<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
السّلام في المسيح

 

سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يُعطي العالم أعطيكم أنا. (يو 27:14) 

    "المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة"! "يا ربّ افتح شفتيّ فيخبر فمي بتسبحتك"...

       هكذا نبدأ تلاوة مزامير السَّحَر في كنيستنا.

الموضوع يا أحبّة أنّنا كلَّنا في العالم والكنيسة نحكي السّلام وعن السّلام. نبحث ونفتّش ونحيا لأجل السّلام حتّى تهدأ قلوبنا في محبّة المسيح وفي العيش معه، لأجله!!... ولكن هل السّلام هو موضوع "هذه الحياة" وعنوانها؟! حياتنا نحن في البشرة؟!... المشكلة الأساس هي في الأصل! في البدء، من أوّل التّاريخ حين جبل الله الإنسان من تراب الأرض الّتي خلقها ونفخ فيه روحه القدّوس مجاورًا إيّاه في فردوس نعيمه وملكه ليبقى في السّلام مع الله!.

       وبعد أن خلق الله الأرض، "لم يكن ثمَّةَ إنسان ليعمل الأرض فجبل الرّبّ الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نَفْسًا حيّة. وغرس الرّبّ الإله جنّة في عدن شرقًا، ووضع هناك آدم الّذي جبله. وأَنبت الرّبّ الإله من الأرض كلّ شجرة شهيّة للنّظر وجيّدة للأكل. وشجرة الحياة في وسط الجنّة وشجرة معرفة الخير والشّرّ [...] ثمّ أخذ الرّبّ الإله آدم ووضعه في جنّة عدن ليعملها ويحفظها. وأوصى الرّبّ الإله آدم قائلاً  من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً، وأمّا شجرة معرفة الخير والشّرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتًا تموت [...] فرأت المرأة أنّ الشّجرة جيّدة للأكل وأنّها بهجة للعيون وأنّ الشّجرة شهيّة للنّظر... فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل فانفتحت أعينهما وعلما أنّهما عريانان... لأنّك تراب وإلى التّراب تعود... وقال الرّبّ الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفًا الخير والشّرّ. والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ليأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرّبّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض الّتي أُخذ منها. فطرد الإنسان" (تك 1 – 2 – 3).

       هكذا فقد الإنسان السّلام الّذي له وفيه من الله حين كان مع الله في الفردوس.

       وكان أوّل فعل للإنسان وامرأته على الأرض ولادة قايين وهابيل إبنيهما. ولم يقبل قايين اصطفاء الرّبّ لهابيل وتقدمته، فارتكب الخطيّة التّي كان "يشتاقها" وقتل أخاه هابيل حسدًا فمات السّلام!!...

       هذا كان في البدء... وهذا ما استمرّ منذ أوّل الخليقة وحتّى يومنا... فإلى متى يبقى هروب آدم وحوّاء من وجه ربّهما لأنّهما عريانان؟!... وإلى متى سيولدان أبناءهما بالجسد للحسد والقتل والموت؟! إلى متى يتآكل الخوف روح وقلب وعقل الإنسان من لعنة الموت؟! ليحيا في نزف الخطيئة المعشّشة في خلاياه؟!.

       والخطيئة عاش فيها الإنسان، كلّ إنسان، دون استثناء. "بالخطيئة ولدتني أمّي" (مز 50) فأين معرفة الإنسان للخير والشّرّ؟! كيف سيسوقه فكره وإرادته الّتي استقاها منذ البدء في الاختيار؟!. الإنسان عصى حكم الله!!. مدّ يده عنوة عن الإله ليذوق معرفة الخير والشّرّ بالأكل من الشّجرة في وسط الجنّة!!. أطاع إغراء الحيّة الشّيطان الّتي أغرته!!. فقد بساطته وبراءته وحكمه الآتيه من الله!!. فلماذا كسر المشيئة الإلهيّة وأطاع الحيّة؟! لماذا لم يبق في الحكم الأوّل وفي الحبّ الأوّل وفي الحقّ الأوّل؟!. لماذا لم يكتف بالإله خالقه معطيه نور وبهاء ونقاوة الفردوس والحياة الأبديّة؟! أهل أحبّ الصّوت الغريب الآتيه بالجديد؟! فصدّقه مكذّبًا الله؟؟؟. أهل خرجت خليقة الله – آدم وحوّاء والحيّة – من طاعة الإله لنكرانه وكسر كلمته ليصيروا هم الإله؟!. لماذا لم يقبلوا حكم الله وكلمته؟؟ كيف تدرّج الإنسان في حبّه، في حياته، في براءته وفي حكمه هو؟! متى صار هو حكمًا لذاته وحاكمًا وابتعد عن حكم الله ليسمع صوتًا غريبًا آتيًا من حيوان هو أسماه باسمه كما أعطاه الرّبّ أن يحكم ويسمّي كلّ الوحوش والدّبّابات والأثمار والأشجار والنّبات؟! لماذا لم يكتف بما قسمه له الله؟!. هل خُلِقَ الإنسان بطبيعة منقسمة تريد ما لا يريده الله؟! ثمّ تتوب إذ تقع أو تجرّب أو تتعذّب فتعود إلى الحكم الإلهيّ مترجّية الخلاص وتائبة عن حكمها، عن إرادتها، عن ذاتها، ليشفيها خالقها؟!.

