فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
خدمة قدّاس القدسات السّابق تقديسها
البروجيازميني

  أقدم أثر لوجود هذه الخدمة
 

"خذوا كلوا هذا هو جسدي"

     يغلب الظن أنّ هذه الخدمة نشأت في القرن السّادس في أنطاكية حيث نشأت الخدم الليتورجية الأخرى وانتقلت من هناك إلى القسطنطينية.

     أقدم برهان لوجود خدمة القداس السّابق تقديسه يعود إلى القرن الثامن ونجده في "يوميات فصحية" (Chronicon Paschale). فقد ورد:" في هذه السّنة، الرّابعة من هذه الدورة (615)، في زمن البطريرك سرجيوس القسطنطيني، بعد ترتيل "لتستقم صلاتي"، وعند نقل القدسات السّابق تقديسها من الـ"سكوفيلاكيون" (Skeuophylakion)*. ثم بعد إعلان الكاهن: "بحسب موهبة مسيحك"، يبدأ المؤمنون بترتيل: "الآن قوّات السموات يخدمون معنا، بحال غير منظور. لأنّه هوذا ملك المجد يدخل عابرًا. ها هي الضحية السّريّة تتزيّح مكمّلة، فلنتقدّم بإيمان وشوق، لنصير شركاء الحياة الأبدية. هلليلويا".

     وهناك مؤشّر آخر نجده في حياة القدّيس غريغوريوس الخوزبي (أواخر القرن السّادس). كاتب سيرته، وهو تلميذه أنطونيوس، يُخبر كيف كانت للقدّيس عادة إرسال شاب اسمه "زينون" (Zeno) إلى أريحا يوم الأحد بعد السّهرانة ليجلب خبز التقدمة لاستعمال الزوار في الدير. ذات مرة كان زينون واقفًا قريبًا من المذبح خلال القدّاس الإلهي وسمع الصّلاة الّتي كان يتلوها القدّيس غريغوريوس أثناء تكريسه القدسات وحَفِظَها. ويوم الأحد أثناء عودة زينون حاملاً القربان من أريحا، كان يتأمل بهذه الصّلاة. فجأة حلّ الرّوح القدس على القربان وتراءى ملاك للقدّيس غريغوريوس أثناء استراحته بعد السّهرانة قائلا له: "انهض أيّها الكاهن، واحتفل بخدمة السّابق تقديسها على التقدمات الّتي يحملها الشاب، لأنّها قد قُدست".



  أصل الخدمة

     يرى الدّارسون أنّ أصل هذه الخدمة المناولة الذاتية أي مناولة المؤمن نفسه من الخبز المقدّس الّذي كان يحضره من الإفخارستيا إلى البيت. بعض الدّارسين يعود بهذه الممارسة إلى زمن الرّسل في القرون الأولى، إلاّ أن القدّيس باسيليوس الكبير يقول إنّ هذه العادة نشأت في زمن الإضطهاد، وكتب: "من البديهي أنّ كلّ من أُجبر في زمن الاضطهاد على تناول الخبز المقدّس بيديه من دون كاهن لا يرتكب جرمًا، خاصة أنّ التقليد يجيز هذه الممارسة من الحوادث عينها". وفي أيام القدّيس يوستينيانوس الشهيد كان الشمامسة يُحضرون المناولة إلى بيوت المسيحيين الّذين لسبب ما لم يستطيعوا المشاركة في تحضير القدسات مع الجماعة. وفي رسالة تيرتيليانوس لزوجته طلب منها ألا تتزوج من وثني في حال وفاته مبررًا ذلك بقوله: "ألن يعرف زوجك ما هذا الّذي تتناولين منه سرًا قبل الطعام؟ وإذا عرف أنّه الخبز ألن يعتقد أنّه الخبز عينه الّذي يتكلمون عنه؟". ويذكر يوحنّا مسكوس في كتابه "المرج الرّوحيّ" أنّ إحدى السّيّدات كانت ذاهبة إلى جارتها لتتناولا القدّسات معًا...

