إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
دراسة: اللّحى في التقليد الآبائي
 
الشّيخ دانيال (ساريشيف) رسم لفيليب موسكوفيتين

   اللّحى، لا سيّما في صفوف الإكليروس والرّهبان، موضوع كان ولا زال له وقْعه وجذوره في الرّومية الأرثوذكسية. إيراده كنقطة خلاف بين البيزنطيين واللاّتين، بدأ منذ البطريرك القسطنطيني، القدّيس فوتيوس، والبابا الرّوماني نيقولاوس، في القرن التّاسع للميلاد. طرحُ موضوع اللّحى كسبب خلافي ليس عرضيّاً، بحال، لا سيما متى علمنا مثلا "أنّ الكاردينال بيصاريون، المتروبوليت البيزنطيّ الّذي انضمّ إلى الكنيسة اللاّتينية، إثر مجمع فرّارا فلورنسا (1437-1439) الّذي أجهضه، بخاصّة، القدّيس مرقص أسقف أفسس، أقول إنّ الكاردينال بيصاريون كاد أن يُصار إلى انتخابه بابا على الكنيسة اللاّتينية، إثر وفاة البابا نيقولاوس الخامس، لو لم يتمنّع عن حلق لحيته في خطّ العادة الرّومية البيزنطيّة المتّبعة!

   السّؤال يُطرح، إذاً، ماذا وراء أهميّة موضوع اللّحى في الوجدان الكنسيّ الرّوميّ الأرثوذكسيّ؟

   أ.ادوار سكايسيانسكي، الأستاذ المساعد في قسم الدّراسات البيزنطية، في جامعة نيو جيرسي الأميركيّة، كتب في مجلّة "رباعيّة القدّيس فلاديمير اللاّهوتيّة" (الجزء 58، العدد1، العام 2014) مقالاً بعنوان: "الشَّعر المقدّس: اللّحى في التّقليد الآبائي" (ص. 41-67). من هذا المقال استمددنا معطياتنا لكتابة مقالتنا الحاضرة.

   العلماء المحدثون يميلون إلى اعتبار الموضوع موضوعاً ذا طابع حضاريّ يغلّف مقاربة لاهوتيّة. الأمر ليس كذلك بالنّسبة للبيزنطيّين. أكثر من تكلّم في الموضوع، بصورة مباشرة، كان القدّيس اكليمنضس الإسكندري. اللّحية، في فهمه، هي من علامات الجلال والرّجولة. وكما كان الّتيار السّائد في مناحٍ عدّة من الامبراطورية، يومذاك، خلال القرنين الثّاني والثّالث الميلادييّن، ساوى القدّيس كليمنضس انعدام اللّحية إمّا بالجمال الصّبياني وإمّا بالتّخنّث. على هذا اعتبر قدّيسُنا الحليقَ أو من يزيّن شعره كمن يقوم بأحد أمرين: "إذا كان لإجتذاب الرّجال، فإنّ عمله يكون عمل شخص مخنّث، وإذا كان لإجتذاب النّساء فإنّه يكون فعل زنى".

وقد كتب في موضع آخر:

   كما يحكم الواحد على الآخرين من رؤيته لجباههم، باستطاعته معرفة كونهم زناة او مخنّتين من خلال حلقهم للحاهم..." ويعيش هؤلاء الأشقياء لأجل الأعمال الوقحة، مقترفين شتّى الأفعال الشّائنة والطائشة" كما ورد في العرافة (Sybil). و يدين أيضاً الزناة وأولئك الّذين يحاولون إخفاء سنّهم الحقيقي بسبب صلفهم، وأورد في موضوع التخنيث كيف "يتصرف الرّجال كالنّساء":

   "أن يسرّح الرّجل شعره ويحلق ذقنه بموسى لأجل اقتناء جاذبيّة ناعمة، مصفِّفاً شعره أمام المرآة، وأن يحلق خدّيه نازعاً الشّعر منهما لأجل تنعيمهما... فإنّك بالحقيقة ما لم ترَ (هؤلاء الرّجال) عراة فانّك لا شكّ تظنّهم نساء."

   إنّ رجالاً كهؤلاء "لا يمكننا اعتبارهم سوى فسّاقٍ تافهين ومخنّثين، ذوي أصوات ضئيلة وملابس نسائية الملمس والألوان". ومن هنا استخلص القدّيس اكليمنضس (ولم يكن الوحيد في ذلك) أنّ هؤلاء الرّجال، بتصرّفهم على هذا النحو، اختاروا لعب دور النّساء أو دور صبيةٍ أحداث في العلاقة الجنسية لأنّ " من يرفض رجولته في وضح النهار، سوف يُظهر ذاته امرأة في اللّيل".

   أدان الرّومان القدماء هذا التّصرف بحق، لأنّهم كانوا "يمقتون التخنّث في التّصرف، وتقديم الجسد بطريقة نسائية، بخلاف سنّة الطبيعة، معتبرين ذلك مستحقّاً لعقاب أقسى بحسب عدالة القانون". إلاّ أنّ المجتمع الإسكندري الّذي عرف تردّياً أخلاقياً كبيراً بات يقبل هذه الأوضاع الشّاذّة في العلاقات بحيث:

   يلعب الرّجال دور النّساء والعكس بالعكس بخلاف الطّبيعة. باتت النّساء، في آن معاً، الزّوجات والأزواج: غدا الشّبقُ محلَّلاً والشّهوانية المختلطة مؤسسة عامة".

   أدان القدّيس اكليمنضس كلا الشّذوذ الجنسيّ واللواط، ضمن انتقاده كلاًّ من تجار الصّبية (الّذين كانوا يتعلمون كيف يتخلّون عن دورهم الجنسي كرجال ليلعبوا دور النّساء) والّذين كانوا من خلال حلقهم للحاهم يتحوّلون إلى صبية من هذا النّوع لأجل الهدف عينه. لقد كان يعتقد أنّه ما من رجل "حقيقيّ" بإمكانه "أن يمارس إراديّاً الأمور الّتي إن اجتمعت وكان حقّاً رجلاً، لكان يفضّل الموت على ممارستها". لذلك أعرب عن "شفقته على الصّبية المملوكين من قبل تجّار العبيد المزيّنين لأجل أعمال الخزي". وكان دائماً ما يرى  الرّجال منغمسين في هذا العهر المخادع ويعقدون الصّفقات المالية علانية... نازعين الشّعر عن تلك المخلوقات الأنثوية بواسطة اللصاق، ويحلقونهم... غير خجلين من المارّة ولا من المقتربين ولا أمام أنفسهم كونهم رجالاً".

