يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).
التنقية والتطهير سبيلنا إلى الإستنارة والمعاينة الإلهية

مدخل

القدّيس سيرافيم ساروفسكي 
(يعيّد له 2 كانون الثّاني)

       موضوعنا، الليلة، موضوع عملي لا نظري، موضوع جوهري، خارطة لا يُستغنى عنها لكل راغب وساع في دروب الحياة الإلهية. إذاً، يخصّنا جميعاً. يخصّ كل واحد منّا. ربّما بعض الألفاظ المستعملة غير مألوف. ربّما بعض المعاني غامض. لا بأس، هذه ستتّضح، في حينها، متى دخلنا في صُلب الموضوع.

       الجنس البشري مريض. كلّنا مريض. ثمّةَ خللٌ حدث في وقت من الأوقات، في التاريخ. هذا نتج عنه ما عانت وتعاني منه البشريّة إلى اليوم: الوجع، الألم، الخوف، القلق، الظلم، الإستغلال، الفقر، الموت... غير صحيح أن الله خلقنا على هذه الصورة. الله خلق كل شيء حسناً. في سفر الجامعة (7: 29) قول معبِّر: "هذا وجدت فقط أن الله صنع الإنسان مستقيماً، أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة". من أين أتى كل هذا إذاً؟ الإنسان هو الذي أتى به على نفسه. السؤال هو: هل من مخرج؟ كيف نخرج من هذه الحال، من هذا الكابوس اليومي، من هذا الواقع المأساة الذي قال القدّيس يوحنا كاسيانوس الرومي في شأنه: "لو أبصر الإنسان حقيقة نفسه كما هي لمات رعباً؟" بكلام آخر، كيف نخلص؟ كيف نُشفى؟

       ليست المسيحيّة مذهباً بين المذاهب ولا ديناً من الديانات. لم يأتنا المسيح بفكر جديد، بمبادئ جديدة، بأخلاقية جديدة، بمعتقد جديد. أتانا بحياة جديدة لها فكرها الجديد وأخلاقيتها الجديدة. أتانا كمعطٍ للحياة، كمخلّص وكطبيب. إسمه، في كل حال، يسوع أُعطي له من رئيس الملائكة جبرائيل لمريم، والدة الإله، لأنه جاء ليخلِّص شعبه. لذلك سؤالنا هو: كيف نخلص؟ كيف نُشفى؟...

       في موضوع الليلة نعرض، بالضبط، لطبيعة مرض البشريّة وكيفية معالجته وبلوغ العافية وصولاً إلى اقتناء الحياة الحقّ في ملئها، كما شاءها الربّ الإله أن تكون، "حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد بل حياة لا تفنى". الموضوع واسع. سنحاول أن نعرض له بإيجاز وبما أمكن من التبسيط لتكونوا على بيِّنة، ولو قليلاً، مما ذاقته الكنيسة وخبرته جيلاً بعد جيل.

       على هذا مصدر كلامنا هو تراث الكنيسة. لا أتكلّم من عندي ولا من تصوّرات الناس. كلامنا هو من الكتاب المقدّس، من كتاب الله، من كتاب الحياة. وكلامنا أيضاً من خبرة الآباء القدّيسين وتعليمهم. هؤلاء دخلوا الأرض السماوية التي تَفيض لبناً وعسلاً. ذاقوا الحياة الجديدة. عرفوا الله كما هو. اقتنَوا العلم اليقيني. كيف لا وعندنا "أن الروحي يَحكم في كل شيء ولا يُحكم فيه من أحد" (1 كو 2: 15)؟ هؤلاء أنفسهم أطلعونا على ما عرفوا وعلّمونا ما تعلّموا ليتسنّى لنا، نحن أيضاً، أن نقتني الحياة الجديدة التي اقتنَوها. بلى، الحياة الجديدة هي لكل الناس. فالله يريد الخلاص للجميع والقداسة للجميع والحياة الجديدة للجميع. صحيح، هناك قوم قاماتهم الروحية أكبر من قامات غيرهم، ولكن ليس أحد محروماً من رحمة الله، مقطوعاً عن الله إلاّ مَن حرم نفسه وقطع ذاته. الله يريد، أتريد أنتَ أن تخلص؟

       هذا هو السؤال الذي يجدر بكل واحد منّا أن يطرحه على نفسه. وعلى رجاء الآمين في إجابتنا عليه ننطلق، بإذن الله، في حديثنا الليلة.

مقدّمة

       تتوزّع الحياة الروحيّة – ونقصد بها هذا المسيرة من المرض إلى العافية ومن الموت إلى الحياة – على ثلاث مراحل أساسية هي:

       * التطهير

       * والاستنارة

       * والاتحاد بالله

       التطهير والتنقية أمر واحد. وهذان نسمّيهما أيضاً "النسك" أو "العمل". ثم تأتي الإستنارة أو "تأمّل الخليقة". وأخيراً نصل إلى الإتحاد بالله الذي يُسمّى أيضاً "الكمال" و "المعاينة الإلهيّة" و "التأمل الإلهي" و "اللاهوت" و "المعرفة الإلهيّة".

