يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).
الصّوم
للقدّيس باسيليوس الكبير

   بدأ الصّوم في الفردوس عندما قال الرّب لآدم: "لا تأكل من شجرة الخير والشّرّ". وقد طُرد أبوانا الأوّلان من الفردوس بسبب عدم الصّوم. فالصّوم إذن هو الّذي به ندخل إلى الملكوت.

   لا ترتجف ولا تخف من الصّوم. ألا يحتاج جسدك إلى دواء؟ كذلك نفسك هي بحاجة أحيانًا كثيرة إلى دواء. فالصّوم هو دواء النّفس للتّخلّص من الخطيئة.

   إنّ الخطيئة هي الجرح الّذي أصاب الطّبيعة البشريّة حين خالف آدم أمر الرّب في مبادئ الخليقة. ولا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة إلاّ التّوبة والارتداد إلى الله. لكن يا ترى ما معنى التّوبة دون صوم؟!.

   تعترض على الصّوم فتقول إنّ صحّتي لا تقوى على القيام به، وأنا لا أستطيع الانقطاع تمامًا عن الأكل والشّرب. لكن أسألك، قل لي بحقّك، ما هو الدّواء الّذي يصفه بعض الأطبّاء للمرضى؟. أليس الانقطاع عن الأكل والشّرب أو تناول الطّعام البسيط والخفيف؟.

   إنّ الصّوم هو بالحقيقة دواءٌ للنّفس ودواءٌ للجسد أيضًا. فقد يسبّب تناول الأطعمة الفاخرة تعبًا للمعدة وبعض الأمراض الصّعبة للجسم. بينما الصّوم مفيد للصّحة إذ يجعل الإنسان الصّائم ذا لون ورديّ، وعيونٍ هادئة، ومشيّةٍ متّزنة، وحركاتٍ رصينة. إنّ هذا الإنسان تراه لا يقهقه بل يبتسم، ولا يصيح بل يتكلّم بهدوء واتّزان وترى كلامه يفيض من قلبٍ نقيّ وطاهر.

   الامتناع عن الأكل فقط هو حطّ لكرامة الصّوم. المطلوب في الصّوم ليس الامتناع بواسطة الفم بل بواسطة العيون والآذان والأيدي وكلّ الجسم. نصوم بالأيدي بالطّهارة والابتعاد عن السّرقة، والأرجل بالابتعاد عن المشاهد المحرّمة، والعيون بالامتناع عن النّظر إلى أيّ شيء يغري...

   يا ترى، ما معنى أن ننقطع عن أكل اللّحم ونحن لا ننقطع عن أكل لحم قريبنا بالنّميمة؟! وما معنى أن نصوم عن الأكل ونحن لا ننقطع عن الأفكار الرّدئية والزّنى والحقد والبغض؟.

   الصّوم بالحقيقة هو الّذي يلد الأنبياء، ويُشدِّد الرّجال بالعزم؛ هو الّذي يفقّه المشترعين ويحرس النّفوس؛ هو أوفى صديق وأشدّ سلاح للأبطال الشّجعان؛ وهو رياضة المصارعين من أجل نيل الظفر بالغلبة في الجهاد ضدّ الشّهوة واللّذّات؛ وهو زينة الكهنة وسلاحهم ضدّ أعداء الخير.

   إحذر أن تصوم فقط عن اللّحم وتفتكر أنّ هذا هو ما يطلب منك. إنّ الصّوم الحقيقيّ هو الامتناع عن كلّ رذيلة: "ابعدوا عن كلّ إثم" (إشعياء ٨: ٥)، وهو مغفرة كلّ إساءة للقريب، وهو ترك الدّيون للمحتاجين: لا تصوموا لكي تخاصموا، وتترافعوا لدى المحاكم...

   إنّك ربّما لا تأكل لحمًا لكنّك تنهش أخاك؛ إنّك تمتنع عن شرب الخمر ولكنّك لا تلجم الشّهوات الحمراء الّتي تلتهب في نفسك؛ إنّك تنتظر حتّى المساء لتأكل بعد الصّيام، ولكنّك تلبث كلّ النّهار في المحاكم لأجل المخاصمة؛ "الويل للّذين تسكرهم الشّهوة وليس الخمر... " (أشعياء ٥١: ٢١). إنّ الغضب هو سكر حقيقيّ في النّفس لأنّه يبلبلها؛ إنّ الكآبة هي سكر لأنّها تُطفئ نور العقل وتطمس النّور فيه؛ والخوف هو سكر لأنّه يجعلنا نرتجف من دون مبرّر: "أنقذني يا رب من غضب أعدائي" (مز ٦٣: ٢). بالعموم كلّ شهوة تزرع في النّفس الاضطراب والبلبال هي سكر.

   تأمّل "لعازر" وهو في حضن ابراهيم، أليس أنّ الصّوم جعله ينعم في السّماء بالفرح الإلهيّ... تأمّل "يوحنّا المعمدان"، ما الّذي جعله أعظم الأنبياء... تأمّل "بولس الرّسول" المصطفى، ما الّذي نقله إلى السّماء الثّالثة إلاّ الصّوم... تأمّل أخيرًا في المسيح سيّدك وربّك، إنّه صام لكي يعلّمنا أنّ الصّوم هو طريق الملكوت.

   الصّوم هو الّذي يقود القدّيسين إلى الحياة مع الله...

   الصّوم هو جناح الصّلاة لترتفع إلى السّماء وتخترق إلى عرش الله... هو عماد البيوت، حاضن الصّحّة، معلّم الشّباب، زينة الشّيوخ، صديق الأرواح.

   إنّ الفضيلة لا تستقيم إلاّ بالنّسك لأنّ النّسك يلجم الشّهوات. والطّعام لا ينفع الجاهل، هكذا قال سليمان الحكيم. "لا تهتمّوا لأجسادكم بما تأكلون"، هكذا قال السّيّد أيضًا.

   والفضيلة دومًا قرنت النّسك بالصّوم. "فموسى" صام أربعين يومًا ثم صعد إلى السّماء وتكلّم مع الرّبّ... و"دانيال" صام واحدًا وعشرين يومًا ثم صار في الرّؤيا... "والفتية الثّلاثة" لم تؤذهم نار الأتّون المحمّى بسبب صومهم وصلاتهم... "يوحنّا المعمدان" قضى حياته كلّها في تقشّف وزهد وأعلن الرّبّ للعالم نوع غذائه ولباسه. وهذا كان يخفيه عن النّاس، لتكون لنا به عظة.

   ولست أعني بالصّوم ترك الطّعام الضّروريّ لأنّ هذا يؤدّي إلى الموت. ولكن أعني ترك المأكل الّذي يجلب لنا اللّذّة ويسبّب تمرّد الجسد.

   قد تكون هناك أشياء كثيرة ليس فيها خطيئة ومع ذلك يجب أن نمتنعَ عنها إذا كان في ذلك ربح لنا وللآخرين. "إذا كان الطّعام يشكّك أخي فلن آكل اللّحم إلى الأبد" (١كور ٨: ١٣)، "حسن أن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمراً أو شيئًا يشكّك أخاك أو يعثر أو يضعف... " (رو ١٤: ٢١).

   الصّائم الحقيقيّ هو الّذي يتغرّب عن كلّ الحاجات والآلام الجسديّة حتّى الطبيعيّة.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share