عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
الرعاة والرعاية الآثمة

 إذا كان الكتبة والفرّيسيّون قد جلسوا على كرسيّ موسى وتحصّنوا بجدار الناموس (مت 23: 2)، فإنّ بإمكانهم، بالأَولى، الجلوس على كرسيّ الراعي الواحد الوديع وأن يسوسوا، على نحو فاسد، كلمة حقّه. هذا ما حصل في العالم. فإنّ الذئاب دخلت قطيع الراعي الصالح وشرعت تبدِّد خرافه – وهي تفعل ذلك اليوم، وقد أسّست لنفسها مواقع في الكنائس والأمم.

       الرعاية المزيّفة هي أعنف ما يمكن أن يُجلَد به الجسد الطاهر للمسيح ويُجرَّح. ليست هناك خطايا بشريّة تشبه، بفظاعتها، خطيئة الرعاية المزوّرة.

       إنّ  أب  الرعاة  المزيّفين  هو  الشيطان. هذا وفق كلام المسيح: "أنتم  من  أب هو إبليس" (يو 8: 44).

       إذا  لم  يكن  للإنسان  روح  المسيح  والطَعم الطيِّب للإنجيل وحميّة الرسل فإنّه ليس له (رو 8: 9). وإذا لم يكن ثمّة مَن ليس للمسيح فلمَن يكون؟

       الرعاة المزيَّفون الذين يصنعون مشيئتهم، لا مشيئة المسيح، والذين يسلكون في أهوائهم الخاصة وفجورهم، هم السوط الذي تُجلد به الكنيسة. ليس الجهاد ضدّهم يسيراً، لأنّ نزعهم من الجسد المقدّس للكنيسة يجرح الجسد. ولكنْ من الضرورة بمكان التصدّي لهم بالصلاة والعمل.

       إنّ ثمّة مسؤولية ثقيلة تُلقى، بخاصة، على عاتق الأساقفة الذين "يضعون أيديهم [على طالبي الكهنوت] بالعجلة" (1 تيم 5: 22).

       بفم الأنبياء يتفوّه الله بكلام ناري مخيف على الرعاة الذين لا يرعون الرعيّة، ولا يخدمون الراعي الواحد. يصف الأنبياء لا فقط حالة عدم المبالاة الكاملة للرعاة في ما يبدر عنهم بل الواقع الجرمي لما يعملون أيضاً.

       في الحرب يحاول العدوّ، بإصرار، أن يمسك بزمام الجيش، أن يتسلّل إلى قيادة أركانه، وإلى الأجهزة المسيِّرة له، وبذا يسعى، بخيانة رجل واحد، إلى أن يُحدث أذى، في صفوف الأعداء، أكبر من الأذى الذي يُحدثه الانتصار في ساحة المعركة. الشيء نفسه يُقال في الحرب الروحيّة. يستعمل عدوّ الراعي الصالح كل حِيَله ليقبض على رعاة الكنيسة، وبالدرجة الأولى على الأساقفة والكهنة والقرّاء والرهبان، ثمّ على المعلِّمين والكتّاب والحكّام والأهل والمربِّين... ابتغاء إحداث شلل، من خلالهم، لقوّة كنيسة الربّ. والتسبّب، على أجدى ما تكون الفعالية، في هلاك الناس.

       إذ يشقّ العدوّ طريقه إلى المنبر، يصير بإمكانه أن يُعيث فساداً في الرعيّة يفوق ما يُعيثه من خلال اتحاد الملحدين المناضلين أو من خلال قرارات حكومة كافرة. غرضه هو الضرب من الداخل. وعلى هذا يغزو، معاً، الرعاة الذين يغطّون في نوم عميق والخاملين، فيستأثر بمشاعرهم وأقوالهم وأعمالهم، ويبثّ فيهم روحه، الروحَ الذي يتسبَّب في خراب الناس روحيّاً، ويدمِّر إيمانهم القدّوس.

       ما يلتمسه العدوّ هو أن يصير الملح بلا ملوحة (مت 5: 13) وأن يُحرَم المسيحيّون روح الله وأن يُضيِّع الرعاة الراعي الواحد.

