<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
عظة في السّبت من الأسبوع الرّابع من الصّوم

  *  الإنجيل: السّبت من الأسبوع الرّابع من الصّوم: مر7: 31- 37.

  *  الرّسالة: سبت الأسبوع الرّابع من الصّوم: عب6: 9- 16.


باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.


       يا إخوة، صور وصيدا كانتا مدينتَيْن وثنيَّتَيْن، وكذلك العشر المدن. الرّبّ يسوع خرج من تخوم صور وصيدا، أي من الضّواحي، وانطلق إلى تخوم العشر المدن. مَن كان يمكن أن يلاقيه الرّبُّ يسوع هناك؟! أغلب الظّنّ أنّه كان سيلاقي الوثنيّين. اليهود كانوا حريصين جدًّا على عدم الاختلاط بالوثنيّين؛ وعلى عدم التّعامل معهم، قدر الإمكان؛ وعدم دخولِ منازلهم، وتناولِ الطّعام لديهم، على الإطلاق. لكنّ الرّبّ يسوع، بتوجّهه، مرّات عديدة، إلى تخوم صور وصيدا، وإلى تخوم العشر المدن، كان يُعِدُّ للانطلاقة الكبرى، انطلاقة الكرازة إلى الأمم. لكن، هنا، إذا كان الرّبّ يسوع يكتفي من المدن الوثنيّة بالبقاء في تخومها؛ فهذا ربّما كان، من جهة، من باب الحرص؛ حتّى لا يعثر اليهودُ. إنّما كان هذا، أيضًا، من باب إفساح المجال للوثنيّين لأن يأتوا إليه. الرّبّ يسوع لا يلاقي الإنسانَ في موضِع خطيئته. صور وصيدا والعشر المدن رمز لموطن الخطيئة. على الإنسان أن يخرج من خطيئته، حتّى يتمكّن من ملاقاة الرّبّ يسوع. من الوثنيّين الّذين التقاهم الرّبّ يسوع في تخوم صور وصيدا كانت المرأة الكنعانيّة. هذه ثَبَتَ أنّها، بالألم الكبير الّذي عانته، وبنقاوة الطّبيعة البشريّة لديها، كانت مستعِدّةً لأن تؤمن به إيمانًا كبيرًا جدًّا. هذا يعني أنّ الرّبّ يسوع، العارف بمكنونات القلوب، يلاقي الإنسان، دائمًا، حين يكون، في مستوى الكيان، مستعِدًّا لأن يخرج من وثنيّته، من عبادته لذاته، من أهوائه.

