فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
تاريخ هامة السابق الموجودة
في كنيسة أميان في فرنسا

       يوجد، اليوم، في كاتدرائية أميان جزء من هامة السابق: الجهة الأمامية من الجمجمة دون عظام الفك السفلي. هذه أتى بها من القسطنطينية "والّون دي سارتون" (Wallon de Sarton) في 17 كانون الأول 1206 إبان الحملة الصليبية الرابعة وسيطرتها على العاصمة البيزنطية. "ريشار دي جيربيروي" يروي، نقلاً عن والّون، أنه عندما كان هذا الأخير كاهناً على كنيسة سانت مارتان في بيكينيي، شارك في الحملة الصليبية. وعلى غرار كل الإكليريكيين الذين شاركوا في الحملة، كان يتوق إلى جمع الغنائم من ذخائر القدّيسين. في السيرة، أنه لدى سطوهم على المدينة، جمع والّون عدداً من الذخائر ووضعها في الجعبة المشتركة للحملة. ثم سرعان ما خاب ظنّه عندما استدرك أنه لن يحصل على أيّ منها. وفي وقت لاحق، ضُمّ والّون، إلى مجموعة من الكهنة في كنيسة دير القدّيس جاورجيوس المانغانا. هناك وجد، صدفة، مخبأً متصلاً بقصرٍ قديمٍ مهجور. في أحد توابع هذا القصر اكتشف، في المرة الأولى، عدداً من الذخائر. وإثر تفتيش ثان، في اليوم التالي، وجد "طبقَين كبيرين مستديرين من الفضة مزوّدين بغطاء". وإذ كان على عجلة من أمره لم يجرء على فتحهما. كان والّون قد تعلّم من خبرته السابقة المؤلمة لذا أبقى سراً اكتشافه الجديد لكي لا يضطرّ إلى وضعه في الحصة المشتركة: خبأ والّون الطبقين في زاوية من زاويا القصر المهجور خلال النهار، ثم حملهما في الليلة التالية إلى غرفته حيث أخذ يتفحّص محتوى صندوقَي الذخيرة الكبيرين. كلّ منهما كان يحتوي على رأسٍ مزوّدٍ بنقشٍ باللغة اليونانية لم يستطع قراءته. إلا أنه بعد البحث والمقاربة مع الرسومات الحائطية استنتج، بكثير من الحماس، أنهما هامتا القدّيس جاورجيوس والقدّيس يوحنا المعمدان. بالنسبة لوالّون لم يعد هنالك أي داع لبقائه في القسطنطينية. تخلّص من الطبقين الفضيين اللذَين قطّعهما قبل بيعهما ليجني بثمنهما تكاليف رحلة العودة ولكي يتفادى الكشف عن غنيمته الثمينة.  في رحلة العودة وضع والّون الهامتين في كيس من الجلد علّقه تحت إبطه. على هذا النحو عاد إلى بيكاردي. في طريقه إلى هناك توقف في ماريسمونتيي حيث وضع هامة القدّيس جاورجيوس، أما يد وإصبع القدّيس فسلّمهما إلى كنيستي بيكينيي وسارتون. وفي نهاية الطريق توقف في أميان حيث وضع في كاتدرائيتها الذخيرة الأهم التي للقدّيس يوحنا المعمدان.

وجه السابق الموجود في كنيسة أميان مجرّداً من الطبق

        وإن كان والّون قد تخلّص من الطبق الكبير الذي كان يحوي هامة السابق إلا أنه استبقى صفيحةً من الذهب، تغلّف الهامة جزئياً، وعليها رصيعة من المينا المفصّل على الذهب تصوّر القدّيس يوحنا المعمدان بجزئه العلوي، يباركه الرب يسوع المسيح، وقد كُتب بقرب كلٍّ منهما اسمه باللغة اليونانية. الصفيحة الذهبية والرصيعة هما جزء من التقليد البيزنطي المتّبع أولاً للحفاظ على الذخيرة وثانياً للتعرّف عليها ونجدهما على عدد من الذخائر المحتفظ بها إلى اليوم. لقد استبقى والّون الصفيحة البيزنطية لأنها دليل أصالة الذخيرة ومصدرها. وبمرور الوقت، اختفت الرصيعة إلا أن وجودها في ذلك الحين يشير إلى أنّ صنعها يعود إلى منتصف القرن 11. ولقد نقل الباحث كلود-نيقولا فابري دي بيرسك (Claude-Nicolas Fabri de Peiresc) رسماً تخطيطياً للرصيعة. المزايا الفنية للرسم هي دون الوسط ولكنّها حافظت على ما كان قد نُقش عليها، وهذا كافٍ من الجهة التاريخية للتعرّف على ذخيرة أميان.