هل خُلِقَ الإنسان في المعطوبيّة منذ البدء؟!.

أم خلقه الله من نفحة روحه حرًّا يختار ما يريده؟!.

والسّؤال السّؤال لماذا لم يختر الإنسان الإله السّاكن في فردوسه؟! ألم يعرفه ويحاكيه ويسمع لهف حبّه وسلامه في قلبه؟!.

لماذا لم يقبلا – أي آدم وحوّاء – أن يساكنا الإله الّذي أعطاهما كلّ ما يملك؟!. كلّ ما أوجد لهما؟! الفردوس؟!

لماذا سمعا فأصغيا إلى صوت الحيّة – الشّيطان وصدّقاه ولم يكتفيا بحضرة الإله وحده؟!

لماذا لم يكتفيا بالملء؟! بالكلّ الإلهيّ؟!.

وأُعلنت الحرب بين الله والشّيطان الّذي أَسقطه الإله لأنّه أراد الارتقاء ليطاوله في ملكه وفي وجوده وفي معرفته وأحكامه!!. وانقسمت الحياة!! ما هو للخالق وما هو للشّيطان.

واختار الإنسان الأوّل أن يعرف لا ما يريده الإله له، بل الحيّة الشّيطان!!.

"وقال الرّبّ الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفًا الخير والشّرّ. والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرّبّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض الّتي أُخذ منها. فطرد الإنسان وأقام شرقي جنّة عدن الكيروبيم ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة". (تك 3: 22 – 24).

       ومُنع الإنسان من مجاورة الإله بعد أن عصاه واستبدله بذاته يعبدها بإيعاز من الشّرّير.

       وكان هذا القصاص الأوّل للبشريّة جمعاء!!! أن لا يكونوا أبناء السّلام ليحيوا في الإله، منه وله في فردوس نعيمه.

       وتراكمت الأجيال تتتالى في عيشها في السّقوط الّذي صار ناموسها وشريعة الأحكام الّتي تتّبعها، وشيئًا فشيئًا صار وجه الإله يُغيَّب عن الحياة اليوميّة حتّى النّسيان لأنّ الإنسان صيّره ممّا يتعامل هو معه على الأرض، واحدًا من "أُلعوباته" الكثيرة الّتي دأب على جمعها حوله لتصير هي إلهه!!. وكُتِب تاريخ جديد للبشريّة إذ حوّل المخلوق وجهه عن خالق الكون وخالقه ليلبس فوق وجهه أقنعة جديدة وليملأ مخازنه منها. يخرج الواحد تلو الآخر للحاجة والضّرورة في يوميّاته فيحيا الكذبة والموت. وامتلأت البشريّة من الأقنعة المزيّفة للآلهة الكذوب الّتي أبدعها الإنسان وعبدها بإشارة الشّيطان له وتسييره في عباداته الّتي ارتضاها بديلاً عن عبادة الإله الحقّ... هذا كان، وما زال حتّى الساعة هذه لنسائل أنفسنا: ماذا بعد؟!


 ماذا بعد؟!

