فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
أيّتها الفائق قدسها خلّصينا!.

   في السّادس من شهر آب، احتفلنا بعيد تجلّي ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح عندما كان في الجبل. والجبل، كما يُظَنّ، هو قمّة ثابور. هناك تغيّرت هيئة الرّبّ يسوع، وصارت ثيابه تلمع كالثّلج، وكان التّلاميذ ينظرون.

   هذا النّور الّذي رآه التّلاميذ، والّذي جعل ثياب الرّبّ يسوع تلمع كالثّلج، هو نور اللاّهوت. الرّبّ يسوع كان، ولا يزال، وهو باقٍ الإلهَ الأقنومَ الثّاني من الثّالوث القدّوس، وهو ابن الله الّذي جوهره من جوهر الآب السّماويّ. إذًا، هذا النّور هو نور غير مخلوق. هذا هو النّور المشعّ من جوهر الله، هذا هو نور اللاّهوت. اللاّفت - والإنجيليّ مرقس هو الوحيد الّذي يتحدّث عن كون ثياب الرّبّ يسوع قد التمعت، وصارت بيضاء كالثّلج - أنّ لاهوت الرّبّ يسوع المسيح قد شمله بالكامل، وظهر من خلاله في الجسد، كما ظهر من خلاله في الثّياب الّتي كان يلبسها.

   البارحة، عيّدنا لرقاد والدة الإله. واليوم، نحن لا نزال في فترة العيد. لقد استهللت كلامي بالإشارة إلى تجلّي ربّنا وإلهنا، لأقول: إذا كانت الثّياب- ناهيك عن جسد الرّبّ يسوع- قد تغمّست بلاهوته، فكيف بمريم والدة الإله، الّتي حلّ فيها الرّوح القدس، وحُبِلَ فيها بالرّبّ يسوع المسيح، الّذي هو الله، الأقنوم الثّاني من الثّالوث القدّوس! والدة الإله قد امتلأت من حضور الله، والرّوح القدس فيها استقرّ في كلّ خليّة من خلاياها، بحيث صارت هي كلّها نورًا غير مخلوق. اللاّهوت استقرّ فيها، كما يستقرّ الإنسان في بيت. ولكي لا تخطر في بالنا أفكار سمجة أنّ روح الرّبّ القدّوس قد استقرّ في حشا مريم، ثمّ بعد ذلك غادرها، كما يقول قوم يدّعون أنّهم مسيحيّون، قالت الكنيسة عن مريم، الّتي حلّ فيها الرّوح القدس، إنّها والدة الإله. هي لم تلد إنسانًا، بل ولدت الإله، إنّما ولدته بالجسد. إذًا، هي والدة الإله، كانت عندما حلّ روح الرّبّ فيها، واستمرّت، وهي باقية كذلك إلى الأبد. إذًا، مريم والدة الإله قد تغمّست من الدّاخل إلى الخارج بنور اللاّهوت، الّذي أقام فيها. عندما أراد القدّيس سيرافيم ساروفسكي أن يحدّد الغرض من الحياة المسيحيّة، قال: "الغرض من الحياة المسيحيّة هي أن يقتني الإنسان الرّوح القدس". عندما يقتني الإنسان الرّوح القدس، يكون قد حقّق الغاية الّتي من أجلها خلقه الرّبّ الإله، ويكون قد اكتمل كإنسان. مريم هي الإنسان الأوّل الّذي اقتنى الرّوح القدس بالكامل، وقد امتلأت من النّعمة الإلهيّة. بكلام آخر، تألّهت. النّعمة التي أقامت فيها ألّهتها. الرّبّ يسوع هو الإله المتجسّد. لكن، مريم هي الإنسان الأوّل الّذي تألّه. لهذا السّبب، تحدّثت الكنيسة، ولا تزال، عن كون مريم هي حوّاء الجديدة. و"حوّاء" اللّفظة معناها "أمّ كلّ حيّ". فإذ قالت الكنيسة المقدّسة إنّ الرّبّ يسوع هو آدم الجديد، وقالت أيضًا إنّ مريم والدة الإله هي حوّاء الجديدة؛ فإنّ حوّاء الجديدة باتت تساهم مع الله في إِلاد البشريّة الجديدة المتألّهة. لذلك، ردًّا على من يقول إنّ علاقتنا هي بالرّبّ يسوع، فلا حاجة إلى أن تكون لنا علاقة بمريم، لأنّ الرّبّ يسوع كافٍ، نقول إنّ الرّبّ يسوع كان يمكن، بكلّ الأحوال، أن يكون كافيًا. الله لا يُزاد عليه. لكن، هو ارتضى، أوّلاً، أن يستقرّ في حشا مريم. هذا تدبيره الخلاصيّ. هذا لم يكن، بالضّرورة، أمرًا لا بدّ منه. الرّبّ الإله لم يكن ملزَمًا بذلك، على الإطلاق. لكنّه هو ارتضى أن يصير إنسانًا، باستقرار روح الرّبّ القدّوس في حشا مريم. هذا تدبيره. وتدبيره، أيضًا، أنّ مريم والدة الإله، في اعتراف الكنيسة الدّائم، عبر كلّ جيل، كما ساهمت في إِلاد الله بالجسد، كذلك أُعطِيَت، باعتبار الواقع الّذي جعلها فيه الرّبّ يسوع، أن تساهم، كأوّل إنسان تألّه، في إِلاد البشريّة بالرّوح، أي في تأليه البشريّة. إذا ما أضاء الرّبّ الإله شمعة، فإنّه يكون قد أعطاها أن تضيء كلّ الشّموع المُطفَأة. البشريّة كانت جملة شموع مُطفَأة. لكنّ الرّبّ الإله أضاء، بنور اللاّهوت، شمعة واحدة، شمعة مريم؛ فصارت والدة الإله؛ وصارت، في آن، حوّاء الجديدة الّتي تساهم في إضاءة كلّ شموع النّاس، وكلّ شموع البشريّة.

