<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
عظة: الصّليب عنوان الفرح والحياة الأبديّة.

   اليوم، يا إخوة، ، الموضوع الأساس هو موضوع الصّليب. القول، هنا، هو: "مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقّني". إذًا، على كلّ واحد منّا أن يأخذ صليبه، لأنّ لكلّ واحد منّا صليبه، وهذا الصّليب ليس صليب هذا الدّهر، إنّما هو صليب المسيح. غير المؤمنين، أيضًا، يحملون صلبانًا، في هذا العالم: يتألّمون، ويعانون... أمّا نحن، فالصّليب الّذي علينا أن نحمله، نحمله من أجل يسوع؛ لأنّنا، كما سبق للرّسول المصطفى بولس أن قال، "إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا، وإن متنا؛ فللرّبّ نحن" (رو14: 8).

   إذًا، حياتنا كلّها، بتفاصيلها، ليست لنا ما دمنا قد اعتمدنا باسم الرّبّ يسوع وله. نحن لا نحيا بأنفسنا. الصّليب الّذي نحمله هو، بالضّبط، أنّ كلّ أقوالنا وأفكارنا وأفعالنا، مهما كانت، يجب أن تكون للمسيح. هذا هو الصّليب الحقيقيّ: أن يُفرغ الإنسان نفسه من ذاته: من إرادته، من رغباته... لكي يقتبل ما هو للمسيح، بصورة كاملة. طبعًا، سهل على الإنسان أن يحيا من أجل نفسه. لكن، أن يحيا من أجل يسوع، في كلّ حين، وفي كلّ حال؛ فهذا أمر يستدعي أن يموت عن نفسه. ما لم يَمُتِ الإنسانُ عن نفسه، فلا يمكنه أن يحيا من أجل يسوع. نحن، نحمل صليبَ الرّبّ يسوع، في حياتنا، لأجل الحياة الجديدة الّتي تتيسّر لنا بيسوع المسيح. على هذه الأرض، نحن في حال عبور، وحياتنا قصيرة. حياتنا، هنا، مسيحيًّا، إنّما هي من أجل التّروّض على حَمْلِ صليب الرّبّ يسوع، التماسًا لاقتبال قيامته. وإذا قلنا "صليب الرّبّ يسوع"، فلا يمكننا إلاّ أن نقول "قيامة الرّبّ يسوع المسيح"، أيضًا. إذًا، ما نتوخـّاه، في الحقيقة، من حَمْلِ هذا الصّليب هو الحياة الأبديّة!.

   هنا، ليست لنا إقامة ثابتة، وليست لنا مدينة باقية. نحن نلتمس الإقامة الثّابتة في حضن الله، ونلتمس ما يبقى في ملكوت السّموات، لا في هذا العالم، ولا في هذا الدّهر. وهذا يستدعي، أوّلاً وقبل كلّ شيء، أن يكون ذهن كلّ واحد منّا هناك، لا هنا. لا يليق بنا أن ننشغل، بأمور الحياة اليوميّـة، وبالإنجاز، والطّموحات... كلّ هذه لا تنفعنا شيئًا. تذكّروا ذاك الّذي أثمرت كورته، وأراد أن يبني مخازن أكبر من الّتي كانت له. هذا الإنسان، فيما كان منشغلاً بما لديه، بثروته، ومخازنه، وبما هو مُزْمِعٌ أن يُمَتِّعَ نفسه به، في تلك اللّحظة بالذّات، جاءه صوت يقول له: "اليوم، تُطلَب نفسك منك، يا غبيّ؛ فهذه الّتي أعددتها لمَن تكون؟!" (لو12: 20). هذا القول، في الحقيقة، إذا ما تأمّلنا فيه؛ فإنّنا لا يمكننا، من بعد، أن نكتفي بما هو لأمور هذا الدّهر. نحن نستعمل ما في هذا العالم استعمالاً، ملتمسين المدينة الآتية، ملتمسين وجه الله: "وجهك، يا ألله، أنا ألتمس" (مز27: 8).

