إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
صوم الرّسل

     كان يُعرف هذا الصّوم في القديم بـ”صوم العنصرة“. تدعونا الكنيسة للإلتزام به، على مثال الرّسل الّذين بعد تلقيهم الرّوح القدس يوم العنصرة، أعدّوا أنفسهم للبشارة بالإنجيل لكلّ العالم. أنزل الرّب الإله على تلاميذه ورسله روحه القدّوس بعد خميسن يومًا من قيامته وتسعة أيّام من صعوده. يوم العنصرة، هو أحد أهمّ الأعياد الّذي تحتفل به الكنيسة المقدسة للرّب يسوع المسيح. إنّه كمال الوعد ، واكتمال العهد الجديد الأزليّ للبشريّة.
     حلّ الرّوح القدس على الرّسل! روحَ حق، روحَ حكمة، وتكشفت قوانين صهيون الجديدة عوض قوانين سيناء الّتي أُعطيت لموسى قديمًا...  وبهذا الحلول أُثبِتَت وصايا موسى وأُعطِيَت للمؤمنين القوة لإتمام وصايا الرّب الإله الّتي للعهد الجديد، الّذي يبرّر لا بالأعمال بل بالنّعمة الإلهيّة.

     نحن لا نصوم يوم العنصرة أو زمن العيد، (أي في الأسبوع الّذي يلي العنصرة)، لأنّ الرّب يكون حاضرًا معنا في هذه الأيام. وهو قال: ”أتقدرون أن تجعلوا أهل العريس يصومون، والعريس بينهم؟“ (لوقا 34:5).

شهادات آبائية في صوم الرّسل

     يعود صوم الرّسل إلى القرون المسيحية الأولى. ولدينا شهادات عدّة منها شهادة القدّيس أثناسيوس الكبير والقدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان والقدّيس لاون الكبير. أعطى القدّيس أثناسيوس الكبير (373 م) أقدم شهادة عن صوم الرّسل في رسالته للأمبراطور ”كوستانس“؛ فعندما تكلّم عن ٱضطهاد الآريوسيين، كتب: ”في الأسبوع الّذي يلي العنصرة، يذهب النّاس الصّائمون إلى المقابر للصّلاة“. أما القدّيس أمبروسيوس (397 م) فقال: ”هكذا شاء الرّب، أنّنا كما شاركنا الرّب بآلامه لمدة أربعين يومًا، هكذا يجب أن نفرح بقيامته في زمن العنصرة. نحن لا نصوم في فترة العنصرة، لأنّ الرّب حاضرٌ معنا في هذه الأيام... حضور المسيح هو الطعام المغذّي للمسيحيين. لذلك، خلال العنصرة، نحن نغتذي من الرّب الحاضر معنا. إلا أنّنا في الأيام الّتي تلي صعوده، نصوم مجدّدًا“ (الموعظة 61). ويرتكز القدّيس أمبروسيوس في كلامه على ما قاله يسوع عن تلاميذه في إنجيل متّى 14:9-15 ”لكن يجيء وقت يُرفع فيه العريس من بينهم فيصومون .

     كتب القديس لاون الكبير (461 م): ”بعد زمن العنصرة الطويل، يُصبح الصّوم ضروريًا لتنقية الذهن بالجهادات النّسكيّة، لجعلنا مستحقين لمواهب الرّوح القدس... بعد العيد الحالي (أي العنصرة)، الّذي هو حلول الرّوح القدس على الكنيسة والمؤمنين، يلتزم النّاس الصّوم الّذي وُضع للمنفعة، لشفاءً النّفس والجسد. لذلك علينا الولوج إليه بمهابة. إذ إنّنا لا نشك أنّه عندما امتلأت قلوب الرّسل من روح الحق الّذي وعدهم به الرّب من العلاء، أعطاهم تعاليم إلهية ”أسراريّة“ كثيرة، منها الزهد الرّوحي، لكي تتنقى قلوبهم بالصّوم، ولكي يخوّلهم ذلك لتلقي مواهب النعمة... لا يستطيع المرء أن يجاهد في جسد مدلّل وسمين ضدّ الإضطهادات والتهديدات الشّرسة لمن يقاومون ”الكلمة“. لأنّ الّذي يستمتع به إنساننا الخارجي يحطّم إنساننا الدّاخلي، وكلما ٱستنسكت النّفس الحكيمة جسدها، تنقّت بالأكثر.