     لم تندثر عادة المناولة الذاتية مع انتهاء الاضطهادات. بل على العكس كان القدّيس باسيليوس الكبير يشجع هذه الممارسة كثيرًا مرتكزًا بذلك على أًسُسٍ روحية. قال: "حسن أن يتناول المرء من جسد ودم المسيح لأنّه كُتب: من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية. ويحتفظ المتوحدّون في الصحراء حيث لا يوجد كاهن بالمناولة المقدّسة في بيوتهم. أما في الإسكندرية ومصر، فيأخذ عامة المؤمنين كلّهم جزءًا من القدّسات ويحتفظون به في بيوتهم، ليساهموه منها متى شاؤوا...".

     من جهة أخرى، يذكر القدّيس غريغوريوس اللاهوتي في رثاء أخته غرغونيا أنّها شُفيت مرة عندما تناولت القدّسات بيديها.

     عام 692 م، منع مجمع تروللو المؤمنين من مساهمة القدّسات بآنية**: "فالمؤمن الّذي يرغب في المشاركة في القدسات يقترب من الكاهن ليناوله القدّسات وكفّاه مصلّبان... من يأخذ قسمًا من المناولة المقدسة معه في آنية خاصة تفرزه الكنيسة عن جماعة المؤمنين".

     هذا وتشير الوثائق التاريخية إلى أنّ هذه الممارسة استمرّت خاصة في أوساط الرّهبان وانتقلت من اليونان إلى البلاد السّلافية والكنيسة الرّوسية الّتي احتفظت بها حتّى أواخر القرن السّابع عشر.

     من ناحية أخرى، عندما سُئل القدّيس ثيودوروس السّتوديتي (+826 م): "هل يستطيع الرّاهب أو الرّاهبة أن يناول نفسه". أجاب: "ليس من الجائز أن تَمَسَّ القدسات سوى أيدي الكهنة إلا في الحالات القصوى". وقد لوحظ، مع الوقت، سوء استعمال القدسات من قبل المؤمنين، فأخذت المناولة الذاتية تتحوّل تدريجًا إلى مشاركة في مناولة جماعية في خدمة قدّاس القدّسات السّابق تقديسها.




  التاريخ الليتورجي للخدمة

     أقدم نص لخدمة قدّاس القدّاسات السّابق تقدّيسها نجده في الإفخولوجي البربيريني 336 (Barberini) الّذي يعود إلى أواخر القرن الثامن/أوائل القرن التاسع للميلاد. نجهل من كتب هذا الإفخولوجي وهو لا يذكر اسمًا لهذه الخدمة الّتي تشبه كثيرًا، بحسب ترتيبها، خدمة البروجيازميني اليوم، والقسم الّذي يُفصِّل هذه الخدمة يُشير إلى أنّها كانت تقام مساءًا.

     ويُجمع الدارسون على أنّ القراءات الموضوعة رتّبها الأساقفة خلال الصّوم الكبير لتعليم من يستعدّون لقبول المعمودية. في القرن الخامس، في كنيسة القيامة، كانت هذه التعاليم تُعطى بعد السّاعة التاسعة. والقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم عندما كان ما يزال كاهنًا في أنطاكية عام 386 م كان يهتمّ بمثل هذا التعليم...

     أقدم شرح لخدمة قدّاس القدسات السّابق تقديسها كتبه القدّيس ثيودوروس السّتوديتي (+ 826 م) وهو الأقرب  لما تتبعه الكنيسة اليوم.

     تشير دراسة عن تطوّر الخدمة ومحتوياتها أنّها كانت في الأساس صلاة تُعرف بـ"المناولة" مدوّنة في سواعي لافرا القدّيس سابا العائد إلى العام 863 م. كان يقيمها المتوحدّون عندما يغادرون الدير أيام الصّوم الكبير، على عادة ذلك الزمان. لكنّها أخذت تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى خدمة قداس البروجيازميني عندما لم يعد بإمكانهم مغادرة الدير بسبب غزوات البدو في زمن سادت فيه البلبلة السياسية بعد سقوط الخليفة الفلسطيني أواخر القرن الثامن/أوائل القرن التاسع للميلاد.



