روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
الأزمنة تكتمل.!..
الأرشمندريت توما بيطار.
الرّسول بولس كارزًا بالمسيح يسوع للأثينائيّين في "أريوس باغوس".

    لا شكّ في أنّ نمو العلوم، اليوم، لا سيّما العلوم التّطبيقيّة، انعكس سلبًا على نظرة الإنسان إلى نفسه، ومن ثمّ على علاقته بالله. اليوم، يشعر الإنسان بأنّه أقدر وأقوى من أيّ وقت مضى في التّاريخ. المعرفة قوّة! لذا غرور الإنسان، بعامة، زاد لأنّ "العلم ينفخ"، وإيمانه العمليّ بالإلهيّات ضعف. لماذا ضعف؟ لأنّ الإيمان بالإلهيّات ترافق، تاريخيًّا، في الوجدان واعتماد الإنسان على الله، أو على الآلهة، في سدّ حاجاته ومواجهة مخاطر الوجود. فإذ كانت العلوم، في الماضي، بدائيّة وغير موفورة إلاّ للنّخبة زاد اعتماد البشريّة على السّماء؛ فلمّا نمت المعارف العلميّة وطُوِّرت الآلات الحديثة وباتت موفورة للكثيرين زاد اتّكاء الإنسان عليها، وضعف، تاليًا، اتّكاؤه على السّماويّات. لكن المعادلة تعود فتتغيّر متى شعر النّاس بأنّ ما بين أيديهم ليس كافيًا ولا ناجعًا فيزداد لجوؤهم إلى الله من جديد. الله، في وجدان الكثيرين، ماضيًا وحاضرًا، هو للحالات المستعصية بشريًّا! في العمق، لجوء أكثر النّاس إلى الله يطغى عليه طابع النفعيّة. حتّى لو صلّى الإنسان وارتدع عن المعصية لبعض الوقت وزار الأماكن المعتبرة مقدّسة وبذل العطايا، فإنّ قصده، في أكثر الأحيان، يكون بلوغ ما يشتهي وما يحتاج إليه. فإن بلغه فإنّ الفتور لا يلبث، غالبًا، أن يعتور علاقته بالله من جديد. البرص العشر الّذي شفاهم الرّبّ يسوع، واحد منهم فقط عاد وشكر. لا جديد تحت الشّمس! العلاقة بالله ليس لها محلّ ثابت، في الوجدان، ما لم يتربّ المرء عليها ويُعطى نعمة من فوق. هذا ولو انوجد في الإنسان ميل فطريّ إلى الإلهيّات. السّقوط، بعامة، جعل نظرة الإنسان إلى الله أو الآلهة نظرة مصلحة، أعطني فأُعطِك!

          لو عدنا إلى الماضي واستطلعنا، في العمق، طبيعة علاقة الشّعوب بأوثانها لوجدنا أنّ هذه العلاقة كانت قائمة، أبدًا، في الوجدان، في إطار إرضاء الآلهة المزعومة واسترضائها، من حيث إنّها تحكم الوجود، بلوغًا لمآرب خاصة، سليمة أو غير سليمة أخلاقيًّا، لكنّها تؤمّن للإنسان الحماية والحاجة إلى ما كان هو عاجزًا عن تأمينه. لذا كانت الآلهة، في الممارسة، على اختصاصات شتّى، للطّبّ والزّراعة والحرب والجنس وما سوى ذلك. كلّ جانب من جوانب الحياة والموت كانت له آلهته. عند الرّومان، مثلاً، زاد عدد الآلهة المتخصّصة عن الثّلاثين ألفًا. في هذا الإطار، كانت الهياكل أماكن لإقامة التّماثيل، والتّماثيل، بعامة، تماهت والآلهة، وكان النّاس يتردّدون عليها لتقديم ما يلزم من فروض وأضاحي تأمينًا لحاجاتهم وحياتهم. هذه الآليّة الوجدانيّة لا تزال هي إيّاها، إلى حدّ بعيد، ولم تتغيّر، في تعاطي الإنسان الدّيانات المعاصرة. قلب الإنسان ما زال هو إيّاه! ليست الوثنيّة في التّماثيل المادّيّة بل في التّماثيل الفكريّة القائمة في وجدان النّاس. تجربة البشريّة التّلقائيّة كانت ولا زالت العودة إلى عبادة تماثيلها الفكريّة ولو كشف الرّبّ الإله نفسه لها. حتّى مع كشفه يمكن أن تتعاطاه البشريّة وثنيًّا! لذلك سواء ألّه الإنسان المعاصر، بشكل أو بآخر، العِلم أو ارتدّ إلى الإلهيّات، عن شعور بالقصور، فإنّ مشكلته العميقة كانت ولا زالت عبادته لنفسه، في تعاطي العلوم أو في اللّجوء إلى الإلهيّات، سواء بسواء!
حجر في روما من سنة 100 منقوش عليه: "إلى الإله المجهول".

