كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
أمراض وسائل الإعلام الجديدة، حماية وشفاء.
محاضرة لـ"جان – كلود لارشيه"
في جامعة سيدة البلمند في ٤ شباط ٢٠١٧.

   ملخّص لبعض الافكار الرئيسية :

   - إنتشار هذه الوسائل والإشكاليات: غزت وسائل الاتّصال الجديدة المجتمعات على اختلافها. بداية مع التلفزيون الّذي أصبح من صلب الحياة الاجتماعية اليومية. بالفعل، نجد في كلّ بيت عدة تلفزيونات. في الولايات المتحدة ٨٠% من المنازل لديهم أكثر من ٣ تلفزيونات ولدى ٧٠% من الأولاد الّذين يزيد عمرهم عن ٨ سنوات، تلفزيون في غرفتهم.

   ‎التّلفونات الذّكيّة منتشرة في العالم كلّه حتّى في البلدان الفقيرة الّتي ينقصها الحدّ الادنى من ضروريات الحياة. الكومبيوتر منتشر في كلّ نواحي الحياة اليوميّة، في الأعمال والشّركات والبنوك وفي المدارس ابتداء من الصّفوف الابتدائيّة. نتج عن انتشار كلّ هذه الوسائل أشكال جديدة من الأمراض، لكنّ النّاس لا يعونها. بالعكس هناك جو اجتماعيّ جارف يشجّع على كثرة هذه الوسائل وتطبيقاتها الّتي تتجدّد باستمرار. والكلّ يسعى لاقتنائها وإلاّ أحسّوا أنّ شيئًا ما جوهريًّا وأساسيًّا ينقصهم. كذلك استعمال الإنترنت صار منتشرًا وأساسيًّا وكلّ التّطبيقات الرّقميّة صارت أمرًا حتميًّا. روّج لكلّ هذا الإنتشار فكر "ميتولوجيا التّطوّر" الّذي ينبئ بتطوّر لا نهائيّ للتّكنولوجيا الّتي تساهم بتحسين ظروف الحياة البشريّة. هذه الميتولوجيا روّج لها تجّار هذه الأجهزة والبرامج الإلكترونيّة والّذين يهمهم أن يجدّد المستهلكون أجهزتهم باستمرار. لا شكّ أنّ لكلّ هذه الأجهزة وتكنولوجياتها فوائد جمّة والأمر له علاقة بحسن استعمالها إذ يمكن استعمالها للخير أو للشّرّ.

   يهمنا أن نلفت إلى الأخطار النّاتجة عن الإفراط وسوء الاستعمال، الّذي أصبح للأسف القاعدة لدى الجميع. إنّهم يستعملونها أكثر فأكثر ولأوقات أطول بدون تنظيم ولا ضوابط وهنا تكمن المشكلة الأساسيّة. أصبح الإنسان محكومًا ومراقبًا بهذه الاجهزة وقد نجحت وسائل الإعلام الجديدة في تغيير الإنسان في العمق.

   - يشير أخصّائيّ أميريكيّ كبير في وسائل الإعلام(مارشال ماك إيوان) إلى أنّ الّذي أصبح مهمًا ليس "الرّسالة" أو الخبر لكن الوسيلة الإعلاميّة نفسها. إنّ طريقة عمل هذه الوسائل يؤثّر بعمق في عادات الإنسان، وطريقة عيشه، وفي حركات جسمه، ويشير بعض الباحثين المهتمين بالنّاحية النّفسيّة، إلى تأثير أكيد على الدّماغ وتعديل اتصالاته. إنّ تمضية عدّة ساعات على الإنترنت كلّ يوم، يؤثر حتمًا على الأشخاص في نومهم، في ميكانيكيّة تصرّفاتهم، الجسديّة والنّفسيّة وفي حياتهم الرّوحيّة. لدينا إنسان جديد هو "الإنسان الموصول" (L’Homme connecté ) وهو إنسان متمحور بالكامل في التّواصل.

   - إنّ وسائل الإعلام الجديدة أصبحت استبداديّة tyranique ، أي أنّها أصبحت لا غنى عنها ومفروضة على الإنسان لدرجة أنّه عاجز عن القيام بأيّ مهام دون اللّجوء إليها. هناك انغلاق تدريجيّ للإنسان المعاصر في هذا المجتمع الإعلاميّ واستبداد حقيقي. لقد أصبح الإنسان أسيرًا باستعماله الإراديّ لهذه الوسائل.

   - التّحوّل في طريقة إدراكنا وعيشنا للوقت. أيضًا، من النّتائج السّلبيّة الملموسة لاستعمالنا لهذه الوسائل:

   ‎إنّ الاغراءات المتواصلة الّتي تعرضها علينا هذه الوسائل، تسبّب نوعًا من تسارع للزّمن acceleration du temps ، زمن ارتجاجيّ مجزّأ ومتقطّع. صار صعبًا جدًا أن يتوفّر للمستخدمين وقت متواصل للقيام بأنشطتهم. ولذلك نتائج سلبية على حياتهم الرّوحية أيضًا. في صلاتهم وفي تأمّلهم. إنّ الوقت متقطع بشكل متواصل، ما يؤدّي إلى اختزال الوقت، بسبب كثرة المشاغل وتسارعها كما يولّد إحساسًا بأنّ الوقت يمرّ بسرعة وأصبح مقصّرًا. وينتهي الأمر باستحالة ضبطه!.