       وسمع الإله صراخ البشريّة في مسيرتها إلى إفناء ذاتها!! ارتفعت المياه حتّى غطّت وجه الأرض، تشقّقت الجبال والمدن لارتعاد الكون من هول ذنوب الإنسان على وجه البسيطة، وارتقص الشّيطان طرِبًا لحصده أكبر كميّة من الأحياء بالويلات الطبيعيّة وبالسّموم الّتي تتآكل الجسد وتطرح فيه الأمراض الّتي لا شفاء منها وبالاختراعات!.

بثّت الحيّة سُمّها في أرحام الأمّهات فوُلدت الأجيال مضروبة بالإعاقة. وخفتَ الحبّ، ماع، وصرخت القلّة الّتي لم تُحنِ ركبة لبعل للإله بزفرات وعويل لخوفها. ارتعدت فرائصها من اشتداد إطباق الموت عليها هي أيضًا وعلى ذرّيتها فصرخت: إلى متى يا ربّ تنسانا أإلى الانقضاء!!... "يا ربّ نجّنا واغفر خطايانا لأجل اسمكَ القدّوس"...

       وانفطرت أحشاء خالق البرايا بأسرها!!. على جبلّته وصنعِ يديه، فالتأم مجمع الثّالوث القدّوس وأفرز الابن الإله الكلمة، لافتداء شعب الله المرتجى أن يصير هيكلاً للرّوح القدس على الأرض!!. فوُلد الإله الكلمة متجسِّدًا طفلاً ليخلّص ما قد هلك!.

من الحشا البتوليّ وُلد الإله ليصير مُبدءً للكلّ، للحياة الجديدة، المتجدِّدة فيه.

وصار الرّبّ يسوع آدم الجديد... ملك السّلام!!

 ولكن أيضًا وأيضًا لم تستعرفه البشريّة خالقًا لها فأنكرته، وما تزال وأماتته معلَّقًا على صليب الهوان!

       "تأدّبي يا أورشليم لأنّ زمن افتقادك قد حلّ!".

فلماذا لم تستعرف البشريّة خالقها؟!... بل لماذا لم ترتضه إلهًا لها؟!...

لأنّها فسقت مع الشّيطان!!! أسلمته لا الجسد وحده بل الكيان كلّه وروحها أيضًا فسقطت سقطتها الثّانية.

       أوّل سقطة كانت عندما سمعت صوت الحيّة الشّيطان فأطاعته وطردت من الفردوس.

       وثاني سقطة لأنّها لم تتب إلى ربّها إذ رأته حالاًّ بينها لا ملِكًا بل معلِّمًا وديعًا حنّانًا، مُبشِّرًا، شافيًا، مطعمًا، مقيمًا من الموت، ومخلِّصها من ربقة الشّرّير عليها.

       وفي هذا انقسمت قوى الإنسان الّتي ورثها من الإله ومن الخطيئة إلى قسمَين، مُشتِّتَة ومضعضعةً قدرته على أن يصير واحدًا والإله.

       واستجاب الإله نداء القلّة الباقية الّتي تريد الخلاص لتعود إلى الصّورة الّتي خلقها الله لها!!. وتساءلت:

كيف؟! ماذا يرضي الله؟! القلب المتخشّع المتواضع، هذا لا يرفضه الله ولا يرذله؟! ويَطرح السّؤال ذاته. إذًا هناك ما لا يرضي الله في أفعالنا... ماذا يطلب الإنسان، كلّ إنسان على وجه الأرض؟!. "السّلام"!. ليحيا في البحبوحة، ليعمل ميكانيكيًّا، ليجمع المال، ليطلق العنان لرغبات ومتطلّبات جسده ونفسه وعقله والرّوح؟!... وصار هذا ما يجرّ الآن البشريّة أيضًا وأيضًا إلى إفناء ذاتها والدّمار إذ تغرّبت عن الإله خالقها وما أطاعت وصاياه.

فكيف نبدأ الآن نحن الّذين يطلبون الحقّ ويرفضون الباطل؟!... بإماتة الموت المسيطر علينا من سقوطنا إلى اقتناء ولبس الإله بالمعموديّة اليوميّة، بالتّوبة والدّموع لغسل خطايانا؟!.

       واحتكم الآباء الّذين سبقونا للرّوح القدس وللكتاب المقدّس... للكلمة والتعاليم الّتي أطلقها الرّبّ ووردت مدوّنة في الكتب لنصرخ من عمق أعماق القلب. "تكلّم يا ربّ فإنّ عبدك يسمع"... (1 صم 3: 9).

