فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
بحث في تأريخ الفصح

     في ما يلي بحث تاريخي بحت عن تأريخ الفصح. خاصية احتساب العيد في كلّ كنيسة لا تنقص من أهمية هذا الحدث الّذي يتفق عليه كلّ المسيحيّين في الشرق والغرب وهو الإيمان بقيامة الرّبّ يسوع المسيح من بين الأموات.


         تاريخ الصّلب

     يبدو، بحسب الوقائع التاريخية وعلم الفلك، أنّ صلب الرّبّ وقع يوم الجمعة 7 نيسان سنة 30 م أو يوم الجمعة 3 نيسان سنة 33 م. يقول بعض الدّارسين أنّ تحقيق نبوءة يوئيل "تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ" (يوئيل 31:2)، الّتي يشير لها القدّيس بطرس في أعمال الرّسل 20:2، حصل عندما هبّت عاصفة رملية خمسينية من الصّحراء العربية أظلمت فيها الشمس وخُسف القمر وبان، في أورشليم، لونُه أحمر قانيًا كالدّم. هذا كان في العام 33 م.

     يقع فصح اليهود، بحسب الروزنامة القمريّة، في شهر "نيسان" (Nisan باللّغة العبرية) (الّذي يصادف بين شهري آذار ونيسان في روزنامتنا الحالية)، وهو أوّل شهر في السّنة الّتي يعتمدونها في تحديد أعيادهم، كما هو اليوم الّذي يصير فيه القمر بدرًا بعد الاعتدال الرّبيعيّ.

     ليس واضحًا في الأناجيل الأربعة إذا كان الصّلب قد تمّ عشيّة الفصح اليهوديّ، كما يشير إليه القدّيس يوحنّا الحبيب في إنجيله، (أي في 14 "نيسان" بحسب الروزنامة اليهودية)، أو في يوم الفصح اليهودي بالذات كما تشير إليه الأناجيل الإزائية (أي في 15 "نيسان" بحسب الروزنامة اليهودية). في الحالة الأولى، لا يكون العشاء السّريّ هو عشاء الفصح اليهوديّ، أمّا في الحالة الثانية فيكون كذلك. وهناك رأي آخر يقول إنّ الرّبّ يسوع وتلاميذه كانوا يتبعون روزنامة قمران (وهم شيعة من اليهود). في هذه الحالة يقع العشاء السّريّ يوم الثلاثاء (يوم الفصح اليهودي بحسب روزنامة قمران). أمّا توقيف يسوع فيكون يوم الأربعاء، في الصّباح الباكر، يليه يومان من المحاكمة إلى أنّ تمّ صلب الرّبّ يسوع يوم الجمعة 14 "نيسان".

     أنّى يكن الأمر، فإنّ المسيحيّين، في السّنين الأولى بعد صعود المسيح، كانوا يعيّدون الفصح مع الفصح اليهوديّ*. وكان الفارق بين الفصحين أنّ المسيحيّين كانوا يعيّدونه بفرحٍ عظيم، إذ إنّ عيدهم لا يعني ذكرى عبور حصل في التاريخ، بل هبة الحياة الأبديّة. وبقيت عادة تعيّيد الفصح مع الفصح اليهوديّ قائمة في بعض المناطق حتّى القرن الرّابع عند من عُرفوا بالـ"الأربعة العشريّين". هؤلاء استمرّوا بتعييد الفصح في 14 "نيسان". إلا أنّه منذ العام 51 م، حُدِّد، كما ينصّ قانون الرّسل السّابع، ألا يتم التعييد مع الفصح اليهودي في 14 "نيسان"، بل بعده.

     أما تعييد الفصح في الكنائس الشرقية، في ذلك الزمان، فكان تعييدًا لكلّ تدبير الرّبّ الإله الخلاصي، أي تجسده وآلامه وموته وقيامته. تتمركز هذه كلّها في يوم ذكرى موت الرّبّ يسوع على الصّليب. من هنا التقليد القديم الّذي يستخرج كلمة "باسخا" (Pascha) من الكلمة اليونانية "باسخين" (Paschein) ومعناها "التألّم".

     عام 325 م، إلتأم مجمع نيقية وحدّد عيد الفصح في الأحد الّذي يلي اكتمال القمر (البدر)، بعد الاعتدال الرّبيعيّ (أي بداية فصل الربيع). إذا وقع البدر يوم أحد، يُعيّد الفصح في الأحد الّذي يليه. واليوم الّذي يقع فيه الاعتدال الرّبيعيّ، بحسب روزنامة ذلك الزمان، وهي الروزنامة اليوليانية (الّتي اعتُمدت منذ العام 44 ق.م.)، هو 21 آذار. بذلك يكون احتساب يوم الفصح مستندًا إلى الاعتدال الرّبيعيّ ودورة القمر.