       من جهة أخرى، يبدو أن صيت الرّبّ يسوع كان قد ذاع في كلّ مكان. "فجاؤوه بأصمّ أخرس [عند تخوم العشر المدن]، وطلبوا إليه أن يضع يده عليه". الألم لغة تشمل كلّ النّاس، لأنّ كلّ النّاس يتألّمون؛ لذلك، طلب الشّفاء لغة مشتركة أيضًا، لأنّ كلّ إنسان يطلب أن يُشفى. والرّبّ يسوع يتكلّم لغةَ النّاس. قبل أن يأتي النّاس إليه، يأتي هو إليهم؛ قبل أن يتعلّموا لغةَ الملكوت، يتعاطى هو اللّغات المألوفة بينهم. مع الإنسان البسيط، الرّبّ يسوع يكون في منتهى البساطة. قيل، مرّة، عن أسقف إنّه أتى إلى قرية، وهناك التقى امرأةً بسيطة جدًّا، أخذت تكلّمه بشأن دجاجاتها بحماسة كبيرة، إلى درجة أنّها استغرقت في الكلام ما لا يقلّ عن نصف ساعة إلى السّاعة، وهي تتحدّث إليه عن سلوك دجاجاتها، وعددها، والخمّ، والصّعوبات الّتي تواجهها... أدخلت هذا الأسقف في تفاصيل كثيرة، وهو بقي يستمع إليها باهتمام، وكانت هي فرِحة بأنّه يسمعها، ويهتمّ بما هي تهتمّ به. وبعد ما أنجز الأسقف كلامه مع المرأة، وطيّب خاطرها، انصرف. في الطّريق سأله شمّاسه: "يا سيّد، كيف ترضى أن تضيّع مثلُ هذه المرأة وقتكَ على كلام فارغ، في الحديث عن الدّجاج؟!"، فتطلّع إليه الأسقف، وقال له: "يا بنيّ، الدّجاجات الّتي كانت تتكلّم عليها هذه المرأة هي عالمها. لم يكن عندها شيء آخر تتكلّم عليه. لذلك، لم يكن ممكنًا لي إلاّ أن أتكلّم معها بشأن ما تهتمّ هي به!". هذا هو دور الرّاعي. الرّاعي لا يمكنه أن يدخل إلى قلوب النّاس ما لم يلامس اهتماماتهم، وآلامهم، ولغاتهم، وقضاياهم! والرّبّ يسوع، في الحقيقة، كان، من هذه الزّاوية، راعيًا بكلّ معنى الكلمة. وهو يبقى الرّاعي، بالنّسبة إلى كلّ واحد منّا. يتحدّث بلغة اهتمامات كلّ النّاس، من دون استثناء؛ لأنّ همّه الأساس هو أن يدخل إلى قلوبهم، أن يعرفوا أنّه يحبّهم، أن يعرفوا أنّه حاضر في حياتهم، وفي اهتماماتهم، وفي تفاصيل أمورهم. لهذا السّبب، ليس هناك إنسان واحد إلاّ ويتكلّم الرّبُّ يسوع اللّغة الّتي يفهمها. بعض النّاس في حاجة إلى أن يُشفوا بالجسد، حتّى يتلمّسوا حنان الله ومحبّته. الرّبّ يسوع، بكلّ بساطة، يقدّم نفسه كطبيب! ماذا يطلب المرضى؟! المرضى لا يطلبون كلماتٍ في كتاب، إنّما يطلبون البرء! إذًا، الرّبّ يسوع يتكلّم معهم بلغة البرء. وهكذا دواليك.

       لاحظوا، هنا، أنّ هؤلاء القوم جاؤوا إلى يسوع بأصمّ أخرس، وطلبوا إليه أن يضع يده عليه. الأصمّ، الّذي يولَد أصمَّ، لا يمكنه أن يتكلّم. عادة، الأصمّ يكون أخرس. طبعًا، الرّبّ يسوع اهتمّ بالأمر، في مستوى الحسّيّات. لكنّ الرّبّ يسوع لا يقف عند حدود الحسّيّات، إنّما يستغلّ الحسّيّات ليبلّغ النّاس إلى الرّوحيّات. وكلّ ما يفعله الرّبّ، إن كان له بعدٌ حسّيّ؛ فله، في آن معًا، بعدٌ روحيّ. الأصمّ، في الحقيقة، هو الّذي لا يسمع كلام الله. والإنسان لا يسمع كلام الله، حين تكون أهواؤه هي الغالبة عليه، حين يكون مستعبَدًا لأهوائه. وإذا سمع كلام الله، فإنّه يسمعه خارجيًّا، بأذنه الخارجيّة. والرّبّ يسوع يطلب، دائمًا، أن يسمع الإنسان كلام الله بأذني قلبه! ماذا يعني هذا الكلام؟! هذا الكلام يعني أنّ الإنسان الّذي يسمع بقلبه هو الإنسان الّذي يملك الاستعداد لأن يقتبل كلمة الله، باعتبارها حاملةً لحياة جديدة. لهذا السّبب، السّمع، هنا، مرتبط بالطّاعة. إذا كان الإنسان مستعدًّا لأن يسمع كلام الله بقلبه، فلا بدّ له من أن يكون مستعدًّا لأن يطيع الكلمة، ولأن يطيع صاحب الكلمة، لأن يطيع الرّبّ يسوع. سماعٌ من دون طاعة لا ينفع. اليوم، بصورة خاصّة، في المجتمع الّذي نحن فيه، النّاس يسمعون الكثير، لكنّهم لا يطيعون إلاّ قليلاً، وقليلاً جدًّا؛ لأنّهم يسمعون بقصد جمع المعلومات! يسمعون، لأنّهم يرومون الكلام! وهم يتكلّمون، لأنّهم يحبّون أن يظهروا كعارفين! ويحبّون أن يظهروا كعارفين، لأنّهم يحبّون إثبات أنفسهم، ويحبّون المجد الباطل. لهذا السّبب، كثيرًا ما يسمع الإنسانُ، اليوم، لأنّه يريد أن يتكلّم، لا لأنّه يريد أن ينتفع! علينا أن ننتبه، دائمًا، إلى أنّ كلمة الله، إذا سمعها الإنسان، يُطالَب بالسّلوك فيها! عليه أن يطيعها، وإلاّ فإنّ الكلمة الّتي يكون قد سمعها تصير دينونة له! الكلمة إمّا تبثّ فينا الحياة الجديدة، وهذه الحياة نقتنيها بالطّاعة؛ أو تبثّ فينا الدّينونة، حين نسمعها خارجيًّا، ولا نبالي بقبولها؛ إذ ذاك، تصير الكلمة، الّتي سمعناها، دينونة.