       الكلام على هذه المسائل متفرِّق في الكتاب المقدّس وليس بقليل. في التطويبات مثلاً: "طوبى للأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). الطوبى أو الغبطة أو الفرح الإلهي هو نصيب أنقياء القلوب. هؤلاء لا يولدون أنقياء لأن الجميع أخطأوا (رو 3: 23) و"بالخطيئة ولدتني أمّي" (المز 50). هؤلاء يصيرون أنقياء، يتنقّون. يتعبون ويجتهدون ليصيروا أنقياء. "لا يولد الإنسان مسيحياً. يصير مسيحياً" (ترتوليانوس المعلّم). ولماذا يُمتَّعون بالغبطة؟ لا لأنهم يصيرون أنقياء، بل لأنهم متى تنقّوا يُعطى لهم، بنعمة الله، أن يعاينوا الله. إذاً، الله يُرى؟! طبعاً يُرى! لا، لا، ليس هذا كلاماً مجازياً. طبعاً، الله لا يُرى بعين الجسد الذي لنا الآن لأن الله ليس جسداً. "الله روح" (يو 4: 27). فرؤيته تكون في الروح الذي هو الروح القدس. متى سكن فينا الروح القدس الذي هو فيه وتفعّل، إذ ذاك نراه، ونراه كما هو. اسمعوا ما يقول القدّيس يوحنا الحبيب في رسالته الأولى، الإصحاح الثالث، الآية الثانية: "نحن أولاد الله... ونعلم أنّه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو". بلى، الروح القدس يعطى لنا ليقيم فينا لأنّه قيل "أما تعلمون أنّكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟" (1 كو 3: 16) حتى الجسد سوف يشترك بمعاينة الله متى تروحن لأنه ليس إنسان من دون جسد. الروح القدس يجعلنا مثل الله، ومتى صرنا مثل الله، إذ ذاك نراه كما هو، كما قال يوحنا. متى أدركنا معنى هذا الكلام أدركنا لماذا قال القدّيس سيرافيم ساروفسكي إن غاية الحياة المسيحيّة هي الامتلاء من الروح القدس. بهذا الامتلاء، في الحقيقة، نعاين الله لأننا نصير واحداً والله من دون اختلاط ولا تشويش. الله يبقى الله وكل واحد منّا يبقى إيّاه: جورج وطوني ونقولا. لا هو يذوب فينا ولا نحن نذوب فيه، ومع ذلك يصير هو فينا ونحن فيه.

       من جهة أخرى، قال الربّ يسوع عن نفسه إنّه "نور العالم" (يو 8: 12). ولتلاميذه أيضاً قال القول عينه: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). هذا النور واحد وهو نور الله. خارج هذا النور ليس هناك غير الظلمة. النور هو أساس المعاينة. كما انه لا طاقة لنا على رؤية شيء من حولنا إلاّ في نور الشمس، كذلك لا طاقة لنا على معاينة أي شيء، على تبيِّن أي شيء كما هو، على معرفة حقيقة أي شيء في أنفسنا والعالم – لأننا نحن جزء من العالم – إلاّ في نور المسيح المعطى لنا. من دون هذه الاستنارة يخبط المرء خبط عشواء، يتصوّر ويتخيّل ويتكهّن. يبقى جاهلاً مهما فعل. يكون "في الظلمة وفي الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضي لأن الظلمة أعمت عينيه" (1 يو 2: 11).

       ترون، إذاً، يا إخوة، أن معاينة الله أو الاتحاد بالله هو الغاية. إذا لم نكن لنبالي بمعاينة الله فإنه لا يكون لنا نصيب مع الله. ولكي يتسنّى لنا أن نعاين الله علينا أن نمتلئ من روح الله. والله نور، يأتينا كنور. سعينا، إذاً، ينصبّ على اقتناء هذا النور، لكي يملأنا النور لنصير نوراً كما المسيح نور. وهذا لا يتيسّر لنا إلاّ إذا تطهّرنا وتنقّينا. لهذا، بالذات، لا خلاص لنا إلاّ إذا سلكنا طريق التطهّر والاستنارة وصولاً إلى الاتحاد بالله.

التطهّر

        لكي نعرف لماذا نحن بحاجة إلى تطهّر علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً لنستطلع أين كان آدم في البدء ولماذا حلّ به ما حلّ. مصدرنا، هنا، بالطبع، هو سفر التكوين.