أمّا الآن فوضع الفأس على أصل الشّجر ليقطع مسيرة المرائين والّذين تبنّوا أفعال أهل الأرض ناموسًا لهم!!.

ويأتينا الجواب: الجميع يطلبون السّلام؟!. ولكن أيّ سلام يسعى إليه الإنسان السّاقط المغروس في كلّ واحد منّا؟

واقع الإنسان أنّه يطلب السّلام بالحرب حتّى يسيطر على كلّ الّذين يناوئونه!!.

الإنسان يطلب السّلام بقمع الآخر وابتزاز طاقته ليجعله خادمًا لشهواته وأغراضه. لنأخذ السّياسة مثلاً والزّعماء وحكّام الأرض وجميع الّذين يتّخذهم بعض النّاس آلهة لهم ونتساءل: ألم تفشل كلّ الأنظمة السّياسيّة في الإتيان بالسّلام؟؟. هذا يصيّر الإنسان عدوًّا لأخيه الإنسان فيتخلّص منه إن لم يجاوره الرأي ويجاريه الانتماء. والأفظع أنّ آلهة السّياسة تجعل الإنسان يسقط من رفعة روح الألوهة الّتي فيه ليحيا، بل ليجعل انتماء كيانه لقادة هذا العالم الّذي قال عنه الرّبّ يسوع المسيح: "سلامي لكم سلامي أُعطيكم لا كما يعطيه هذا العالم" (يو 14: 27). وتثبّت الشقّ بين العالم والإنسان الإلهيّ السّاعي ليعود إلى الفردوس في اتّباعه لقولة يسوع النّاصريّ: "أنتم لستم من هذا العالم" (يو 15: 19).

ويسائلون لماذا الخروج من هذا العالم؟! الّذي وُلدنا فيه، وأعطانا إيّاه الرّبّ فأين نحيا إذًا؟!... في قلب الله، الرّبّ يسوع المسيح... هناك حيث لا حزن ولا قلق، ولا توجّع بل حياة لا تفنى. نحيا في المسيح ونتّحد به فتنزّل السّماء على الأرض لأجلنا! ونحيا سلام خالقنا لا سلامنا نحن البشر!


 غاية الإنسان: الخلاص.

       حَمْلُ سلاح المسيح لغلبة أمير هذا العالم!. هذا هو خلاصنا.

لقد رتّب الآباء من خبراتهم في عيشهم مع الرّبّ الأهواء الّتي تسيطر على قلب الإنسان لإبعاده عن قلب الله.

       ولن يستطيع الإنسان الغلبة إلاّ باقتناء الرّوح القدس.

       هذا ما يؤكّده القدّيس سيرافيم ساروفسكي أنّ غاية الحياة المسيحيّة هي اقتناء الرّوح القدس وهكذا نبدأ صلواتنا: "أيّها الملك السّماوي المعزّي روح الحقّ الحاضر في كلّ مكان والمالئ الكلّ، كنز الصّالحات ورازق الحياة. هلمّ واسكن فينا وطهّرنا من كلّ دنس وخلّص أيّها الصّالح نفوسنا"...

فإذا أردنا اقتناء روح الحقّ، علينا أن ننظّف ذواتنا من كلّ شبه هوى أو شرّ لنقتني الرّوح القدس الّذي نستصرخه كلّ يوم في بدء صلاتنا.

المنطلق أن نقرّ ونعترف بأنّنا خطأة... هذا اليقين يُفرح الرّوح القدس فيساعدنا على العمل الجهاديّ اليوميّ في معركة التّنقية... فإذا ظهرت ثمار الرّوح القدس فينا الّتي هي السّلام والمحبّة والفرح (غلاطية 5: 22) نكون قد غلبنا الحيّة المعشّشة في نفوسنا فنحيا العمر في الجهاد الواعي حقيقة النّعمة الّتي أُعطيناها ميراثًا من لدن الرّبّ وسعي العدوّ انتزاعها منّا.

       إنّ علامة سكنى الرّوح القدس في الإنسان هي معرفتنا في العمق لذواتنا!!... بالرّوح القدس، الرّبّ المحيي، ندرك أنّنا خطأة، بل أنّنا بالحقيقة "لا شيء"!! هكذا تبدأ حرب التّنقية اليوميّة للجرار الفارغة من أيّ صلاح الّتي هي نحن، وإفساح المجال كي يأتي الرّوح القدس ويحلّ فينا حافظًا خوابي الزّيت الّتي يملؤها هو لا من روح العالم المدمّرة، بل من روح الرّبّ القدّوس وحده، الّذي يدقّ باب قلوبنا كلّ يوم ليحلّ فيها...