       إذًا، يا إخوة، على الإنسان أن يسمع، وعليه أن يطيع، في آن معًا. فقط، إذ ذاك، تنحلّ عقدة لسانه، ويتكلّم بطلاقة. بكلام آخر، فقط الإنسان الّذي يسمع ويطيع بإمكانه أن يعلّم. والمقصود هنا، هو كلام الله! كلام الله لا يمكننا أن ننقله إلى الآخرين ما لم نسمعه جيّدًا، وما لم نسلك فيه. لا يليق بالإنسان المؤمن بالرّبّ يسوع أن ينقل الكلام الإلهيّ، وكأنّه ينقل معلومات! هذا ربّما زاد النّاسَ معلوماتٍ؛ لكنّه لا يغيّر حياتهم. المطلوب أن يساعد بعضنا بعضًا على حياة جديدة. من هنا، يا إخوة، الإنسان الّذي يكون قد سمع، وأطاع، وسلك في الكلمة الإلهيّة، يؤدّي، بالكرازة، شهادةً أنّ الكلمة صار جسدًا وحلّ فينا. بإمكاننا، مثلاً، أن نتلقّف الكلمة من أستاذ في الجامعة، كلّ همّه أن يعطي دروسًا في الكتاب المقدّس؛ ويهتمّ، بدقّة فائقة، بالتّدريس؛ لكنّه لا يبالي بالصّوم، ولا بالصّلاة؛ لا يبالي بتعاطي الأسرار الإلهيّة، ولا بتعاطي الفضائل المسيحيّة... إذًا، بإمكاننا أن نتلقّف الكلمة من مثل هذا الأستاذ. فماذا يكون ردّ الفعل في نفوسنا؟! ربّما ننتشي، نشعر بالنّشوة الفكريّة أنّنا اكتشفنا فكرة جديدة، ونُسَرّ بها، ونتناقلها... وقد يدوم هذا الأمر يومًا، أو يومين، أو ثلاثة أيّام؛ وبعد ذلك، ينطفئ بريق المعلومة الّتي استقيناها من هذا الأستاذ؛ لأنّنا نكتفي، بعد ذلك، باختزان المعلومة – هذا إذا لم ننسها – نكتفي باختزانها في درج عقليّ عندنا. لكن، إذا سمعنا الكلمة عينها يتفوّه بها شيخ قدّيس؛ فإنّ أثر هذه الكلمة فينا يكون مختلفًا تمامًا! هذا، طبعًا، إذا كنّا نحن على شيء من الإحساس؛ لأنّ هذا الشّيخ الّذي ينقل إلينا كلمة الله يشكّل خلفيّة حيّة لهذه الكلمة. الكلمة الّتي ينطق بها تنضح بالحياة. لذلك، كلمة واحدة يتفوّه بها مثلُ هذا الشّيخ قد تغيّر حياتنا بالكامل، قد توقظ فينا وعيًا وإحساسًا لم يكن في بالنا. لذا، مهمّ جدًّا أن يكون مَن يتفوّه بالكلمة قد ذاق حلاوة الكلمة، قد سلك فيها؛ أو، على الأقلّ، يسلك فيها، ويقتبلها باعتبار أنّه يجاهد من أجل أن تتحوّل هذه الكلمة فيه إلى حياة جديدة. فقط إذ ذاك، بإمكان الإنسان أن يكون شاهدًا لله، من خلال شهادته لكلمة الله، أنّ كلمة الله حيّة، لأنّ الله حيّ! بالنّسبة إلى ذاك الأستاذ، صحيح أنّه أخذ آيات من الكتاب المقدّس، وعرّضها للدّرس؛ لكنّه لا يعطي الانطباع، بالضّرورة، أنّ الله حيّ. هذا هو الفرق بين تعاطي الكلمة الإلهيّة باعتبارها حيّة، وتعاطيها باعتبارها جثّة! الجثّة يشرّحها الخبراء. وإذ يشرّحونها، يعرفون الكثير عن تكوين الجسد. وهذه قد تشكّل معلومات تملأ كتبًا وكتبًا. لكن، مَن مِن المشرِّحين يستطيع أن ينقل إلينا قبسًا من الحياة الّتي كانت في هذه الجثّة؟! لا أحد! الكثيرون يتعاطون، اليوم، الكتاب المقدّس، باعتباره نصًّا، باعتباره جثّة! فقط رجل الله، فقط القدّيس يهتمّ بنقل الأنوار المبثوثة في هذه الكلمة كحياة! لأنّه هو ذاقها؛ ولأنّ مَن تكلّم بهذه الكلمة هو نفسه سكن في هذا الإنسان! لهذا السّبب، صار بإمكان هذا الإنسان أن ينقل كلمة الله؛ أو، بكلام آخر، صار بإمكانه أن يشهد لحياة الله الممدودة للإنسان بالكلمة الّتي تكلّم بها الله. إذًا، هكذا نتعاطى نحن الكلمة الإلهيّة.