     لذلك أقول لكم استنيروا يا أولاد البيعة بكنيسة الرّوح وتعاليم المعلّمين الّذين أوصوا بصوم مقدّس في بداية حربنا من أجل المسيح، لأنّنا إذ نشنّ الحرب ضد الفساد الرّوحي، نتسلّح بالإعتدال، مذلّلين شهواتنا الآثمة. فإنّ أعداءنا الغير المنظورين، لن يتغلّبوا علينا إن لم نستسلم لشهواتنا الجسديّة. ورغم أنّ المجرِّب يرغب دائمًا بأذيتنا، إلا أنّه لا يستطيع ذلك ويبقى عاجزًا إذا لم يجد جهة ليهاجمنا منها... لذلك أُثبتت فترةٌ من الصوم والإمتناع بعد هذه الأيام البهجة المقدّسة الّتي نحتفل بها إكرامًا للرّب، الّذي قام من بين الأموات وصعد إلى السّموات بعد حلول روحه القدّوس علينا.

     عادةُ الإلتزام بهذا الصوم بجدٍّ ضروريّة أيضًا للحفاظ على المواهب الّتي أُغدقت من الله على الكنيسة. فبعد أن حصلنا هياكل للرّوح القدس، وشربنا بالأكثر من المياه الإلهية، علينا أن لا نَخضع لشهواتنا، أو نَخدم رذائلنا، لكي لا تتلطّخ سُكنى النّعمة فينا بأي شيء غير نقي. نستطيع إحراز ذلك، بعون الله فقط، إذا نقّينا أَنفسنا بالصّوم والصّدقات، مناضلين في سبيل تحرير ذواتنا من كلّ خطيئة، مُظهرين ثمار المحبّة الفائضة... في القوانين الرّسولية الموحى بها من الله، وضع آباء الكنيسة بإلهام من الرّوح القدس أنّ الجهادات الشّريفة كلّها تبدأ بالصّوم بشكل أساسي.“

     ويضيف القدّيس لاون الكبير: ”لقد أُقرَّ هذا الصّوم، لأنّ إتمام الوصايا الإلهية مُستطاع فقط عندما يتسلح جيش المسيح ضد كلّ تجارب الخطيئة بالإمساك المقدّس. لذلك، أيّها الأحبّة، علينا أن ندرّب أنفسنا بالصوم، خاصة في الوقت الحالي، كما أوصينا في نهاية الخمسين يومًا بعد قيامة المسيح، وحلول روحه القدّوس الّذي احتفلنا به. لقد أُعطي لنا هذا الصّوم ليقينا من التّراخي، لأنّه سهَّل علينا أن نتراخى بعد هذه الفترة الطويلة الّذي يُسمح بها بتناول شتى أنواع المآكل. يا إخوة، إذا لم نَفْلَح حقلَ جسدنا باستمرار، سوف ينبت فيه الشوك بسهولة، ويُنتج ثمارًا لا يليق بها إلا الحرق، وتاليًا لا تصلح للحصاد. لذلك علينا أن نُحافظ، بدقّةٍ، على البذار الّذي تلقيناه من الزّارع السّماوي، وننتبه لكي لا يُفسِد العدو الحسود ما قد أعطانا الله، ولا نُنبت شوكًا ورذائل في جنّة فضائلنا. ونحن نستطيع ذلك فقط بالصّوم والصّدقات.“

     إلى جانب الآباء القدّيسين، دوّنَت الرّحالة ”إيجيريا“ في مذكراتها، من القرن الرّابع، أنّه في اليوم الّذي يلي عيد العنصرة، تبدأ فترة من الصّوم، وأنّه في الدساتير الرّسولية، الّتي تعود أيضًا إلى القرن الرّابع، فُرض التالي: ”بعد الإحتفال بعيد العنصرة، لمدة أسبوع، نلتزم بالصّوم، لأنّ الحق يرتّب علينا أن نفرح بعد تلقي النّعمة من الله ولكن أن نصوم بعد لكي ينتعش الجسد.“

     تؤكد لنا الشهادات من القرن الرّابع أنّه في كلّ من الإسكندرية وأورشليم وأنطاكية كان صوم الرّسل مرتبطًا بالعنصرة وليس بعيد القدّيسين ”بطرس وبولس“ في 29 حزيران. في القرون الأولى، كان يلي عيد العنصرة أسبوع فسحة، وبعد ذلك صوم لمدة أسبوع واحد.

