إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
مقاربتان لفهم كتابات الرّسول بولس

   المقاربة الأولى*:

   بولس رجل المحبّة الفائقة

   لبولس الرّسول قلبٌ وقضيّة. أمّا قلبه، فقلب المسيح (الذّهبيّ الفم). وأمّا قضيّته، فالمناداة بيسوع المسيح، رجاءِ المجد، منذِرًا كلَّ إنسان، ومعلِّمًا كلَّ إنسان بكلّ حكمة؛ لكي يُحضر كلّ إنسان كاملاً في المسيح يسوع. هذا ما تعب من أجله مجاهِدًا، وقد عمل الرّبّ الإله فيه بقوّة (كول1: 27- 29).

   قلب بولس الرّسول التهب بنار المحبّة، كما لا تلتهب أيّة شعلة نار. "أمّا أنا"، كما قال، "فبكلّ سرور أُنفِق وأُنفَق لأجل أنفسكم" (2كو12: 15). قولته الّتي لم يكفّ عن تردادها كانت: "بولس عبدٌ ليسوع المسيح" (رو1: 1). استعبد نفسه لسيّده بالمحبّة. وخطاب اعتماده، كعبد ليسوع المسيح، كان هذا: "عبد الرّبّ لا يحبّ أن يخاصم، بل يكون مترفِّقًا بالجميع، صالحًا للتّعليم، صبورًا على المشقّات، مؤدِّبـًا بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحقّ؛ فيستفيقوا من فخّ إبليس، إذ قد اقتنصهم لإرادته" (2تي2: 24- 26). مَن غيرُ المتيَّم يشتاق إلى الجميع "في أحشاء يسوع المسيح" (في1: 8)؟! مَن غيرُ المجنون بحبّ السّيّد ينوح على أعدائه بمثل هذه الكلمات: "إنّ لي حزنًا عظيمًا، ووجعًا في قلبي لا ينقطع" (رو9: 2)؟! هم رفعوا أصواتهم قائلين قدّام ليسياس الأمير: "خذ مثل هذا من الأرض، لأنّه كان لا يجوز أن يعيش" (أع22: 22)؛ وهو رفع الصّوت شاهدًا أنّ لهم غيرةً لله، ولو لم يكن بحسب المعرفة (رو10: 2). هم صنعوا اتّفاقًا، وحَرَموا أنفسهم قائلين إنّهم لا يأكلون ولا يشربون حتّى يقتلوا بولس (أع23: 12)؛ وهو رفع الصّلاة إلى الله لأجل خلاصهم (رو10: 1). هم قاوموه في كلّ مكان، ولاحقوه إلى كلّ مكان عرفوا أنّه كان موجودًا فيه؛ وهو أنّ، في أحشاء يسوع، وقال: "كنتُ أودّ لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو9: 3). إن ينسى بولس _ شاول كيف ينسى، عندما تزعّم حركة رجم استفانوس؟! كيف ينسى عينَه الشّاخصة إلى السّماء، وصرختَه بصوت عظيم، من أجل راجميه: "يا ربّ، لا تُقم لهم هذه الخطيئة" (أع7: 54، 60)؟! هي تلك الصّرخة الّتي هزّت السّماء، وكانت وراء هداية شاول. شاول اهتدى بصلاة استفانوس. هذا، أقلّه، ما لاحظه أوغسطينوس المغبوط.

   هوذا إنسان يبكي لأجل خلاص العالم. معلّمُه صلّى بأشدّ لجاجة من أجل العالم، وصار عرقه كقطرات دم نازلةٍ على الأرض (لو22: 44)، وهو كتب إلى أهل كورنثوس يقول لهم: "إنّي من حزن كثير وكآبة قلب كتبتُ إليكم، بدموع كثيرة، لا لكي تحزنوا، بل لكي تعرفوا المحبّة الّتي عندي، ولا سيما من نحوكم" (2كو2: 3- 4). هكذا خدم الرّبَّ: بكلّ تواضع، وبدموع كثيرة، وبتجارب أصابته (أع20: 19).