       أمران يكونان رهيبَين إذا ما انوجدا في الكاهن: الإثم الذي يضرب العين ويعرِّض العديدين للتجربة، ثمّ اللامبالاة الخارجيّة الخفيّة بإزاء عمل المسيح والفتور (رؤ 3: 16). هذا يُفضي بالكاهن، حتى عن غير وعي منه، إلى إحلال نفسه محلّ الله وإلى عبادة نفسه عوضاً عن الله. الأمر الذي يجعله يتابع مهامه الرعائيّة، مهتمّاً بالحرف، متغاضياً عن الروح، فلا يلج العمل الذي يتمِّمه الراعي الواحد في العالم.

       "لم يقل الكهنة، أين هو الربّ؟ والذي يتعاطون الشريعة لا يعرفونني: الرعاة أيضاً تعدّوا وصاياي" (إر 2: 8) –  على هذا النحو تصف كلمة الله لامبالاة الكهنة.

       "الرعاة  عَنُفوا  ولمّا  يطلبوا  الربّ؛ لهذا  السبب  لا  ازدهار  لهم  وكل   قطعانهم  يتبدَّد" (إر 10: 21).

       "رعاة  عديدون  خرّبوا  كرمي  وداسوا  نصيبي  بأقدامهم، وأحالوا  نصيبي  الطيِّب  بريّة قاحلة. جعلوه قاحلاً. وإذ صار كذلك بكى إليّ؛ كل الأرض أضحت جرداء لأنّه لا أحد يحبّها" (إر 12: 10 – 11).

       "ويل للرعاة الذين يخرِّبون ويبدِّدون خراف مرعاي! قال الربّ" (إر 23: 1).

       "أعوِلوا، يا رعاة، واصرخوا؛ وتمرّغوا في الرماد، يا مقدَّمي القطيع: فإنّ زمان ذبحكم وتبديدكم قد اكتمل؛ ولسوف تسقطون كإناء يسير. ولن يكون للرعاة سبيل إلى الهرب، ولا لمقدَّمي القطيع إلى الفرار" (إر 25: 34 – 35).

       "وجاءتني كلمة الربّ قائلة، يا ابن الإنسان، تنبّأ على رعاة إسرائيل، تنبّأ وقل لهم، هكذا قال الربّ الإله للرعاة: ويل لرعاة إسرائيل الذين يرعون أنفسهم! أما ينبغي للرعاة أن يرعوا الرعيّة؟ تأكلون الدسم، وتلبسون الصوف، وتقتلون الرعيّة ولا ترعون القطيع. العليل لم تشدِّدوه. والمريض لم تداووه، والمكسور لم تعصبوه، والضال لم تستردّوه والضائع لم تبحثوا عنه؛ ولكن سستموهم بالقوّة والعنف. وقد تبدّدوا لأنّهم بلا راع. صاروا مأكلاً لكل وحوش الحقل حين تبدّدوا. خرافي تاهت عبر الجبال وعلى كل تلّ عال: بَلا، خرافي تبدّدت على وجه الأرض ولا مَن يبحث عنها أو يطلبها. لذا، أيّها الرعاة، اسمعوا كلمة الربّ: بحياتي، قال الربّ الإله، لأنّ قطيعي صار مغنماً وصار مأكلاً لكل وحش الحقل، لأنّه لم يكن هناك من راع، ولا بحث رعاتي عن قطيعي، بل رعوا أنفسهم ولم يرعوا قطيعي؛ لذا، أيّها الرعاة، اسمعوا كلمة الربّ؛ هكذا قال الربّ الإله: ها أنا ذا على الرعاة وسأطلب خرافي من يدهم، وأحسمهم عن رعاية قطيعي ولا يرعى الرعاة أنفسهم  من  بعد؛  لأنّي  سأنجّي  قطيعي  من  فمهم  فلا   يكونوا  مأكلا ً لهم  بعد  اليوم..." (حز 34: 1 – 8).

       كلّما كان الموضع مقدّساً كلّما صارت رجسة الخراب فيه أرهب. وبما أنّ المكان الأقدس على الأرض هو الكنيسة الأرثوذكسيّة المقدّسة القائمة على الصخر، المسيح، والمستريحة على أبناء المسيح وإخوته (مت 12: 50)، والرسل والآباء القدّيسين، فإنّه أيسر للعدوّ، مهما بدا هذا الأمر غريباً لأول وهلة، أن يُعيث فيها فساداً.