     وإنّنا نجد في قانون القدّيس ”نيقيفوروس“ بطريرك القسطنطينية (806 – 816) ذكرًا لصوم الرّسل. أما تيبيكون دير ”السّتوديون“ للقدّيس ”ثيودوروس السّتوديتي“ فيتكلّم عن صوم أربعينيّ للرّسل. ويشرح القدّيس ”سمعان التيسالونيكي“ (1429 م) الهدف من هذا الصّوم: ”لقد وُضع صوم الرّسل بحق لإكرام الرّسل، لأنّنا من خلالهم تلقّينا المواهب المتعدّدة، فهم لنا النّموذج ومعلّمو الصوّم... نحن نحتفل لمدة أسبوع بحلول الرّوح القدس، بحسب الدستور الرّسولي الّذي كتبه القدّيس ”كليمندوس“، وبعد ذلك نصوم لمدة أسبوع لإكرام الرّسل“.

مدة صوم الرّسل

     إنّ ترتيب صوم الرّسل اعتمدته الكنيسة من خلال التقليد الشّريف وليس من خلال قانون معيّن.  لذلك لم يكن هناك، لمدة طويلة، لا طريقة واحدة في التزامه ولا فترة واحدة. كان البعض يصوم لمدة 12 يومًا والبعض الآخر لمدة 6 أيام، وغيرهم 4 أيام، حتّى إنّ البعض كان يصوم يومًا واحدًا. قال بطريرك أنطاكية ”ثيودورس بلسامون“ (1204 م) عن صوم الرّسل: ”يجب على كلّ المؤمنين من علمانيين ورهبان الالتزام سبعة أيام أو أكثر بصوم الرّسل، وكلّ من يتمنّع يُطرد من جماعة المسيحيّين“.
     في مؤلَّف ”الأصوام الأربعينيّة الثّلاثيّة“، الّذي يُظن أنّه يعود للرّاهب ”أنستاسيوس السّينائي“ (القرن 6 أو 7 للميلاد) أنّ صوم الرّسل يدوم من الأحد الأوّل بعد العنصرة لغاية عيد رقاد والدة الإله في 15 آب، ولكنّه في وقت لاحق، ٱنفصل عن صوم والدة الإله، وٱستُثني شهر تموز منه.

     في الكنيسة الأرثوذكسيّة، في أيامنا هذه، يستمرّ صوم الرّسل من أحد جميع القدّيسين (وهو الأحد الّذي يلي أحد العنصرة) لغاية عيد الرّسولين ”بطرس وبولس“ (29 حزيران في الرُّزنامة الجديدة و 11 تموز في الرُّزنامة القديمة). لذلك تتوقف فترة الصّوم على اليوم الّذي يقع فيه الفصح. بحسب أصحاب الرُّزنامة القديمة، يستطيع هذا الصّوم أن يمتدّ لمدة 42 يومًا ولكنّ هذه الفترة تقلّصت عند ذوي الرُّزنامة الجديدة الّذين في بعض السّنوات لا يصومون هذا الصّوم بالمرّة.

     بٱختصار، إذا وقع عيد الفصح في وقت مبكِّر، تكون فترة صوم الرّسل أطول منها، فيما لو وقع الفصح في وقت متأَخر من السّنة.

ترتيبات الصّوم

     إنّ صوم الرّسل أقل صرامة من الصّوم الكبير الّذي يسبق الأسبوع العظيم والفصح. وقد وافق ”المتروبوليت جورج“ (1069 -1072 م) على النّظام المُتَّبَع في مغاور كييف الّذي لا يسمح بتناول اللحم أو البياض في فترة صوم الرّسل. وفي يومي الأربعاء والجمعة، يتناولون الطعام الجاف (خبز ماء وفاكهة جافة). أمّا أيام الثلاثاء والخميس والسّبت والأحد فيُسمح بالسّمك والنبيذ والزيت. بالإضافة إلى ذلك كان يوصى بمئة سجدة (أي مطانية كبيرة إلى الأرض) تقام يوميًا، ما عدا السّبت والأحد وأيام الأعياد (كعيد ميلاد السّابق المجيد حيث يُسمح بالسّمك والنبيذ والزيت لا فرق في أي يوم يقع العيد).

     ٱنتقل هذا النّظام إلى الرّوسيا من دير مغاور كهوف كييف الّذي كان قد نقله عن دير الستوديون في القسطنطينية. لذلك يُفترض أنّ هذا هو النّظام الّذي كان يُتبع في الأمبراطوريتين الروميّة والرّوسيّة. ولا يزال هذا النّظام يُتّبع إلى يومنا هذا مع تعديلات صغيرة وفقًا للأُسقفيّات.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share