   كانت عملية نزع الشّعر بالنسبة للقدّيس إكليمنضس علامة الإنحراف الّتي تؤدّي اليه:

   إنّ استعمال الملقط لنزع الشعر (وأمتنع حتى عن مجرد ذكر انعدام الحياء المرتبط بهذه العملية) وفي عمل الإنحناء إلى خلف وإلى أسفل، والعنف في إستباحة ضعف الطَّبيعة بالخروج والإنحناء إلى الوراء في وضعيّة مخزيّة، اذ يكون فاعلو ذلك غير خجلين من أنفسهم من تصرّفهم بلا حياء في وسط الشّباب وفي صالة الرّياضة، حيث تُختبر قدرة الرّجل. أليس إتباع هذه الممارسات الخارجة عن الطّبيعة هو قمّة الشّبق؟ فإنّ الّذين يمارسون هذه الأعمال في العلن لن يتورعوا عن فعلها في البيت، فإنَّ سعيهم للخزي في العلن يبرهن عن شهوانيّتهم في السّرّ. 

   إذ يدين القدّيس أكليمنضس هذه التّصرّفات "المخالفة للطّبيعة"، يعتبر أنّ المسيحيين عليهم أن يتبعوا المثال "الطّبيعي" - أي أنّهم مدعوون من الله إلى التّصرّف والظهور بمظهر الرّجال بما في ذلك محافظتهم على لحيتهم الرّجليّة. لذلك كتب:

   اللحية، إذاً، علامة الرّجل، إذ بها يُرى رجلاً، ومخلوقاً قبل حوّاء. واللّحية رمز التّفوّق الطّبيعي، وبها أراد الله منه أن ينجح. ووزّع الشّعر على جسد الرّجل كلّه، ومن ضلعه أخرج الله كلّ ما هو ناعم ورقيق ووضعه في المرأة حوّاء حين خلقها... بينما إذ بقي الرّجل بلا نعومة بقي رجلاً وأظهر ذاته هكذا... لذلك يعتبر من الكفر تدنيس رمز الرّجولة أي الشّعر."وأمّا أنتم فحتّى شعور روؤسكم جميعها محصاة" (متّى 10: 30). قال الرّب، والّتي في الذّقن أيضاً والّتي على كامل الجسد. لذلك لا يجب أن تُنزع بخلاف وصيّة الله الّذي أحصاها حسب مشيئته.    

   وقال أيضاً في الفقرة ذاتها:

   أراد الله أن تكون النّساء ذوات نعومة، تفرحن بجدائل شعرهنَّ تنمو تلقائياً كما ينساب شعر الفرس، لكنّه بالمقابل زيّن الرّجل كما الأسد بلحية وجمّله بصدر مشعر كعلامة للرّجولة ودليل للقوّة والسّلطان. وكما يقاتل الدّيك للمحافظة على الدّجاج، وقد زيّنه الله بالعرف بمثابة خوذة، وقد أفرد للشعر قيمة خاصّة لذلك أمره بأن ينمو على جسد الرّجال جنباً إلى جنب مع الرّصانة، وحباهم منظراً وقوراً مشرّفاً وسط لحيتهم بشعر رمادي."27

   إذا كان ما تقدّم هو السّياق الطبيعي وبالتالي مشيئة الله الخاصّة، يجيب القدّيس اكليمنضس أنّه ليس "قانونياً أن تقصّ اللحية الّتي هي زينة الرّجل الطبيعية والنبيلة" لأن كما يكون "مجد الأسُد في شعرهم الكثيف... والخنازير الوحشية لها رهبة بسبب شعرها" هكذا فإنّ الرّجال مدعوون لأن يتمجدوا بشعرهم، لأنه باللحية "يُمسح الرّجل... وعليها ينزل دهن المسحة الّذي به تمجّد هارون".

   وبدل أن نضلّ كالغنم، من الأفضل لنا أن نماثل البرابرة (السّلتيين والسّكيثيين) "ذوي الشعر الأشعث الّذي يبعثُ على الخوف بلونه الدّاكن الضارب إلى الحمرة الّذي يذكّر بلون الدّم ويلوّح بالحرب". على مثال هؤلاء علينا أن ننبذ الترف المؤدي إلى التّصرفات اللاأخلاقية، وأن نحوز الجمال الحقيقي الّذي نحن مدعوون اليه: "جمال الذهن".

   لم يكن القدّيس اكليمنضس هو الوحيد في المماثلة بين حلق اللحية والتخنيث. يوليانوس الجاحد (361-363)  عدو المسيحية اللّدود، ألّف كتابه "كاره اللّحية" (ميسوبوغون) بعد إقامة له في أنطاكية، حيث سخر السّكان المحليّون من لحيته. قارن يوليانوس بين ذكوريته الظاهرة من خلال لحيته وتخنيث الأنطاكيين الّذين اعتبرهم فاسدين أخلاقياً. ومما كتب في ذلك:

   وتقول أنّه الأفضل لي أن أصنع جدائل من لحيتي الطويلة! حسناً سوف أعطيك هذه الجدائل إن كان بإمكانك أن تشدّها ولا تسبب خشونتُها الأذى "ليديك العاريتين النّاعمتين". فإنّك وأنت في هذه السّنّ المتقدمة تقلّد أبناءك وبناتك في عيشك النّاعم والمترف أو حتّى بالتّصرفات المخنّثة، بتنعيم ذقنك فلا تظهر رجولتك... إنّ أبناءك يماثلون بجمالهم النّساء، والرّجال الّذين بالإضافة إلى حلقهم للحاهم وتنعيم ذقونهم يحلقون أيضاً شعر أجسادهم حتّى أنّ الّذي يراهم يخال أنّ نعومتهم تفوق نعومة النّساء.

