عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
عظة في خدمة إعطاء الأرشمندريت يونان
الإسكيم الملائكيّ الكبير

السّبت 16 حزيران 2012

 

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

      أخيرًا، انطلق يونان إلى نينوى. كان يونان قد عاند طويلاً؛ وكان يظنّ أنّه، بعناده، يصنع مشيئة الله. لكن، تبيّن، حين انطلق في السّفينة، أنّ البحر اهتاج، ولمّا يشأ أن يأخذه عليه حتّى أُلقي في عبابه، وابتلعه الحوت. فلمّا كان في عمق البحر، عاد إلى نفسه، وصلّى، وأسلم نفسه: "في يديك أستودع روحي"؛ فلفظه البحر إلى الشـّاطئ، ومن هناك انطلق صاغرًا إلى نينوى؛ ليكون نذيرَ توبة، علامةً للنّسك، والمسوح، والرّماد؛ علامةً للصّوم والصّلاة.



      نينوى كانت مزدهرة، ربّما، على كلّ صعيد، في ما لهذا الدّهر، وفي ما لهذا العالم. لكنّها كانت قد انحطّت بالإثم انحطاطًا كبيرًا! فشاء الرّبّ الإله أن يستعيدها، لأنّه لا يفرح بموت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا! مسرّة الله ليست، البتّة، في ثقافات هذا الدّهر؛ ليست في العمران، ولا في الإنجازات، ولا في العلوم... هذا كلّه لا قيمة له، في ذاته، عند الله. فقط القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله. المدينة الّتي يشاء الرّبّ الإله أن تُبنى ليست من هذا العالم، وهو قال ذلك صريحًا: "مملكتي ليست من هذا العالم"(يو18: 36). المدينة الّتي يشاؤها الرّبّ الإله هي الّتي تُشاد فيها أبنية الفضيلة، وتُزيَّن بالتّقى، وتُنوَّر بالحبّ والرّحمة! أورشليم انتُقضت. انتُقضَت، في عين الله، إلى الأبد؛ وكذا الهيكل الحجريّ الّذي كان فيها. ستّةً وأربعين عامًا استغرق بناء هيكل أورشليم، وما كان ذاك الهيكل لمجد الله، بل لمجد النّاس باسم الله! لذا، وقف الرّبّ يسوع وقال: "انقضوا هذا الهيكل، وأنا في ثلاثة أيّام أقيمه" (يو2: 29)، وكان يتحدّث عن هيكل جسده. هذا هو الهيكل الحقّ. المدينة الّتي يسكن فيها الملك هي القلب. لهذا، صرخ إرمياء النّبيّ: "قد جعلتك، اليوم، مدينةً حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كلّ الأرض؛ فيحاربونك ولا يقوون عليك، لأنّي أنا معك لأنقذك، يقول الرّبّ" (إر1: 18- 19). لم يكن الرّبّ الإله ليستبدل مدينة بمدينة! بل ليتخلّى عن مدينة أرضيّة في مقابل مدينة سمويّة؛ وعن هيكلٍ حجريٍّ في مقابل جسدٍ يقيم فيه روح الرّبّ القدّوس إلى الأبد. غالبًا ما نطلب، نحن أبناء الكنيسة المقدّسة، أن نصنع كلّ شيء كما نرغب، وكما تزيّن لنا أهواؤنا؛ ونحن نفعل ذلك باسم الله؛ وكأنّنا دائمًا ما نطيح الله، ولا نحتمل ثقله علينا، على الرّغم من أنّ حمله خفيف! لكن، هذا شأن الانحطاط. في الانحطاط، الإنسان يتكلّم، والله لا كلمة له. لهذا، نُضرَب بالانحطاط، ونجدنا وقد تخلّى الرّبّ الإله عنّا؛ لا لأنّنا لا نذكر الله، بل لأنّنا لا نسلك بقولة الله، لا نحبّ الله، لا نبذل أنفسنا، لا نطيع الله... نشاء اللهَ أن يطيعنا؛ لذلك، كثيرًا ما يوجَد مسيح الرّبّ غريبًا بين أهل بيته؛ ولهذا، كان لا بدّ من أن يرسل الرّبّ الإله أنبياء، ويصنع شهداء؛ حتّى يكونوا للعالمين علامةً تُقاوَم.



