عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
داروين تحت المجهر

المحامي فيليب إ. جونسون

     نورد هنا مقابلة أجرتها مجلّة ”Again“ مع الكاتب المعروف وأستاذ الحقوق في جامعة ”بيركلي“، الأستاذ ”فيليب إ. جونسون“ حول ”نظريّة التطوّر“.



     المجلّة: نشكرك لاستقبالنا ونطلب منك أن تشرح لقرّائنا كيف أنّ محاميًا وبروفيسّورًا في الحقوق في جامعة بيركلي بدأ بمناقشة العلماء والكتب الّتي تتعلّق بـ”داروين“ ونظرية التطوّر؟

 

     ف. ج.: بدأ اهتمامي بنظريّة ”داروين“ في السّنة الدراسية 1987-1988 عندما كنت في لندن في عطلة بعيدًا عن الجامعة والواجبات التعليميّة. لفتني الموضوع الّذي يطرحه ”داروين“ خاصة بعد أن قرأت كتابين: الأوّل لـ”ريتشارد داوكينز“ ٱسمه The Blind Watchmaker (السّاعاتي الأعمى) وهو صياغة معاصرة للـ”داروينيّة“ الكلاسيكيّة. وأعتبرها الطبعة الجديدة لكتاب The Origin of Species  (أصل الأنواع). والكتاب الثاني ٱسمه Evolution: A Theory in crisis (التطوّر: نظريّة في أزمة) كتبه العالم في الخلايا البيولوجيّة ”ميخائيل دانتون“. نُشِر هذان الكتابان في الوقت نفسه تقريبًا. ما استرعى اهتمامي، في الحقيقة، أنّي رأيت في نظرية داروين ما يتخطّى العلم، فتبنّيْتُ الموضوع كأستاذِ حقوق، خاصةً أنّها قصة الخلق لحضارتنا، وأنّها تسرد لنا كيف صرنا إلى الوجود وكيف نتواصل مع حقيقتنا الأساسيّة. رسالة ”داروين“ هي أنّنا لم نُخلَق بيد كائنٍ هادِف أي الله، الّذي جاء بنا إلى الوجود لهدف مُعيّن. بل عكس ذلك تمامًا، أي أنّنا، نحن وكلّ الكائنات الحيّة الأخرى، نِتاجُ عمليّة تطور غبيّة وماديّة. وهنا أهمّ نقطتان في هذه العملية: أنّها غبية وماديّة. وٱدّعى ”ريتشارد داوكينز“ أنّه يفسّر كيفية سير هذه العملية التطوريّة. لاحظت، منذ البدء، أنّه كان يفترض الإجابة على كلّ الأسئلة الأساسيّة ٱفتراضًا. مثل ذلك، أنّه ٱدّعى إظهار أنّنا كلّنا نتاج عملية غبيّة وماديّة. بالحقيقة هو ٱفترض ذلك ثم أخذ يفتش عن الإثباتات الّتي تدعم ٱفتراضه. أمّا الإفتراض بحدّ ذاته فلم يُختَبر فعليًا لذلك ليس هو بٱفتراضٍ علميّ، بل فكرة فلسفيّة أو علم غيب. أعتقد أنّ هذا كافٍ لفهم كيف أنّ بروفيسّورًا في الحقوق يأخذ على عاتقه هكذا قضية. إنّ صحة نظريّة ”داروين“ ليست مبنيّة على أسس علمية، وتبدو عقيدة فلسفيّة تعمل على اكتشاف الإفتراضات الفلسفيّة وإظهارها للعلن.

     المجلّة: فسّر لنا، أيّها البروفيسّور، كيف أنّك بالنّظر إلى خلفيّتك في علم المنطق والمناقشة استطعت إدراك موضوع الخلق والتطوّر؟ هل أثّر عليك سلبًا أو إيجابًا كونك لست من خلفية علميّة؟