   ‎يساهم هذا الامر في إنتاج إنسان غير متسامح وغير صبور، يريد تلبية حاجاته بسرعة ومحبط في عالم بدون انتظارات ولا رغبات ولا صبر. كما ينتج عنه إرهاق وإجهاد وقلّة تركيز، تدنّي أوقات الفراغ، وتتسبّب بانعدام المساحات اللازمة للحياة النّفسيّة والرّوحيّة. في الحقيقة إنّ ما يصل إليه المستخدِم، هو حالة من الإدمان على هذه الوسائل وشكلٌ من العبادة لهذا النّظام التّواصليّ المتواصل.

   - تدمير العلاقات الشّخصيّة: أصبح العالم قريةً صغيرة، انتفت فيه كلّ المسافات، كأنّ النّاس يعيشون جنبًا الى جنب. لكنّنا نرى، بالمقابل، تدهورًا للحياة الاجتماعيّة والتّواصل بين العائلات حتّى داخل العائلة الواحدة.

   كثرت مواقع التّواصل من دون تواصل حقيقيّ في عالم افتراضيّ virtuel . كثرت الوسائل الرّقميّة من دون تلاقي. إنّ وضع التّواصل المتواصل وإلزاميّة الرّدّ على كلّ اتّصال، ارتدّت نتائجه السّلبيّة على العلاقات الاجتماعية وأدى إلى انعدام التّواصل بين أفراد العائلة. هذا العالم المفرط التّواصل أصبح عالمًا منعدم التواصل.

   - أدّى استعمال هذه الاجهزة الى فقر في أسلوب التّواصل، وإلى أسلوب متراخٍ وسطحي، تنعدم فيه لياقات التواصل وصيغ آداب التواصل ولمساته الانسانيّة. تواصل تجريديّ ذو نوعية متدنية.

   - خلق فردانية جديدة un nouvel Individualisme‎ :

   كلّ شخص منطوٍ على جهازه. المحادثات متقطعّة للرّدّ على الاتّصالات. انطواء على الذّات. شكل جديد من التوّحد une nouvelle forme d’autisme . إحساس بأنّه الكائن الوحيد. العلاقات الحقيقية تُستبدل بالعلاقات الافتراضيّة على مواقع التّواصل الاجتماعيّ. ينتج عنها حالات نفسيّة مرضيّة منها الانهيارات العصبيّة والانتحار. فالمستخدم لديه ربما ٢٠٠٠ صديق على "الفايس بوك"، لكنّه، في الواقع، ليس لديه صديق واحد في حياته. على الانترنت: إلغاء للشّخصنة، لا نوعية للتّواصل، لقاءات سيئة، مخدرات، جنس، بدع، مضايقات، احتيالات،…

   - إلغاء للحياة الخاصة: كلّ شيء معروض على وسائل التّواصل الاجتماعيّ. لا حياء، فقدان للحياة الشّخصيّة العميقة، للخصوصيّة، إظهار غير مضبوط ولا اخلاقيّ.

   - إهمال للجسد، تأثير سلبيّ على الصّحة، أرق، تعب، أوجاع في الرّقبة والعمود الفقريّ، عادات غذائيّة غير صحيّة، كحول، تدخين… من جرّاء الاستعمال الطّويل لهذه الوسائل (تلفزيون، انترنت)...

   - أمراض نفسيّة: شكل جديد من الإدمان، (الإحساس بالضّياع إذا لم يكن جهازك معك، أو لا وجود للانترنت) /ضعف تركيز/ قلة إنتاجيّة وفاعلية/الإنسان مسيّر من الخارج بواسطة وسائل الإعلام الجديدة والتّواصل المتواصل، وموجّه بواسطة معلومات ربما تكون غير صحيحة، ما ينتج عنه أيضًا رؤية غير صحيحة للعالم، بالإضافة إلى أنّه افتراضيّ/فقرٌ داخليّ (فقدان الاستقلاليّة والهوية)/ نرجسيّة وتمحور في الذّات (خصوصًا على مواقع التّواصل الاجتماعيّ)/ تدنّي في المهارات الثّقافيّة والمدرسيّة والأداء/ ركاكة الإنشاء وضعف المفردات، الأغلاط الاملائيّة،.../ تدنٍّ في التّفكير وضعف في الذّاكرة/ تقطيع وعدم تنظيم الأفكار/ قراءة سطحيّة للصّفحة الإلكترونيّة.

   - تعديل لهيكليّة الدّماغ من خلال خلق اتّصالات جديدة بين الخلايا، ينتج عنه تعديل في عمله، ينتج عنه امراض نفسيّة.