      الله لا يحتاج إلى أحد منّا، ولا يحتاج إلى ميزة من ميزاتنا، ولا إلى علم من علومنا، ولا إلى أموالنا، ولا إلى أوقافنا، ولا إلى كنائس حجريّة... ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه، لكنّه أسند رأسه على صدر يوحنّا الحبيب. هذا مِسند الله. هناك يرتاح. لهذا، اليوم، أعطاكَ الرّبّ الإله، يا أخي وحبيبي يونان، أن تكون علامةً تنتمي إلى نينوى؛ حتّى يصفح عن المدينة العظيمة، متى تابت بالمسوح والرّماد، ومتى صام أهلُها، حتّى البهائم، ومتى رفعوا الأذرع، وصلّوا، وبكوا، واسترحموا. فقط، إذ ذاك، تصير المدينة العظيمة عظيمةً بالرّوح والحقّ، ويُعطى لها أن تكون بهيّةً. إذًا، أنت، اليوم، يا أخي، سليل الأنبياء والشـّهداء. أنت تتلقّف الكلمة من فوق، لا تتلقّفها لا من النّاس، ولا من الكتب، ولا من عقلك، ولا من ذكائك. أنت تتلقّفها بنعمة من عند ربّك، متى أفرغتَ نفسك بالكامل، وكما قلنا في خدمة اليوم العظيمة، متى انتقل شوقك كلّه إلى السّمويّات. إذ ذاك، تكون لك كلمة يعطيك ربّك أن تبثّها في الّذين يحبّون الحقّ. وهذه الكلمة لا يمكن أن تعود خاويةً، لأنّ قوّة الله فيها. إذًا، حين تركن أنت إلى الصّمت الكيانيّ الكامل، وتعرف يقينًا أنّك لم تعد لك كلمةٌ تقولها، ولم تعد هناك كلمة يقولها العالم لك؛ حين تركن إلى صمتك الكيانيّ في صلاة الهدأة إلى ربّك؛ إذ ذاك، من فراغ ذاتك ينبثق الملء، ومن اللاّكلمة تخرج الكلمة قويّةً، لتدكّ عروشًا، وتضرب آراء وأفكارًا هزيلة عند الله في هذا الدّهر. إذًا، يا أخي، عليك أن تعمل على إفراغ ذاتك، حتّى يملأك ربّك من ذاته. هذا الدّير ليس مطلوبًا، بالأحرى، أن يُرمَّم من الخارج. هذا لهوٌ وعبث. كلّه، في وقت من الأوقات، سوف يندكّ. لقد كان هذا المكان جميلاً، في الماضي، وها نحن رأيناه شبه مسيَّب قبل مجيئك إليه. أنت لم تأتِ حارسًا للحجارة! أنت جئت حارسًا لكلمة ربّك! أنت جئت لتبني الدّير الدّاخليّ، دير القلب، دير المودّات الإلهيّة، دير الحبّ الإلهيّ، دير الوداعة، دير التّواضع، دير التّوبة، دير الصّمت البليغ! بعد ذلك، كلّ شيء آخر يُعطى لك ويُزاد! أنت جئت لتكون شريكًا في الحضور غير المنظور للملائكة والقدّيسين، في هذا الموضع! لذلك، أنت داخل في الصّحراء، فلا تحاولنّ أن تخرج منها، ولا تطلبنّ أن يعرفك أحد. يكفيك أن يعرفك ربّك. ثمّ، في وقت من الأوقات، متى أخذتْ مدينتُك الدّاخليّة، متى أخذ إنسانك الدّاخليّ يرتفع إلى ملء قامة المسيح؛ إذ ذاك، يوظّفك الرّبّ الإله، إذا شاء، شاهدًا، بالطّريقة الّتي يراها هو مناسبة. أنت لا تختار مسبَقًا ماذا ستعمل، ولو غدًا! أنت، اليوم، أخذت على عاتقك أن تعمل بمشيئة ربّك، اليوم، وغدًا، وحتّى الموت. بعد ذلك، هو يحرّكك كيفما يشاء، وهو يرسلك إلى حيثما يشاء! يرسلك إلى نينوى، يرسلك إلى القبور لتسكن روحُه فيها، لتحيا الصّحراء! ولا يخطرنّ في بالك أنّهم غدًا يجعلونك أسقفًا في مكان ما! أنت لا تلوك هذه الأفكار! ولا تتعاطاها أبدًا! لأنّك، إن تعاطيتها، خنتَ سيّدك وولاءك لربّك! أين يرسلك معلّمك غدًا؟ هذا شأنه، وليس شأنك أبدًا! أنت لا طموحات لك، بعد، في هذا العالم. أنت، اليوم، أُخرجت من العالم بإرادتك، ونحن صلّينا لك حتّى تخرج من اهتمامات هذا الدّهر، حتّى تعود لنا بهيًّا بلاهوت ربّك، حين يكتمل تكوينُك الدّاخليّ، وحين يشاء ربّك أن يرسلك إلى هنا أو إلى هناك. أنت، الآن، بتَّ ورقةً منسيّةً في العالم، في دفاتر هذا الدّهر؛ وعليك أن تفرح بذلك فرحًا عظيمًا. ما لم تفرح لأنّك لم تعد تنتمي إلى هذا العالم، فلا يمكنك أن تقتني فرح ربّك.

