فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
الصّوم غدًا

     الصّوم الّذي نباشره غدًا مدته أربعون يومًا. لأنّه يبدأ الإثنين من الأسبوع الأوّل وينتهي بسبت لعازر ولا يُحسب منه الأسبوع العظيم المقدّس الّذي يشكّل صومًا مستقلاً في شدّته ونظام صلواته.

     لقد ظهر هذا الصّيام في النّصف الثّاني من القرن الثّالث غالبًا في الكرسيّ الأنطاكيّ ومنه ٱتخذته الكنائس الأخرى كما أخذت من عندنا كثيرًا من العبادات. والشهادات عنه تتوالى منذ القرن الرّابع.  ولا شكّ أنّ تأسيسه يعود إلى النّموذج الّذي تركه لنا السّيّد بصيامه أربعين يومًا وكأنّ الرّب في هذا يكرّر تجربة موسى وإيليا الّلذين أمسكا أيضًا هذه المدة.

     هدف جهادنا في هذه الأيام الأربعين أن نتشبّه بجهاد الرّب يسوع وأن نتخذه شرعة لنا. إنّه متأصّل في أقدم وصية لله ”لا تأكلا“ الّتي أُعطيت في الفردوس قبل السّقوط.

     فالأكلة الأولى المحرّمة صارت سبب الموت للجنس البشريّ، وبدلاً من موهبة الحياة الّتي رفضها الإنسان، ورث الموت والغربة عن النّعمة. لقد عصى الإنسان الأوّل فمات، وأطاع الإنسان الثّاني أي الرّب يسوع تكميلاً لطاعته للآب. صام السّيّد لينقذنا من العصيان الّذي دشّنته أكلة. في كلّ ذلك محورنا المسيح، إنّه هو المنبسط في وسط صيامنا وإليه نذهب في كلّ يوم. فالطعام بحدّ ذاته لا يزيدنا برًّا ولا ينقص به برّنا، ولكنّه يعني أنّه كما كان الطعام رمز الحياة وكما كان حرمان الطعام رمز الموت، هكذا إذا صمنا عن أشياء هذا العالم نموت عند أهل العالم ولكنّا بعد ذلك نذوق الطعام الإلهي أي الحياة في الله.

     إنّ هذا الإمساك كلّه لا يُجدي ما لم يقترن بالتوبة والصّلاة، بالتنكُّر للشهوات. ”الصّوم اقصاء لرغبات الجسد، ابتعاد عن الأفكار الشرّيرة، تحرّر من التخيّلات المذنبة، طهارة الصّلاة، نور للنّفس، يقظة للعقل“ (القدّيس يوحنّا كاتب سلّم الفضائل).

     هذا الاقتران بين الإمساك الجسدي والإمساك الرّوحي شيء ٱختبرته الأجيال البارّة والصّالحون اليوم. فالصّلاة العميقة غير ممكنة بلا إعراضٍ عن الشّره وبلا تعفّف. الحرية من وطأة الطعام بداءة للحرية الرّوحيّة.

     ثم الصّائم يفتح نفسه للرّوح القدس لأنّه لا يمسك إلا بعد أن قرّر أن يلتزم الله. يجعل نفسه مستعدًا للرضا الإلهيّ إذا ٱنسكب عليه. يعرف جهته.

     كذلك يعرف أنّه يصوم مع كلّ الأرثوذكسيّين في العالم. إنّه لا ينعزل عن الإخوة ولا ينقطع عن الاشتياق إلى الفصح في كلّ جمالاته ومعانيه. إنّه واحد من الأجيال الّتي سبقتنا في نضال القداسة ومع الأجيال المقبلة وكأنّنا إنسان واحد يصوم.

     وفي هذا تواضع لأنّنا نُقرّ في صيامنا أنّنا بحاجة إلى ضبط النّفس وقمع الهوى. يدّعي الكثيرون أنّهم ليسوا بحاجة إلا إلى صيام اللّسان. هذا شأنهم لأنّه لم يذوقوا المواهب الإلهيّة الّتي تنزل على الصّائمين ولا يعرفون فرح المُمْسكين وتصاعدهم على معارج النّسك. لقد منعنا آباؤنا أن ندين من لا يصوم وسيقبلهم الله في فرح القيامة ولكن ليس عليهم أن يتبجّحوا أو أن يسيئوا إلى فكرة الجهاد الرّوحي الّذين نلجه منذ يوم غد.

     هذا واجب على كلّ أعضاء الكنيسة ولا يجوز التحرّر من الواجب أو التخفيف منه إلا عند الضرورة وبكلّ وقار. لكن ذلك يتطلّب ٱستئذانًا شخصيًا من الأب الرّوحي الّذي يعرف ضعفنا وأوضاعنا الصّحيّة وأحوالنا في العمل.

     إنّ من عضده الرّب بنعمة الصّيام يعرف مشاركة الفقراء، يعرف قباحة التخمة في هذا المجتمع الاستهلاكي الّذي يُنتجُ السِّلع ليربح البعض ويموت الكلّ بسبب هذا الجسد المنكبّ على لذّات لا تفنى. فالحياة الرّوحيّة إحساس بوجود الآخرين وبالدّرجة الأولى بأهميّة المُعوزين وحرمانهم الظالم من الحدّ الأدنى في معيشة كريمة. الصّوم شهادة ضد من يحرم سواه وشهادة على حقّ النّاس جميعًا بالطعام والكساء والمأوى والدّراسة والطبابة وما إليها. نُمسك لكي نشعر شعورًا يقودنا إلى النّضال من أجل مجتمع عادل. نذوق جزئيًا خبرة الموت لنرفع أي لون من ألوان الموت عن كاهل المعذّبين.

     بهذه الرّوح نحن ماضون إلى الفصح الإلهيّ.

     المطران جورج خضر


المرجع:

المطران جورج خصر (1993)، في بركات الصّوم، مطرانية الرّوم الأرثوذكس اللاذقيّة.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share