إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
مقتطفات من عظة في الصّوم.
للقدّيس باسيليوس الكبير.

   ربّما تظنّ أنّني سأعيد قِدَم الصّوم إلى مرحلة النّاموس الموسويّ. الصّوم هو أقدم من ناموس موسى، ومع قليل من الصّبر ستقتنع من كلامي هذا. لا يخطر ببالك الظنّ بأنّ بداية الصّوم تعود إلى يوم الكفّارة الّذي حُدّد لإسرائيل في العاشر من الشّهر السّابع (لاويّون ٢٣: ٢٧). بل هلمّ تقدّم أكثر في التّاريخ وابحث عن قدمه. إنّ نظام الصّوم لم يُبتكر في الأزمنة الحديثة. إنّ هذه الجوهرة هي من ميراث آبائنا. كلّ شيء يتميّز بقدمه جدير بالاحترام والإجلال. فاحترم إذًا رأسه الشّاحب. الصّوم هو من عمر الإنسانيّة نفسها. لقد شُرِّع له في الفردوس. إنّ آدم هو الّذي تقبّل الوصيّة الأولى للصّوم "من ثمر شجرة معرفة الخير والشّرّ لا تأكل" (تكوين ٢: ١٧). العبارة "لا تأكل" ما هي إلاّ شريعةُ صومٍ وإمساك.

   لو إنّ حوّاء لم تأكل من ثمر العود لمّا كنّا بحاجة إلى الصّوم الحاضر. "لأنّ الأصحّاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى" (مت ٩: ١٢). لقد رتّب علينا كثير من الشّرور بسبب خطايانا، فلنعالجها إذًا عن طريق التّوبة. لكنّ التّوبة من دون صوم لا تأتي بثمر. "إنّ الأرض ملعونة بسببك وسوف تنبت شوكًا وحسكًا" (تك ٣: ١٧-١٨). أُعطيتَ وصيّةَ التّصرّف ضمن حدود ولم تعطَ أن تستسلم لملذّات الجسد. حسابك لله يكون عن طريق الصّوم. إنّ العيش في الفردوس يعكس صورة الصّوم. لا لأنّ الإنسان كان يتشبّه بالملائكة عن طريق القناعة بل وأيضًا لأنّه لم يكن ليعرف في الفردوس كلّ ما ابتكره النّاس بعد ذلك من شرب خمر، من ذبائح وكلّ ما يعكّر صفوَ ذهن الإنسان.

   لقد طُردنا من الفردوس لأنّنا لم نصم. فلنصم إذًا حتّى نعود إليه. ألم ترَ كيف أنّ الفقير لعازر دخل الفردوس عن طريق الصّوم؟ (لو ١٦). لا تتشبّه بمعصيّة حوّاء وتتبع مشورة الحيّة. لا تتحجّج بالمرض الجسديّ. تقول لي لا أستطيع أن أصوم، لكنّك تقدر على إشباع البطن طيلة عمرك وعلى إجهاد جسدك بثقل المآكل الّتي تتناولها. إنّني أعلم من جهتي أنّ الأطبّاء يضعون الصّوم دواء للمرضى، لا كثرة المآكل.  كيف تقدر من جهة على إشباع البطن وتدّعي من جهة أخرى أنّك لا تقدر على الصّوم؟. ما هو الأسهل بالنّسبة للبطن؟. أن تمضي اللّيل (هادئًا) مع قليل من الطّعام أم أن تستلقي على الفراش مثقلاً بكثرة المآكل؟. أو قل بالأحرى أن تتقلّب عليه متنهدًا ومواجهًا خطر القيء من كثرة الأطعمة؟. أو إنّك تريد أن تقنعني أنّه لأسهل على البحّارة أن يُنقذوا من الغرق مركبًا مثقلاً بالحمولة من أن ينشلوا مركبًا قليل الحمولة وخفيفًا. هذا لأنّ المركب الثّقيل ما إن ترفعه الأمواج قليلاً حتّى يشرف على الغرق بينما يسهل على المركب الخفيف أن يتجاوز العاصفة لأنّه لا يصعب عليه أن يرتفع فوق الأمواج.

   إنّ الأجساد الّتي تثقّل بالأطعمة بصورة متواصلة معرّضة أكثر للأمراض. بينما عندما نتناول  طعامًا خفيفًا متوازنًا، نتجنّب شرّ المرض كما أنّ المركب الخفيف يتجنّب العاصفة وينجو... طعام بسيط يسدّ حاجة كلّ حيّ للغذاء أفضل من مأكل كثير يثقلّه. لأنّه مع كثرة الأطعمة تتعكّر عمليّة التّغذية بدخول أمراض متنوّعة.

   ولكن لنتقدّم في تاريخ الصّوم ونتقصّى قدم تشريعه. كيف تقبّله القدّيسون جميعًا كميراث آبائيّ ومارسوه بدقّة مسلّمين إيّاه من أب لابنه. إلى أن وصل إلينا بالتّسلسل. لم يعرف الخمر في الفردوس ولا الذّبائح الحيوانيّة ولا أكل اللّحم. عُرف الخمر بعد الطّوفان لأنّه أوصى عند ذلك "بأكل كلّ حيّ يدبّ كبقول العشب" (تك ٩: ٣). لم يرَ نوح أحدًا يستخدم الخمر ولم يذقه هو شخصيًّا، لذلك حدث له ما حدث من أذى من جرّاء عدم احتياطه. لا لأنّه كان سكّيرًا بل لعدم خبرته في شرب الخمر باعتدال. إنّ شرب الخمر بعيد عن مرحلة الفردوس بقدر ما يبتعد الصّوم الشّريف في قِدَم زمنه.

   الصّوم يولّد أنبياء، يجعل المشرّعين حكماء، هو كنزٌ صالح للنّفس وسكناه فيها ضمانة. هو سلاح المجاهدين ورياضة المتبارين. هو الّذي يُبعد التّجارب ويحثّ على التّقوى. يواكبه انتباه روحيّ متواصل. الصّوم يولّد  العفّة. في الحروب يصنع الرّجال وفي السِّلم يعلّم الهدوء. يقدّس المكرّس لله. يجعل الكاهن يتقدّم أكثر في طريق الكمال. لأنّه لا يمكن للكاهن من دون صوم أن يخدم، لا العبادة الإلهيّة الحاضرة والسّريّة فحسب، بل وحتّى العبادة النّاموسيّة الّتي لموسى. 

   هذه هي نصيحتي لك: أن تصوم...

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share