      لهذا، يا أخي، اليوم سُقناك كخروف إلى الذّبح، وأنت مذبوح كلّ يوم! مذبوح في ما يختصّ بهذا العالم! لكنّ قصد ربّك، وقصد كنيسته، أن تأتي ساعةٌ يُطعم فيها ربُّك من هذا الذّبيح جُيّاعًا كُثُرًا في هذا العالم. عالمنا جائع إلى روح الله، وعوض روح الله نطعمه حجارةً! ونطعمه كلامًا أفرغناه من معناه! لا فقط سيّدنا نتعاطاه ميتًا، ولا نذوق قيامته فيما بيننا. سيّدنا "شيّأناه"، ألغيناه، جعلناه موضوعًا! لم يعد هو في حياتنا الألف والياء! لم يعد هو في حياتنا المنّ السّماويّ! لم يعد هو في حياتنا الكلّ في الكلّ! لم يعد هو المشتهى الحقّ وفق القول البولسيّ: "إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا، فللرّبّ نحن" (رو14: 8)! هذا كلّه نتشدّق به في مستوى العواطف، والمشاعر، والشـّعارات، حتّى الشـّعارات الّتي تُرفَع في الشـّوارع جنبًا إلى جنب والشـّعارات السّياسيّة، وصورَ المغنّين والمغنّيات! لو كنّا لندرك مقدار ما نجرح محبّة الله في حياتنا، باسم الله، لَبكينا دمًا! لكنّ الحسّ، في زمن الانحطاط، يخبو! لهذا، عليك، يا أخي وحبيبي يونان، أن تقيم في الظّلّ، أن تصلّي وأن تبكي من أجلك ومن أجل العالم. لم يعد أمامنا، اليوم؛ ولم تعد الحاجة، اليوم، إلاّ إلى أمرين: أن نسلك في صبر كبير، وأن نقيم في صلاة لا حدود لها. ومَن قال لك: "بإمكانك أن تغيّر النّاس"، فلا تصدّقه. نحن نساهم، فقط، في ذلك، بالصّبر، والصّلاة، وتواضع القلب؛ وإن كان شيء ليتغيّر فالرّبّ الإله وحده يغيّره. أمّا نحن، فنبقى منتظرين، في الصّحراء، أن ينزل علينا المنّ الإلهيّ، وأن نُطعَم من أُكُل السّماء، نحن الجائعين إلى الحياة الأبديّة. ألا قوّاك الله، وجعل مسيرك مسير تقديس لذاتك ولنا أجمعين، آمين.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share