فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
لماذا يشجب النّاس الاعتراف؟- ١-
بعض الأسئلة والأجوبة.

   إنّ الاعتراف أمر ضروري للغاية لنا نحن الخطأة، لدرجة أنّنا نستطيع القول بثقة: أنّ لا خلاص لنا من دون توبة، والاعترف هو النّتيجة البديهية لتوبة صادقة. قال الأنبا إشعياء: "إذا لم تكن هناك توبة فلن يخلص أحد". وكما أنّ المعمودية تنقينا من خطيئة ابتعادنا عن الله وكلّ خطيئة اقترفناها قبل المعموديّة، كذلك التّوبة بالاعتراف، تنقينا من كلّ الخطايا الّتي اقتُرفت بعد المعموديّة.

   ولكي نبرّر ابتعادنا عن ممارسة سرّ الاعتراف، نقدّم، أحيانًا، اعتراضات مختلفة، أهمّها في هذا المقال.

   1- أنا خاطئ كبير، هل سيغفر لي الله خطاياي الكثيرة؟!.. لا أظنّ، لذلك، لست أرى جدوى من اعترافي.

   إنّ في هذا التّساؤل والاعتراض على موقف الله يدلّ على أنّك متكبّر. لأنّ الإنسان يقيم وزنًا كبيرًا لخطاياه والّذي يفوق به مراحم الله، ويُظهر قلّة إيمانه ورجائه في محبّة الإلهِ وصلاحه اللّامتناهي... لكن إن تاب المرء بصدق، فإنّ كلّ خطاياه تُغفر له... وقد قال القدّيس أغناطيوس بريانشانينوف في هذا الموضوع: "إنّ فاعليّة التّوبة أساسها رحمة الإله العليّ، لأنّه هو وحده الطّبيب الكليّ القدرة، ودواؤه كليّ الاقتدار".

   قال القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ عن التّوبة الصّادقة: "إنّ التّوبة هي الدّواء الّذي يقضي على الخطيئة. إنّها هبة سماويّة، قوّة مذهلة باستطاعتها، بنعمة الله، أن تهزم قوّة نواميس الشّريعة وصرامتها. إنّ التوبة لا تُقصي الفاسق، ولا ترفض الزّاني، ولا تحتقر الثّمل،ولا تُقصي مَنْ عبد الأوثان، ولا تهمل المثير الفضائح، ولا تضطهد المسيء، ولا حتّى الرّجل المترفّع. إنّ التّوبة تُعيد إحياء كلّ إنسان لأنّها أتّون مُطَهِّر للخطيئة... إنّ الجرح والدّواء هما الخطيئة والتّوبة".

   لا تقل "لدي خطايا كثيرة، كيف سأخلص؟". أنت لا تستطيع ذلك. وحده الله هو القادر على كلّ شيء، وباستطاعته محوَ كلّ خطاياك. استمع بحرص إلى هذه الكلمات: إنّ الله يمحو كلّ خطاياك كأنّها لم تكن، ويُعيد لك الصّحة (الرّوحيّة والجسدية)، ويُصدر الحكم الّذي يخلّصك من عقاب الموت. لأنّ الله هو الدّيان الّذي يستطيع أن يجعل الخاطئ مساويًا لمن لم يخطئ، لأنّه يمحو كلّ الخطايا بالإعتراف كأنّها لم تكن.

   وتقول:  إن تُبتُ فهل أخلص؟.

   - نعم، هذا ممكن تمامًا.

   - لكنّي أمضيت كلّ حياتي في الخطيئة، فهل يوجد خلاص لي إن تُبتُ؟.

   - طبعًا.

   - وكيف أعلم ذلك؟.

   - من محبّة الله لكلّ البشر. فالله عارف بقدرة الإنسان المحدودة على التّوبة، إلاّ أنّ ذلك لا يمنعه من أن يغفر له كلّ خطاياه. لأنّنا إن كنّا نتكّل فقط على قدرتنا على التّوبة من أجل مغفرة خطايانا، فعندها يجب أن نرتجف من الرّعب، لأنّنا نبقى مقصّرين... غير أنّ رحمة الله الّتي لا حدّ لها تتّحد بتوبتنا... وما من كلام يصف صلاحه وحبّه اللّامتناهيَين.

   2- لماذا أعترف؟. فإنّي لم أقترف خطايا ذات أهميّة، فليذهب إلى الاعتراف من قتل وسرق واغتصب أو اقترف خطايا كبيرة أخرى.

   إنّ هذا التّصريح مضادّ تمامًا للتّصريح الّذي سبقه. ففي التّساؤل الأوّل يعتبر المرء نفسه خاطئًا لدرجة أنّه يشكّك في إمكانيّة مسامحة الله له. أما في هذا القول، فإنّنا نُعرض عن خبثنا: "لم أقترف خطايا ذات أهميّة...". ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ إذا مكث إنسانٌ في غرفة موبوءة لفترة من الزّمن، فإنّه يعتاد  الهواء الفاسد الموجود فيها، ولا يدرك كم هو مقزّز. ولكن إن أتى أحد من الخارج فإنّه لا يستطيع أن يحتمل رائحة الغرفة وسيفرّ هاربًا.