       في الإصحاح 2، الآية 8 و 9 نقرأ أن الربّ الإله غرس "جنّة" في عدن شرقاً ووضع هناك آدم الذي جبله. وأنبت من الأرض كل شجرة شهيّة للنظر وجيِّدة للأكل، وشجرة الحياة في وسَط الجنّة وشجرةَ معرفة الخير والشر. الجنّة هي علاقة آدم بالله. آدم كان عشير الله. الجنّة كانت عطيّة الله وكانت ملتقاه بآدم. في الإصحاح 3، الآية 8 نقرأ ما يوحي بأن الله كان لآدم كأنه إنسان مثله لأن آدم كان يسمع صوته في الجنّة وكان الله يمشي في الجنّة، وكان الربّ الإله يخاطب آدم وحوّاء وهما يجيبانه. هذا على نمط ما قيل عن موسى، في سفر الخروج، إنّه كان يكلّم الربَّ "وجهاً لوجه كما يكلِّم الرجل صاحبه" (33: 11). وقد كلّف الله آدم بأن يعمل الجنّة ويحفظها (تك 2: 15). إذاً، كان على آدم أن يكمل ما أبدأه الله. بهذا المعنى أعطاه الله أن يكون شريكاً له. وكان عليه أيضاً أن يحفظ عمل الله ويتعهّده. ولأجل أن يحسن عملَ الجنّة وحفظَها سلّمه وصيَّة: "من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت" (2: 16). الأكل من شجرة الخير والشرّ أو عدم الأكل منها كان معطى لآدم. هكذا الربّ خلقه قابلاً لمعرفة الخير والشرّ. الأكل أو عدمه كان خياراً آدمياً. ولكن حصّنه الله بالوصيّة. كل شيء بقي في سلام طالما بقي قلب آدم متّجهاً إلى الله وعينه عليه. كان آدم يرى الله في كل ما في الجنّة لأن ذكره، ذكر الله، كان ملء قلبه. حياة آدم، يومذاك، كانت بسيطة، على حدّ تعبير القدّيس غريغوريوس النيصصي، لأنه لم يكن فيها أي زغل. فجأة دخلت الحيّة في الصورة. لفتت الانتباه إلى شجرة معرفة الخير والشرّ فالتفتت حوّاء ومن ثمّ آدم. رأيا أنّ الشجرة جيّدة للأكل، بهجة للعيون، شهيّة للنظر فأكلت حوّاء وأكل رجلها معها. لم يلاحظ آدم وحوّاء في الشجرة ما لم يكونا على علم به. لم يقل الله لآدم: لا تقترب من الشجرة أو لا تنظر إليها، فقط "لا تأكل منها". إذاً لم يكن مرأى الشجرة هو العثرة. العثرة كانت موقف آدم وحوّاء منها بعدما سمعا ما قالته الحيّة. إذاً التغيّر كان في قلب آدم وحوّاء. لما تحوّل قلبهما عن الله إلى الحيّة فإلى الشجرة نظرا إليها في ذاتها. في السابق كانا ينظران إليها في نور الله، كعطية من الله. وإذ فعلا ذلك لم يعاينا الله في الثمرة وأضحت الوصيّة لديهما في حكم المنسيّة. للحال تحرّك فيهما حسّ غريب وميل غريب وهوى غريب كان بمثابة رغبة جامحة دفعتهما دفعاً إلى الأكل من الشجرة فاندفعا وراء حركة قلبيهما صاغرَين. مذ ذاك لم يعد آدم وحوّاء على علاقة بالخالق في الخليقة ومن خلالها. صارت علاقتهما بالخليقة مباشرة دون الخالق. هذا ما انفتحت أعينهما عليه فكانت الخطيئة وكان السقوط. وإذ انفتحت أعينهما "علِما أنهما عريانان" (تك 3: 7). ما تعرّيا منه، في الحقيقة، كان الله. كان نورُ الله ومجدُه لباسَهما فصار جسداهما لحماً كما نقول في كتبنا.

       وأُخرج آدم من جنّة عدن. أُخرج من عِشرة الله "ليَعمل الأرض التي أُخذ منها" (تك  3: 23). مذ ذاك صار الإنسان في الأتعاب والأوجاع كل أيام حياته حتى يعود إلى الأرض التي أُخذ منها لأنه تراب وإلى التراب يعود. مذ ذاك، أيضاً، التُعنت الأرض بسببه.

       في إيقوناتنا نصوّر آدم وحوّاء يُطردان من الجنّة وهما حزينان باكيان؛ ولا غرو فالجنّة بيتهما وهما، في الأرض، منفيّان. حنين الإنسان باق إلى الجنّة والربّ لم يوصد الباب، بل ما أتاه الإنسان على نفسه من جهة الألم والموت إياه جعل الربّ الإله سبيلاً إلى الخلاص فكان الصليب. وبالصليب أتى الفرح إلى العالم.

