قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
وضع جسد مخلّصنا وربّنا يسوع المسيح في القبر.
النّزول إلى الجحيم.
للقدّيس أبيفانيوس القبرصيّ.

   ... ما هذا السّكوت العظيم والهدوء، منذ الآن سكون عظيم، لأنّ الملكَ نائمٌ، الأرضُ جزعت وصمتت لأنّ الإلهَ قد مات بالجسدِ والجحيم ارتعد، الإلهُ نائمٌ نومًا يسيرًا مقيمًا الّذين كانوا في الجحيم منذ الدّهر.

   أين الاضطرابات والقلاقل والأصوات ضدّ المسيح؟. أين المنافقون؟. أين الجموع وأصحاب المراتب؟. أين الملوك والكهنة والقضاة والجند؟. أين المصابيح والسّيوف؟... غاب إلهُ الشّمس تحت الأرض وصنع ظلمة مدلهمّة لليهود... الإلهُ مقبلٌ من السّماءِ إلى الأرضِ ومن الأرضِ إلى ما تحت الأرض، أبواب الجحيم تُفتح...

   أيّها الرّاقدون منذ الدّهر ابتهجوا... يا أيّها الجالسون في الظلمة وظلال الموت اقبلوا النّورَ العظيمَ... الإلهُ مع الموتى، الحياةُ مع الأموات، الّذي لا ذنب له مع المذنبين... من هو فوق أعلى السّموات مع الّذين هم أسفل... المسيح مع الموتى، فلننحدر معه ولنتعلّم الأسرار الّتي هناك ولنعرف العجائب المكتومة تحت الأرض...

   أمس كان يُلطم، واليوم يَلطم مسكنَ الجحيم ببرقِ اللّاهوت... أمس كان مقيّدًا واليومَ يُقيّدُ العدوَّ بقيدٍ لا ينفكُّ. أمس كان محكومًا عليه واليومَ وهبَ العتق للمسجونين. أمس خدّام بيلاطس كانوا يستهزئون به، واليومَ أبصرَه بوّابو الجحيم فجزعوا... إنّهم صدموا الصّخرة الصّلبة لكنّ أمواجهم تحلّلت إلى زبد، عَثَروا بالسّندان الّذي لا ينغلب لكنّهم هم انكسروا... رفعوا الصّخرة على خشبة فانحدرت وقتلتهم...

   عند ميلاد المسيح بشّر ملاكٌ مريم الوالدة وعند قيامته، بشّر ملاكٌ مريم. في بيت لحم وُلد المسيح ليلاً وباللّيلِ أيضًا وُلدَ ثانيّةً. كان بمغارةٍ لمّا وُلدَ وأيضًا لمّا وُلد ثانيّةً كان بمغارةٍ في صخرةٍ. في المولدِ ارتدى أقماطًا وهنا لُفَّ بأكفانٍ. لمّا وُلدَ قَبِلَ المرّ ولمّا دُفن قَبِلَ المرّ والصّبر... هناك يوسفُ رجلُ مريم... وها هنا يوسف الّذي من الرّامة. في بيت لحم المولود صار في مذودٍ وفي القبرِ وُضِعَ كما في المذود.

   قَبْل الكلّ بشّر الرّعاةُ بميلادِ المسيح، وقبل الكلّ بشّر الرّعاة تلاميذ المسيح... هناك هتف الملاكُ إلى البتول: افرحي... وهنا صرخ إلى النّساء... بعد أربعين يومًا دخل إلى الهيكل، وبعد أربعين يومًا صعد إلى أورشليم العليا، وكما أنّ المسيح وُلدَ من البتول وهي عذراء كذلك وُلد المسيح ثانيةً والقبر مختومٌ...

   أقبلَ إنسانٌ غنيٌّ اسمه "يوسف"، حقًّا إنّه غنيٌّ لأنّه استحقّ أن يأخذَ الدّرّةَ الّتي لا ثمن لها... يوسف أُهِّلَ للمديح لجرأته عند بيلاطس إذ دخل طالبًا جسد يسوع، وكان حكيمًا في طلبه فلم يستعمل ألفاظَا طنّانة عن المسيح لئلا يثور بيلاطس فلا ينال طلبه، فلم يقل أعطني جسد يسوع الّذي بسببه أظلمَتِ الشّمسُ والصّخورُ تشققت والأرضُ تزلزلت والقبور تفتّحت وحجاب الهيكل انشقّ، بل قال أعطني جسد ذلك النّاصريّ المسكين لأستره، يسوع المعلّق عاريًا... أعطني هذا الغريب، أطلبُ منك ميتًا مظلومًا...