          الدّيانات، في تصوّر الكثيرين، اليوم، توفّر أمرين: ما هو لازم لتأمين حاجات الإنسان والمجتمعات، بما فيها الرّوادع الأخلاقيّة والنّوازع غير الأخلاقيّة كالحروب مثلاً. والأمر الثّاني تأمين الحياة والسّعادة ما بعد الموت. الدّيانات المعاصرة، في الوجدان، في هذا الإطار، تبقى استمرارًا للوثنيّات القديمة! ليس الموضوع ما إذا كنت تقول إنّك تعبد إلهًا واحدًا أو آلهة متعدّدة. الموضوع كيف تتعامل مع هذا الإله الواحد أو تلك الآلهة الّتي تعبد؟ أيَّ موقع لهذا الإله الواحد أو تلك الآلهة في نفسك؟ ما دمتَ تطلب ما لنفسك في هذا الدّهر وفي الدّهر الآتي فأنت، شكلاً، ربما، تعبد الإله أو الآلهة الّتي تدّعي أنّك لها، أمّا، عمليًّا، فأنت تعبد تجسيدًا أو تجسيدات، سمِّها ما شئت، فكريّة أو نفسيّة أو روحيّة، أو حتّى مادّيّة، لرغبات راسخة في نفسك تشتهيها وتعتبرها مقوِّمات لحياتك. النّاس، واقعًا، استنسابيّون، ينتقون ما يناسبهم من الإلهيّات المعروضة، ويركّبون، أو، بالأحرى، يلفِّقون، ممّا يستعيرون، وممّا يضيفونه من بنات قناعاتهم الخاصة ورغباتهم، آلهة خاصة بهم. هذا، بخاصة، صحيح اليوم، أكثر من الماضي، لأنّ الإنسان تفردن إلى حدّ بعيد، وصار مخترعًا لآلهته الشّخصيّة. من هنا أنّ الدّيانات والآلهة قيد التّداول، والحال هذه، ساقطة، اليوم، وهي، عمليًّا، من معدن شهوات وطموحات ورغبات البشريّة. الإنسان، كان، أبدًا، مائلاً إلى وثنيّاته، واليوم نلقاه كذلك أكثر من ذي قبل لأنّه يشعر بالقوّة أكثر من ذي قبل، ومن ثمّ يجد بين يديه ما يزكّي به عبادته لنفسه.

          في المسيحيّة، حتّى لا نتعرّض لسواها، ثمّة نزعة من خارج الكنيسة ومن داخلها، وهي نزعة قويّة، وتتّخذ بُعدًا علميًّا، إلى توثين الإنجيل، في الممارسة، وإلى دهرنة الكنيسة لتكون مسانِدة لمرامي الشّعوب والأفراد، السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. التّقريب بين الدّيانات، أو حتّى السّعي إلى توحيدها، باعتبار أنّ ما لدى هذه الدّيانة هو لدى تلك أيضًا، ولكن تحت اسم آخر وشكل آخر، كلّ هذا محرّكُه الوجدانيّ هو رغبة البشريّة في بلوغ صيغة تتآلف فيها عبادات البشر لأنفسهم. هذا، في الظّنّ، يوحِّد البشريّة في لغة واحدة وبابل واحدة وقوّة واحدة تمثِّل ذروة ما تتوق إليه الشّعوب تحقيقًا لفردوس وهمي على الأرض يسوده السّلام والوئام والرّاحة والبحبوحة بين النّاس. في هذا الإطار مهما قيل عن المسيحيّة إنّها إحدى الدّيانات ولها مرتكزاتها المشتركة وسواها، فإنّ ثمّة، بعدُ، قطيع صغير يعرف أنّ المسيحيّة ليست، كما يُدّعَى، ديانة بحال، بالمعنى المتداول للدّيانات، لأنّ همّها ليس تلبية حاجات الإنسان الدّهريّة ولا هي تَعِدُه بحياة وسعادة إلى الأبد. المسيحيّة، بالعكس، دعوة إلى الكفر بذاتك دنيا وآخرة، ولا تقدِّم لك ما أنت بحاجة إليه أو ترغب فيه، في هذا الدّهر، بالضَرورة، ولا تدخل معك في مساومة تجاريّة على الطّريقة الوثنيّة، تعطيها فتعطيك! المسيحيّة تقدِّم لك صليبًا! "مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني" (لو 9: 23).
" لكنّ المسيح الرّبّ لا هيئة له ولا جمال! هذا حجر طبيعيٌّ أن يرذله البنّاؤون، لكنّه هو إيّاه مَن صار رأس الزّاوية!."