       ولكن كان على الإنسان أن يتنقّى أولاً. كل أسفار الكتاب العزيز يتردّد فيها صدى دعوة الله إلى النقاوة، نقاوة القلب. "اغتسلوا، تنقّوا، أزيلوا شروركم من أمام عينيّ" (إش 1: 16). "مَن يصعد إلى جبل الربّ...؟ النقيّ اليدين والطاهر القلب..." (مز 23: 3 – 4). "ارجعوا إليّ بكل قلوبكم" (يوء 2: 12). كان الله يعرف أنه ليس في طاقة الإنسان أن يتنقّى منفرداً. لذلك فيما حثّ الناس على الطهارة دعاهم إليه ووعدهم بتنقية زغلهم بنفسه (إش 1: 25). "هاءنذا أُنقّيهم" كما قال في إرميا النبي (9: 7). فاستبانت النقاوة عملاً مشتركاً، بيننا وبين الله. على هذا أخذ الشعب يروض نفسه على التوبة والتماس القلب النقي في آن: "قلباً نقيّاً أخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في أحشائي" (50: 10).

خطيئة العالم ونتائجها

       عندما نتكلّم على الخطيئة علينا أن نميِّز بين الخطيئة والخطايا. الخطايا هي الأفعال الخاطئة التي يقترفها الإنسان شخصياً. أما الخطيئة فهي حالة الخطيئة التي استبدّت بالبشريّة منذ السقوط. بهذا المعنى الأخير، كل إنسان يولد في الخطيئة. لذا يسوع هو حمَل الله "الرافع خطيئة العالم" بحسب إنجيل يوحنا (1: 29). هذه الحالة ورثناها، بسبب وحدة الجنس البشري وتضامنه، من الخطيئة الجدّية، التي سقط فيها آدم وحوّاء. الخطيئة التي أخذناها، والحال هذه، هي حالة بشرية منحرفة عانى فيها الإنسان العطب مرغماً دون أن تكون له مسؤولية شخصية عنها.

القدّيس مكسيموس المعترف
(يعيّد له في 19 كانون الثاني)

طبيعتنا مرضت، شردت عن محورها الأصلي، الذي هو الله، واتّجهت صوب محور آخر هو الذات والعالم، ذات كل واحد منا وعالم الخطيئة. محبّة الله غابت ليحلّ محلّها ما يسمّيه آباؤنا، باليونانية، فيلوتيا () التي تعني، في آن، محبّة الذات ومحبّة العدم وهي أمّ الأهواء جميعاً. هذه حدّدها القدّيس مكسيموس المعترف بأنها مصادقة الإنسان لنفسه ضدّ نفسه. وفيها يتحوّل الاهتمام من السعادة الحقّ إلى المتع العابرة ويقع المرء في هيام جسده والجسديات. ما نجم عن هذا التحوّل كان هائلاً. دونكم عيِّنة مما تأتّى:

 

       - انقطع نور الله عن الإنسان. أظلم ذهنه، أي الموضع من القلب الذي كان يطلّ منه على الله.

       - أصاب الإنسانَ مرضُ الجهل أي لم يعد يعرف الله ولا الخليقة كما هي في عين الله. هذا كما يقول القدّيس مكسيموس المعترف.

       - ذكر الله لديه مال، تلقائياً، إلى الإمّحاء وامتلأ من نفسه وذكر العالم.

       - اختلّت البنية الداخلية في نفسه واضطربت قواه وضعفت وملكها التنافر والتضاد. لم يعد الكيان كتلة واحدة متآلفة متراصّة. قبل ذلك كان الله جامعَه إليه، أما الآن فصار مفكّكاً مبعثراً مشتّتاً، وتحكّم به الخوف والقلق والحسد.

       - قام الإنسان على الإنسان وامتلأت الأرض ظلماً وفجوراً.

       - علاقته بالأرض تبدّلت. كان عاملاً حافظاً لها بالحبّ فصار يخضعها بالعنف ليستهلكها ويمتّع نفسه بها. حلّت بها اللعنة وتمرّدت عليه.

       - استعبدته الخطيئة وبالخطيئة الموت (رو 5: 12). اشتاق إلى التراب، وأحبّ العدم.

       - خضع للنواميس البيولوجية والكونية

       - غزته الآلام والأوجاع كل أيام حياته.

       - سقط من حرّية عِشرة الله ومماثلته إلى عبودية عِشرة الخطيئة وخدمتها. لم يُبقِ له الربّ الإله، تدبيراً، بحسب القدّيس غريغوريوس النيصصي، سوى حرّية المفاضلة ما بين الخير والشرّ ليتيح له أن يعود إليه. حتى هذه الأخيرة صارت عرضة للخسران إذا لم يسلك في الخير.

       - أخيراً، وليس آخراً، تولّدت فيه الأهواء.