   ونجد في الباناريون للقدّيس أبيفانيس، هذه المماثلة بين حلق اللّحية والتخنيث والمضاعفات اللاّأخلاقية المؤدية إلى الخلط بين الأدوار الجنسية. في بحثه في الميسياليانيّة، يشكو أبيفانيوس من أنّهم يسمحون للرّجال والنّساء بالإجتماع معاً، "وفي الصّيف ينامون معاً في السّاحات العامة... النّساء مع الرّجال والرّجال مع النّساء". ورغم عدم توفّر المعرفة الملموسة لديه بأنّ هذا مآله الشذوذ الجنسيّ، فإنّه يقول بأنّهم لا شكّ معرّضون لذلك: "خاصّة باعتيادهم الاضطجاع معاً في مكان واحد".  لذلك قاد عدم الفصل الجنسي هذا، الرّجال المسيليانيين لا فقط إلى تركهم شعر رؤوسهم ينمو طويلاً (بخلاف الوصيّة الكتابيّة 1كو 11: 14) بل وقعوا أيضاً في الخطأ المعاكس أي "حلق اللّحية وهي علامة الرّجولة". هذا بالنسبة إليه كان مخالفاً لتعاليم الرّسل الّتي تأمر بعدم "إفساد الرّجل لحيته بحلقه أياها".

   "إنّ تعاليم الرّسل وتوجيهاتهم" المذكورة هنا تعود إلى القوانين الرّسولية الّتي كان أبيفانيوس ضليعاً بها والّتي قدّمت، فيما قدّمت، مجموعة قواعد من أجل تنظيم العلاقة بين الجنسين، فهي تُلزم الرّجال بعدم إعثار النّساء من خلال المغالاة في إظهار جمالهم لئلاّ يكونوا سبباً للخطيئة. وفي هذا السّياق تقدّم سلسلة من الممنوعات تساعد على منع الرّجال من إغراء النّساء: كالخواتم الذّهبية والأحذية المترفة، والجوارب، والزينة وطبعاً الشّعر الطّويل:

   "لذلك لا تسمحوا لشعركم أن يطول كثيراً بل قصّوه لئلاّ بتسريحكم شعركم الطّويل بشكل جميل وادّهانكم بالأطياب، تجلبون على أنفسكم خطيئة إغراء النّساء أو أن تكونوا هدفاً للإغراء... لأنّه لا يجوز لك أيّها المؤمن وأنت رجل الله أن تسمح لشعرك أن ينساب طويلاً وأن تسرّحه وتدعه يتدلّى على كتفيك ولا أن تزيد حجمه لا بتسريحه بلطف ولا بتجعيده بمعدن ولا أن تلمّعه لأنّ ذلك كلّه مخالف للشريعة الّتي توصي: "لا يجب أن تجعل في شعرك تجاعيد ولا خُصل مدوّرة".

   ودائماً ما كان النّهي عن الشعر الطّويل المترف مرتبطاً بالأمر التالي:

   "لا يجب أن يسيء الرّجال إلى شعور لحاهم مغيّرين هيئتهم الرّجليّة بطريقة غير طبيعية، لأنّ الشّريعة تأمر: "لا يجب أن تقصّوا لحاكم" فإنّ الله الخالق جعل ذلك موافقاً للنّساء لكنّه نهى الرّجال عنه. أمّا إذا فعلتم هذا لتجتذبوا الرّجال خلافاً للشريعة، فأنتم مرذولون من الله الّذي خلقكم على صورته الخاصة. لذلك إن أردتم ان ترضوا الله، فامتنعوا عن كلّ هذه الأشياء الّتي لا يرضى عنها هو، ولا تقوموا بأعمال لا توافق مشيئته".

   ما يسترعي الانتباه هنا هو ما ورد في سفر اللاّويين (19: 27): "لا تقصّوا رؤوسكم مستديراً ولا تفسد عارضيك"، وهو ما اعتُبِر في الشّرق والغرب حجّة لدعم عدم حلق اللّحية.

   طبعاً، بالنّسبة للرّسول بولس، كان من الواضح أنّ الشّريعة لم تعد ضرورية للخلاص، وقد تخلّى المسيحيّون عن معظم التّوصيات التّشريعية، لكن ما سبب بقاء الوصيّة الواردة في سفر اللاّويين وكأنّها ملزمة ظاهرياً؟

   الجواب على ذلك يقدّمه الّذي قام بجمع التّعاليم الرّسولية وهو يورد أنّ الإنسان يحتاج إلى:

    التّمييز بين الوصايا الّتي من سنّة الطّبيعة وتلك الّتي أُضيفت لاحقاً. تلك أعطيت في القفر لبني إسرائيل بعد أن صنعوا العجل الذّهبي... فهي إذ فُرضَت بعد سقوطهم في الخطيئة، لا تعتبرها أنت ملزمة لك؛ لأنّ مخلصنا لم يأتِ إلاّ ليخلّص من السّخط أولئك الّذين كان قد أعِدَّ لهم.

   على هذا تكون الوصيّة الواردة في سفر اللاّويين، ظاهرياً، من "سُنّة الطبيعة" الّتي تضبط العلاقة بين الرّجال والنّساء - أي تحافظ على التمايز البيّن بين الجنسين - لذلك لا تُبطَل بمجيء المسيح. نجد هذا النّمط في التّفكير عند العديد من الآباء في تفسير 1كور (11: 14): "أم ليست الطّبيعة نفسها تعلّمكم أنّ الرّجل إن كان يُرخي شعره فهو عيب له". برهن كلّ من أغسطينوس، وأمبروسيوس، وأمبروزياستر، أنّه حين يهمل البشر تقاليد الكنيسة (الأمر الّذي يتمّ، بحسب اعتقادهم، "لأنهم يحاولون أن يؤمّنوا حياة رغدة للحلاّقين")، حينها يكون الرّسول بولس مضطرّاً إلى الاعتماد على ناموس الطّبيعة.

   القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ، بدوره، يتخذ منحى "التّقليد العام" ويبرهن في تفسيره للرّسالة إلى أهل كورنثوس أن "هذه الأمور إنّما كتبت بحسب سُنّة الطبيعة... عندما أقول "طبيعة" أعني الله الّذي خلق الطّبيعة". حتّى البرابرة كانوا يعتبرون الشّعر الطّويل غير موافق للرّجل، لأنّ سنّة الله هي الإقرار المحض بفكرة "يمارسها الرّجال بشكل طبيعي كما تعلّموها". ونجد أيضاً لدى كلّ من القدّيسين كبريانوس القرطاجي و أمبروزياستر، التّعليم المسيحي عن الشّعر واللّحى مؤسَّساً على وصايا العهد القديم. في تفسير الرّسالة إلى أهل كورنثوس، يؤسّس أمبروزياستر رفض بولس للشّعر الطّويل على ما ورد في لاويين 19: 27. وفي نصح القدّيس كبريانوس لكيرينيوس عن كيفية تصرّف الرّجل الخائف الله، يورد الوصية بأنّ "لا يجب أن تنزع اللّحية" مستنداً إلى ما ورد في سفر اللاّويين.