       هنا تبدأ الحرب الحقيقيّة لاقتناء الرّوح القدس. الحرب الّتي تؤدي بنا إلى السّلام الحقيقيّ للهذيذ باسمه: "ربّي يسوع المسيح يا ابن الله الحيّ ارحمني أنا عبدك الخاطئ"... وإذ ننطق بهذه الصّلاة من عمق القلب تبدأ ضربات الشّيطان وهجومه الشّرس... الموضوع أن نكمل الجهاد وحمل سيف الإيمان أو نتراجع عند أوّل هجوم شيطانيّ لعرقلتنا في مسيرتنا الحياتيّة صوب الرّبّ لاستعادة مكانتنا عنده. فلنصغ جيّدًا إلى الكلمات الّتي نتمتمها وقت الصّلاة وخاصة في الصّلاة الرّبّيّة لكي نفهمها ونغرسها في أعماق قلوبنا... والصّلاة الأولى والأهمّ الّتي علّمها الرّبّ لتلاميذه تقودنا إلى معرفة دورنا في استصراخ الله: أبانا الّذي في السّموات – والسّماوات ليست مكانًا عاليًا بعيدًا، بل يسوع المسيح قال: ملكوت السّماوات في داخلكم – ليتقدّس اسمك، ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السّماء كذلك على الأرض...

       إذًا نحن الآن في صدد مواجهة الحقيقة البكر الّتي هي هذه العلاقة وهذا الرّباط الوثيق بين الله والإنسان! بل أكثر من ذلك... أن بغية الحياة المسيحيّة هي الاتّحاد بالإله في عرس "سماء أرضيّ" ليعيدنا إلى الفردوس الّذي طردنا منه، بسبب عدم سماعنا كلمته وطاعتها والعمل بها بالحبّ... "أحبب الرّبّ إلهك من كلّ قلبك وفكرك وقدرتك"... هذا هو المطلق الّذي يريدنا الرّبّ الوصول إليه، لا بأعمال عملناها لنأخذ أُجرتنا عليها لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعمل عملاً صالحًا، بل بالتّسليم الكيانيّ العميق الكلّيّ للذي يلفّنا بل يقمّطنا به الإله في ولادتنا الجديدة به منه وله وتبنّي الآخر كما تبنّانا الإله.

بهذا تتغيّر حياتنا وتنتقل من الخوف والشّكّ والقلق الّذي هو مرض العصر بامتياز – لماذا؟ لأنّ الإنسان لا يسلم نفسه بالكلّيّة للإله حتّى يعمل فيه، إلى حياة أبديّة بل يبقى ذاك المخلّع قرب بركة حسدا الّذي اقتنى البلادة في انتظاره، لكن أقول حتّى ذاك، أتاه الرّبّ ليخلّصه من موت قعوده حيث هو، إلى الصّحّة، إلى القيام والسّيّد إليه، إلى الفرح والحياة الأبديّة معه، إلى الموت عن ذاته، إلى القيامة. بهذا تتجدّد مسيرتنا – فنحيا لا للموت بل للحياة الأبديّة!!.


 السّلام...

       في مسيرتنا الإيمانيّة الرّوحيّة نواجه الشّرّ المحتكم في العالم بالأهواء، كذلك النّعمة المحدِثة التغيّير في نظرتنا لأمور وواقع هذه الحياة الّتي نحيا في العالم وذلك بالإيمان. يكتب الرّسول بولس فيقول: "فإذ قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح" (رو 5: 1 -11).

بفعل الإيمان تنفتح أعيننا لمعرفة خطايانا... كلّ مَن يقول أنا لم أُخطئ يصبح مكذّبًا لله الّذي قال: أنا لم آت للأصحّاء بل للمرضى (مر 2: 17)  والرّسول بولس أيضًا شدّد: "أنّ المسيح أتى ليخلّص الخطأة الّذين أنا أوّلهم"... (1 تي 1: 15).

كلّما اشتدّ وعظُم حبّ الإنسان للإله أدرك أنّه خاطئ وكلّما فتر الحبّ طوّب الإنسان نفسه في البرّ والقداسة للسّقوط...