ماذا عن الأهواء؟

        الأهواء، في الأساس، قوى في النفس خلقها الله للخير. لكنّها، كما يقول القدّيس غريغوريوس النيصصي، تعكّرت بنفاذ عناصر من الطبيعة الحيوانية الغاشمة إليها فانحرفت عن مسارها وأضحت خطرة. ويحدّدونها، بعد السقوط، باعتبارها ينبوع الخطيئة وبذار الموت وأدواته. وهي عادات انطبعت في الطبيعة البشرية بعد الخطيئة الجدّية. تسلب الإنسان حرّيته. يصفونها بأنّها تعطش إلى العدم وراء مظهر تعطّش إلى الحياة. أحد الآباء المستنيرين (الأب أندريه سكريما) يقول عنها إنّها "سعي إلى ملء فاسد يذوب فيه كل شيء في هوانا. كأننا نريد أن نبتلع كل شيء في كياننا. إنه روح العدم. هذا هو إبليس".

       في خبرة الآباء القدّيسين وتعليمهم أن الأهواء الرئيسية سبعة أو ثمانية في العدد وهي الشراهة والزنى والبخل والغضب والحزن والكسل والعُجب والكبرياء. بعضهم يعتبر الهوائين الأخيرين اثنين والبعض واحداً. أما الشراهة فهي هاجس الأكل بحجّة المحافظة على الصحّة. وأما الزنى فهو التنكّر للعفّة كأساس أصيل للحب والاستعاضة عنه بعشق الأجساد. وأما البخل فهو التعلّق بما لا يلزم والسعي إلى اقتنائه سدّاً لخوف لا قرار له في النفس. وأما الغضب فهو التضيّق من الآخرين والثورة عليهم نتيجة رفض داخلي لهم ووقوفهم في وجهه. وأما الحزن فهو الشعور بالظِلامة والحكم باستحالة العيش مع الناس والدخول في عزلة فاسدة عنهم. وأما الكسل فهو الاكتفاء بتأمين الجانب المادي من الحياة ثم الخلود إلى راحة فاسدة. وأما العُجب فهو نسبة الفضل إلى ذواتنا، خلافاً للواقع، في أمور تتعلّق بنا وبغيرنا. وأما الكبرياء فهي حسبان أنفسنا محوراً لذواتنا وأوساطنا، فنحتمل الآخرين تحمّلاً، ونتكلّم على أنفسنا كثيراً ونفرض رأينا فرضاً ونتوقّع إكرام الآخرين لنا وإلاّ نرذلهم. نسعى إلى المسؤوليات بشعور بالجدارة أكثر من سوانا. نحتقر ونلغي الآخرين إذا لم يماشونا. نمتلئ من ذواتنا ومن عدمنا.

       هذه هي جذور الخطيئة فينا، أهواؤنا. تدنّسنا. تتغلغل فينا. تلوِّث وتفسد كل عمل من أعمالنا وكل فكر وقول. هذه هي القوى السالبة التي استوطنت في طبيعتنا وأحدثت فينا ولَهاً مَرضياً بأنفسنا وما يختصّ بنا. هذه هي العلّة التي نحن بحاجة لأن نُشفى منها ونتنقّى. والتنقية بالنسك تكون.

النسك

        الخليقة، في الأساس، علامة لحضور الربّ ولغة تتيح لنا الدخولَ في علاقة معه. فإذا قطعت الأهواء ما بيننا وبين الله وحصرت اهتمامنا في المخلوق دون الخالق، فإن النسك يكون المسعى الذي به تستعيد الخليقة دورها كمجال لتلاقي الإنسان بالله. إذاً ليس النسك تدبيراً يتنافى وطبيعة الإنسان بل طريقة علاجية لإصلاحها واستعادة نقاوتها وردّها إلى كمالها ووحدتها الأولى.

       ولكنْ، للنسك شروط أساسية لا ينطلق ولا ينجح من دونها: الإيمان الفعلي بالله، التوبة، خوف الله، ذكر الموت والتمييز. بالإيمان نذكّر أنفسنا بالله، نقاوم الأهواء ونتقوّى بالله. وبالتوبة يتغيّر القلب ويتحوّل من الأهواء إلى الله. التوبة، بحسب القدّيس يوحنا الدمشقي، هي عودة الطبيعة البشرية إلى أصلها بالجهد والألم. كلٌّ بحاجة إلى توبة بغض النظر عن خطاياه الشخصية لأن المهم فيها هو استعادة قطب الاهتمام الأساسي في حياتنا الذي هو الله. ثم بمخافة الله نستعيد اهتمامنا الأصيل. نخشى فقدان الحياة نفسها على فقدان ما نُشبع به أهواءنا. ثم بذكر الموت تتبدّد الأوهام وتنتظم الأمور لجهة قيمتها الحقيقية ويأخذ اهتمام النفس في الارتقاء من الأرضيات إلى السماويات. وبالتمييز، الذي هو أخ توأم للإتضاع، نتقدّم باستقامة في معارج الفضيلة. والتمييز، عملياً، يأتي كنعمة إذا ما سلكنا في الإتضاع.

       هذا والنسك نوعان: خارجي وداخلي. الخارجي لحماية الذهن والقلب من التأثيرات الخارجية، والداخلي لنزع جذور الأهواء وأسبابها ليكون القلب خالياً من ثورة أي هوى، ليعود إلى ذاته وإلى أصالته ويسمو، من هناك، بالصلاة، إلى الله.