   إنّ الرّب يسوع المسيح يشاء السّكنى في القلوب النّقيّة. ومن يدّعون أنّ خطاياهم غير مهمّة يظنّون أنّهم أنقياء، والحقيقة أنّهم ليسوا كذلك. في هذا الشّأن يقول الرّسول يوحنّا: " إن قلنا: إنّه ليس لنا خطية، نضلّ أنفسناوليس الحق فينا" (١يو ١: ٨). لا يمكن للمسيح أن يمكث حيث يسود الكذب. إذًا ما العمل؟ فلنعترف، لأنّنا "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كلّ إثم" (١يو ١: ٩).

   يعلّمنا الآباء القدّيسون أنّه من الصّعب على الإنسان أن يرى خطاياه. ويفسّرون ذلك بالعمى الّذي من الشّيطان. قال الأنبا إشعياء: "عندما يبتعد الإنسان عن الجالس عن يساره، أي عن معاشرته للشياطين وسماع أقاويلهم، عندئذٍ يرى بوضوح خطاياه الّتي اقترفها ضدّ الله، ويعرف الرّب يسوع المسيح. لكنّه لا يستطيع أن يرى خطاياه إن لم ينفصل عن الجالسين عن يساره. إنّ هذا يتطلّب تعبًا وعناءً جزيلَين. ومن  أحرز هذه المرتبة يبكي في كلّ مرّة يتذكّر فيها خطيئته، لا يجرؤ على النّظر إلى الله، ويعيش طيلة حياته منسحق القلب". لو كان من السّهل أن يرى المرء خطاياه لما قال القدّيس أفرام السّريانيّ: "أعطني أن أرى ذنوبي وعيوبي"، ولما كتب القدّيس يوحنّا كرونشتادت: "إنّها نعمة من الله أن يرى المرء خطاياه بكثرتها وفظاعتها". والحقّ هو أنّ من لا يرى نفسه مخطئًا البتّة يكون قد أُصيب بالعمى، وعليه أن يصلي إلى الله كي يهبه نعمة معرفة خطاياه، ويحرّره من الوهم القتّال الّذي يجعله يزعم أنّه لم يرتكب أيّة خطيئة مهمّة. فحتّى لو كانت خطايانا كحبّات الرّمل صغيرة، فإنّها لا تُزال إلا بالاعتراف المتواتر. وبغير ذلك فإنّها تتراكم وتلوّث غرفة قلبنا فلا يقدر أن يجوزها الإله السّماوي.

   إنّ الخطايا الصّغيرة هي، في كثير من الأحيان، أكثر خطورة من الجرائم الكبيرة؛ لأنّ هذه الأخيرة تثقّل على الضّمير كثيرًا. لذلك، يطلب صاحبها، في معظم الأحيان، أن يتحرّر منها، ويعترف بها، ويزيلها. أما الخطايا الصّغيرة فلا تثقّل على الرّوح، لكنّها تملك خاصيّة جعل المرء عديم الحسّ بإزاء النّعمة الإلهيّة، وغير مبالٍ بالخلاص. والحقيقة هي أنّ من قضوا بسبب الوحوش الضّارية هم أقل بكثير مِمّن قضوا لإصابتهم بجراثيم صغيرة لا تراها العين المجرّدة. وإنّنا، إذ نعتبر أنّ الخطايا الصّغيرة غير مهمّة، لا نعيرها انتباهًا، وننساها بسهولة؛ فتنشأ عندنا عادة سيئة، وهي أن نخطئ من دون وعيٍ؛ فيصير ضميرنا في حالة سبات. إذ ذاك يظنّ الخاطئ المسكين أنّه بارّ، في حين أنّ الخطيئة تكبّله وتستعبده.

   إنّ الخطايا الصّغيرة يمكنها أن تخلق حالة من الرّكود الحقيقيّ في الحياة الرّوحيّة. وكما أنّ عقارب السّاعة تتوقّف من تراكم الغبار عليها، كذلك النّبض الرّوحي يخبو تدريجيًا لدى الإنسان، إذ تتراكم فوقه طبقة كثيفة مؤلّفة من مجموعة متنوّعة من الخطايا الصّغيرة. ولكي يستعيد الإنسان حياته الرّوحيّة عليه أن يعترف حتّى بأصغر خطيئة من خطاياه.

   3- إنّ كلّ ذلك صحيحٌ. لكن، لماذا أعترف إن كنت سأخطئ غدًا من جديد؟... هل للاعتراف معنى في هذه الحالة؟... إنّي أعتبر أنّ لا جدوى من الاعتراف إلا إذا كنّا لن نخطئ فيما بعد.