   إذًا، نحن لا نتكلّم، بعد، في مستوى ما هو للبشرة، ولا في مستوى ما هو للإنسان، فقط؛ لأنّنا، في مريم، عندنا إنسان تألّه! هذا هو أوّل إنسان تألّه! وهذا الإنسان، الّذي أُعطِيَ أن يصير أوّل إنسان متألّه، لم نعد نقاربه كما نقارب أحدنا الآخر، في مستوى المشاعر والعواطف والأحاسيس. نحن نقارب مريم باعتبارها حوّاء المساهمة مع ابنها في خلاص البشريّة! لذلك، ولو كان الرّبّ يسوع هو المخلّص، وهو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان؛ لكن، بالتّدبير الإلهيّ، الّذي سبق وصفه، بتنا نقول، في الكنيسة المقدّسة، شيئًا آخر يشير إلى هذه المساهمة من قبل والدة الإله في خلاص البشريّة. بتنا نقول: "أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا"! هذا ليس انتقاصًا من كون الرّبّ يسوع هو المخلّص الأوحد. إنّما هو ارتضى أن تكون والدته مساهمة في خلاص البشريّة. طبعًا، من السّذاجة الظّنّ أنّ بإمكان الإنسان أن يَخلص بوالدة الإله من دون الرّبّ يسوع. لذلك، الّذين يتعاطون والدة الإله، ويجدون الرّبّ يسوع صعبًا عليهم وبعيدَ المنال عنهم، يخطئون خطأً جسيمًا؛ لأنّ والدة الإله ليست قائمة في ذاتها. من دون الرّبّ يسوع، والدة الإله لا قيمة لها على الإطلاق؛ هي مجرّد إنسان، لا أكثر ولا أقلّ؛ والإنسان لا يخلّص إنسانًا. لذلك، في الأيقونة الّتي تُرسَم لوالدة الإله، نجدها، دائمًا، تحمل الرّبّ يسوع، وتشير إليه، في كلّ حال، ولا تقف منفردة. هكذا، أيضًا، تتعامل وإيّانا؛ إذ إنّها لا تشير إلى نفسها، عندما تقاربنا للخلاص، عندما تعيننا للخلاص، بل تشير إلى ابنها، لأنّه هو المخلّص. تختفي بإزائه، كما اختفى يوحنّا المعمدان، الّذي اعتبر نفسه صديق العريس، وهو يفرح بصوته، والّذي قال: "ينبغي أنّ ذلك [أي الرّبّ يسوع] يزيد، وأنّي أنا [أي هو نفسه] أنقص" (يو3: 30). هكذا، والدة الإله تأتي بنا إلى ابنها، ثمّ تنقص هي، وتترك الرّبّ يسوع يزيد فينا؛ حتّى يصير هو الكلّ في الكلّ فينا. هذا هو نموذج العلاقة الّذي أرسته والدة الإله، لأنّنا، في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر، نشير إلى الرّبّ يسوع، لا إلى أنفسنا. أنا، مثلاً، كاهن أخاطبكم بالكلمة. لكنّني لا أشير إلى نفسي. وإذا كنتُ أشير إلى نفسي، فإنّني أكون متعدّيًا. أنا أشير إلى المعلّم، أكلّمكم على المعلّم، وأقول لكم: "هذا هو حمل الله، الرّافع خطيئة العالم". وأنا أتوارى، وأدعوكم إلى أن تتخطّوني إليه بالكامل! أنا أفرح، فقط، إذا ما عرفتم أنّه هو الإله، وذهبتم إليه. لا بدّ من أن يترك أحدنا الآخر للسّيّد، في وقت من الأوقات. يوحنّا المعمدان تُرِكَ، في نهاية المطاف، بعدما شهد لحمل الله، وقُطِعَ رأسه، وتكمّلت مسيرته. هذا يكفيه. المجد يُعطى للرّبّ يسوع، ولا يُعطى للنّاس. نحن نشير إلى المجد، ونفرح فقط لأنّ إلهنا تمجّد، وهو يتمجّد فينا، كلّما عملنا وسعينا لأن نتوارى، لأن نفرغ ذواتنا من أنفسنا، لكي نمتلئ من فرح حضوره في حياتنا، وفي حياة كلّ واحد في هذا العالم.

   لهذا، والدة الإله، كحوّاء الجديدة، أرست لنا علاقة جديدة بالله، نسلك نحن فيها بمعاونتها؛ حتّى نأتي، بالرّوح والحقّ، من الآن فصاعدًا، لا، بعد، من نسل حوّاء الأولى، الّتي أفضت بنا إلى الخطيئة والموت، بل من نسل حوّاء الجديدة، الّتي تأتي بنا إلى الملكوت والحياة الأبديّة. آمين.


الأشمندريت توما (بيطار)
عظة الأحد ١٦ آب ٢٠١٥

للمزيد أنقر هنا: مساهمة والدة الإله في الخلاص

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share