          المسيحيّة تكرز بإله مصلوب وتدعو إلى المصلوبيّة على مثال معلّمها! مَن تراه يمكن أن يعبد، من ذاته، إلهًا يُفرِغ نفسه ويأخذ صورة عبد؟! النّاس يبحثون عن إله قويّ لا عن إله مستضعَف، عن إله جذّاب لا عن إله باهت. لكن المسيح الرّبّ لا هيئة له ولا جمال! هذا حجر طبيعيٌّ أن يرذله البنّاؤون، لكنّه هو إيّاه مَن صار رأس الزّاوية! إله مصلوب عنى ولا يزال يعني عثرة لليهود وجهالة للأمم! حكماء هذا الدّهر يبحثون عن إله من طينة أفكارهم وتصوّراتهم وحساباتهم، يطلع من عبادتهم لأنفسهم، ومسيح الرّبّ جهّل حكمة هذا الدّهر. حتّى شفاء المرضى وإطعام الجياع وإقامة الموتى لم يقف مسيح الرّبّ عند حدودها. كان يشاء، أبدًا، أن يشدّ البشريّة إلى أنّه هو شفاءُ البشريّة وطعامُها وحياتُها. هو الطّريق والحقّ والحياة! إله المسيحيّين أتى كغريب، وشاء أن يغرِّب الإنسان عن مجتمعه الدّهريّ وذويه! "لم آت لأُلقي سلامًا على الأرض بل سيفًا"! لا فقط تلاميذه تركوه ومضوا. البشريّة كلّها أدارت له ظهرها! ولكن، بالضّبط، بالصّليب أتى الفرح إلى كلّ العالم! أن تموت عن نفسك، عن فكرك، عن مشيئتك، عن كلّ ما لك نظير مسيحك، هذا ما تدعوك المسيحيّة إليه. أن تفرغ نفسك من أهوائك ومشيئتك! الجسد لا ينفع شيئًا! المسيح يقدِّم لك صليبًا لأنّه يريد أن يقدِّم لك حياة جديدة. في مقابل الإنسان العتيق الممتلئ من نفسه وأهوائه يقدّم لك المسيح ذاته وروحه إنسانًا جديدًا، إنسانًا يولد بالماء والرّوح، إنسانًا ملكوتيًّا، إلهًا على مثال الإله، لا إلهًا على صورة شهوات الإنسان! لذا كان الإنجيل نقدًا ونقضًا لكلّ ديانات البشريّة! منذ أيّام الرّومان كان المسيحيّون يُعتبرون نشاذًا لأنّهم لم يشاؤوا أن يندرجوا في تجمّع الدّيانات. واليوم لا يزال الأمر إيّاه قائمًا. لكن الهجمة، اليوم، تشتدّ من الدّاخل والخارج، من داخل الكنيسة ومن خارجها، لتذويب الإنجيل في أسيد الدّيانات الأخرى. الارتداد قائم على قدم وساق، والطّعن بمسيح الرّبّ، من كلّ جهة، يبلغ الذّروة! سرّ الإثم الآن يعمل، والله يرسل عمل الضّلال للّذين سرّوا بالإثم حتّى يصدّقوا الكذب (تسا 2)! لكن هناك سبعة آلاف لم يُحنوا ركبة لبعل. لهؤلاء يقول الرّسول المصطفى! "تمسّكوا بالتّعاليم الّتي تعلّمتموها، وربّنا نفسه يسوع المسيح والله أبونا يعزّي قلوبكم ويثبّتكم في كلّ كلام وعمل صالح" (2 تسا 2)!

      الأيّام أيّام غربلة على أوسع نطاق، لكنْ مَن يثبت إلى المنتهى، هذا يخلُص!

   

المرجع:

نقاط على الحروف. الأرشمندريت توما بيطار. الأحد 2أيار 2010.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share