     ف. ج.: لن أقدِّم اعتذارًا كوني تعاطيت هذه القضية من دون أي خلفية علمية لأنّه في الحقيقة كان من الضروري أن يقوم بهذا العمل شخص ليست لديه أية خلفية علميّة. إنّها وظيفة شخص لا تُخجله السّلطة العلميّة ولا تستطيع سحقه. إذا أقدم عالم بيولوجيّ على الشك في هذه النّظرية كما فعلتُ أنا، فلا بدّ أنّه لن يحصل على أي تعيين من أية جامعة ولا على منصب ما ولا حتّى على منحة للقيام بأي بحث. بكلام آخر سوف يجد نفسه خارج حقل دراسته. يحاول المعارضون لي، أي الدارْونيّون وعلماء التطوّر البيولوجي، إقناع النّاس أنّه يجب على المرء أن يكون دكتورًا في البيولوجية ليفهم النظريّة. الغريب في ذلك أنّ الوجوه الأبرز في الدارْونيّة، من ”تشارلز داروين“ نفسه إلى ”توماس هاكسلي“ إلى ”ريتشارد دوكينز“ و”ستيفان ج. جولد“، في يومنا هذا، وجّهوا كتاباتهم لعامة الشعب قائلين إنّك بالحقيقة تستطيع، أيًا من كنت، أن تفهم هذه النّظريّة. تستطيع أن ترى، بسرعة، حقيقة النظريّة بأكملها إلا إذا كنت جاهلاً أو غبيًا أو تؤمن بالخرافات أو تبتغي السوء. وإذا ساءلتهم في إحدى حقائقهم، يجيبونك أنّ الحقائق مخفية ويجب أن تكون عالمًا بيولوجيًا لتفهم ذلك! لذلك من المناسب أن يبادر إنسان عمله الأساسي هو ٱكتشاف الإفتراضات المخبأة والطريقة الّتي توضع فيها الحجج الواهية أمام المجتمع، ليعرض ويكشف المنطق الخاطئ الّذي ترتكز عليه نظريّة ”داروين“.

     المجلّة: لقد كتبْتَ عدّة مقالات في مجلات مثل Christianity Today  (المسيحيّة اليوم) وWorld Magazine  (المجلة العالميّة) وSan Francisco Chronicle (سجل أحداث سان فرانسيسكو). هل كانت لديك فكرة، عندما باشرت بحثك، أنّك ستصل إلى هذا الحدّ؟

     ف. ج.: نعم لقد كنت أتوقع هذه الأمور وكلّ شيء يجري بحسب البرنامج. لم أتفاجأ بشيء إلى الآن. إنّه موضوع كبير يتعلّق بأسطورة خلق الإنسان. حاول الكثيرون، عبر الزمن، أن يدحضوا نظرية ”داروين“ بقولهم مثلاً إنّهم لم يُبرهنوا أنّ الإختيار الطبيعي يستطيع أن يخلق أو أنّ سجل المتحجّرات لا يتطابق مع توقعات النّظرية ولا حتّى سجل الخلايا وما سوى ذلك... كلّ من هذه الحج مُقنع بحد ذاته ولكن يأتي السّؤال العلمي الطبيعي: ”ما هو البديل؟“ يجب أن يكون البديل نظرية علمية بحتة! أي نظرية مادية. إذا أردت أن تحاجج وفق هذه الشروط فستخسر القضية لا محالة لأنّ نظرية ”داروين“ – خاصة الصّيغة المعاصرة لها – هي أفضل فرضية مادية موجودة إلى الآن تفسّر كيف خُلقت كلّ الكائنات. إنّ المجتمع العلمي مستعد أن يتخلّى عن هذه النّظرية بالذات اليوم أو غدًا إذا ما أُعطي نظرية مادية بديلة مُقنعة، ولكن لا توجد نظريّة أخرى... إذن إذا كانت نظرية داروين غير صحيحة، فهذا يعنى أنّ كلّ منحًى مادي لتفسير الخلق هو خاطئ.  لا يقبل المجتمع العلمي أي شيء يشير إلى وجود ما هو خارج نطاق الأبحاث العلمية، شيئًا ما يفوق الطبيعة؛ بكلمة أخرى: خالق. هذا المبدأ مرفوض بالكليّة لأنّه يناقض الفكر المادي.