رسم دي بيرسك نقلاً عن الرصيعة التي كانت ملتصقة بالصحيفة التي تغلّف هامة السابق

        منذ العام 1876، يُحتفظ بالذخيرة في وعاء من الفضة المذهبة من عمل الصائغ الباريسي بلاسيد بوسيلغ-روساند (Placide Poussielgue-Russand)، وهو من  المتحمّسين  لفن القرون الوسطى إلى  جانب  أوجين  فيولي  لو  دوق  (Eugène Viollet-le-Duc) الذي كان شريكه في الزخرفات والأثاث الليتورجي. علبة الذخائر التي تعود إلى العام 1876، هي طبق مع غطاء. في داخلها القسم الأمامي من هامة السابق دون الفك السفلي، وهو محصور بقالب من البلّور الصخري مزوّداً ببُرْوَز. هذا الطبق خَلْفَ طَبَقٍ أقدم من العام 1820 أقلّ قيمة منه. قبل ذلك الحين كانت الذخيرة موضوعة ضمن قالب البلّور في طبق من القصدير صُنع بعد الثورة الفرنسية. فقط الذخيرة وقالب البلّور استطاعا اجتياز الثورة ما بين العامين 1793 و1795 وذلك بفضل لويس-ألكسندر لوسكوفي (Louis-Alexandre Lescouvé). هذا الأخير كان في زمانه صانعاً للشعر المستعار، وشغل منصب مختار أميان ورئيس الدائرة الثورية في منطقته. وقد استطاع إنقاذ عدد من الذخائر التي كانت من كنوز كاتدرائية أميان كما تشهد وثيقة بخط يده وجدت تحت هامة السابق عام 1875.

رسم "دو كانج" للهامة والطبق من العام 1665

        أما الطبق الجديد الذي صنع عام 1876، فكان صورة عن الطبق الأساسي الذي كان يحوي الذخيرة قبل الثورة. وقد نقله "دو كانج" (De Cange) في كتابه عن "تاريخ هامة القدّيس يوحنا المعمدان" الصادر عام 1665. هذا الطبق كان مصنوعاً من الذهب الخالص قطره حوالي 30 سنتمراً. جوانبه مرصّعة باللآلئ والحجارة الكريمة. وعليه عملة فضيّة عليها ثلاث زنابق علامة السلاح الملكي الفرنسي. هذا الطبق كان مزَّوداًُ بغطاء ذهبي فيه فتحة صغيرة لتقبيل الرفات. ليس معروفاً من قدّم هذا الطبق إلا أنه بحسب رسم "دو كانج" يغلب الظن أنه يعود إلى القرن 15 كما تُبيّن لنا الزخرفات على حرف الطبق، ولكن بعد العام 1419، لأنّه في جردة كنوز كنيسة أميان لهذه السنة مذكور أنّ الذخيرة موضوعة في وعاء من الفضة وليس من الذهب. قد يكون هذا الطبق الذهبي تقدمة الملك شارل السادس الذي تزوّج في كاتدرائية أميان من إيزابو بافيير عام 1385، أو الملكة إيزابو نفسها التي، بحسب "دو كانج"، كان لديها تكريم خاص لكنيسة أميان. وهناك من ينسب الطبق إلى الملك شارل السابع الذي كان يكرّم باستمرار هامة السابق في أميان.

الطبق الحالي للهامة في كنيسة أميان ويعود إلى العام 1876

        نُقلت الذخيرة إلى هذا الطبق الذهبي بعد أن كانت في وعاء فضي مرصّع بالحجارة الكريمة وهو المذكور في بيان موجودات كنيسة أميان سنة 1419. هذا الوعاء يعود إلى بداية القرن 13، وقد صنع في أميان عند وصول الذخيرة إليها عام 1206 أو بعد ذلك بقليل. أما القالب البلّوري الذي ما زال يُحتفظ به إلى اليوم فهو، بحسب مواصفاته، غير بيزنطي، بل صُنع، أغلب الظن، في مشاغل البلّور الفرنسية التي ازدهرت في باريس خاصة في القرنين 13 و14.

       يُحتفظ اليوم بالجهة الأمامية لهامة السابق دون الفك السفلي في أميان. بينما تتوزع الجهات المتبقية للهامة في أماكن مختلفة من العالم. نذكر أن جزءاً من الرأس، في جهته العلوية، موجود في فيينا أما الفك السفلي للمعمدان فموجود اليوم بين كنوز كنيسة سانت شامو في لوّار. 


 

المرجع:

       Durand, J. (2007) Reliques et Reliquaires constantinopolitains du chef de Saint Jean-Baptiste apportés en Occident après 1204. Contacts, Tome LIX, Nº 218, p 188-221.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share