       كل طقس مقدّس هو واقع روحيّ عظيم، تجسيد للروح القدس. في ذاته لا يمكن أن يكون حيادياً، بل يتسبّب إما بحياة أبديّة وإما بموت أبدي. إنّ الاستعمال الخارجي والشكلي، بلا روح، للمقدّسات، أوانيَ وأقوالاً وأفعالاً، تولّد وتحشد في العالم طاقة سالبة. والرجل الذي يشعّ بمثل هذه الطاقة يصير خادماً لضدّ المسيح. كذلك الرجل الذي يدّخر الذهب ويتمتّع برفعة المنصب، دون أن يكون قلبه ساطعاً بنار التوبة والمحبّة والصلاة، مثل هذا الرجل يمكن أن يُقال له، عن حقّ، ما ورد في سفر الرؤيا: "لأنّك تقول أنا غنيّ وقد استغنيت... ولست تعلم أنّك أنت الشقي والأعمى والعريان. أُشير عليك بأن تشتري منّي ذهباً مصفّى بالنار" (رؤ 3: 17 – 18).

       هناك مصيبة ناريّة مطهِّرة حلّت بالكنيسة الروسيّة. لا شكّ أنّ طرق العناية الإلهيّة لا يُسبَر غورها. غير أنّ المصائب تحلّ بالناس لأجل خلاصهم، ويُظهر الربّ لهم خطاياهم بعد أن يكون قد افتقدهم بآلامه الخلاصيّة.

       لا شكّ أنّ الشعب الأرثوذكسي، بالإجمال، مسؤول، في آن، عن انحطاط الأرثوذكسيّة في الأفراد، وعن الغربة الكاملة لنفوس عديدة عنها. غير أنّ أكبر المسؤولية يقع على عاتق أولئك الذين يتمتّعون بالمعرفة أكثر من عامة الناس، على الأساقفة والكهنة والشمامسة.

       هؤلاء تعيَّنوا من لدن يسوع المسيح ليكونوا وسطاء بينه هو – الراعي الواحد – وبين خرافه، لكنّهم استبانوا، في معظمهم، جداراً فاصلاً بينه وبين شعبه. "سيضربك الله أيّها الحائط المبيّض" (أع 23: 3). هذه كانت الكلمات النبويّة التي تفوّه بها القدّيس بولس إلى رئيس الكهنة. والحقّ أنّ رئيس الكهنة، في ذلك الحين، وآخرين، في تاريخ الكنائس والأمم، كانوا "حيطاناً مبيَّضة"، مدهونة ولكنّها، في حقيقتها، جدران تفصل ما بين الله وشعب الله.

       هؤلاء  أمسكوا  بمفتاح  المعرفة  فلا  هم، أنفسهم، دخلوا، ولا تركوا الداخلين يدخلون (مت 23: 13). شدّوا عقدة الطقوس والشكليات وابتلعوا جَمَل رحمة المسيح وبرّه وتواضعه وبساطته.

       أن يحيا المرء على نحو لا يتّفق وإيمانه أسوأ بكثير من أن يحيا وفقاً لعدم إيمانه. لا يمكن لملحد أن يؤذي كنيسة المسيح ويمزّقها كما يمكن أن يؤذيها كاهن شرّير محبّ للمال تلقّى ولمّا يُحرَم من النعمة الموقَّرة التي تتيح له أن يقيم الأسرار الكنسيّة ويلبس الثياب الكهنوتيّة المقدّسة. هؤلاء الكهنة والأساقفة هم الذين سيقولون للربّ متى حلّت ساعة الدينونة الأخيرة: "يا ربّ، يا ربّ، أليس باسمك تنبّأنا وباسمك صنعنا قوّات" (مت 7: 22 – 23). والربّ الوديع اللطيف سيقول لهم: "اذهبوا عنّي، يا فاعلي الإثم". أمثال "فعلة الإثم" هؤلاء يتضمّنون خدّام الكنيسة الذين يستعيضون عن الكهنوت الوثني الخالي من النعمة بالرعاية المنعَم عليها من المسيح. هؤلاء يسيطرون على الناس بدل أن يخدموهم. لا يعتنون بالخروف الضعيف بل بالخروف المكتنِز، ولا يفرحون بالخطأة الذين يتوبون (لو 13: 7 – 10) بل بالبار [في عين نفسه] الذي لا يحتاج ولا يرغب في التوبة، طالما أنّ مثل هؤلاء الأبرار يؤمّنون لهم، بوفرة، حاجاتهم الجسديّة. مثل هؤلاء الرعاة يتمّمون الطقوس المقدّسة للكنيسة كطقوس وثنيّة، بلا إيمان ولا رحمة ولا محبّة ولا صلاة قلبيّة، ومن دون أن يخدموا الله بالروح والحقّ.