   ما يثير الدّهشة في هذا الاستناد المتكرّر لما ورد في سفر اللاّويين في موضوع اللّحى، هو ما حصل لاحقاً، في السّجالات البيزنطيّة منذ زمن ميخائيل السّكيرولاريوس وما بعده والّذي اعتُبِر فيها حلقُ الذّقن عند اللاّتين نوعاً من الممارسة التطهيرية "اليهودية"- إذ كانت هذه الأخيرة تهمة مشتركة ضدّ الغرب في تلك الفترة. وبتوجيه هذه التّهمة إلى اللاّتين أسّس سكيرولاريوس نفسُه التقليدَ السّائد عند الكهنة ذوي الّلحى على التّعليم اللاّوي: ألله أمر الكهنة أن يحفظوا لحاهم وهذا ما يجب أن يُحفظ دائماً. لاحقاً، زاد الكتّاب البيزنطيّون تهمة التخنيث إلى اللاّتين، لائمين كهنتهم بأنّهم "حليقون، مشابهون للنّساء".

   عرّف الآباء الغربيون مفهوم اللّحية بأنّه في آن علامة الرّجولة والفضائل الرّجلية، دون التّطرّق إلى موضوع التّخنيث وعلاقته ببعض التّصرفات الجنسية المحرّمة. ولقد كتب القدّيس أمبروسيوس طالباً من النّساء والرّجال أن يلبسوا بطريقة توافق جنسهم، ما يلي:

   "ما أقبح للرّجل أن يتصرّف كامرأة! فليحبلوا ويُنجبوا أطفالاً أولئك الّذين يجعّدون شعرهم كالنّساء... لأنّه حيث لا يكون التّمييز واضحاً بين الرّجال والنّساء، تٌفقد العفّة".

   بالنّسبة للاكتانتيوس، "تساعد اللّحى إلى حد ّبعيد في إظهار نضج الجسد، أو في تمييز الجنس وإظهار الجمال الرّجليّ وقوّته". أمّا اللّحية، بالنّسبة لأغسطينوس فلا فائدة منها، بحدّ ذاتها، لأنّها لا تخدم حاجة معيّنة - إنّها فقط لتزيين الرّجل: "لأنها لو كانت موجودة لأجل وقاية الوجه، فبالحري تكون كذلك للجنس الأضعف، للنّساء ذوات الوجوه المكشوفة". وقد سبق أوغسطينس في تفسيره للأمثال أن قدّم التّفسير الأكثر تفصيلاً لمعنى اللّحية من الناحيَتين الإجتماعية واللاّهوتية: "إنّها كالأطياب على الرّأس النّازلة على اللّحية لحية هرون، النّازلة على جيب قميصه". فكما سُكبت الأطياب من رأس هرون على لحيته، هكذا أيضاً انسكب طيب الرّوح القدس من الرّأس، المسيح إلى لحيته، التّلاميذ:

    لأنّ اللّحية هي علامة الرّجل القوي، وهي رمز الشباب والقوّة والإنسان الحيوي والمتحمّس؛ لذلك نقول أنّه: "رجل ملتحٍ" اذا أردنا وصف أحدهم بهذه الصّفات.

   إنّ الرّسل والشهداء إذا تقوَّوا ضدّ الإضطهاد كما اللّحية بالأطياب "تألّموا لكنّهم لم يستسلموا" فاسحين في المجال للأطياب أن تنسكب على جيب القميص- الكنيسة. كِلا بروسبور الأكيتاني وكاسيودوروس تبعا منحى أوغسطينس إذ قالا إنّه "جيّد أن نفسّر اللّحية بالرّسل هنا، لأنّ اللّحية هي علامة الرّجولة القويّة إذ تبقى ثابتة على الرّأس".

   مقاطع أخرى من العهد القديم تبحث في موضوع اللّحى (1ملوك 21: 13و2 ملوك 10: 4-5 و19-24، وإشعياء : 20:7  و15: 2) لم تكن موضوعاً للبحث على نطاق واسع، رغم أنّ بعض الآباء بحثوا في نذور الإنسان المفروز للرّب، الموجودة في عدد 6: 1-21. اعتبر إيسيدوروس السّيفيل وآخرون الفكرة بأنّ على النّذير أن يترك شعره ينمو وفي نهاية أيّام نذره يحلق رأسه ويقدّم شعره للرّب كقربان، مقدّمة للسّيامة الكهنوتيّة. بالنّسبة لإيسيدور حلق الرّأس هو "حسم جرائم البشرة" وإنّ رأس الكاهن لا يجب أن يكون مغطّى بالشّعر (كما هو الحال بالنّسبة للنّذير) بل مكشوف "لأنّ ما كان مغطّى كعلامة للنّبوة، كُشف الآن بالإنجيل".

   غريغوريوس الكبير (في موراليا في أيّوب) يقرن أيضاً بين حلق الرّأس وقطع "الأفكار التّافهة" و"القضاء على العيوب الخارجيّة" وهو ما يجب أن يسعى إليه الكاهن. الذِّكر الوحيد للّحية الّذي يثير بعض الإهتمام هو في حزقيال 4:1-5، حيث يوصَف أمر الرّب لحزقيال بأن يحلق رأسه وذقنه ويفرق الشّعر فيهما ويحرقهما. وقد فسّر ثيودوريتوس القورشي قصّ الشّعر واللّحية بأنّه علامة "خسارة الجمال". وإرميا فسّره بـ”العري المخزي"، المقرون بإزالة دلائل"الجمال والرّجولة". وكانت هذه الإيماءة النّبويّة علامة على أنّه كما يُنزع الشّعر من الجسد وبذلك يموت. هكذا "أورشليم وشعبها يموتون ويُفصَلون عن جسد اللّه الحي". وقد توسّع إرمياء لاحقاً  في تفسيره قواعد الكهنوت اللاّوي (حزقيال 44: 20) ليشجّع الّذين كانوا يخدمون الرّب على إبقاء شعرهم قصيراّ "لإظهار التّواضع الّذي يجب أن يميّز مظهر الكاهن الخارجي".