       ثمّ نظر الرّبّ يسوع إلى السّماء متنهِّدًا، وقال: "إفّثا، أي انفتح". عمَّ كان يتكلّم؟! ماذا كان الرّبّ يسوع يريد أن يفتح؟! لو كان الموضوع هو موضوع اللّسان، لَكان عليه أن يفكّ عقدة اللّسان. لكنّ لفظة "انفتح" موجَّهَة إلى السّمع! السّمع يأتي أوّلاً. السّؤال الموجَّه إلى كلّ واحد منّا: "كيف تسمع؟!"، لا "ماذا تسمع؟"! ماذا يسمع الإنسان؟! هذا يشترك معه فيه الشّيطان. لكنّ الفرق بين المؤمن بالرّبّ يسوع والشّيطان أنّ الشّيطان يسمع بطريقة فاسدة، بينما الإنسان المؤمن بالرّبّ يسوع يسمع الكلام عينه؛ إنّما بالطّريقة المناسبة الّتي تجعله يدخل في علاقة مع الله. ما دامت هناك كلمة، فهناك علاقة؛ وما دامت هناك علاقة، فهناك حبّ! لهذا السّبب، شدّد الرّبّ يسوع على أن ينفتح سمع الإنسان، على أن ينفتح قلبه، على أن تدخل الكلمة إلى كيانه، على أن تكون الكلمة برسم الطّاعة متى استقرّت في كيانه. بعد ذلك، تنحلّ عقدة اللّسان، بصورة تلقائيّة. وكما قلتُ في البداية، الإنسان، إذا كان أصمّ، فإنّه لا يمكنه أن يتكلّم. وبصورة تلقائيّة، متى انفتح مسمعاه، فإنّه يتكلّم كنتيجة لكونه بات يسمع جيّدًا. لهذا، الرّبّ يسوع، في كلّ تجواله، وفي كلّ كرازته، كان يُنهي كلامه بالقول: مَن له أذنان للسّمع، فليسمع.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
2 نيسان 2011

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share