     أشار إلى ذلك بوضوح العالم ”ريتشارد ليونتين“ عندما قال: ”نحن نؤمن بنظرية التطوّر وما شابهها من نظريّات علميّة لأنّنا (في هذه الفئة العلميّة السّائدة) نتبع مبدأ أساسيًا هو الإلتزام بالمادية كفلسفة... يحب أن يكون هذا الإلتزام كليًّا لأنّنا لا نستطيع أن نسمح بـ”قدمٍ إلهيّة“ أن تدخل من الباب!“، فإنّه إن دخلت هذه القدم من الباب، سوف يُفتح الباب أكثر فأكثر كلّ يوم وسوف يتدخّل كلّ النّاس الدّاعمين لها ليعبّروا عن رأيهم. في حين تسعى الداروينية لأن تُبقي المحيط آمنًا للفسلفة الماديّة.

     المجلة: دعنا نفهم بعض المصطلحات. ماذا تعني عندما تقول ”الخلق“؟

     ف. ج.: الخلق، بكلمة، هو الإيمان أنّ البراهين العلميّة تدعم مبدأ ضرورة وجود خالق شارك في التكوين البيولوجي. مدّة التكوين موضوع ثانويّ. إنّ نقيض نظرية الخلق هو نظرية التطوّر الطبيعي، الّذي يزعم أنّ عمليّة مادية غبية قامت بالخلق دون الحاجة إلى خالق أو أي ذكاء موجِّه.

     المجلّة: كيف تفسّر ”التطوّر“؟

     ف. ج.: التطوّر كلمة تتضمن أكثر من معنى. بإمكانها أن تشير إلى التطوّر الحاصل في تاريخ العالم مثل إنقراض بعض الكائنات والتغيّر في سواها. هذا أمرٌ متفَق عليه. بصورة خاصة تشير الكلمة إلى وجود عملية طبيعة (أي غبية) سهلة المنال للعلم قامت بإيجاذ كلّ ما هو حيّ مما نعرف. هذا هو ”التطوّر الطبيعيّ“. هناك فئة مؤمنة بالإلهيات وبنظرية التطوّر تقول: إنّه لأهداف علميّة حصلت الأمور كما يزعم علماء التطوّر الطبيعي ولكنّ يد الله كانت مخفية ويتعذر تمييزها وراء هذا التطوّر. ليست هذه بنظرية بقدر ما هي مساومة سياسيّة، والسبب هو أنّ عددًا كبيرًا من النّاس لا يستطيع فهم أنّ وجود أو توجيه الله لعملية التطوّر هو أمر غير مقبول بالكليّة لدى علماء التطوّر الطبيعي، بالضبط لعدم قبولهم بالخلق المطلق الّذي قام به الله. يصرّ المجتمع العلميّ على تفسير التطوّر من خلال عملية مادية غبية؛ بكلام آخر يرفضون هذه الجماعة التطوّرية والمؤمنة.

     يجدر بنا أن نستعمل لفظة ”الداروينية“ بدل ”التطوّر“ لأنّ هذه الأخيرة تحمل معاني عدة. فال

     داروينية هي النظرية الّتي تقول إأن كلّ الكائنات الحية خُلِقت من دون تدخل أي خالق أو ذكاء موجّه وهي عملية مادية طبيعية غبية بحتة.

     ”إنّ نظريّتي تسقط بالكليّة إذا استطاع أحدهم أن يُثبت أنّ أيًّا من الأعضاء المركبّة الموجودة لم تتكوّن نتيجة تغييرات صغيرة متعددة ومتتالية“ (تشارلز داروين في كتابه The Origin of Species  (أصل الأنواع))

     كانت الخلية بالنّسبة لداروين ”علبة سوداء“ – وكان يجهل بالكليّة الآلية الّتي تعمل بها هذه الخليّة. اليوم، اكتُشفت ”العلبة السّوداء“ ونعرف تمامًا كيف تعمل. فإذا حاولنا تطبيق ٱختبار داروين على هذا العالم الشديد التعقيد الّذي تعمل فيه الخلايا والجُزيئات، ما اكتُشف في 40 السنة الأخيرة، نستطيع أن نقول إنّ نظرية داروين سقطت بالكلية“ (ميخائيل بيهي، عالم بيولوجي كيميائي ومؤلّف كتاب ”Darwin’s Black Box“ (علبة داروين السّوداء)).