       إنّ الحياة الكنسيّة الأرثوذكسيّة، بكل ما فيها من طقوس مقدّسة وقواعد، إنما هي حقل عظيم للنشاط الروحيّ وقوّة حيويّة متنامية لأولئك الذين عندهم الإرادة والدعوة للرعاية الحقّ. على أنّ هذا الخط الكنسي البديع يصبح حجر عثرة وفخّاً لأولئك الذين لا يقربونه بروح كهنوت المسيح وملكوته.

       فيما تنقّي الأسرار الإلهيّة الذهب فإنّها تُحرِق القش.

       إنّه لسهل للنفس البشريّة الضعيفة أن تؤخذ بمظهر الكهنوت، وبالإتمام الخارجي للطقوس وبالترتيل الموسيقي وبجمال السياق والكلمات – بكل ترتيب الكنيسة، بكل شركويّتها، التي إن لم تكن مفعّلة ومُلْهَماً بها من روح المسيح، فإنّها تصبح نجاسة تمثّل جسد المسيح الميت لا جسد القيامة. هذه هي الرجاسة التي لها سرّها في ذاتها (رؤ 17: 5). وهذه هي، في الحقيقة، رجاسة الخراب التي تحدّث عنها دانيال النبيّ القائمة حيث لا ينبغي (ليفهم القارئ) والتي تكلّم عليها المخلِّص، وتحول، إلى هذا اليوم، دون حصول العديدين على نوره.

       إنّ الرعاة غير المستحقّين يفقدون قوّة إتمام السرّ بأنفسهم، ويُقيَّدون، على نحو غير منظور، من يد ملاك يقدِّم للتكريس العناصر المقدّسة للمؤمنين.

       إنّ سرّ الإفخارستيا المقدّس يدوسه ويدنّسه لا فقط "السَحَرة"، الذين بسببهم أوقفت الكنيسة ممارسة إعطاء الخبز والخمر المقدَّسَين بأيدي العامة، بل يدوسه ويدنّسه الكهنة غير المستحقّين أيضاً، الذين في حياتهم وفي خدمهم الكنسيّة يفتقرون إلى الإيمان وإلى الإرادة أن يكونوا في الربّ أو أن يكون الربّ فيهم.

       هذا هو الكهنوت الوثني الخالي من النعمة، والقدّيس يوحنّا الذهبي الفم كان يشير إليه عندما تكلّم قائلاً: "أظنّ أنّ كهنة عديدين لا نصيب لهم في الخلاص". هذه حرفيّةٌ وتدنيسٌ للقدسات. الحياة والكتاب المقدّس يُبَيّنان، بواقعيّة رهيبة، أنّ الكهنة، أحياناً، انحطّوا في معايير الرعاية، وانحدروا، فعلاً، دون المستوى الأخلاقي للبشر العاديّين.

       إذا لم يعترفوا بالراعي الواحد، فكيف يقدرون أن يكونوا رعاة للقطيع؟ إذا لم يعوا شفاعته من أجلهم أمام الله فكيف يشفعون بالآخرين؟ إنّ الناس المفترَض أن يتقدَّسوا وفق درجة إيمانهم بنعمة الأسرار المقامة منهم، يضلّون باحتكاكهم بهؤلاء الرعاة المزيَّفين ومتى رأوا سيرتهم.

       ثمّة نفوس قليلة في العالم تستنير بروح حكمة المسيح لدرجة أنّها متى عاينت كاهناً متعدّياً لا "تتعثّر في المسيح" بل تلتصق به وتحبّ كنيسته بالأكثر، وتسعى، بإخلاص متزايد، إلى خدمته إذ ترى فعل الخيانة في حقّه.

       إنّ أكثر "المؤمنين"، عند أقل عثرة، يهتزّ إيمانهم في الكنيسة وحتى في الله نفسه. مثل هؤلاء القوم ينحرفون بيسر عن الكنيسة. إنّهم "الرُضَّع" في الإيمان. وعلينا ألاّ ندينهم بصرامة، بل أن نساعدهم ونحفظهم.

       صدق القول إنّ "مَن يعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له لو طُوِّق عنقُه بحجر الرحى وأُلقي في البحر" (مت 18: 6).

       الكهنوت قوّة عظيمة للتقديس ("خزّان نعمة" بكلام القدّيس يوحنّا كرونشتادت)، لكنّه يمكن أن يكون قوّة عظيمة للتعدّي في هذا العالم.

