<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
ميلاد المسيح.
للقدّيس مكاريوس الكبير.

   إنّ كلمة الله تتطلّب عمل الحقّ. وبالنّسبة للإنسان فإنّه يتكلّم ويسمع ويعمل، لذلك كلّ مَنْ يسمع ويتكلّم بكلمة الله، عليه أن يعمل بما سمع.

   في هذا اليوم وُلِدَ الرّبُّ حياةً وخلاصًا للبشر.

   اليوم تمّت المصالحة بين الله والبشريّة، بين البشريّة والله.

   اليوم ارتكضت كلّ الخليقة فرحًا: فالسّاكنون في الأعالي أُرسلوا إلى مَنْ في الأرض، والسّاكنون في الأرض صعدوا إلى الأعالي.

   اليوم صار موتًا للظلمة، وحياةً جديدةً للإنسان.

   اليوم صار الطّريق للإنسان نحو الله وطريق الله انفتح نحو النّفس البشريّة.

   لأنّه في القديم كان النّبيّ يقول: "طرق صهيون نائحة لعدم الآتين إلى العيد" (مراثي ١: ٤)، مشيرًا بذلك إلى دمار النّفس وخرابها، لأنّه لم يكن هناك أيّ طريق بين الله ونفس الإنسان وعقله، والنّفس أيضًا لم تكن تسير نحو الله.

   اليوم تبتهج الوديان وكلّ ما فيها، لأنّ تربة النّفس اقتبلت مطرًا شديدًا من السّماء. "الرّبّ مَلَكَ والجلال لبس" (مز  ٩٢: ١).

   فقديمًا وضع الله آدم سيّدًا وملكًا، وبسبب المخالفة صار عبدًا للخطيئة. وأمّا اليوم فإنّه يملك على أعدائه كما هو مكتوب: "لأنّه يجب أن يملك" (١ كور ١٥: ٢٥).

   اليوم ثبّت الرّبّ المسكونة، وهي النّفس الّتي كانت في الماضي خربة ومتزعزعة، ومرتعدة ومقيّدة بالخوف وبجُبن الخطيئة، لأنّه مكتوب: "باللّعنة تكون مخزيًا وتائهًا في الأرض". فمسكن النّفس كان مبنيًا على الرّمل، مُزَعْزَعًا، أمّا اليوم فقد صار مسكنها متأسّسًا على صخر اللاهوت الّذي لا يتزعزع.

   اليومَ تبتهج الملائكة والسّموات والكواكب والشّمس والقمر والأرض وكلّ ما فيها والجبال والتلال ترتكض طربة. لأنّه إذا كان عند خروج بني إسرائيل من مصر ابتهجت كلّ الخلائق، والسّماء أيضًا حفظتهم بسحابة نورٍ في النّهار وبعمود نار في اللّيل والجبال قفزت مثل الكباش والتلال كالحملان، فكم بالحريّ يكون ابتهاجنا في يوم ميلاد المسيح الحقيقيّ؟.

   في القديم كانت الخليقة كلّها تئنّ مسبية في الفساد بسبب سقطة آدم الّذي خُلق على صورة الله، وها قد جاء الرّب اليوم ليجددها وليعيد خلقتها مرّة ثانية.

   انتهى زمن إدانة الإنسان، وتمّ ما سبق وتنبّأ به الأنبياء، والآن دعي مرّة أخرى من الأسر والنّفي واقترب ملكوت السّموات.

   اكتمل زمن القيود والحبس والحكم الواقع على آدم في الظلمة.

   اليوم صار له الفداء وتمّت الحرية بالمصالحة ونال الشّركة مع الرّوح القدس والاتّحاد مع الله.

   اليوم رُفع خزي وجه الإنسان وصارت له الدّالة ليبصر الله بوجه مكشوف ويدين بالرّوح.

   اليوم استقبلت العروس (البشريّة) عريسها (المسيح)،

   اليوم تمّ الاتّحاد والشّركة والمصالحة بين السّماويّين والأرضيّين، بين الله والإنسان.

   لأنّ المسيح هو الكائن في السّماء والجالس عن يمين العظمة،

   هو أيضًا يحكم كلّ ما على الأرض،

   ويتحدّ بجميع القدّيسين ويسكن فيهم.

   هو في العلاء وأيضًا هو على الأرض.

   هو الله وهو أيضًا الإنسان،

   هو الحيّ وهو الّذي ذاق الموت،

   هو ربّ الكلّ وهو الّذي صار عبدًا للكلّ،

   هو الحمل وهو أيضًا الذّبيحة،

   هو العجل المسمّن المذبوح وهو أيضًا رئيس الكهنة الّذي يَذبح،

   هو المتألّم وهو غير قابل للألم،

   هو العريس وهو العروس،

   هو الختن وهو الخدر،

   هو الفردوس وهو شجرة الحياة،

   هو مدينة أورشليم وهو الهيكل وهو أيضًا قدس الأقداس،

   هو الغمر وهو المسكونة،

   هو غذاء النّفوس وهو الّذي يقتات بخلاصها،

   هو الخبز الحيّ وهو ماء الحياة،

   هو الكرمة الحقيقيّة وهو خمر الابتهاج،

   هو الجوهرة وهو الكنز المخفيّ،

   هو الشّبكة وهو المحارب،

   هو السّلاح وهو الغالب،

   هو الختان وهو السّبت والنّاموس،

   هو رأس كنيسة القدّيسين وهو حبّة الخردل،

   هو الكرّام وهو المحراث،

   هو النّعمة وهو الإيمان،

   هو العروس وهو لباس العرس،

   هو الطّريق وهو الباب،

   هو شمس البرّ وهو نور النّفوس،

   هو الحياة وهو الملكوت،

   هو البداية وهو النّهاية،

   هو الّذي فوق الكلّ وهو الّذي صار الكلّ في الكلّ،

   هذا هو الثّمرة المقدّسة الإلهيّة الّذي وُلِدَ لنا في هذا اليوم،

   هذا هو خلاصنا وحياة نفوسنا،

   المجد لعظمته،

   المجد لمحبّته المنسكبة على البشر،

   المجد لعنايته غير الموصوفة الّتي اهتمّت بجنسنا،

   فلنتضرّع إذن ولنؤمن أنّنا اليوم اقتبلناه، حتّى نتلاقى ونفرح معه بكلّ هذه البركات الّتي صارت لنا بمشيئة الآب والابن والرّوح القدس إلى الأبد. آمين.


المرجع:

ميلاد المخلّص، إعداد أُسرة القدّيسَين أثناسيوس الرّسوليّ وكيرلّس عمود الدّين، مطرانيّة الأقباط الأرثوذكس في الجيزة.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share