   تُرى يا يوسف من طلبتَ فأخذْتَ، تُرى لمّا دنوتَ من الصّليب وانتزعْتَ يسوع من المسامير، عرفتَ من حملْتَ، إن كنت حقًّا عرفْتَ من أمسكْتَ فقد صرتَ غنيًّا...

   "أخذَ يوسفُ الجسدَ الّذي كان يحبُّه ويشتاقُ إليه، فابتدأ يُقَبِّلُه ويَصُبُّ عليه الدّموع ويتفكّر في نفسه ويقول إن كانت المرأة النّازفة الدّم الّتي مسّت طرف ثوبه فقط قد نالت الشّفاء فماذا يكون شأني أنا الّذي أمسّ جسد الله بعينِه" (من عظة للقدّيس غريغوريوس النّيصصيّ).

   أتُراك يا يوسف ما ارتعبْتَ وأنت حامل على يديك من ترهبه الشّاروبيم؟... أتُراك بإصبعِكَ، كما يليق بالموتى، أغمَضَتَ عينَي يسوع الّذي بإصبعه الطّاهر فتح عينَي الأعمى؟... أتُراك أغلقْتَ فم الّذي شفى اليد اليابسة، وربطْتَ رجلَي ذاك الّذي أعطى المقعد أن يسير مجدّدًا؟... أتُراك على سرير حملْت من أمر المخلّع أن "احملْ  سريرَكَ"؟... أتُراكَ نشّفْتَ جنب الجسم الإلهيّ وهو يقطر دمًا، وهو الّذي شفى نازفة الدّم؟... أتُراك غسلْتَ جسدَ الإلهَ بماء وهو الّذي غسل الكلّ ووهب لهم الطّهارة...

   أتُرى أي مصباحٍ أشعلْتَ للنّور الحقيقيّ المُنيرِ لكلِّ إنسان؟... أي تسابيحٍ على القبرِ سبّحْتَ المسيحَ بها، ذلك المُسبّح بلا فتورٍ من كلِّ الجنود السّماويّة؟... أتُراك سكبْتَ الدّموع عليه مثل ميتٍ ذاك الّذي بكى وأقام لعازر الميت؟... أتُراك صنعت نوحًا على من وهب للكلّ الفرح؟...

   إنّي أطوّبُك يا يوسف... يداك اللّتان خدمتا يدَي يسوع الإله وهما يقطران الدّم، يداك الّلتان اقتربتا من جنب المخلّص قبل "توما"... أطوّب عينيك الّلتَين وضعتهما على عينَي يسوع وأخذْتَ نورًا حقيقيًّا، أغبطُ وجهك الّذي دنا من وجه الإله، رأسك الّذي دنا من يسوع... أطوبك يا يوسف مع نيقوديموس فقد حملتما الإله وصرتما خدّامًا له، حقًّا صارت معكما جميع الملائكة وكانت تحمله كلّ مراتب الّذين لا أجسام لهم، سار معكما السّارافيم وسبّحت معكما الرّؤساء وارتعبت القوّات وذهلت... ما هذا العجب!...

   إنْ كنّا نحزن على الّذين تصيبهم المصائب في هذه الدّنيا، فكم بالحريّ تحزن قلوبنا على الّذين يطرحون نفوسهم في عذاب جهنّم بإرادتهم وهواهم، وإن كان صعبًا على من اعتاد التّنعّم أن يُطرح في الحبس ويَرى في ذلك عذابًا أشدّ لما يراه من ضيق المكان وقذارته ووحشته، بين الّلصوص والقتلة، فكم يكون بكاءُ وحزنُ من يُلقى في النّار الّتي لا تُطفأ وليس لعذابها انقضاء؟...

   فالواجب، أيّها الإخوة، أن يكون تفكيرُنا في هذا وأمثاله في كلّ حين، فإنّه خير لنا أن نحزن قليلاً ولا يستمرّ علينا البِلى دائمًا... ولإلهنا المجدُ دائمًا... آمين.

من تأمّلات للقدّيس "أبيفانيوس" حول أسبوع الآلام العظيم.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share