   حياة بولس ربطها، كيانيًّا، عن إرادة، بثبات الّذين كرز لهم بإنجيل الخلاص: "الآن نعيش" على حدّ تعبيره "إن ثبتّم أنتم في الرّبّ" (1تسا3: 8). وهو يصلّي ليلاً ونهارًا، طالبًا أن يرى وجوه الأحبّة، ويكمِّل نقائص إيمانهم (1تسا3: 10). كما يعطيهم، لا إنجيل الله فقط، بل نفسَه أيضًا؛ لأنّهم صاروا محبوبين إليه (1تسا2: 7- 8). بحنوٍّ عاملهم (المصدر عينه)، "كما تربّي المرضعة أولادها". كالأب يعظ أولاده ويشجّعهم (1تسا2: 11)، وكالأمّ يتمخـّض بهم، إلى أن يتصوّر المسيح فيهم (غلا 4: 19). ينزل إلى مستوى الضّعفاء. "سقيتكم لبنًا، لا طعامًا" (1كو3: 1- 2). ويكلّم الكاملين بحكمة "ليست من هذا الدّهر، ولا من عظماء هذا الدّهر الّذين يُبطَلون" (1كو2: 6).

   هذا رسول في مستوى العالم بأسره. عناصر الوعي الإلهيّ الإنسانيّ اكتملت فيه؛ فصار قادرًا على أن يكلّم كلّ إنسان، ويمدَّ يسوع إلى كلّ إنسان: "إذ كنتُ حرًّا من الجميع، استعبدتُ نفسي للجميع؛ لأربح الأكثرين؛ فصرتُ لليهود كيهوديّ لأربح اليهود، وللّذين تحت النّاموس كأنّي تحت النّاموس لأربح الّذين تحت النّاموس، وللّذين بلا ناموس كأنّي بلا ناموس، مع أنّي لستُ بلا ناموس الله، بل تحت ناموس المسيح لأربح الّذين بلا ناموس. صرتُ للضّعفاء كضعيف لأربح الضّعفاء، صرتُ للكلّ كلّ شيء لأخلّص على كلّ حال قومًا" (1كو9: 19- 22).

* * * * * * * *


هداية الرّسول بولس

   المقاربة الثّانية*:

   للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ

   بولس المثل الأعلى في الفضيلة: محبّته للمسيح

   ما هو الإنسان؟ وإلى أين يمتدّ نُبْلُ طبيعتنا، وإلى أيّ درجة من الفضيلة يستطيع الوصول هذا الكائن الحيّ؟ لقد أظهر ذلك بولس أكثر من أيّ إنسان آخر. منذ ظهوره، وإلى يومنا هذا، لا يزالُ منتصبًا ههنا، مدافعًا بصوته الدّاوي عن معلّمه أمام جميع من يوجّهون إليه اللّوم لكونه خلَقَنا على ما نحن عليه، مُحرّضًا على الفضيلة، مُغلقًا أفواه المجدّفين الوقحة، ومبيّنًا لهم أنّ الفرق ما بين البشر وبين الملائكة ليس بالكبير إذا أردنا النّظر إلى ذواتنا بعمقٍ. ولم تكن لبولس طبيعةٌ غير طبيعتنا، ونفس تختلف عن نفسنا، ولم يقطن عالمًا غير عالمنا، ولكنّه نشأ على الأرض نفسها، وفي البلد نفسه، وفقَ الأنظمةِ والعاداتِ الواحدة، تفوّقَ على جميع البشر منذ كان في العالم بشر. أين من قالوا إنّ الفضيلة صعبة والرّذيلة سهلة؟. بولس يُسفِّههم قائلاً: "الضّيق الحاليّ الخفيف يُنشئ لنا ثِقلَ مجدٍ أبديًّا، يفوف القياس في السّموّ" (٢كور ٤: ١٧). فإذا كان الضّيق الّذي يذكره خفيفًا فكم بالأحرى تكون متَعُ الحياة الطّبيعيّة خفيفةً وقليلةَ الشّأن. وإنّ  فورانَ غيرته لم تُعِقْهُ المشقّاتُ والأتعابُ عن تطلُّبِ الفضيلة. وقد دعى الشّدائد "أسلحة البرّ". شيء واحد كان يعنيه أن يخشاه أو يتجنّبَهُ: إهانة الله ولا شيء آخر ولم يكن في نظره إلاّ عقوبة واحدة: فقدانُ محبّة المسيح. هذا هو جهنّم، هذا هو العذاب، هذا هو الشّدائد الّتي لا يُحصى عددها؛ كما أنّ السّعادة العظمى هي الحصول على هذه المحبّة: هذه هي الحياة، هذا هو العالم بأسره، هذا هو نصيب الملائكة، هذا هو الحاضر، هذا هو المستقبل، هذا هو الملكوت، هذا هو الوعد، هذا هو فيض الخير.

