كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
لماذا يشجب النّاس الاعتراف؟ - ٢ -
بعض الأسئلة والأجوبة.

   4- أنا أعترف لله مباشرة، ما الحاجة للذّهاب إلى كاهن؟.

   إنّ الله ألزم الكاهن بإعطاء الأسرار المقدّسة كي نحظى من خلاله بالنّعمة السّماويّة الخلاصيّة. والاعتراف هو سرّ من أسرار الكنيسة. إن اعترفت أمام الله، فإنّك تعمل عملاً جيّدًا، لأنّك بذلك تستمع إلى نداء ضميرك وتتذكّر خطاياك، وربّما قد تسكب الدّموع. لكنّك لن تتلقّى نعمة المغفرة الإلهيّة بهذه الطّريقة. إنّ الاعتراف المباشر إلى الله قد يدفعنا إلى أن نتوهّم أنّنا حصلنا على الغفران وأنّنا على علاقة فكريّة عقلانيّة مع الله... ولكن دعني أقول لك شيئًا: "اجلس وتأمّل باليوم الّذي لا يغرب في ملكوت السّموات، حيث  سيكون من أرضوا الله مجتمعين بحال عجيبة في عشائه السّرّيّ، أي المناولة المقدّسة، غير أنّك مهما أحسست من خلال تفكيرك بهذه المساهمة فإنّك لن تكون قد حصلت حقيقةً على القدسات، بل عليك الذهاب إلى الكاهن الّذي أعطاه الرّب يسوع المسيح سلطان ربط الخطايا وحلّها لكي تتناول من يده القدسات. وعلى النّحو عينه إن اعترفت مرّات كثيرة أمام الله فإنّك لن تحظى مغفرة خطاياك. لماذا؟ لأنّ الله قال للكاهن من خلال رسله بوضع الأيدي: "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكَت" (يو ٢٠: ٢٣).

   من ناحية أخرى، إنّ الاعترف لدى الكاهن له أهداف أخرى، لأنّه يعلّمنا أمورًا كثيرة، أوّلها الاتّضاع. لأنّنا بدنوّنا من الكاهن وبَوْحِنا بخطايانا، نشفي كبرياءنا، ونخجل مما اقترفناه ،  ونحسّ بمخافة الله. وهذه تحفظنا من اقتراف الخطيئة في المستقبل. عندما نخطئ، فإنّنا نخطئ قدّام الله الكليّ الاقتدار، لكنّنا لسنا نخجل منه لأنّنا لا نراه، لكنّ الخجل يجتاحنا عندما نعترف لدى الكاهن. والحقيقة أنّ الإنسان الّذي يشاء العيش بحسب وصايا الله والكنيسة ويعترف قدّام الكاهن، لا يجرؤ على أن يكرّر خطيئته لأنّ عليه أن يكشفها في الاعتراف من جديد. وتسأل:

   - لكن كيف يستطيع الكاهن أن يحلّ الخطايا؟.

   - بالسّلطان الّذي أعطاه إيّاه الرّبّ.

   - لكن أليس الكاهن خاطئًا؟.

   - وإن كان خاطئًا، أنت ماذا لك؟ هو خاطئ مع نفسه، وعليه أن يجيب الله عن خطاياه. لا يتعطّل فعل السّرّ الّذي يتمّه إذا كنّا نقبله بإيمان وتواضع. ربّما لن يتلقّى هو النّعمة في يوم الدّينونة بسبب خطاياه. أما أنت، فإن قبلتها بواسطته، فإنّك لن تُحرم منها إذا كنت أهلاً لها.

   - لكن ألن يبوح الكاهن بالخطايا الّتي اعترفْتُ له بها؟.

   - كلا! لا يملك الكاهن الحقّ في نقل ما سمعه في الاعتراف. عليه أن يحمله حتّى القبر. لذلك يجب ألاّ نهتمّ لإمكانيّة أن يلحقنا الخزي من جرّاء إعلان الكاهن لخطايانا أمام المجتمع.

   فلنعلم أنّنا إن كنّا نمتنع عن الاعتراف بسبب غيرتنا على شرفنا، فهذا يشير أنّنا نخجل من أنفسنا. وإذا كنّا نخجل من أن نبوح بضعفاتنا قدّام إنسان، فإنّ كلّ النّاس سيبدأون بالتّحدّث عنها... هذا هو النّاموس الرّوحيّ. إنّ النّاس يُحسّون بضعفاتنا، مهما حاولنا إخفاءها، لكنّنا إن اعترفنا بها قدّام إنسان، فإنّ الله، لأجل تواضعنا أمام هذا الشّاهد الوحيد الّذي هو الكاهن، سيسترنا بنعمته قدّام الكلّ.

   وإن حاولنا الحفاظ على سمعتنا أثناء الاعتراف، فإنّ هَيْبَتَنا ستسقط قدّام الجميع. إنّ اعترافنا المتضع قدّام هذا الرّجل الكاهن يساعدنا على الجهاد ضد أهوائنا. وإذا جاهدنا بصدق ضدّها، فإنّ النّاس المحيطين بنا لن يعرفوا شيئًا عنها.وبعون الله نُشفى منها قبل أن نصل إلى أن نخجل من أنفسنا أمام المجتمع. لكن إن كنّا لسنا نرغب في الشّفاء بالاعتراف، فإنّنا نعرّض اسمنا وسمعتنا للخزي في هذا العالم في يوم الدّينونة الأخير.

