في محبّة الرّبّ يسوع المسيح
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
دوما – لبنان
الأحد ٢١ أيّار ٢٠١٦



1 راجع "حول مطالبة البطريركيّة المسكونيّة بالكونيّة" للأب جون مايندروف (بالإنكليزيّة)، على الموقع الإلكترونيّ classicalchristianity.com.

2 راجع: A Response to the Text on Primus of the Moscow Patriarchate في Chiesa. espresso. republica.it

3 For the Unity of All: contributions to the Theological Dialogue Between East and West (Cascade Books, Eugene, OR, 2015) عن: The Wanderer (Online Daily) Wed 11 may 2016.

4 ارتباط أوّليّة البطريرك المسكونيّ باستعادة الوحدة مع روما لافتة! هذا، تمامًا، ما نجد تعبيرًا عنه في المجمع "الكبير" المزمع انعقاده!.

5 راجع On the "Great Holy Synod" of 2016 - الجزء الثّاني - على الموقع الإلكترونيّ:
thoughtsintrusive.wordpress.com.

6 راجع: ملاحظات... للدّكتور ديمتريوس تْسيلينغيدس، 3 شباط، Pravoslavie.Ru

7 الرّسالة الثالثة، المتروبوليت إيروثاوس فلاخوس، 5 آذار 2016.

8 راجع: WWW.SPC.RS

9 فلورفسكي، الجزء 13 (مجموعة أعماله بالإنكليزيّة)، إشكاليّة إعادة توحيد المسيحيّة، ص 14- 15.

10 راجع كرّاسنا "الأرثوذكسيّة بين الحركة المسكونيّة وحوار الدّيانات"، في أوراق ديريّة، رقم 11، 2005.

11 راجع: www.imlemesou.org

12 فلورفسكي، مجموعة أعماله، الجزء 13، التّوتّر المسيحيّ بين المسيحيّين، ص 12.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share