  كيف تبنّت الكنيسة قدّاس القدسات السّابق تقديسها

     زمن الصّوم هو زمن حداد وتوبة لذلك "لا تقام خدمة القدّاس الإلهي إلا يومي السّبت والأحد" (مجمع لاودوكية القانون 49). وفي مجمع تروللو أُقرّ التالي: "في كلّ أيام الصّوم ما عدا السبوت والأحاد وعيد البشارة، تقام خدمة القدّاس السّابق تقديسه" (القانون 52). أمّا البطريرك نيقيفورس المعترف (806 – 815) فقد حدّد، في مجموعة قوانين، أن يقام قداس القدسات السّابق تقديسها كل يوم أربعاء وجمعة من السّنة (إلا إذا وقع فيه عيد كبير ولا يجوز الصّوم خلاله)، بالإضافة إلى عيد رفع صليب ربّنا المحيي.

     اليوم تقام الخدمة بحسب التيبيكون يومي الأربعاء والجمعة من الصّوم الكبير ويوم الخميس من الأسبوع الخامس، بالإضافة إلى أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء من الأسبوع العظيم.

  لماذا لا يجوز إقامة سرّ الإفخارستيا في الصّوم؟

     في التقليد الأثوذكسي، حافظت الإفخارستيا على طابعها الفَرِحْ والتعييدي. إنّها بالدرجة الأولى سرّ مجيء المسيح وحضوره بين تلاميذه، وهي، إذًا، بمعنى حقيقي عميق، الاحتفال بقيامته. إنّ الفرح الّذي غمر قلوب التلاميذ عندما أعلن الرّب ذاته لهم عند كسر الخبز (لوقا 13:24-25)، وهم في طريقهم إلى عمواص، هو نبع المعرفة الكنسية الاختباري والوجودي لقيامة الرّب.

     والإفخارستيا ما تزال المجيء والحضور ذاته الفرح واضطرام القلب ذاته، والمعرفة الفائقة العقل والمطلقة ذاتها، حتّى إنّ يوم الإفخارستيا، بالنسبة للكنيسة الأولى، ليس واحدًا من الأيام ولكنّه يوم الرّب، يوم من الآن، فوق الزمن، فهي إذًا المشاركة في الملكوت الّذي هو "فرح وسلام في الرّوح القدس". لهذا لا تتفق الإفخارستيا مع الصّوم الّذي هو التعبير الأساسي للكنيسة في حال الارتحال والسّفر، أي في طريقها إلى الملكوت السّماوي.



  لماذا، إذن، تُعطى المناولة في خدمة قداس البروجيازميني؟

     لأنّ المناولة لها وجه آخر في المفهوم الأرثوذكسي: هي نبع لحياتنا الرّوحية والقوة الدّاعمة لها. وإذا كانت المناولة هي اكتمال كلّ جهودنا والغاية الّتي نصبو إليها والفرح العظيم لحياتنا المسيحية، فهي أيضًا، بالضرورة، بداية جهادنا الرّوحي ونبعه، والموهبة الإلهية الّتي تؤهلنا لأن نعرف ونشتاق ونتطلع إلى الشركة أكمل في النّهار الّذي لا "يعروه مساء" لملكوت الله. وإذا كان الصّوم يعني تكثيف هذا النضال، فالأمر عائد إلى أنّنا، حسب الإنجيل، نواجه أمام الشيطان وجميع قوّاته. لذا نحن، بالضبط، بحاجة ماسة لمساعدة هذه "النّار الإلهية" أي المناولة وقوتها. من هنا أُثبتت المناولة الصّيامية الخاصة في البروجيازميني. أما في ما يخصّ السّبت والأحد فكلاهما، بحسب التقليد الأرثوذكسي، يوم إفخارستي، أي يقام فيه القدّاس الإلهي: يوم السبت هو الـ"Sabbath" الّذي ارتاح فيه الرّبّ، ويوم الأحد هو يوم الرّب الّذي يتجاوز الصّوم كما يتجاوز الزمن؛ بكلمة أخرى هو يوم الملكوت ولا ينتمي إلى هذا الزمن. هذا مع الأخذ في الاعتبار أنّ الصّوم يبقى قائمًا في هذين اليومين، لأنّ الكنيسة تدرك أنّه كي يُضبَط الجسدُ عليه أن يخضع لنظام طويل وصبور من الامساك. هذا ما يسمّه الأب ألكسندر شميمن بالصّوم النّسكي.