تشارلز داروين

     المجلّة: عندما تتابع برنامجًا تلفزيونيًا أو تقرأ مقالاً في جريدة علميّة يبدو لك الموضوع غير قابل للجدل. كيف تستطيع مناقشته؟ وقد تسربت بعض المعلومات الّتي تشير إلى أنّ أبرز العلماء في نظريّة التطوّر لديهم مخاوف كبيرة في الموضوع برمته. ما هي برأيك التصدّعات الأساسية في علم التطوّر؟

     ف. ج.:  هناك عدّة أمور أستطيع ذكرها. أوّلها وأهمّها الموضوع المتعلّق بالمتحجّرات. يحبّ الداروينيّون أن يستشهدوا ببعض المتحجّرات ليبرهنوا نظريتهم، لأنّ المتحجّرات هي الوسيط المُدرَك في علم التطوّر الّذي يتعاطى التغييرات الكبيرة الّتي نتجت منها كائنات جديدة بالكليّة (Macroevolution). ولكن الّذي يعرفه هؤلاء العلماء بشكلٍ وثيق ولا يُفصحون عنه هو أنّ هذه المتحجّرات الّتي يُشيرون إليها مأخوذة من مجموعة كبيرة من المتحجّرات الّتي لا تدعم نظرية داروين مطلقًا. بالحقيقة إنّ سجلّ المتحجرّات المكتملة هي الأكثر دحضًا لنظرية داروين.  يختار الداروينيّون الأمثلة الموافقة من حقل دراسيّ معيّن، بالأخص الحيوانات الأرضية، حيث سجل المتحجّرات غير مكتمل، وهو الأسهل في تركيب الأساطير لربط الأمور. ولكن في ما يخصّ الكائنات البحرية اللافقريّة حيث لدينا سجل شبه كامل للمتحجّرات، ترى بوضوح أنّه لا يوجد نمط تدريجي في تغيير كائن إلى كائن آخر مختلف تمامًا عنه. هناك تغيّيرات في الفئة عينها تشير إليها العلوم التطوريّة الّتي تدرس التغييرات الصغيرة الحاصلة في الفئة عينها أو الفصيلة عينها ”Microevolution“ ولكن لا يوجد تغيير جذري في إتجاه مغاير.

     حقل دراسي آخر هو علم الأجنّة. إنّ الكتب والتلفزيون، في أيامنا هذه، تحاول أن تؤكّد أو توحي بالعقيدة الخاطئة القائلة إنّ تطوّر الجنين (Ontogeny) هو ٱختصار للتطوّر العرقي (Phylogeny). ما يشير إليه هذا العلم، بكلام بسيط، هو أنّ المراحل الّتي يمرّ بها الجنين البشريّ هي المراحل التطورية الّتي اجتازتها السّمكة فصارت حيوانًا برمائيًا ثم حيوانًا زاحفًا. رُفض هذا الإدّعاء، لكنّه مازال يُعلَّم أو يوحى به. والأكثر من ذلك أنّ بعض الكتب العلميّة يدّعي أنّ أجنّة أنواعٍ مختلفة من الحيوانات هي متشابهة في المراحل الأولى من نموّها وهي تتفرّع  في مراحل لاحقة من النمو، كما تنبأت نظرية ”داروين“. هذا الإدّعاء ليس صحيحًا علميًا. وتستعمل هذه الكتب شواهد وصور إيضاحية تمّ دحضها من قرن. إنّ علم الأجنّة بالحقيقة يتعارض تمامًا مع إدعاءات ”داروين“.

     وأيضًا هناك حقل دراسي آخر: البيولوجيا الجزيئية (Molecular Biology). إنّ العالِم في البيولوجيا الجزيئية ”ميخائيل بيهي“، على سبيل المثال، أظهر كيف أنّ في الجهاز الجزيئي تعقيدات يصعب تقليصها أو ٱختصارها. بمعنى آخر ليس لدينا فقط عناصر معقدّة ولكنْ عدد كبير منها، ويجب أن تعمل كلّها بعضها مع البعض الآخر لكي تقوم بأي وظيفة نافعة. لذلك يستحيل بناؤها تدريجيًا تبعًا لعملية غبية. إنّ علماء البيولوجيا الجزيئية في الأدب العلمي لا يحاولون حتّى أن يعطوا تفاصيل أو سيناريوات مختبرَة لتفسير كيف أنّ هذا الجهاز الجزيئي المعقد تمّ تكوينه بحسب نظرية ”داروين“.