   كان هذا الاهتمام بالتّواضع المسيحي في خلفيّة الفكر الآبائي بالنّسبة لموضوع الشّعر واللّحى خاصّة في الغرب. كان ترتوليان من بين العديد من المعلمين والآباء الّذين ماثلوا بين حلق الذّقن والرّغبة الجامحة (وبالتالي الأثيمة) في تزيين الجسد لإغواء الجنس الآخر. ففي كتابه "تبرّج النّساء"، بعد أن توجّه إلى النّساء في كلامه عن فضيلة التواضع، يتوجّه إلى الرّجال بالقول:

   "إنّ جنسنا هذا لديه حيَله الخدّاعة الخاصّة به - كتقصير اللّحية كثيراّ، وتشذيبها من هنا ومن هناك، وحلق ما حول الفم، وتصفيف الشّعر وإخفاء الشَيب بالصباغ ونزع كلّ ما يظهر من الشّعر على الجسد، وتثبيت كلّ شعرة في مكانها بواسطة بعض الدّهون النّسائية، وتنعيم كامل الجسد بواسطة مسحوق مركّز أو غيره".

   ولقد تابع القدّيس كبريانوس القرطاجي النّمط ذاته في لوم الّذين تغرّبوا عن الايمان وراحوا يزيّنون ذواتهم بدون حياء. وقد كتب في ذلك: "يحلق الرّجال لحاهم، وتدهن النّساء وجوههنّ. مظهر العيون غريبٌ عمّا خلقتهما عليه يد الله والشّعر ملوّن بغير لونه الطبيعي".

   بالطّبع من الممكن أيضاً أن يطيل الرّجال لحاهم بهدف غواية الجنس الآخر، كما ظهر مثلاً في محيط إرميا. في رسالته إلى أوستاخيوم، يحذّر إرميا من الّذين يدّعون "الاهتمام" بالنّساء ويكونون "مثقَلين بالحلى ومطيلين شعرهم كالنّساء بخلاف وصايا الرّسل، ناهيك عن لحاهم الشبيهة بلحى الّتيوس... وهي كلّها رموز للشرير". كما ينتقد في موضع آخر رجال الإكليروس المزعومين:

    "ذوي الأحقاء المزنّرة والثّياب الدّاكنة واللّحى الطّويلة. لا ينفصلون عن النّساء ويعيشون معهنّ تحت سقف واحد ويؤاكلوهنّ. عِندهم شابات يهتممن بهم، ولا يقبلون ان يُسمَّوا أزواجاً لكنّهم يتصرّفون تماماّ كالمتزوّجين".

   القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم كتب أيضاً ضدّ الحكماء المزعومين الّذي يرتدون الأثواب الممزّقة ويطيلون لحاهم... فاعلين بذلك ما هو أسوأ مما تفعله الكلاب تحت الموائد وصانعين كلّ شيء في سبيل بطونهم". الّذين بازدرائهم الحكمة الحقّانية، راحوا يستعملون مظهرهم الخارجي (بما في ذلك "لحية الفلاسفة") في سبيل الخداع، لكنّ حكمتهم بالحقيقة ليست سوى حكمة "الّذين على المسرح في دور الممثّلين، ليس لهم سوى ثوبهم الرّثّ ولحيتهم وعباءاتهم الطويلة".  أما المسيحيّون محبو الحكمة الحقانيون:

   فإنّهم بالعكس، إذ طلّقوا اللّحية والعصا، وكلّ المظاهر الخارجية، زيّنوا نفوسهم بعقائد الفلسفة الحقّانية، لا فقط العقائد بل والممارسات الفعليّة أيضاّ.

   أمّا كاسيودورس الّذي كتب بعد قرن ونصف عن كيفيّة التّعرّف على الرّجل الصّالح فإنّه لم يتردد عن وصفه بأنّه "وَقور بلحية طويلة"، ربما لتقييمه اللّحية الفلسفيّة من ناحية إيجابية، وباعتبار ذلك مقترناً مع التأمل المسيحي للحكمة والحقيقة.

   الملفت في موقف كلٍّ من إرميا والذّهبيّ الفمّ الغير المحبّذ للّحية من ناحية، والموقف المعاكس لكلّ من اكليمنضس وكاسيودورس وتارتوليان وكبريانوس، أنّهم جميعاّ يشتركون في الخلفية الفكرية ذاتها. إذ إنّهم جميعاً لم يكونوا مهتمّين باللّحية بحدّ ذاتها، بل بالرّسالة الّتي تعبّر عنها على الصّعيد الرّوحي (بالتخلّي المسيحي عن الخباثة الوثنية)، وخاصّة، بشكل أهم، على الصّعيد الجنسي. فبالإضافة إلى الاهتمام الأثيم بجمال الجسد (الّتي أوضحته التّعاليم الرّسولية) كان هناك خطر "التعرّض للإغراء أو إغراء النّساء". فإن أدان اكليمنضس وترتوليانوس وكبريانوس الرّجل الّذي يقصّ لحيته بهدف الظّهور بمظهر أكثر جاذبية للجنس الآخر فإنّ إرميا يدين الحالة المعاكسة للسّبب ذاته. لا يكمن جوهر القضّية في شعر الوجه بل في العفّة.

   تكمن هذه الرّؤية أيضاً في خلفية القانون ال96 لمجمع كوينيسكست (المعروف أيضاً بمجمع تروللو) الّذي يردد ما ورد في "تعاليم الرّسل" بشأن إدانة "الّذين يزيّنون شعرهم ويصففّونه لإيذاء الّذين يرونهم... وبوضع شركٍ في طريق النّفوس الضعيفة". هذا القانون بالتّحديد كانت له أهميّته في الكنيسة الشّرقية، وأعتُبر لا فقط ناهياً عن الشّعر الطذويل بل عن قصّ اللّحية أيضاً.

   في القرن التّاسع عشر، اعتبر القدّيس نيقوديمس الآثوسي أنّ المنع عن المناولة يلازم هذا القانون أيضاً:  

    ويشمل ذلك كلَّ الّذين يحلقون لحاهم، لجعل وجوههم أنعم وأجمل وعدم إظهارها بشكلها الحقيقي المجعّد، ليظهروا دائماً بمظهر الشّباب عديمي اللحية. وكذلك أولئك الّذين يحرقون أطراف لحاهم لجعلها بالمستوى ذاته، أو لتدويرها، والّذين يستعملون الملقط لنزع الشعر الزائد من وجوههم في سبيل أن يظهروا أكثر نعومة وجاذبية، أو الّذين يصبغون لحاهم لكي لا يُظهروا تقدّمهم في السّن.