  القدّيس غريغوريوس الذيالوغوس
 

القدّيس غريغوريوس الذيالوغوس

     في المخطوطات القديمة لسيرة البابا غريغوريوس الكبير، المعروف في الكنيسة الشرقية بالقدّيس غريغوريوس الذيالوغوس، لا ذِكْر أنّه هو الّذي ألّف خدمة قدّاس القدسات السّابق تقديسها. ولكن ظهرت، في السّنكسار اليوناني لسيرة حياته، حاشية حُوّرت فيما بعد إلى التالي: "يُقال أنّه هو الّذي رسم أن تحتفل الكنيسة في روما بخدمة قدّاس القدسات السّابق تقديسها في الصّوم الكبير، وهي تحتفل به إلى اليوم". من أين جاءت هذه الحاشية؟ لا نعرف. لكنّها ظهرت عندما نشب جدال حول إقامة الإفخارستيا أيام الصّوم. الكنائس في الشرق تمسّكت بالقانون 49 من مجمع لاوديكيا: "لا تقام خدمة الإفخارستيا إلا يومي السّبت والأحد من الصّوم". ربما أُدخل إسم القدّيس غريغوريوس الكبير المكرّم شرقًا وغربًا على السّواء لتهدئة النّفوس... وشرع منذ القرن السادس عشر بنسبة هذه الخدمة للقدّيس غريغوريوس ذيالوغوس باعتباره أنّه هو الّذي ثبتّ إقامتها.



  ترتيب الخدمة

القدّيس زوسيما يناول القدّيسة مريم المصريّة

     بعد تلاوة مزامير السّاعة التّاسعة وتوابعها والمكارزمي***، تُقرأ القناديق المطلوبة و40 مرة يارب ارحم و"يا من في كلّ وقت وفي كلّ ساعة..." وما يليها، ثم صلاة القدّيس أفرام السّرياني "أيّها الرّبّ وسيّد حياتي...". بعدها تقال 12 مرة "يا رب ارحم" ثم إفشين "أيّها الثالوث الكلي قدسه". هنا يحلّ الكاهن السّاعة التاسعة ويستدير نحو المائدة المقدسة ويقول: "مباركة هي مملكة الآب والإبن والرّوح القدس الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين آمين".

     الخدمة مقسّمة إلى ثلاثة أجزاء: صلاة الغروب – صلاة الموعوظين – ومناولة المؤمنين.

صلاة الغروب

     تبدأ صلاة الغروب بالمزمور 103 "باركي يا نفسي الرّبّ..." وتتبعه الطلبة السّلامية الكبرى وقراءة مزامير 119-134 الّتي تُعرف بمزامير الدرجات. أثناء تلاوة هذه المزامير يَنقل الكاهن القدسات الّتي تقدست في الأحد السّابق من المائدة إلى المذبح وهناك يسكب الماء والخمر ويغطي القرابين كما يفعل عادة في تهيئة الذبيحة. من الملاحظ أنّ الكاهن، أثناء ذلك، لا يقول شيئًا سوى "بصلوات أبائنا القدّيسين" لأنّ الصّلوات المعتادة قيلت في إفخارستيا الأحد. حتّى أثناء إرتدائه ثيابه الكهنوتية لا يقول سوى "بصلوات آبائنا القدّيسين" ولا يتلو الصّلوات الخاصة بها.