   إذًا، سعينا، دائمًا، ينبغي أن يكون إلى هناك. هذا لا يليق بالإنسان المؤمن أن ينساه، على الإطلاق، ولا لحظة واحدة؛ وإلاّ لا يكون منسجمًا مع معموديّته؛ لأنّنا، حين اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس، وغُطّسنا في جرن المياه، مُتْنا عن أنفسنا. وهذا هو السّبب، في الحقيقة، أنّنا، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، نُصـِرّ على التّغطيس في المعموديّة. التّغطيس له معنًى يعبّر عن كلّ الموهبة الّتي أُعطيَت للإنسان المؤمن بالرّبّ يسوع، وهي موهبة أن يموت من أجل نفسه، في هذا العالم. لهذا، يُغطَّس الطّفل؛ ويشعر، متى غُطِّس، بأنّه يكاد يختنق. هذا مهمّ جدًّا. هذا تعبير، في الحقيقة، عن الموت عن الذّات، الّذي يقول عنه إنجيل اليوم: "مَن وجد نفسه يهلكها، ومَن أهلك نفسه من أجلي يجدها". نحن، بمعنًى من المعاني، نقتبل الموت، إراديًّا، عن أنفسنا. ما لم نفعل ذلك، فلا يمكننا، في حال من الأحوال، أن نحمل صليب المسيح، وأن نلتمس وجهه وقيامته. إذًا، الإنسان الحكيم المنسجِم مع معموديّته، وإيمانه، وكنيسته، وربّه؛ هو الّّذي يجعل نصب عينيه، في كلّ حين، أنّه مرتحـِل، كلّ يوم، إلى وجه ربّه، إلى حضن أبيه السّماويّ، إلى ملكوت السّموات... لا ننسينّ "إبراهيم" أبا المؤمنين، الّذي استدعاه ربُّه من "حاران"، وقال له: "اخرجْ من أرضك، ومن عشيرتك، واذهب إلى الأرض الّتي أريك". فترك كلّ شيء، وتبع ربَّه، كما أوحى له ربُّه في القلب!. تحرّك إلى حيث أراده ربُّه أن يذهب!. وأضحى إبراهيم، في الحقيقة، أبًا للمؤمنين، كما أضحى إنسانًا كرّمه الرّبُّ الإله بظهور الملائكة الثّلاثة، الّذين كانوا، بحسب قول آبائنا، رمزًا للثّالوث القدّوس. إذًا، إبراهيم، بالنّسبة إلينا، هو مثالٌ في الارتحال الدّائم من هذا العالم إلى العالم الآتي، من هنا إلى هناك.