   دائماً ما كانت القوانين الرّهبانية في الشّرق والغرب، تشترط عدم الدّخول في الشّركة "بوجه أنثوي (أي عديم اللحية)" والفكرة هي أنّ الرّجل عليه، كي يصير راهباً، أن يكون رجلاً ناضجاً لا حدَثاً عديم اللّحية. وفي حين قبل مكاريوس شابين "أحدهما كانت لحيته قد بدأت بالظهور والآخر لم تكن قد نبتت بعد" فإنّ آخرين كإفتيميوس وسابا، رفضوا رفضاً قاطعاً قبول الأحداث الّذين لم يشرعوا بقصّ لحاهم بعد.

   في البريّة، حيث تميّز الرّهبان وما زالوا يتميّزون بشعرهم الطّويل ولحاهم الطّويلة، تركّز وصف البعض منهم، بخاصّة، بطول لحيتهم. فقد وُصِفَ الأب أور بمظهره الملائكي "ولحيته البيضاء كالثّلج الّتي تغطّي صدره". كما كان لدانيال العموديّ لحية يُروى أنّها كانت تطول إلى "ذراعين أو ثلاثة". كانت لحية النّاسك تعبيراً عن التّخلّي، وفي حالات عديدة كانت تُعتَبَر علامة الحياة الرّهبانية. ويعتبر بعض اللاّهوتيين المعاصرين أنّ نمو الشّعر (الغير الطبيعي أحياناً) بين النّساك:

    "هو دليل حالةٍ روحية متقدمة... لأنّ نمو الشّعر المتزايد عند نسّاك الصّحراء - وهو ظاهرة تنجم عن صرامة في الإمساك - بإمكاننا اعتباره إنفصالاً عن العالم...  لأنّه  من المألوف اعتبار النّساك المسيحيّين قد تخطَّوا حدود جسدانيتهم - إلى حدّ معيّن - وارتَقَوا إلى مستوى "ملائكي" وهم بعد على هذه الأرض.

   من جهة أخرى، نجد من لا يماهي بالضّرورة بين اللّحية والقداسة، مثل أبولونيوس الّذي وبّخ بعنف الّذين: يتركون شعرهم ولحاهم تنمو، وقد قال في ذلك: "من المؤكد أنّ هؤلاء القوم يطلبون المدح من النّاس، تاركين شعرهم ولحاهم تنمو سعياً وراء المجد الباطل، رغم أنّنا أخذنا الوصية بأن نمارس حتّى أصوامنا في الخفية". "إذا كانت اللّحية هي الّتي تجعل الإنسان قدّيساً" كما قال الأقدمون "فلن يكون من هو أقدس من تيس المعزى!".

   في حين لم يلقَ مجمع تروللو استحساناً كبيراً في الغرب لأجل أسباب كنسيّة وسياسيّة مختلفة. وإذا لم يتم نقل الممارسة الرّهبانية الشّرقية إلى العالم اللاّتيني، فلا يعني ذلك أنّ القوانين الغربية كانت غير معنيّة بموضوع اللّحى والشّعر، وخاصّة بالنّسبة للإكليروس. في القرن الثّاني، منع البابا انيساتوس الشّعر الطّويل بالنّسبة للإكليروس الرّوميّ، واغسطينوس أدان الشّعر الطويل للرّهبان في كتابه دي أوبري موناخوروم، إنطلاقاً مما ورد في الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 11: 14.

   من القوانين الأولى الّتي بحثت بخاصة في موضوع اللّحى كانت قوانين Statua Ecclesiae antiqua،  من القرن الخامس، حيث الأمر هو بأنّه "لا يجب ان يُطيل الكاهن شعره ولا يجب أن يحلق لحيته". (clericus nec comam nutriat, nec barbam radat). للمفارقة، أصبح هذا القانون ذاته في أساس التّشريع الغربيّ اللاّحق ضدّ اللّحى اذ اختفت كلمة  radat في وقت ما من المخطوطات اللاّحقة فأصبح نصّ القانون يُقرأ "لا يجب أن يُطيل الكاهن شعره ولا لحيته" (clericus nec comam nutriat, nec barbam). يعتقد جيل كونستابل أنّ زمان وكيفيّة حدوث هذا التّحريف يبقى لغزاً، رغم أن الّذي حدث حقيقة يُشير إلى أنّ النّسّاخ أزالوا، أو، بالحري، يجب أن يٌقال "حلقوا"، كلمة radat  ، ليتماشى ذلك مع الممارسة الغربية اللاّحقة.

   هذا ما حدث أيضاً بالنّسبة لثالث قانون من مجمع برشلونة الّذي يكرّر بشكل شبه حرفيّ النذهي الوارد في Statua Ecclesiae antique بالنّسبة للحلق والشّعر الطّويل (ut nullus clericorum comam nutriat aut barbam radat) وقد تم هذا، على الأرجح ،لأنّ اسبانيا في ذلك الوقت كانت مجتاحة من الفيزيغوث وبرابرة آخرين من ذوي اللّحى الطّويلة. وكانت مهمّة الإكليروس الأولى، حينها،  تبشيرهم وتحويلهم إلى المسيحية. فلا عجب أن يأمر الأساقفة الإكليروس أن يتبنّوا قدر الإمكان طريقة حياة من يقومون بتبشيرهم. لكنّ القانون في القرن التّاسع أصبح يُقرأ على النّحو التالي: "لا يجب أن يترك الكاهن شعره ولحيته طويلة بل عليه أن يحلق" وعلى ذلك ذكر الباباوات اللاّحقون هذا القانون لدعم ممارسة حلق اللّحية لدى الإكليروس.وبحلول عصر النّهضة، عرف جيوفان بياترو بياريو فاليريانو أنّ التّحريف طال مخطوطات برشلونة و Statua Ecclesiae antiqua وهو ما استعمله في كتابه Pro Sacerdotum Barbis (1531) لدعم أعادة اللّحية إلى الإكليروس في الغرب.

   رغم أن هذه القوانين القديمة تُبدي دعماً لإكليروس ملتحِ" فلا يبدو أنّه كان لـ Statua Ecclesiae antiqua ولا لبرشلونة أيَّ تأثير جدّي في صيغتهما الأولى. بالعكس، يوجد يقين أنّ انعدام اللّحية بالنّسبة للإكليروس كان هو القاعدة بين الإكليروس اللاّتيني، الّذي تبنّى، ببساطة، أعراف المجتمع الرّوماني، وبالتّالي كان لديه حلق اللّحى هو الممارسة السّائدة. ولم تأتِ القوانين اللاّحقة إلاّ لدعم الممارسة الّتي كانت قد أصبحت مقبولة كعادة، باستخدام الصّيَغ المحرّفة من القوانين السّابق ذكرها لإضفاء صيغة الأصالة والإلزاميّة.