لماذا الاعتدال الرّبيعيّ؟

     أثناء الاعتدال الرّبيعيّ، وبحسب علم الفلك، يطال نور الشمس كلّ الكرّة الأرضية. والنّور، في الليتورجيّة الأرثوذكسية، له مكانة خاصة. فالرّبّ يسوع المسيح هو مصدر النّور الحقيقي. "أنا نور العالم" (يوحنّا 12:8). في هذا السّياق، نور الشمس يعكس صورة النّور الحقيقيّ.



       الفرق بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية

     استمرّ المسيحيّون، شرقاً وغربًا، يعيّدون الفصح وفق الترتيب الّذي نصّ عليه المجمع المسكوني الأول، إلى أن برز بين هؤلاء وأولئك، ٱختلاف في أمرين:

     الأوّل نشأ من تحديد "الدورات الفصحية" ٱستنادًا إلى المعلومات الفلكية. فالدورة الفلكية هي ٱبتكار أدخلته الكنيسة لاحتساب يوم عيد الفصح. كلّ دورة تتألّف من عدد من السّنوات تنتهي بالسّنة الّتي يقع فيها ٱكتمال القمر في اليوم عينه الّذي وقع فيه في السّنة الأولى من الدورة. في الشرق اتّبعوا دورة مؤلفة من 19 سنة. في الغرب من 84 سنة.

     أما الخلاف الثاني فطرأ عندما استبدل البابا غريغوريوس الثالث عشر الروزنامة اليوليانية بالروزنامة الغريغوريانية عام 1582 م، وذلك بسبب الاحتسابات الفلكيّة المستجّدة آنذاك. فقد اتّضح أنّ تراكم الأخطاء في الحسابات الفلكيّة أظهر أنّ الروزنامة المعتمدة متأخرّة عن الروزنامة الفعلية بـ"10" أيام (حاليًا 13 يومًا)**. فجاء التقويم الغريغوري يصوّب هذا الخطأ. فانشطر تعييد الفصح بين الشرق والغرب واعتمد كلّ فريق روزنامته الكنسيّة الخاصة، إلى هذا اليوم، في تعييد الفصح.

     في ظلّ الفرق القائم اليوم لتحديد يوم عيد الفصح لا يسعنا إلا أن نحيط الأمر بكثير من الانفتاح، لأنّ ٱختلاف الروزنامات المتّبعة، وتاليًا الاحتسابات، لا يتضّمن خلافًا لاهوتياّ. وبعودتنا إلى المقاييس الّتي حددها مجمع نيقية، تجدر الإشارة إلى أنّ التنظيم الّذي وُضع لتعييد الفصح أخذ بعين الاعتبار المعلومات العلمية الموفورة آنذاك، في ما يخصّ الاعتدال الرّبيعيّ ودورة القمر، وفق روزنامة ذلك الزمان.

     هذا ويشار إلى أنّ أحدث الدّراسات الفلكيّة اليوم يبيّن أنّ الروزنامة الغريغوريانية عينها، وإن كانت أدقّ، فلكيًا، من الروزنامة اليوليانية القديمة، فهي ليست، تمامًا، في مستوى الدّراسات الفلكيّة المعاصرة. ثم لأي تغيير يحصل جانب رعائيّ وجانب مجمعيّ، وإنّ ما قرّره مجمع مسكونيّ (نيقية 325) لا يغيّره سوى مجمع مسكوني!




* تجدر الإشارة هنا أنّ الكثير من التقاليد المسيحيّة في يومنا هذا مستمددة من التقاليد اليهودية آنذاك، كزمن الفسحة بعد عيد الفصح الكبير، إذ إنّ اليهود كانوا يعيّدون لمدة سبعة أسابيع زائد يوم بعد الفصح اليهوديّ، وفي نهاية الخمسين يومًا كانوا يحتفلون بذكرى لوحي الوصايا العشر الّتي أعطاها الله لموسى والوعود الّتي قطعها الله لنوح وإبراهيم. بالمقابل أخذ المسيحيّون يعيّدون لعيدَي الصّعود والعنصرة بعد أربعين يومًا من الفصح. ولكن في نهاية القرن الرّابع، حددوا عيد الصّعود بعد أربعين يومًا من الفصح أما عيد العنصرة ففي اليوم الخمسين.

** الروزنامة اليوليانيّة تراجعت عن الزمن الشمسي ما يقارب اليوم كلّ 128 سنة. وبحسب الروزنامة الغريغوريانية يقع الاعتدال الرّبيعي في 11 آذار.



المراجع:

  - الأرشمندريت سلوان موسي (2006)، إيماننا في الكلمة والأيقونة 4: سر القيامة. بيروت: منشورات تعاونية النّور الأرثوذكسية للنّشر والتوزيع.

     - Tighe William (2010), Passover to Pascha.
www.johnsanidopoulos.com/2010/03/passover-to-pascha.html

     - Ossorguine Nicholas (2002), The Date of Pascha and the reason for the difference between Western and Eastern Christians.
www.holy-trinity.org/ecclesiology/ossorguine-pascha.html

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share