       الرعاية الآثمة يمكن أن تُتَعاطى من قِبَل الذين حظوا بأي درجة من درجات السلطة على الآخرين كائنة ما كانت: الأهل، الحرّاس، القادة، الحكّام، الرؤساء، المعلِّمون، المربّون، العلماء، الأطبّاء، الكتّاب، الصحفيّون، الممثّلون... كلّ منهم، في فلكه، إذا لم يكن مستنيراً بنور المسيح، فإنّه قد يتصرّف كمَن يسوق الآخرين بأكاذيب الشيطان ويضطهِد حقّ الله في العالم وفي الإنسان.

       إنّ ملكوت "الموت الثاني" (الذي هو الموت الروحي (رؤ 20: 14) يصنع أتباعاً له تماماً كملكوت الحياة – وحتى بإصرار أكبر بكثير، لأنّ ملكوت "الموت الثاني" عدائي ووقح. للموت الثاني العديد من الخدّام في العالم، عن وعي وعن غير وعي. لو كان الوعّاظ الأرضيّون ليبقوا وحدهم على الأرض، لكانت الأرض، من زمان، قد استحالت جحيماً. لكنَّ أوّلَ إنجيليّ على الأرض كان الخالق نفسه في شخص ابنه الوحيد. هو، الحَمَل الذبيح من قبْل إنشاء العالم، والذي عُلِّق على خشبة في زمن بيلاطس البنطي والراعيَين الكاهنَين حنانيا وقيافا، هو نفسه يكرز بالحقّ في العالم. وليس زعيق أو همس من الشرّ بإمكانه أن يخنق صوته أو يُنقص محبّته.

       محبّة الله، كنور الشمس، تشرق على كلّ العالَمين، وإذا ما كان هناك قوم يهربون من الشمس الواهبة الحياة إلى رَطَب وظلمة دياميس أفكارهم ومشاعرهم، فهل بإمكاننا أن نلوم شمس البرّ الساطعة على "الأشرار والأخيار"؟


بعض مزايا الرعاية الآثمة

       1- محبّة المال؛ الماديّة العمليّة؛ تقديم الصلوات والأسرار لقاء أجر، الأمر الذي يشكِّل خطيئة وتشويهاً لملكوت الل

       2- الانتفاخ، الاستعراض، المسرحة... (لقد نبّه الملاكُ القدّيسَ هرماس في شأن الرعاة المزيَّفين لمّا قال: "انتبه يا هرماس، حيث يكون انتفاخ هناك يكون خداع"، أي تزوير أمام الله). الطقس الأرثوذكسي لا انتفاخ فيه ولا مسرحة. بل هو واقع موقّر وصلاتي، فيه دعاء إلى الله بالصوت واللون والحركة – وتسليم إلى الله بكل ما للجسد. فقط من خلال القلب المشعّ بالمحبّة لله والإنسان تلقى الرمزيّةُ الأرثوذكسيّة نصيبَها من الحقيقة وتصبح واقعاً سماويّاً.

       3- تعظيم الأغنياء والأقوياء، واحتقار الفقراء والمتواضعين. "محاباة الوجوه". الخجل والتهذيب المزيّف في فضح خطايا أقوياء هذا الدهر. القسوة والغضبيّة حيال البشر الخاضعين والذين لا حول لهم ولا قوّة.

       4- الكرازة بالقيم الكنسيّة الأرضيّة والإنجازات، والانشغال بالأعمال والقضايا الجانبيّة على حساب الواجب الرعائي المباشر في شأن شفاء النفوس والإتيان بها إلى الراعي الواحد. النقص في التوقير في الكنيسة.

       5- طلب الإكرام والتعظيم والمجد الباطل للذات. علامات الإلحاد: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟" علامة الإيمان الرعائي: "مَن يطلب مجد الذي أرسله" (يو 5: 44).

       6- النقص في العناية بالنفس البشريّة... "وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له  فيرى  الذئب  مقبِلاً  ويترك  الخراف  ويهرب. فيخطف  الذئب  الخراف  ويبدِّدها" (يو 10: 12 – 13).

رئيس الأساقفة الروسي يوحنّا شاهوفسكوي (1902 – 1989)
راعي سان فرنسيسكو وغرب الولايات المتّحدة
نُقل عن الانكليزيّة بتصرّف عن كتاب "الراعي الأرثوذكسي"
مطبوعات معهد القدّيس فلاديمير
2008

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share