   لكن، طبعًا، نحن لا نلتمس، كإبراهيم، أورشليمَ الأرضيّة، ولا نلتمس أرضَ الميعاد المادّيّة!. نحن نلتمس أورشليم العلويّة، ونلتمس ملكوت السّموات... لهذا، يا إخوة، إذا جعل الواحد منّا، في قلبه، هذا القصد، وعاش عليه، يومًا بعد يوم؛ فعليه أن يدرك أنّه سوف يحمل صليبًا ليس بخفيف!. الصّليب معناه أن يُسمَّر الإنسان عليه. والواحد منّا، كما قال أحد الآباء القدّيسين، "لا يَنْزِل عن الصّليب، عن صليب الرّبّ يسوع؛ بل يُنـَزَّل عنه، حين يلفظ نَفَسَه الأخير!". إذًا، هناك مسامير نحن نقتبلها إراديًّا!. الله لا يفرض ذاته علينا، ولا يفرض المسامير علينا، أبدًا. لكن، في الحال الّتي نحن عليها، لا يمكن الإنسان أن يخلص من دون صليب. وإلى الصّليب هناك دم!. لا بدّ للإنسان من أن يذرف دمعًا ودمًا. وهذا معناه أن يعطي نفسه وحياته كاملَتَين لله!. الدّم هو علامة الحياة. إذًا، الإنسان يعطي حياته لله: "في يديك أستودع روحي" (لو23: 46). وفي آن معًا، يذرف دمعًا، بمعنى أنّه يقتبل أن يسلك في الألم وفي المعاناة لأجل يسوع، إلى أن يتّحد به في مستوى الدّمع، في مستوى التّسليم الكامل له. الدّمع، في تراثنا، يأتي من ألم؛ وبعد ذلك، يصير تعبيرًا عن فرح. في بداية الطّريق، لا بدّ من الألم. لكن، بعد ذلك، يعطي الرّبّ الإله دموعًا من عنده. هذه تكون دموعًا ملؤها الفرح، وتدفع الإنسان إلى الاتّحاد بالبشريّة جمعاء. لهذا، حين نقرأ سـِيَرَ آبائنا القدّيسين، نجد العديد منهم يبكي بصورة شبه دائمة؛ حتّى إنّ هناك مَن يقول: "مَن لا يبكي مثل هذا البكاء، فلا يمكنه أن يدخل ملكوت السّموات". الإنسان في حاجة، بالدّمع، في الحقيقة، إلى أن يبذل كلّ ما لديه؛ وفي آن معًا، في حاجة، بالدّمع، إلى أن يقتبل هذه النّعمة النّازلة عليه من فوق، والّتي تجعله يمتدّ إلى البشريّة جمعاء، بحيث يحتضن كلّ البشريّة، ويحتضن كلّ آلامها، ويصير على مثال معلّمه، وامتدادًا لمعلّمه؛ يصير واحدًا والبشريّةَ جمعاء.

   إذًا، الصّليب يأتينا، في الحقيقة، باختناق؛ لكنّه يأتينا، في آن معًا، بحياة جديدة!. الرّبّ يسوع، على الصّليب، اختنق!. لكنّه، في آن، لفظ الرّوح، أعطى الرّوح، أعطى الحياة!. الصّليب، عندنا، له معنى الموت، وله معنى الحياة أيضًا. لهذا، الصّليب، عند المسيحيّين، هو للفرح؛ لأنّه صليب مُحيٍ، لأنّه موتٌ مُحيٍ، وموتٌ مُشبَعٌ بالحياة. لهذا السّبب، نحن ندخل، بالصّليب، إلى السّرّ الإلهيّ. من دون صليب مستحيل على الإنسان أن يدخل في السّرّ الإلهيّ. يُقال عنّا، نحن المسيحيّين، إنّنا ديانة حزينة. هذا غير صحيح!. نحن نقتبل الصّليب. لكنّ الصّليب الّذي نقتبله هو صليب مُشبَع بالحياة الإلهيّة، بالحضرة الإلهيّة، بالفرح الإلهيّ!. بعد ما قام الرّبّ يسوع، وصعد إلى السّموات، وأرسل روحه القدّوس؛ باتت الآلام الّتي نعانيها، في هذا الدّهر، وبات الصّليبُ، النّيرُ الّذي جعله الرّبّ الإله على أكتافنا؛ مُشبَعَين بالفرح، والسّلام، والحياة الجديدة!.

   في الحقيقة نحيا؛ ولهذا، كانت الشّهادة، دائمًا، عنوانَ المؤمنين، منذ فجر المسيحيّة إلى اليوم. والمسيحيّة لا يمكنها أن تستمر إلاّ بهذه الرّوح الشّهاديّة: أن تشهد، في كلّ حين، لهذا الفرح الإلهيّ الّذي حلّ في الآلام البشريّة، لهذه الحياة الإلهيّة الّتي استقرّت في الحياة البشريّة المائتة، لهذا السّلام الإلهيّ الّذي قعد في اضطراب النّفس البشريّة وإلى الأبد: "سلامي أعطيكم، لا كما يعطيكم العالم" (يو14: 27).

   لهذا، يسوع، بالنّسبة إلينا، هو الألف وهو الياء، هو البداية وهو النّهاية، هو الكلّ في الكلّ، به وله نحيا ونوجَد من الآن وإلى الدّهر.

آمين.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
دوما

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share