       تتوزّع أعمال النسك الخارجي، بعامة، على الصوم والسهر في الصلاة والسجود والصمت. الصوم ينقي ويشفي ويكفّر. والسهر، في الصلاة، يُدخل الصحو إلى النفس، كما يفتح الذهن وينيره. والسجود يليِّن النفس. والصمت يعين على الصلاة ويُذكِّر بالموت والدينونة. كل هذا نتمّمه فيما نحرص على الإبتعاد عن الدوافع المادية للأهواء والأسباب المباشرة المؤدّية إلى تحرّك هذه الأهواء، ونَلزم الصبر في الأوجاع والمحن من حيث هي مجال موافق للتنقية والتكفير ومساعد على معرفة ذواتنا على حقيقتها.

       أما النسك الداخلي المسمّى "صحو الذهن" أو "حفظ القلب" فمن مقوِّماته الانتباه إلى القلب والتيقّظ وذكر الله. نحوّل انتباهنا من الخارج إلى الداخل، إلى القلب، ليتسنّى لنا أن ننتبه لله، على حدّ تعبير القدّيس باسيليوس الكبير. فالقلب هو قدس الأقداس في الإنسان ومسكن نعمة الله. لذا ننتبه لكل فكر رديء ونبعده ولكل فكر صالح ونُدنيه. هذه الأفكار ذات علاقة بالقلب لا بالعقل المدرك. منها ما هو بسيط ومنها ما هو أهوائي. وهي أدنى إلى الصور الذهنية. أكثر ما ترد من الذكريات الأهوائية ولها جاذبيتها في تحريك الذهن. بحسب القدّيس مكسيموس المعترف لا يخطئ المرء بالفعل ما لم يخطء أولاً بالفكر. لذلك معركة الإنسان الكبرى هي معركة على صعيد الأفكار، والغاية هي طرح الأفكار الشرّيرة خارجاً. ثم إن الانتباه للقلب، كما يقول القدّيس ثيوفانيس الحبيس، هو أمّ الصلاة. ننتبه لنعيد ذكر الله إلى القلب. في أوساط الخبراء، على هذا الصعيد، والخبراء هنا هم الآباء الرهبان – والكنيسة كلّها التزمت خبرتهم وعمّمتها – أقول في أوساط هؤلاء ذكرُ الله يُستعاد ويترسّخ، بخاصة، بالتزام ممارسة صلاة يسوع بتواتر. اسم الربّ يسوع هو الذي قيل عنه إنه "ليس إسم آخر تحت السماء أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" (أع 4: 12). لذلك يُعطى الذهن هنا، بصلاة يسوع، خير ما يغتذي به. والذهن، ليصحو، لا يتأمّل تحليلياً في الله بل يصلّي. العلاقة بالله لا تكون بالتفكير والبحث، هذا يتمّ خارج القلب، أما الله ففي القلب حاضر. ولأنه كائن وليس فكرة لا تواصل بيننا وبينه إلاّ بالصلاة. لذلك مَن لا يصلّي لا يعرف الله. صحو الذهن والصلاة هنا متكاتفان متضامنان، الواحد يُعين على الأخرى. وإذ يترسّخ ذكر الله فينا نصير حسّاسين جداً في الذهن حتى إن الأفكار لا تعود تقترب من محيط القلب لأن مجرد الإيحاء بها من بعيد يحمل الذهن على صرفها دونما عناء.

       بلوغ هذه المرحلة من التطهّر من الأهواء لا يتيسّر إلاّ بعد جهاد قاس وتدريبات على جمع الذات والصلاة المتواترة، بإشراف خبراء عارفين، في العادة، لئلا يقع المجاهد في الوهم والضلال. ولكن متى اكتسب صحوَ الذهن لا يعود يتأثّر بشيء. يهدأ ويستكين ويمسي مهيّأ لمعاينة النور الإلهي.

القدّيس غريغوريوس النصصي
(يعيّد له في 10 كانون الثاني)

       ويشير آباؤنا إلى أن المرحلة الأخيرة من النسك، قبل بلوغ اللاهوى، أي حالة عدم الانفعال لأي هوى، هي مرحلة الوداعة والاتّضاع. عنف الخطيئة لا يقابَل بعنف داخلي بل بالوداعة التي لا تفعل شيئاً من ذاتها بل تترك الله يفعل فيها. هنا، بالذات، تتّصل الوداعة بالاتضاع الذي قال القدّيس إسحق السرياني بشأنه "إن الكمال لجّة من التواضع". وآخر قال إنه "النزول إلى الأعالي" (القدّيس غريغوريوس النيصصي). والذهبي الفم أبدى أن الإتضاع هو "أمُّ وجذرُ وحاضنة وأساس ومكان سائر الفضائل برمّتها".