   أما القوانين الّتي تمنع الشّعر الطويل بشكل صريح (القانون20  من المجمع الأوّل في أجد Agde والقانون 17 من مجمع روما وقانون 8 من مجمع روما)، فتمّ تفسيرها بأنّها تمنع الشّعر الطّويل مع اللّحى، وكان عقاب ذلك الإبسال. ومع نهاية عصر الآباء في الغرب، أصبح حلق اللّحية، خاصّة بين الإكليروس، أمراً مقبولاً جداً.

   تبرير هذه الممارسة له أصلان: الأوّل كان الاهتمام المتزايد لدى الكهنة والرّهبان بالتّصرف بطريقة مناسبة للحياة الدّينية، مع الحفاظ على أهميّة التّواضع والعفّة خاصة بالنّسبة للإكليروس، والثّاني كان لاهوتيّاً منبثقاً من أسطورة "حلق رأس القدّيس بطرس".

   بحسب التّقليد، العائد إلى عهد القدّيس غريغوريوس التّوري، سمح القدّيس بطرس "لتعليم التّواضع" "أن يُحلق رأسه من قبل الّذين لم يؤمنوا بكلمته وذلك على سبيل الهزء". ورغم أنّ اللّحية، لم تُذكر هنا بشكل صريح، إلاّ أنّ حلقَها اعتُبِر، فيما بعد جزءاً من "حلق القدّيس بطرس". وقد كان مألوفاً في منطقة أوروبا الغربية أن يُصوّر القدّيس بطرس حليق الرّأس واللّحية. وحلْق رأس القدّيس بطرس هو عبارة عن دائرة حليقة في وسط شعر الرّأس تمثّل "تاجاً غير مصنوع من حجارة كريمة بل من حجارة الإيمان وصخرته"، وهو يختلف عن "حلق الرّأس الكامل على غرار الرّسول القدّيس يعقوب أخ الرّب والرّسول بولس (أعمال18: 18)".

   بحلول القرن السّابع، بدأت تظهر تشريعات في الغرب تأمر بحلق الرّأس واللّحية، وكانت تعتمد بالضبط على مثال القدّيس بطرس. في القرن التّاسع، بدأ الشّرق يتساءل عن ممارسة حلق اللّحية والشّعر لدى الإكليروس، فادّعى الكارولينغيانز أنّ الممارسة رسوليذة بالإعتماد على "القدّيس بطرس الرّسول ورسل آخرين والتلاميذ الّذين كانوا مدعوين لحلق الرّأس واللّحية على حد سواء". كانت الأسطورة معروفة في الشّرق وقد تم التّلميح إليها في كلّ من تاريخ الكنيسة لجرمانوس القسطنطيني (733) وبطرس الأنطاكيّ في القرن الحادي عشر.

   الخلاصة

   بعد أن تأملنا موضوع اللّحى كما ورد في كتابات الآباء، أصبح بإمكاننا أن نجيب عن السّؤال الّذي طُرح في بداية المقال: هل تدعم القوانين والممارسة الآبائية، كما زعم، لاحقاً، المتحاورون البيزنطيون، فكرة الإكليروس الملتحي؟ الجواب هو، ربما للمفارقة: نعم!. الواقع يدلّ بقوّة على أنّ ثمّة اتفاقاً آبائيّاً واضحاً بالنّسبة لموضوع شعر الوجه وهو ما خلا بعض التّمايزات في الآراء، يدعم وجود اللّحية. لكن، قبل إعلان انتصار الأرثوذكس في معركتهم الألفيّة مع الغرب في هذا الشّأن، وجب إيراد بعض الكلمات التّفسيرية.

   صحيح أنّ موضوع اللّحى لم يكن واحداً من الموضوعات الّتي أطال الآباء الحديث عنها، خاصة بالمقارنة مع المسائل الملحّة العقائدية والرّعائية والكنسية الّتي كانت تشغلهم بالعادة. لكن عند توفّر سبب للحديث في موضوع اللّحية، كان الآباء، ما خلا بعض الاستثناءات، يتحدثون عنها بطريقة إيجابية. كانت اللّحية بالنّسبة للرّجل، علامة الفضيلة والقوّة، وهي الزّينة الطّبيعية للرّجل المماثلة للِبدة الأسد. بالمقابل، كان حلق اللّحية علامة للتّخنيث المرافَقة بتصرفات شاذة، وخسارة الجمال وعلامة لتزيين الذات بشكل أثيم. ومع أنّ الممارسة الكنسيّة الأولى لم تكن دائماً واحدة، وكانت تختلف مع تبدّل الأعراف الثّقافية، فإنّ القوانين الآبائيّة الّتي انحدرت إلينا تشير إلى أنّ الكنيسة الأولى غالباً ما كانت تشجّع أعضاءها من اكليروس وعامة على أن يكونوا ملتحين لا العكس.

   لقد تمّ ذلك انطلاقاً مما أسلفنا لأسباب متعددة:

   الأول هو أن اللّحى بالنّسبة للآباء كانت جزءاً من السّنّة الطّبيعية للإنسان- أي أنّ الرّجل النّاضج هو ذو لحية بينما الصّبية والنّساء ليسوا كذلك. وهذا حدا بالعديد من الآباء خاصّة اكليمنضس وأبيفانيوس إلى الإستنتاج بأنّ الرّجل عديم اللّحية هو ذكر يحاول أن يلعب دوراً جنسيّاً شاذاًّ عن الطّبيعة ومُسيئاً بدون حياء إلى السّنّة الطّبيعية الّتي وضعها الله بذاته.

   تهمة التّخنيث، الّتي عُرفت كثيراً في المرحلة البيزنطيّة اللاّحقة، تحمل المعنى ذاته أي محاولة الظهور بمظهر النّساء وهو ما يُظهره اللاّتين الحليقون. من الواضح وجود بعض الضّغوط الثّقافية الّتي حملتهم على استنتاج ذلك. وهنا بالضبط يصحّ ما قاله كولبابا تماماً. إنّ فرضيات الثقافة اليونانية بشأن غير الملتحين، كانت، بحدّ ذاتها، غير لاهوتيّة، لكنّها لعبت دوراً في هذه الانتقادات الجدليّة اللاّحقة، تماماً كما كانت في عصر الآباء. عندما أدان اكليمنضس وآباء آخرون قصّ اللّحية، لم يكن ذلك لأنّهم عبّروا أنّها مقدّسة بحدّ ذاتها أو أنّ الله أسبغ عليها بعداً لاهوتيّاً خاصاً. على العكس، تدلّ الشواهد على أنّ عدم وجود اللّحية مدان فقط بقدر ما يؤثّر في الأخلاقيات المسيحية، خاصّة فيما خصّ التّصرّف الجنسيّ. المدان بالحقيقة هو اللاّأخلاقية الجنسيّة، وعدم وجود اللّحية مدان أيضاً إذا ما دلّ بالضبط على هذا النّمط من العيش.