     أخيرًا، لقد بدأ عدد من العلماء برؤية أنّ الكائنات الحية ملأى بالمعلومات المعقدة، شبيهة بالتعليمات الموجودة في برامج الكمبيوتر الحديثة. وبالتالي لا يمكن لتغيير عشوائي أن يكون وراء هذه المعلومات. نستطيع فهم ذلك بمقارنته بكتاب فيه معلومات معقّدة هي نتاج فكر مؤلِّف ما. تجسدت هذه المعلومات بالحبر والورق أو ربما بتيارات كهربائية على رقاقات في أقراص الكمبيوتر. ولكنّ المعلومات متمايزة بشكل أساسي ولا يُستطاع تقليصها إلى العالم المادي الّذي كتبت فيه. يمكنك أن تعرف بدقة القوانين الكيميائية الّتي ترعى مزج الحبر مع الورق ولكن لا يمكنك أن تعرف كيف وُجدت أو ظهرت هذه المعلومات لأنّها نتاج مؤلّفها. إنّ النظرية المادية في علم البيولوجية، كالداروينيّة الحديثة، تحاول مثلاً تفسير المعلومات الموجودة في مسرحية لـ”شكسبير“ مثلاً بوضع نظرية حول خصائص الحبر والورق. إنّها نقطة إنطلاق خاطئة.

     في كلّ من هذه المجالات، تقف نظرية ”داروين“ في مواجهة مع الحقائق وفي تضاد مع البراهين العلميّة، ورغم كلّ ذلك صمدت بسبب أساسها الفلسفي، لأنّه، إذا كانت المادية حقيقية، فإنّه يجب على الداروينية أن تثبت، بشكلٍ من الأشكال، بِغَض النظر عن الحقائق.

     المجلّة: دعنا الآن ننتقل إلى قاعة الدّروس. نرى أنّ ما يجري هناك يهمّك وخاصة ما يتمّ تعليمه لأولادنا في موضوع الخلق والتطوّر. ما هو برأيك خطر البرنامج المادي والعلماني على التلاميذ؟

     ف. ج.: إنّه موضوع كتابي الثّاني Reason in the balance (المنطق في الميزان). نحن نعلّم أطفالنا أن يتلوا شعار ”التطور هو حقيقة“. العمل الّذي تقوم به كلّ المدارس الرّسميّة وحتّى بعض المدارس الدينيّة الخاصة، هو تعليم أولادنا أنّ المادية هي حقيقة. نحن نعلّمهم أنّ الله ليس هو خالقنا بل خالقنا هو عملية التطوّر المادي.

     نستطيع أن نوفّق بين هذه النظرية والدّين إذا ما طبقنا الدّين على الطريقة المادية والطبيعية للتفكير. بالنسبة للمادية، هناك عملية مادية خلقت الكائنات. وعندما تطوّر الإنسان، تطوّرت معه الأفكار الدّينيّة. إذن الإقتراح هو أنّ الله لم يخلقنا، بل نحن خلقنا الله. بكلام آخر، لأنّ الإنسان البدائي كان يفتقد لأي معرفة علمية لخالقه الحقيقي أي التطوّر، تصوّر صورة شبيهة بأبيه في السّموات وأطلق عليه بعض الصّفات. وما إن يعرف المرء أنّ التطوّر هو خالقنا الحقيقي، حتّى يقتل الإله. وهذا بالتأكيد يعني موت السّلطة الأخلاقية للإله. ينتج مباشرة من المفهوم المادي لأصلنا أنّ الأخلاق هي بكلّ بساطة إختراع بشريّ. الأخلاق، تاليًا، عُرْفٌ يتفق عليه الناس فيما بينهم، وباستطاعتهم تغييره في أي وقت. تتطوّر الأخلاق كأي شيء آخر. لذلك تعلّم المدارس ”النسبية“ إلا في بعض المواضيع حيث يصرّون على الصّواب السّياسي أو اللياقة السّياسيّة. ولكن اللياقة السّياسية لا يمكن فرضها إلا بالقوة لأنّها ليست صحيحة بالكليّة. عليه تقود المادية من دون أي رحمة إلى فلسفة تحكم فيها القوةُ الحقيقةَ. والحقيقة هي ما يُعرِّف عنه الناس ذوو السّلطة. لأنّه وفقًا للطريقة التطوريّة في التفكير، أذهاننا هي نتاج اختيار طبيعي ولا تنفعنا إلا في ترك ذرية. هذا ما يكافئ عليه الإختيار الطبيعي. تحمل هذه النظرية تبعات فلسفية واسعة على مجتمعنا، وتصبح هي، تاليًا، الدين الّذي نؤمن به. وبهذا تدحض كل ما تبشّر به المسيحيّة.