     ثم "يا ربي إليك صرخت..." باللّحن المتفق وترنيمة "يا نورًا بهيًا...". بعد ذلك تتلى قراءتان من كتاب التكوين والأمثال. في نهاية القراءة الأولى يتمَّم طقس خاص يعيدنا إلى الأيام الّتي كان فيه الصّوم مُتمحورًا في تهيئة الموعوظين للمعمودية. هذا الطقس هو أنّ الكاهن يمسك شمعة مضيئة ومبخرة مدلاّة من تحتها ويلتفت إلى الشعب راسمًا بهما صليبًا وقائلاً: "نور المسيح مضيئ للجميع". ثم تُغلق السّتارة لاستكمال القراءات. الشمعة هي الرّمز الليتورجي للمسيح الّذي هو نور العالم. وأثناء القراءة من العهد القديم، توضع الشمعة على الإنجيل عانية بذلك أنّ جميع النبوءات تمّت بالمسيح الّذي فتح أذهان تلاميذه "ليفهموا الكتب". يقود العهد القديم إلى المسيح كما يقود الصّوم إلى نور المعمودية. هذه العادة مأخوذة من الشعب العبري الّذي كان يشكر الله، عند إضاءة المصابيح في المساء، على النور الّذي أعطاه إيّاه ليُبصر في الظلمة. المسيحيون الأوائل استعادوا هذه العادة عن اليهود لأنّ الرّبّ يسوع المسيح هو "نور العالم".

لتستقم صلاتي

     تشبه تركيبة "لتستقم صلاتي..." البروكيمينن الكبير الّذي يسبق، عادة، القراءات من الرسائل والأناجيل وأحيانًا يتلى دون قراءة. الفرق أنّه عند تلاوة البروكيمينن، لا نقوم بالتّبخير على خلاف ما يحصل في البروجيازميني. يعود هذا التقليد إلى أنطاكية، ويقول الذهبي الفم إنّ المزمور 140 يجب تلاوته في صلاة الغروب واصفًا إيّاه بالدواء الشافي والمطهِّر من الأثام إبتغاء تنقية المرء نفسه من خطاياه الّتي ارتكبها أثناء النّهار. هذا النّمط من تلاوة آية معينة تتداخل فيما بينها آيات أخرى من الكتاب المقدس نشأ في سوريا ثم في فلسطين. نجد أثار له اليوم في خدمة السّحر عندما نرتل "الله الرّب ظهر لنا..." من المزمور 117.
"لتستقم صلاتي كالبخور أمامك..." تشكل المدخل الإنسحاقي للجزء الثاني من الخدمة وهو القداس البروجيازميني بحد ذاته.

صلاة الموعوظين

     القسم الثّاني من الخدمة يتضمن الطلبات والصّلوات الخاصة للّذين يستعدون للمعمودية. هذه الطلبات هي جملة من التوجيهات الّتي كان يعطيها الأسقف خلال الصّوم في الكنيسة كلّ يوم مرفقة بصلوات خاصة من استقسامات وتبريكات غالبًا ما يحضرها المؤمنون. ثم في منتصف الصّوم، أي يوم الأربعاء من الأسبوع الرابع تضاف صلوات وتضرّعات خاصة من أجل "المستعدين للاستنارة". هنا نلاحظ التشديد على الطابع الأساسي للصّوم كتهيئة للمعمودية والفصح.

القدسات السّابق تقديسها للقدّيسين

     بعد خروج الموعوظين يبدأ قداس المؤمنين بإفشينين: الأول نسأل فيه من أجل تطهير النّفس والجسد والحواس: "أيّها الإله العظيم المسبّح..." والثاني لتهيئة المؤمن لدخول القدسات: "أيّها السّيّد القدوس الفائق الصّلاح..."