   السّبب الثاني، في مدح الآباء للّحية، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسّبب الأوّل ومحوره الأساس هو خطيئة الغرور. عندما يصرف الرّجل وقته في تجعيد خصيلات شعره الذّهبيّة، وتنظيف وجهه وتجميله، فهو يقدّم البرهان على خُيَلاءَ لا تليق بالمسيحي، بجعله جسَدَه جذّابا على حساب روحه. والأسوأ من ذلك إذا كان يقوم بذلك كلِّه في سبيل إغراء أفرادٍ من الجنس الآخر، وجذبهم إلى خطيئة الجسد، إذ ذاك يُصبح خطراً على الصّحة الأخلاقيّة للجماعة المسيحية برمّتها. أيضاً وأيضاً، ليست اللّحية هنا هي المُحبَّذة لذاتها. فقد برهن إرميا أن العكس هو صحيح أيضاً: إذا ما تُركت اللّحية تنمو في سبيل إغواء النّساء، فهي إذ ذاك مدانةٌ أكثر من الوجه النّظيف المحلوق. المدان بالحقيقة هو الشّبق والغرور، وعدم وجود اللّحية مدان فقط بقدر ما يكون سبيلاً للخطيئة.

   على ضوء ما تقدّم، تُفهم التّشريعات القانونيّة في التّعاليم الرّسولية ومجمع تروللّو. لم توضع هذه القوانين أبداً لأجل الشّعر بل لأجل الأخلاق المسيحية. وأهمّ ما فيها بالأخصّ، أنّها تتوجّه إلى الإكليروس والعامّة على حدّ سواء. فقط في المجامع الغربيّة المحليّة تم تخصيص الإكليروس، ولكن حتّى هنا اتُّبع المنطق ذاته- إذا كان الرّجال المسيحيّون مدعوّين إلى اجتناب الخطيئة، وخاصّة خطيئة التّخنيث، والغرور والشّبق، فكم يكون ذلك بالأحرى مطلوباً من الكهنة والرّهبان؟!

   هذا يعيدنا إلى البيزنطيّين. كانت تهمة حلق اللّحية بالنّسبة لإكليروس اللاّتين تهمة قديمة، وقد ظهرت مع ما يُسمّى الإنشقاق الفوتيّ (نسبة إلى القدّيس فوتيوس). في القرن الحادي عشر، عندما بدأت تتكاثر أخطاء اللاّتين، كان تقليد الإكليروس الملتحي في الشّرق غامضاً إلى حدّ بعيد، ولم تكن أصوله وأسبابه بعد واضحة، رغم الاعتقاد السّائد أنّه كان ذا أبعاد لاهوتيّة معيّنة.

   يُرجّح أن تكون التعاليم الرّسولية هي الأصل في اعتبار البيزنطيّين أنّ القوانين لا تُجيز الحلق. أما الأسباب الموجبة لهذه القوانين فيبدو أنّها قد انتُسيت منذ زمن، وإن كانت واردة في النّقاشات حول الأخلاق المسيحية الّتي كانت محوريّة لدى الآباء. وهذا يبرهن باعتقادي، أنّه خلافاً للمواضيع الأخرى الّتي فرّقت بين الشّرق والغرب (كالفيليوكويه)، والّتي كان لها ما يدعمها لدى الآباءـ لم يكن لموضوع اللّحى شواهد لدى الآباء (كالّتي أوردناها في هذا المقال) تدعم التّعليم الخاصّ به.

   بالحقيقة، إنّ تهمة التهوّد الّتي وجّهها البيزنطيون (إلى اللاّتين) – الّتي هي في الوقت عينه خاطئة  وتجعل من استناد البيزنطيّين على الشّريعة اللاّوية مدعاة للضّحك – تدعم القول بأنّه لم يكن لديهم ما هو أفضل ليقدّموه.

   في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة أنّ اللّحية البيزنطيّة لها ما يدعمها، إنّ آبائيّاً أو تشريعيّاً، حتّى لو لم يتذكّر البيزنطيّون أنفسهم ما هو أصلها وما هي دوافع وجودها. وحتّى في الغرب اللاّتيني، القوانين الأولى المعروفة المتعلّقة بهذا الموضوع، تشجّع، في أصلها، على المحافظة على اللّحية، على الرّغم من التّحريف الّتي لحق بها في الفترة المابعد آبائيّة.

   اذاً يفضّل الآباء بعامة الرّجل الملتحي. وبقولنا هذا، نذكّر أنّ التركيز الأساس، إن في التراث اللاّتيني القاضي بعدم إبقاء اللّحية، أو في التّراث البيزنطيّ المؤسس بالكامل على القواعد الفكريّة الآبائيّة، هو بالنّسبة للرّجل المسيحيّ والإكليريكيّ على حد سواء، ما أوجب أن يحثّ المظهر على فضيلتَي التواضع والعفّة، ولا يجب أن يُفسح في المجال للعثرة والإغراء.

   لقد كانت هذه الرّسالة الأساسيّة للآباء في موضوع اللّحى، الّتي يجب أن تستمرّ الكنيستان الأرثوذكسية واللاّتينيّة في المشاركة بها، رغم الفارق في الممارسة. لأنّه بالنّسبة للرّجل المسيحيّ وخاصّة الكاهن، سواء كان ذا لحية طويلة أم عديم اللّحية، الموضوع ثانوي بالنّسبة للهدف الأساس الّذي هو القداسة الشّخصيّة والتّواضع والفضيلة، بالنّسبة للآباء، في الشّرق والغرب على حدّ سواء. كاهن قدّيس هو مُرضٍ لله أكثر من كاهن أشعر.

    

   المرجع: رباعيّة القدّيس فلاديمير اللاّهوتيّة. المجلّد 58. العدد 1. السّنة 2014. أ.ادوار سكايسيانسكي.

نقلتها الى العربية عائلة الثالوث القدوس

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share