أليس كلّ فرد منّا يحمل في خلايا وثنايا نفسه حبّ الّلذّة والشّراهة وحبّ البطن... أليس كلّ إنسان فينا مضروبًا بشهوة الجسد، بالطّمع والغضب، وإدانة الآخرين الّذين حوله ليستعلي هو عليهم؟!... ألا ينجرّ كلّ واحد منّا إلى الحزن والغمّ والاكتئاب حتّى لو تحقّقت مطامعه، لأنّه لا يكتفي بما أعطاه إيّاه الرّبّ؟ ألا يسعى جاهدًا لإلغاء الآخر وعدم مشاركته ذخائره ومدّخراته ليأخذ هو النّصيب الأكبر من الخيرات ويمنّ على الآخر، إخوته المحتاجين بفضلات مائدته؟! ألا تسقط غالبيّتنا في القلق على المصير والخوف من الغد ومن الموت الّذي حدّده الآباء بالمعبر الحقيقيّ والنّعمة الكبرى للذّهاب للاتّحاد بالإله الّذي عبر بكلّ آلامنا وأخذ خطايانا عليه معلّقًا إيّاها على الصّليب؟!... ألا نكسل ونتوانى عن صنع الصّالحات والصّلوات والغرق في البحث عن تعظّم أنفسنا؟! والعُجب يا أحبّة... أليس هو مرض كلّ منّا لأنّنا نحب ذواتنا أكثر من أخينا الإنسان لنسقط في أنانا ونستكبر؟!...

وبهذا كلّه كيف يحصل الإنسان على سلام المسيح؟!...

يكتب الرّسول بولس: إنّي أستطيع كلّ شيء بالمسيح الّذي يقوّيني (في 4: 13).

       يا أحبّة... لن يكون سلام في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا وكلّ كياننا، إلاّ بإفراغ الذّات الكلّيّ حتّى نقول: لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ (غلا 2: 20) هكذا نهدأ، لنسمع صوته في قلوبنا ويحاكينا في الآباء والمرشدين ومعلّمي الكنيسة حتّى نعي أنّنا أولاد العليّ وأنّه تجسّد ليخرجنا من سقطتنا ويمنحنا سلامه الّذي لا يُنتزع منّا.

"أخرجوا من بينهم" يقول الرّبّ... لأنّ محبّة العالم هي موت للإله ولنا! فلنهرب بالحبّ له والنّسك والصّلاة حتّى نعرف أنفسنا فنقبل ضعفنا ونتماهى معه فنتّضع... وبالاتّضاع نملك مفتاح الملكوت!!. والرّبّ في مسيرته على الأرض فعل كلّ شيء، نعم كلّ شيء ليمنحنا السّلام! زكّى العشّار، رحم الزّانية، أقام ابن امرأة ناين من الموت، تحنّن، أطعم الجياع، شفى المرضى، قبل الّلص في ملكوته معه إذ تاب مناديًا إيّاه إلهًا. وقال: أنا لم آتِ لأدين بل لأُخلِّص (يو 12: 47). والّلص خلص لأنّه عرف ذاته وتاب فقبله الرّبّ! فلماذا بعد لا نُحكِمْ حياتنا بحسب تعاليم الإله لننال السّلام والحياة الأبديّة؟!.

       نحن مولودون للحياة وليس للموت!!. فالموت الوحيد الّذي علينا تبنّيه بوعي هو الموت عن "أنانا" وكبريائنا ومحاربتها كلّ لحظة باسم الرّبّ يسوع حتّى ننمو في حبّه وفي سلامه فنغلب العالم. نهدأ عند قدميه، نسمع كلامه في إنجيله، في آبائنا ومرشدينا، فلا يقول لنا عندما نقف أمامه في الدّينونة الأخيرة: مِن أين أنتم، لا أعرفكم (لو 13: 25)... بل نسمع صوته الحنون: تعالوا إليّ يا مبارَكي أبي! ادخلوا معي في مسرّتي، لأنّي لأجلكم تجسّدت وصُلبت وقمت. آمين.


الأم مريم (زكا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان – دوما
من أحاديث الصوم الكبير أُلقي في كنيسة القدّيس نيقولاوس
الأشرفية في 11 آذار 2010 

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share