     المجلة: إنّ أهالي بعض الأولاد يفتقرون إلى المعرفة العلمية فيجدون صعوبة في مواجهة هذا الموضوع. ما هي نصيحتك لهم؟

     ف. ج.: آمل أن أكون قد أعطيتهم الجواب الوافي في كتابي ”Defeating Darwinism with Opening Minds“ (دحض الداروينية بعقولٍ منفتحة). يتوجّه الكتاب إلى تلاميذ المدارس وأهاليهم والمدرّسين والّذين يعملون مع الشبيبة والكهنة... لأفسّر لهم كيفية التفكير في هذا الموضوع. بشكلٍ عام لقد أخطأ الوالدون والمدرّسون المسيحيون في انتقائهم لأحد هذين الخيارين. الأوّل، حاول البعض أن يحمي أولاده بعدم السّماح لهم بتعلّم نظرية التطوّر بالتفصيل. عوض ذلك نصحوهم أن يؤمنوا بما كُتب في الإنجيل. تنجح هذه الطريقة إذا بقي الولد في البيت، ولكن لن تنجح إذا كَبُر الولد وذهب ليكمل دراسته في الجامعة لأنّه سيحصل هناك على الصّورة الكاملة لهذه النظريّة، وفي أحيان كثيرة يتخلّى المحافظ على الإيمان عن اعتقاداته وينتقل إلى وجهة النّظر المعاكسة. لذلك لا تنفع هذه الطريقة بالتعاطي مع الموضوع.

     أمّا الخيار الآخر وهو سيء بالقدر عينه، فهو أنّه عندما يقول الأهل بأنّه لا يوجد، في الحقيقة، أي خلاف بين نظرية التطور والدين. فالتطوّر هو طريقة الله في الخلق. هذا غير مناسب بالكليّة، لأنّه عندما يطّلع التلميذ على تفاصيل هذه النّظرية سوف يفهم أنّه قد تمّ إقصاء الله تمامًا من عملية الخلق. لأنّه لو كان الله قد ساهم في التطوّر فإنّ واقع النّظريّة لا يكون كما يعرضه المدافعون عنها. هذه مساومة سطحية. ومن جديد عندما سيطلع التلميذ على تفاصيل النظرية سوف يقول: لقد تعلمت أكاذيب ولن أصدِّق إلا ما تقدمه لي هذه النظريّة لأنّها علمية ولديها براهين مادية.

     والأسوء من كلّ هذا أنّ بعضًا من هؤلاء المذكورين يحافظون على ٱنتمائهم الكنسي، لذلك نرى أنّ في إثنين من أكبر الطوائف المسيحية – أي الكاثوليكية والبروتستانتية – هناك ناس يقولون: ”دعونا نتخلّى عن وظيفتنا القديمة الّتي تتعاطى الخطيئة والخلاص وحفظ وصايا الإنجيل ونكرّس أنفسنا لقضايا معاصرة كالمساواة بين الرّجل والمرأة وحقوق المثليين وحماية البيئة“. لأنّ هذا هو بالضبط ما يبثّه الفكر ”الطبيعي- المادي“.