   - ظهور عبادة جديدة وصنميّة جديدة لهذه الوسائل الجديدة الّتي يكرّسون لها أغلب وقتهم على حساب العلاقات الاخرى مع الآخرين ومع الله من خلال الصّلاة. مثلاً في كندا ظهرت عبادة الإله غوغل Google لأنّه كلّ شيء، حاضر في كلّ مكان ومالئ الكلّ، إنّه لا متناه وأبديّ، يساعد، يجيب على كلّ الأسئلة، يستجيب لكلّ طلباتنا، يسعدنا ويلبّي كلّ حاجاتنا،… هذا مثال واقعي عن خطورة هذه الوسائل الّتي تستهلك طاقات الإنسان المعاصر على حساب صحته الجسديّة والنّفسيّة والرّوحيّة.

   على المستوى الرّوحيّ:

   - فكر عبر – الانسنة  Transhumanisme

   ‎يموّل كلّ وسائل الاعلام الجديدة، التّجّار القيّمون عليها من أجل خلق إنسان جديد مُسيّر بالكامل، بواسطة تقنيات تكنولوجيّة معلوماتيّة. يروّجون لفكر يقول إنّه بالتّكنولوجيا يمكننا ليس فقط استبدال الأعضاء المريضة في الإنسان، بل صنع دماغ جديد له!.

   بواسطة التّكنولوجيا الموّجهة والمعلوماتية الجديدة، يمكننا خلق إنسان جديد خالد لا يفنى!. مبالغ ضخمة تستثمر في هذا المجال لخلق ما يسموّنه "الانسان المُزاد l’homme augmenté " هذا هو فكر عبر الأنسنة الرّائج في الولايات المتحدة والّذي يتكلم عن الانسان الجديد. نشهد نوعًا من الدّيانة الزّائفة، الّتي مصدرها شيطانيّ بادّعاء توفير عدم الفساد والأبدية للإنسان.

   - لقد استبدلت هذه الوسائل العموديّة بالأفقيّة. إنّ الوسائل العموديّة هي التّواصل مع الله وقد استُبدلت بتواصل مبتور أفقيّ مع الآخرين لأنّه لا تواصل حقيقي مع الآخرين بمعزل عن الله، ولأنّ العلاقات الإنسانيّة قد انقطعت وبُترت بين الأشخاص كما تبيّن لنا. ينتج عن ذلك تمحور الإنسان في ذاته، وانفلات في الاهواء والشّهوات.

   - دمار الهدوئيّة Hesychia  الهدوء والصّمت أساسيّان للحياة الرّوحيّة. روحانيّة الفيلوكاليا ترتكز على الهدوئيّة الّتي هي نسك ووحدة وصمت وصلاة في الانعزال. انطلاقًا من مبدأَي: اليقظة والانتباه La vigilance et l’attention . لا نمو روحيّ من دون هذه اليقظة والصّلاة والإنتباه للحضرة الالهيّة.

   ‎لا شكّ أنّ لوسائل الإعلام الأثر الهدّام على الحياة الرّوحيّة، فهي تشتت الإنتباه وتعرّض الإنسان للتّجارب الشّيطانيّة.

    - وسائل الوقاية:

   يجب توعية المستخدِمين لأخطار هذه الوسائل، خصوصًا أنّ ثمّة انجرافًا جماعيًا وراءها واهتمامًا زائدًا بها. كيف يمكننا الوقاية منها وحماية أولادنا منها، علمًا أنّ عيادات للعلاج النّفسيّ قد أُنشئت في الولايات المتحدة والصّين من أجل علاج الأمراض النّفسيّة المستجدة النّاتجة عنها؟.

   ‎أوّلاً، لمن يعانون هذه الأمراض، الإمتناع بين ٦ أشهر وسنة عن هذه الوسائل، أو القيام برياضة أقلّه لخمسة أيام يمتنع فيها بشكل كامل عن هذه الوسائل.

   ‎ثانيًا، محاولة الاستغناء عن الوسائل غير الضّرورية والّتي يمكن الاستغناء عنها أو تنظيمها بشكل لا يعود العمل بها متواصلًا. الامتناع عنها خلال فترة الأصوام مثلاً. وضبط الأهواء والشّهوات النّاتجة عنها، العمل على اكتساب فضيلة التّواضع والتّقوى والحياء والامتناع عن إظهار الحياة الخاصة للجميع. استبدال الوقت المهدور على هذه الوسائل بقراءة الكتاب المقدس والكتب الرّوحيّة – الصّلاة- خدمة المحبّة- الاهتمام بالآخرين وبالعائلة.

   ‎ثالثًا، توجيه الاولاد وتدريبهم على عدم الاتّكال المفرط على هذه الوسائل وعدم السّماح بالتّلفون المحمول قبل سن المراهقة. ومحاولة ضبط هذا الأمر، من خلال تحديد أوقات معيّنة ومحدودة ومراقبة ما يسمعونه ويشاهدونه عن كثب، واحتضانهم للاهتمام بحياتهم الرّوحية .

   ‎نحن بحاجة إلى اليقظة المطوبة وإلى الصّلاة من أجل التّواصل مع الله لننمو ونتأله بالنّعمة.

(ملخص ترجم بتصرّف لمجد الرب – جيزل فرح طربيه).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share