   5- إنّي أذهب إلى الكاهن لكي يقرأ صلاة الحلّ على نيّتي.

   إنّ هذا انتهاك لسرّ الاعتراف. ما معنى صلاة الحلّ؟ هي صلاة تحلّنا من خطايانا. 

   في هذه الحالة الّتي ذُكرت، يذهب "التّائب" عند الكاهن، ومن دون أن يعترف بخطاياه، يطلب منه حلّ خطاياه؛ فيغطّي الكاهن رأس "التّائب" ببطرشيله ويغفر له خطاياه الّتي لم يعترف بها!... وهنا أقول: توقّف، يا خادم الله، ماذا تعمل؟... هل تعرف الخطايا المخبوءة في هذه النّفس الّتي تمنحها الغفران الإلهيّ بهذه السّهولة؟... هل أنت متيقّن للمسؤولية الّتي لك قدّام الله؟... إذا كانت هناك خطيئة خطيرة مخبوءة وأنت من دون تفكير مسبق قد منحت الحلّ "للتّائب" الّذي اقترفها وتسمح له بأن يساهم القدسات، ألست تسرّع في قتل روحه؟... أتجهل كلمات الرّسول بولس: "من أكل هذا الخبز، أو شرب كأس الرّبّ، بدون استحقاق، يكون مجرمًا في جسد الرّبّ ودمه" (١كور ١١: ٢٧)؟ لماذا لا تفحص من يأتي إليك؟... لماذا تسمح له بأن يشرب ويأكل هلاكه الأبديّ؟... لماذا تُناول القدسات لخاطئ لم يتُب؟... إنّ يهوذا أيضًا ساهم الأسرار المقدّسة مع الرّسل أثناء العشاء الأخير؛ لكنّه، إذ كان خاطئًا غير تائبٍ، فعوضًا عن النّعمة الإلهيّة، داخَلَه الشّيطان... فهل ترغب في خلق يهوذا جديد من هذا المسيحيّ غير المدرك، المقترب هكذا ليتناول جسد ودمّ ربّنا يسوع المسيح، فقط بصلاة الحلّ من دون اعتراف؟. لذلك، من الأفضل أن نمنع المناولة المقدسة عن رجل لم يتب حتّى نحثّه على التّوبة، عوضًا من إعطائه نارًا ودينونةً. إن تلاوة صلاة الحلّ لتسكين الضّمير هي خطيئة الكاهن والعلمانيّ في آنٍ معًا، لأنّ فيها إخفاء وكذبًا على الله. إنّ هذه الممارسة مع فرد أو مجموعة لا تؤدّي إلى الشّفاء الرّوحيّ إنّما إلى خطيئة أكبر.  إنْ مرض أحدهم بمرض خطير، وعُرف سبب المرض وها هو الدّواء الشّافي، ولكنّ المريض، وبسبب مرارة الدّواء، طلب دواءً أكثر حلاوة، وناوله الطّبيب إمّا "المورفين" لتهدئة الألم أو شربة لذيذة لا فائدة لها، فهل يُشفى المريض؟ أبدًا! ومن المسؤول عن موته؟ المريض الّذي طلب شربة حلوة خادعًا نفسه، والطّبيب الّذي يعرف تمامًا الوصفة الشّافية ولم يعطها فقط لرغبته في إرضاء الآخرين، أو أيضًا عن توانٍ أو إهمال أو عن عادة أو حتّى لجهله ماهية هذا السّرّ.

   منذ زمن ليس ببعيد أخبرتني سيّدة مسيحيّة تقيّة التّالي: استعددْتُ للمناولة المقدسة وذهبت إلى الكنيسة. بحثت عن الكاهن لأعترف. كان الكاهن منشغلاً للغاية ومزاجه متعكّر، قابلني وهو منزعج بعض الشّيء:

   - لماذا تأتين إلي لتعترفي بهذه الخطايا الصّغيرة عينها؟ لم تقترفي أيّ تعدٍّ مهمّ أمام الله!".

   - لكنّي أرغب في الاعتراف، هناك ما يثقّل على روحي".

   - لا حاجة البتّة لذلك! تعالي واسجدي هنا!".

   أطعته فقرأ علي صلاة الحلّ، ثم قمت وغادرت، لكنّي لم أشعر بالارتياح. بقي الحمل ثقيلاً على قلبي وكان يزعجني. فاستدرت وعُدت إلى الكاهن قبل وصولي إلى نصف الكنيسة، ، لكنّه كان منشغلاً مع مؤمنين آخرين... وحان وقت المناولة المقدّسة... لم أجرؤ على الاقتراب لأني لم أشعر أنّ ضميري استراح. في الأحد التّالي، ذهبت إلى كنيسة أخرى. هناك اعترفت وساهمت القدسات. شعرت بفرحة كبيرة تغمرني أثناء الاعتراف، ومنذ تلك اللّحظة زال الحمل الثّقيل وأحسست بالارتياح.

   لذلك علينا المثابرة على الاعترف قدّام الكاهن بخطايانا الصّغيرة والكبيرة في كلّ وقت إلى حين رقادنا.


المرجع:

The Forgotten Medecine,The Mystery of Repentance,St Xenia's Skete, Ca, USA, 1994, Archimandrite Séraphim Aleksiev (1912-1993), Translated to English by Ralitsa Doynova.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share