     يجب على الأهل لا فقط أن يعلّموا أولادهم نظريّة التطوّر ولكن أن يعلّموا أكثر بكثير مما تريد المدارس– خاصة العامة منها - أن تعرضه على الأولاد. يجب أن يفسّروا لأولادهم كلّ ما يختصّ بالبراهين المستعملة، خاصة طريقة التفكير المتبعة. إنّ طريقة التفكير هي أهم بكثير من التفاصيل الّتي تتعلّق بالبراهين. لقد حاولت أن أوّجه الأهالي والمدرّسين في هذا الإتجاه. وٱتبع عدد من النّاس هذا المنهج ونجحوا في إعطاء أولادهم المناعة اللازمة لدى ارتيادهم الجامعة، وهم بالتحصين الّذي حصلوا عليه يواجهون هذا الفكر المادي في جامعاتهم بشكل جيِّد ولهم تأثير إيجابي على محيطهم.

     المجلّة: ماذا تعتقد أنه حصل عند الخلق؟

     ف. ج.: لا نستطيع أن نجيب على سؤال الخلق قبل القيام بالبحث العلمي الموافق. هذا، بالضبط هو ما قام به ”داروين“ إذ وضع نظريّته وأخذ يفتش عن البراهين الّتي تدعم وجهة نظره ”دعونا نؤمن بما نريد ثم نفتش على البراهين الداعمة“. أرفض هذه الوسيلة في تعاطي الأمور. ليس بمقدورنا اليوم إعطاء أي جواب لأهمّ الأسئلة المطروحة لأن البراهين العلمية تنقصنا. نحن لدينا الآن طريقة في البحث تحاول فقط أن تؤكّد النظريّة المادية.

     مهمّتنا، اليوم، هي الفصل بين الفلسفة المادية والبحث العلميّ، وأن نضع على الطاولة السؤال التالي: ”ألا تشير المُعطيات، في الحقيقة، إلى ضرورة وجود خالق؟ إذا كان الحال كذلك، ألا يجب أن نعيد النظر في الإستنتاجات الّتي وصل إليها الإفتراض المعاكس؟“. يصعب الإجابة على هذه الأسئلة قبل إيجاد أسلوب صحيح في البحث. لذلك أقول للناس، دعونا نضع جانبًا محاولة التوفيق بين الإنجيل والسّجل العلمي إلى حين وجود صورة دقيقة لماهية هذا السّجل العلمي.

     المجلّة: إلى أين يمكن أن نصل إذا ما فُتحت أذهاننا وأدركنا بعض الأمور من منظار جديد من دون أي تصوّر سابق؟

     ف. ج.: طغى على طريقة التفكير في القرن العشرين أربع مفكرين: داروين، ماركس، فرويد ونيتشي. نيتشي أعلن موت الإله، وداروين زوده بأداة الجريمة وماركس قدّم له النتيجة الإجتماعية، وتعاطى فرويد الفكر والحضارة. يتفق كلّ المؤرخين المثقفين أنّ هؤلاء الأربعة هم أبرز وجوه الفكر المادي في القرن العشرين. وكان القرن العشرين يحاول حلّ  نتائج هذه الأفكار الأساسية. والآن نحن في مطلع قرنٍ جديد حيث فقد ”ماركس“ كل قامته العلميّة وليس مقبولاً إلا في بعض ”الأبراج العاجية النّادرة“ حيث يعيش الأساتذة بعيدًا عن الواقع. أمّا نظرية فرويد فهي مرفوضة في أماكن عديدة. يتبعه داروين، لذلك أعتقد أنّ تغييرًا أساسيًا رابض بالباب.

     هذا كلّه لن يقودنا إلى ملكوت السّموات. أعتقد أنّ القرن الحادي والعشرين سيكون شبيهًا بالقرن الأوّل الّتي كتب عن وقائعه الرّسول بولس. إذ سيكون هناك عدد من الديانات. فالـ”New Age“ هو صياغة جديدة للهرطقة الغنوصيّة، وسيعبد النّاس أصنام متعددة الأشكال ضمنها التطوّر في قالب روحانيّ. ولكن أعتقد أنّ السّلطة المعطاة للعلم المادي شارفت على نهايتها وعندها ستحصل هزة حضارية!


المرجع:

R. Thomas Zell (1997), Darwin On Trial, …Again Vol 20 No.4 pp.13-18.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share