     بعد هذه الصّلوت يتم الدخول الكبير بالقدسات السّابق تقديسها، حين ينقل الكاهن القدسات من المذبح إلى المائدة ويتلو المؤمنون ترنيمة "الآن قوات السّموات...". هنا نشير إلى أنّ هذا النّقل يشبه، ظاهريًا، الإيصودون الكبير في قدّاس الذهبيّ الفم ولكن يختلف من حيث المعنى الرّوحي. في قداس الذهبي الفم نحن أمام "دورة التقدمة": الكنيسة تقدم حياتها، حياة أعضائها والخليقة كلّها ذبيحة لله، كإحداث جديد لذبيحة المسيح الواحدة والكاملة. أمّا في القدّاس البروجيازميني فليسَ هناك تقدمة ولا ذبيحة ولا إفخارستيا ولا تقديس، بل إعلان سر حضور المسيح في الكنيسة****.

     وبعد وضع القدسات على المائدة نتهيأ نحن للمناولة "يا إله الأسرار...". بعدها تُتلى الصّلاة الرّبانية "أبانا الّذي في السّموات...".

     ثم المناولة المقدسة مع ترنيمة "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرّب". هنا نشير إلى أنّ المزمور 33 "أبارك الرّبّ في كلّ وقتٍ..." هو مزمور للمشاركة في القدسات بحسب "الأنظمة الرّسولية" والأية "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرّبّ" مأخوذة من هذا المزمور.

     ثم عند نهاية الخدمة يُطلب منّا أن نخرج بسلام. ثم نتلو صلاة الختم الّتي تلخص معنى هذه الخدمة أي معنى المناولة المسائية وعلاقتها بجهادنا الصّياميّ: "أيّها السّيّد الضابط الكلّ، يا من أبدع كلّ البرايا بحكمة...".



*وهو مبنى مجاور للكنيسة إلى الجانب الشمالي الشرقي في الكنائس البيزنطية القديمة حيث كانوا يحتفظون بالأواني المقدّسة والنبيذ وخبز التقدمة والزيت. مع الزمن اندثر السكوفيلاكيون ورتبت الكنيسة ضمن الهيكل إقامة مائدة الذبيحة إلى الجهة الشمالية الشرقية لتحضير ووضع القدسات عليها.

** أخذ المؤمنون في هذه الفترة عادة إحضار آنية فضية أو ذهبية مزخرفة ومزينة لتناول القدسات وأخذها إلى البيت. وأصبحت هذه العادة في فترة من الفترات مدعاة لتفاخر الغني على الفقير الّذي كان يتناول القدسات بيديه.

*** ترتيب المكارزمي في الأساس يعود إلى ما قبل القرن الثامن للميلاد وقد وضعه النسّاك والرّهبان الّذين كانوا يغادرون أديرتهم أثناء الصّوم الكبير. وهو يبدأ بالتطويبات ويتلى بعدها "أؤمن" و"أبانا" المأخوذتان من صلاة القدّيسة مريم المصرية قبل أن يناولها القدّيس زوسيما القدسات السّابق تقديسها الّتي كان يحملها معه أثناء خروجه من الدير زمن الصّوم.

**** يجدر الإشارة إلى أنّ التقليد الليتورجي الأرثوذكسي هنا يختلف عن الطقس اللاتيني، إذ لا "عبادة" فيه للقدسات خارج المناولة. أما الاحتفاظ بالقدسات كـ"ذخيرة" لمناولة المرضى والمشرفين على الموت، فتقليد واضح لم يشك فيه في الكنيسة الأرثوذكسية. غاية الكنيسة أن تجعل حياة الإنسان شركة مع الله، لذلك تتحاشى الكنيسة الأرثوذكسية، دائمًا، كلّ عبادة للقدسات خارج المناولة لأنّ العبادة الحقيقية فقط هي للمسيح إذ نتناول جسده ودمه.



المراجع:

     -  الأب ابراهيم سرّوج (1986)، الصّوم الكبير مع شرح صلوات أسبوع الآلام للأب ألكسندر شميمن، طرابلس: المنشورات الأرثوذكسية - دار الكلمة.

     -  Uspensky N. (1985), Evening Worship in the Orthodox Church, New York: St Vladimir’s Seminary Press.  

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share