       غاية النسك، إذاً، كما أبنّا، هي صفاء القلب. فمن بلغها تحوّل إلى الخير والصلاح بالحماس والفرح والهمّة عينها التي كان عليها، في سابق عهده، حين كان متّجهاً بكليته، كيانياً، إلى عشق ذاته. من هناك، من القلب المتطهّر، نأتي إلى الإستنارة المقدّسة.

 

الاستنارة المقدّسة

        حين كنّا مستعبدين لخطايانا كنا نقرأ أنفسنا والكون في ضوء أهوائنا المعتمة. لم نكن نرى في ذواتنا غير اللحم ووظائف النفس التي تدير الجسد. كنّا جسدانيين نفسانيين. والعالم من حولنا كنا نتعاطاه كمادة تخضع لنواميس بيولوجية وكونية. أما الآن وقد عدنا إلى ذواتنا وعبرنا بالنسك إلى أرض الإستنارة المقدّسة فإننا أتينا إلى معرفة جديدة طالما اعتبرها أهل العالم وهْماً وجهالة.

       في الاستنارة لا تعود النفس مظلمة بالأهواء. تصير مغمورة بالنور الإلهي. ينبع الروح القدس فينا منيراً كياننا من الداخل. الاستنارة هي معاينة الله نابعاً في النفس وفي كل مكان كينبوع نور ينير كل شيء. يمتلئ القلب محبّة. لم تعد معرفتنا إدراكية جافة، صارت، أو بالأحرى، عادت معرفة محبّية احتضانية. بتنا نرى كل شيء بوضوح وشفافية لأننا بتنا نعاينه كما بعيني الله، بنور الله. وقد استعدنا الرؤية القويمة لأننا صرنا نبصر الله في ذواتنا وفي خلائقه. لم تعد الخليقة كتلة معزولة عن الله في وجداننا. أضحت لغة نتبادلها والله ونقاطَ تماس نلتقي فيها الله نوراً نابضاً بالحياة. عدنا نرى الله خالقاً وحافظاً وضابطاً للكل، وأمست علاقتنا بكل شيء على مثال علاقته هو بكل شيء. هكذا اقتنينا فكر المسيح. اكتشفنا كيف أننا به "نحيا ونتحرّك ونوجد" (أع 17: 28). الآن بتنا نفهم ما سبق أن تفوّه السيّد به: "أنتم شهود لي قال الربّ". إذاً، نستنير لنأتي بالآخرين أيضاً إلى النور لتكون لهم شركة معنا. المستنير مركز لتجلّي النور الإلهي ومطرح لظهوره. القدّيس هو مَن اختاره الربّ ليستقرّ فيه ويطلّ منه على العالمين. من هنا أهمية الرهبانية في الأرثوذكسية ومركزيتها في الكنيسة. الراهب القويم، مهنته، بمعنى، النسك والتطهّر والصلاة وقبلته النور الإلهي. الراهب المستنير منارة لا يستغنى عنها. كنيسة بلا رهبان كنيسة معتمة، سفينة تكدّها أهواء الناس. لذا قال الذهبي الفم إنه خير أن تتوقّف الشمس في مسيرها من أن يتوقّف الراهب عن صلاته. حتى الكتاب المقدّس لا يُقرأ في ذاته كنصّ ولا يُفهم بل في نور الله. والآباء القدّيسون كانوا خير مفسّرين له لأنهم بالنور الذي اقتنوه من فوق أمكنهم أن يعاينوا الأنوار الإلهية المبثوثة في الكتاب العزيز، لأننا فقط بنورك نعاين النور.

الاتحاد بالله (الثاوريا)

       إذا كانت الاستنارة هي معرفة الخليقة بنور الله فالثاوريا هي معرفة الله في ذاته، معاينته كما هو. قبل ذلك، بتعبير القدّيس مكسيموس المعترف، كان الله يعمل في الإنسان كإنسان أما الآن فصار الإنسان يعمل كإله. كان الله مستتراً في الإنسان فصار الإنسان مستتراً في الله. "قد متّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3).

       هكذا تكلّم الشيخ يوسف الهدوئي، عن خبرة أكيدة، على الاستنارة والثاوريا في رسالته الخامسة والثلاثين:

       "استنارة المعرفة وصفاء الذهن يأتي بعد العمل وهو يُعطي المرء أن يعرف الحقيقة. يعاين كل شيء كما هو دونما اختراعات وطرائق وقياسات منطقية بشريّة. يمثل كل شيء على الطبيعة، في حالته الأصلية... وتتبع الاستنارةَ تقطعاتٌ في الصلاة ومعايناتٌ متكرِّرة وانخطاف الذهن وتوقّف الحواس عن العمل وسكونٌ وصمت عميق في أعضاء الجسد واتحادٌ بالله... متى فاضت نفسٌ بالنعمة... يتّسع الذهن وينعم بطاقة فائقة... يأتيك ما يشبه النسيمَ الرقيق، نظير هبوب ريح عاصفة زكية يغمر الجسد كلَّه فتتوقّف الصلاة وتكفّ أعضاء الجسد عن الحركة. فقط يكون الذهن في الثاوريا في نور فائق. ويحصل اتحاد الله بالإنسان. لا يعود الإنسان قادراً على تمييز نفسه. يكون كالحديد تماماً: قبل أن يُلقى في النار يُدعى حديداً، وما إن يلتهب ويحمرّ حتى يصير والنار واحداً... أثناء الثاوريا يتوقّف المرء عن ممارسة وظائفه في هذا العالم. يكون قد اتّحد بالله بصورة كلّية. ويحسب أنه لا جسد له ولا كوخ. يُخطف بالكامل. يصعد إلى السماء بلا جسد! عظيم هذا السر حقاً لأن المرء يعاين فيه ما لا طاقة للسان بشري على التعبير عنه..."

ماذا بعد؟

        بعد كل ذلك وبعدما اطّلعنا على الأساس المكين للحياة في المسيح كما خَبِره آباؤنا ونقله لنا التراث، حريّ بنا أن نتوقّف عند سؤال أخير: إلى أي حدّ يُعتبر عامة المؤمنين في الكنيسة معنيّين بهذا الكلام؟

       لقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن هذا الكلام يعنينا جميعاً ومَن لا يضع خارطته نصب عينيه ولا يسلك فيها، على قدر قامته، لا يكون له نصيب في النور. غير صحيح أن هذا الكلام يعني الرهبان وحدهم إلاّ إذا اعتبرنا المؤمنين، كل المؤمنين، رهباناً حيثما كانوا. والحقّ أن الحياة المسيحيّة رهبانية الطابع أو لا تكون. ليس الرهبان بلباسهم وطريقة عيشهم وأمكنتهم. الراهب يعرّفونه بأنه المسيحي الحاضر دائماً لنفسه وحقيقته أمام ربّه. هذا ليس للرهبان وحدهم. الرهبان هم الطليعة، مَن يتعاطون جامعة البرّية. ولكن كل الكنيسة جندٌ لله يسيرون في إثر الرهبان. يتعلّمون منهم ويستنيرون بهديهم. كل صاحب إيمان قويم، إذاً، مجدّ في سيرة قويمة وإلاّ لا يكون إيمانه قويماً. لماذا لا يشعر الكثيرون منّا بالانتماء إلى الرهبانية؟ لأننا، بكل بساطة، لا نسلك بالإيمان الحيّ الحقيقي. نكتفي من الحياة المسيحيّة بما يوافق فكرنا ومزاجنا. نسلك في الكنيسة بروح العالم ولا نريد أن نتغيّر. نكتفي، من المسيحيّة، في أكثر الأحيان، بمظهرها الخارجي ونتذرّع باشتراكنا، إذا ما اشتركنا، في الطقوس، فنتعاطاها، من حيث لا ندري، وثنياً. القلب الذي لا يشاء أن يتغيّر لا تنفعه الطقوس بل تفضحه وتدينه. لا شكّ أن كل واحد منّا بحاجة إلى وِقفة صادقة أمام ضميره. هل نحن، فعلاً، أمينون لله ومسيحه؟ الفتور واللامبالاة يتآكلانا. مَن ترانا نخدع إذا لم نَصْدُق القول؟ إننا لأدنى إلى مريض السرطان الذي يتظاهر بالعافية. أهذا هو المهم أن تظهر معافى أم أن تكون معافى؟! ولماذا يتظاهر الشارد بالتقوى؟ لأن إيمانه ميت وهو يطلب مجد نفسه وراء ستار الإلهيات. علامَ نربّي أولادنا؟ مَن تُراه يُربّي على الإيمان ومحبّة الله؟ هذه كلّها يُتَوقّع من العائلة المسيحيّة أن تتعاطاها لا أن تتعاطى ما يتعاطاه مَن لا مسيح لهم. ولو كانت العائلة لتلتزم موهبتها في المسيح لاستحال كل بيت مسيحي، في الحقيقة، ديراً، ولاستبان كلامنا لا كلام رهابين وحسب، كما في أفواه المتهكّمين، المزدرين بالإلهيات، بل كلام حياة لأن النور الإلهي متى سكن فينا، ولو قليلاً، فإننا به، إذ ذاك، نقدر أن نعاين ما في سيرة الرهبان وتعليمهم من نور. لا شكّ أن الزمان رديء والسيّدَ عابرٌ ولكن لا شيء يمنعنا من أن نتساءل، في مستوى الكيان، أين يقيم؟ فإذا ما اشتاقت نفوسنا إليه دلّنا على نفسه في مَن يحبّونه، فيكون لنا، إذ ذاك، أن نخرج من الظلمة إلى النور، من الجهل إلى المعرفة الحقّ، ومن الموت إلى الحياة.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي - دوما

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share