   ربّما يكون في هذا الاعتراض شيء من الحقيقة. إذ إنّ الإنسان يرغب في ارتكاب الخطيئة بعد أن يكون قد اعترف بها. نحن بشر ضعفاء وليس بمقدورنا أن نصل بسرعة إلى تلك الصّرامة الّتي تجعل مستحيلاً علينا أن نسقط في الخطيئة مجدّدًا.

   إن كان من الصّعب علينا أن نصل إلى حالة الثّبات في الفضيلة، فهل نستسلم للخطيئة؟ وهل نتوقّف، من ثمّ، عن الاعتراف بخطايانا؟... ما الأفضل: أن نتمرّغ في حمأة أفعالنا، أم أن نقوم بعد كلّ سقطة ونُبقي على أمل البلوغ إلى قمّة الفضيلة؟... إنّنا، عندما لا نعترف، نبقى متمرّغين في الحمأة. لكن، عندما نعترف، فإنّنا نزيل عنّا الأوساخ النّتنة ونغتسل. عندما نسقط علينا أن نقوم مجدّدًا، وهذه هي الحال الّتي يجب أن نكون عليها دائمًا، في كلّ يومٍ وساعة.

   كان هناك راهبٌ يتذمّر قدّام الناسك الكبير الأب سيصوي:

   - يا أبي، ماذا أفعل لقد استسلمْتُ للخطيئة.

   - قم مجدّدًا.

   وفي وقتٍ لاحق:

   - قمْتُ لكنّي سقطْتُ من جديد!.

   - قم مجدّدًا!.

   - كم من مرّةٍ أسقط وأقوم؟.

   فأجابه الأب سيصوي:

   - إلى حين مماتِكَ.

   إنّ كلّ من رغب في إصلاح نفسه عليه أن يتبنّى ما قاله هذا القدّيس.  والقيام هو فعل اعترافٍ. ولمن يسأل: "لماذا إذًا نلهو هكذا بسقوطنا وقيامنا مجدّدًا؟"، أقول: هذه ليست لعبة، لكنّها حرب بكلّ معنى الكلمة. إذا كنّا، نحن البشر الضّعفاء، نسقط ثمّ نقوم مجدّدًا، فهناك إمكانية كبيرة أن يداهمنا الموت ونحن قيامٌ، إذ ذاك نخلص. لكن، إن لم توجد لدينا النّية في القيام، فإنّ الموت سيداهمنا حتمًا ونحن في حمأة خطايانا.

   قال القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "إنّ التّوبة تفتح السّموات للإنسان، وتحمله إلى الفردوس، وتقهر الشّيطان... هل أخطأت؟... فلا تيأس إن أخطأت كلّ حين، وقدّم توبتك في كلّ يوم!. عندما توجد أجزاء عفنة في منزل قديم فإنّها تُستبدل بقطعٍ جديدة، والمرء لا يتوقّف عن الاعتناء بمنزله. علينا أن نفكّر في خطايانا بالطّريقة عينها: إذا سقطتُ اليوم في خطيئة، فَعَلَيّ أن أنقّي نفسي فورًا بالتّوبة".

   إنّ الرّبّ قد أعطانا الماء من أجل تنظيف أوساخنا الجسدية، أمّا من أجل تنقية نفوسنا من الأوساخ الرّوحيّة فقد أعطانا الرّب الإله سرّ الاعتراف. إنّ الإنسان الّذي يوسّخ يديه يغسلهما ولا يقول: "إنّي لن أغسل يدَيّ لأنّي سأوسّخهما مجدّدًا!". فلماذا، إذًا، يقول النّاس: "لن أذهب للاعتراف لأنّي سأخطئ من جديد!"؟ من الواضح أنّ عدوّ الخير يدفعنا إلى عدم تنقية ذواتنا كي يتمكّن من السّيطرة علينا.

   يجب أن لا نرضخ لكسلنا الرّوحيّ ولنقصان شجاعتنا مع أنفسنا ولا لهذه الإيحاءات الشّيطانيّة. علينا أن نعترف بتواتر لأنّ هذا الغسيل المتواتر يعطينا حسًّا بالنّظافة في داخلنا. عندما يترك المرء منزله من دون تنظيف لأكثر من سنة، فإنّ الغبار والأوساخ ستتكدّس ويصبح المنزل أشبه بحظيرة خنازير... فتصوّر ماذا تكون حال روح هذا الإنسان الّذي لا يُنقي نفسه بالاعتراف، لا فقط خلال سنة بل على مرّ عشرين وأربعين وربّما ستين سنة أو أكثر!.


يتبع


المرجع:

The Forgotten Medecine,The Mystery of Repentance,St Xenia's Skete, Ca, USA, 1994, Archimandrite Séraphim Aleksiev (1912-1993), Translated to English by Ralitsa Doynova.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share