   محبّة بولس للبشر وعطفُهُ عليهم

   كان بولس عظيمًا، وكان في موضوع أسمى الفضائل، المحبّة، أشدّ اتّقادًا من اللّهب. وكما أنّ الحديد الّذي يسقط في النّار يتحوّل بمُجمله إلى نارٍ، كذلك كان هو، إذا استعلت فيه نارُ المحبّة يتحوّل كليًّا إلى محبّة. وكما لو كان أبًا للبشر جميعًا من غير استثناء، كان يقتدي بأولئك الّذين بذلوا حياتهم، بل تفوّق على جميع الآباء في ما هو من النّاحيتَين الماديّة والرّوحيّة، ببذله المقتنيات، والأقوال، والجسد والرّوح، اي كلّ شيء في سبيل من كان يشملهم بحبِّه وحنانه. لهذا كان يسمّي المحبّة "تمام النّاموس" (رو ١٣: ٨،١٠)، و"رباط الكمال" (كو ٣: ١٤)، وأمّ جميع الخيرات، ومبدأ الفضيلة وغايتها. لهذا كان يقول أيضًا: "هذه الوصيّة إنّما غايتُها المحبّة النّاجمة عن قلبٍ طاهرٍ، وضميرٍ صالح" (١تيم ١:٥)، ويقول أيضًا: "إنّ هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتُلْ، وكلَّ وصيّة أخرى تُلخّص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك" (رو ١٣: ٩).

   دعوة بولس، معجزة انتشار الإنجيل


الرّسول بولس يفسّر للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ معاني رسائله

   القدّيس بولس الّذي جمعنا اليوم، والّذي أنار العالم، هذا الرّجل، حين دُعي فقد بصرَهُ؛ ولكنّه بفقدان البصر أصبح نورًا للعالَمين. فبما أنّه كان سيّئ النّظر أحسن الله إليه حين جعله كفيفًا، ليستعيد البصر والبصيرة معًا، وقدّم له شاهدًا على قدرته تعالى، واستحضرَ له مستقبَلَهُ سلفًا، بما يحمله من آلام، وبيّن له طريقة التّبشير بالإنجيل، وكيف يجب أن يَتبعه فارغَ القلب، مُغمضَ العينَيْن. ولكي يفسِّر بولس هذا الطّلب بدقّة أعلن قائلاً: "إن حسِبَ أحدٌ منكم أنّه حكيم، فَلْيَصِرْ جاهلاً ليصيرَ حكيمًا" (١كور ٣: ١٨). إذ إنّه لم يكن من المُمكن أن يستعيد نظرَهُ استعادةً ناصعة لو لم يفقده فقدانًا فاجعًا، لو لم يُقْلع عن آرائِه المقلقة، ويستسلم للإيمان استسلامًا كاملاً. ومع ذلك فلا يذهبنَّ أحدٌ، وهو يسمعُني أتكلّم هكذا إلى أنّ هذه الدّعوة كانت عن إكراه، لا، فإنّه كان بإمكان بولس أن يعود إلى موقفه السّابق. هكذا فَعَل يهوذا، ونبوخذ نصّر، وعليم السّاحر، وسيمون، وحنانيا وسفيرة، ومُجمل الشّعب اليهوديّ. ولم يكن الأمر كذلك عند القدّيس بولس، فمُذ ثبتَ نظرُه نحو النّور الصّافي، واصل انطلاقته، وطار نحو السّماء.

 

المراجع:

* الأرشمندريت توما بيطار (2009)، القدّيس بولس: رجل الله بامتياز!، عائلة الثّالوث القدّوس دوما – لبنان.

** تقاريظ القدّيس بولس للقدّيس يوحنّا الّذهبيّ الفمّ (٢٠٠٢)، سلسلة النّصوص التّقريظيّة (١)، منشورات المكتبة البولسيّة، جونية – لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share