بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
عظة للمتروبوليت أنطونيوس (الصّوريّ)
في عيد القدّيسين "سيرجيوس" و"باخوس".
باسم الآب والابن والرّوح القدس


   نعيّد، اليوم، للرّسول توما، وللشّهيدين سيرجيوس وباخوس، شفيعَيْ هذه الكنيسة المقدّسة. ليس بإمكان الإنسان أن يكون رسولًا من دون أن يكون شهيدًا. والشّهيد هو، أيضًا، رسول، بطريقة أخرى. عملُ الرّسولِ الأوّلُ هو أن ينقل الكلمة الإلهيّة، أن ينقل البشرى السّارّة، الّتي تقول: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السّموات". وعمل الشّهيد هو أن يقول الكلام نفسه، إنّما عبر الشّهادة والموت، أي أن يكون تائبًا، وأن يكون هو حضور ملكوت السّموات، بين النّاس، باستشهاده. كلّ واحد منّا مدعوّ إلى أن يكون شهيدًا ورسولًا. والرّسول الحقّ هو الّذي تكون كلمته ممزوجة بدماء تعبه، بدماء بذله لذاته، لأجل أن ينقل لا فقط الكلمة الإلهيّة، بل الكلمة الإلهيّ، أي الرّبّ يسوع المسيح متجسِّدًا فيه، متجسِّدًا في حياته، في عمله، في أقواله، في احتضانه، في حنانه، في عنايته.

    لكن، حتّى يكون الإنسان رسولًا وشهيدًا، يجب أن يكون إنسانًا قويًّا. لا يمكنه أن يكون ضعيفًا. الضّعيف لا يستطيع أن يكون مسيحيًّا. فقط، القويّ يستطيع أن يكون مسيحيًّا. والقويّ ليس هو مَن له عضلات مفتولة، ولا مَن يملك أموالًا، ولا مَن لديه رجال، ولا مَن لديه جماعات تتحلّق حوله وتدافع عنه... بل هو الإنسان المتواضع؛ لأنّ قمّة القوّة تكمن في الاتّضاع، وقمّة الضّعف تكمن في استعمال القوّة والعنف. بطرس الرّسول أخذ، مرّة، سيفه، وضرب به عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه؛ فقال له الرّبّ يسوع: "ردّ سيفك إلى غمده. مَن يأخذ بالسّيف، بالسّيف يؤخَذ". صحيح أنّ الرّبّ يسوع يقول: ما جئت لألقي سلامًا". لكن، هو، في الحقيقة، لم يأتِ ليلقي سلامًا من سلام هذا العالم الكاذب، الّذي ليس له أساس. هو أتى ليكون هو سلام هذا العالم. الرّبّ يسوع المسيح هو السّلام. السّلام ليس فكرة، ولا حالة نعيشها. السّلام هو الرّبّ يسوع المسيح نفسه، مَلِكُ السّلام، إلهُ السّلام. لذلك، مَن ليس عنده يسوع، فلا يوجَد سلام في قلبه، بل يكون غارقًا في اضطراب وتشوّش، ويلعب به الشّرّير، ويخبطه في الأرض؛ فيزبد، ويكون كالميت وهو حيّ. القوّة الّتي في المسيح، يا أحبّة، تستوعب ضعف البشر، تقبل ضعف البشر، تمتصّ ضعف البشر؛ لتعيده عليهم وإليهم وبهم كلمة سلامٍ، ومحبّةٍ، وفرحٍ، من لدن الله، بنعمة الرّوح القدس. كيف يقتني الإنسان هذه القوّة الإلهيّة؟. يبدأ بالانفتاح على هذه القوّة، عندما يبدأ بمعرفة نفسه أنّه خاطئ. قبل ذلك، لا يستطيع أن يقتني أيّة قوّة، لأنّ قوّته من نفسه، وفي الضّلال يكون. أمّا الّذي يبدأ بمعرفة خطيئته، فهو الّذي يبدأ بفتح أبواب قلبه، لكي يدخل إليه الرّبّ يسوع المسيح، وينظّف معه مسكنه الإلهيّ، الّذي هو قلب الإنسان.

    لكن، يا أحبّة، قليلون، لا بل ندرة من المسيحيّين - لا فقط من النّاس العلمانيّين، بل حتّى من الكهنة والرّهبان - ندرة قليلة هم الّذين يعرفون سرّ القلب، لأنّ القلب نجيس، كما يقول إرمياء النّبيّ. ومَن لا يكتشف نجاسته وأوساخه الّتي تحرّكه، والّتي تولّد فيه الشّرّ والأهواء والشّهوات؛ فإنّه يبقى بعيدًا عن معرفة سرّ الإنسان. الإنسان هو إنسان القلب الخفيّ، وليس إنسانًا في الشّكل والمظاهر الّتي نراها من الخارج. الشّيطان يستطيع أن يظهر كملاك نور، لكنّه ظلمة في داخله. كيف نميّز النّورَ من الظّلمة، نورَ الرّبّ من نور الشّيطان، يا ترى؟. المقياس بسيط وواضح، وهو أنّ الّذي فيه نور الرّبّ يبثّ سلامًا، وحنانًا، وفرحًا، للّذين حوله. أمّا الّذي فيه الشّيطانُ، ونورُ الشّيطان الكاذب، فيبثّ خصامًا، وقتلًا، وتدميرًا، للرّبّ، أوّلًا، في كنيسته وفي الإنسان. وفي هذه الأيّام، ما أكثر هؤلاء الضّالّين والمُضلَّلين، الّذين يعيشون في الظّلمة وهم يظنّون أنّهم في النّور، الّذين يعيشون في الهرطقة وهم يظنّون أنّهم في الاستقامة، الّذين يعيشون في الموت وهم يظنّون أنّهم أحياء. العالم يدخل، يومًا بعد يوم، في قبضة إبليس، بشكل قويّ. والأخطر أنّ الذّئاب الخاطفة تدخل الكنيسة لتدمّرها. لكن، نحن نعرف، ونحن على يقين أنّ المسيح الرّبّ الإله هو في وسطها، فلن تتزعزع. وكلّ ما هو مزيّف وكلّ قناع سوف يسقط، إذ ما من خفيّ إلّا وسيُعلَن، وما من مستور إلّا وسيُكشَف، ومَن كان مع المسيح يُكشَف له سرّ الحياة.

    ونحن، اليوم، أتينا معكم، لنعايد أبينا توما في عيد شفيعه، أبينا الّذي نعتبره شهيدًا ورسولًا لكلّ ما سبق أن قلناه، الآن، والّذي استنار بنور الرّبّ؛ والرّبّ يجعله، يومًا بعد يوم، نورًا يرفعه ليضيء على مساحات أوسع وأكبر. ألا أعطاه الرّبّ الصّحّةَ، والقوّةَ؛ وحفظه؛ وجعله، دائمًا، سيفَ الحقّ، وحضنَ الرّحمة، ومصباحَ النّور. إلى أعوام عديدة.



عظة للمتروبوليت أنطونيوس (الصّوريّ)

في كنيسة القدّيسين سيرجيوس و باخوس

التّابعة لديرالقدّيس يوحنا المعمدان

دوما – لبنان.

السّبت ٧ تشرين الأوّل ٢٠١٧.

إذا أردتَ سماع الوعظة، أنقر هنا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share