فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
كلمة الصّليب
للأب توماس هوبكو

   إنّ إيماننا ليس "فلسفة حياة" بالمعنى الحديث للكلمة، وليس هو تعليمًا كما عندما يعطينا النّاس مواعظ ترشدنا إلى الحكمة والمعرفة، وبالتّأكيد ليس أيديولوجيّة تتنافى مع بقية الأيديولوجيّات – على الأقلّ يجب ألا يكون كذلك. بيد أنّ حياتنا بأكملها، كمسيحيّين، وهويّتنا المسيحيّة، ليستا متعلّقتَين بتعليم أو بعقيدة أو بمجموعة من الأنظمة والقوانين أو حتّى بوصايا بمعنى الكلمة. ليست حياتنا هي حياة معرّفة بكليّتها من خلال تعليم بل بشخصٍ.

   إنّ حياتنا بأكملها متعلّقة بشخص يسوع: يسوع النّاصريّ، الّذي نؤمن نحن أنّه تجسيدٌ لكلّ تعليم. إنّه الحضور الحيّ لتعليم الإله ولكلمته. لذلك قيل إنّه "كلمة الله"، لكنّه كلمة الله الّذي صار جسدًا وأقام بيننا بملء النّعمة والحقّ. ونحن نؤمن أنّه لا فقط يرشدنا إلى سبل الحياة أو إلى طريق الحقّ بل إنّه هو الطّريق والحياة والحقّ، ونؤمن أيضًا أنّ كلّ حياتنا وكلّ طرقنا وكلّ الحقّ الّذي في حياتنا مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا به، وأنّنا، بإشتراكنا معه واتّباعه والثّقة به، وبحصولنا على روحه القدّوس وسيرنا في إثره، نصير أعضاء من أعضائه أي من أعضاء جسده؛ إذ ذاك يتحقّق يسوع فينا بالكليّة، ونصير بنعمة الرّوح – الرّوح القدس الإلهيّ – مسحاء على مثاله، فنعيش باتّحاد مع الله، الإله الآب وتصير لنا الشّركة عينها الّتي للمسيح مع الله الآب بالرّوح القدس الإلهيّ.

   قال الرّسول بولس إنّه لم يأتِ ليعلّم بكلام البلاغة أو بحكمة هذا العالم، ولا له برنامج أو فلسفة أو حتّى مجموعة قوانين، لكنّه يأتي بشيء واحد: شخص المسيح، وذلك يعني، دائمًا وأساسًا، أنّه يبشّر بالمسيح وإيّاه مصلوبًا. هو الّذي قال: "استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة. لأنّ اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة، ولكنّنا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة!" (١كور ٢: ٢١-٢٣).

   وكيف لابن الله، مسيح الرّب، الآتي ملكًا إلى العالم بكلّ قدرته ومجده وجبروته، ابن الإنسان، الّذي سيجلس عن يمين الآب، صائنًا للحقّ، ومثبّتًا العالم بإيمانه بإله إبراهيم وإسحق ويعقوب – كيف له أن يأتي  ويصلب؟ عثرة وجهالة... شيء غير مقبول، وهذا الصّليب هو عثرة وجهالة لكلّ أديان العالم لا فقط لليهود واليونانيّين.

   نحن كبشر ما علاقتنا بالصّليب؟.

   لا يمكننا البحث في مسائل الحياة والموت... حياتنا وموتنا... حياتنا وارتباطها بالموت إلا من خلال الله والسّبب بسيط جدًا: كلّ إنسان، علم ذلك أو لم يعلمه، أعجبه ذلك أم لم يعجبه، هو مخلوق على صورة الله ومثاله. وباستطاعتنا أن نقول إنّ من يعلم ذلك ويرضى به، فإنّه يكون له، في حياته على هذه الأرض، فرحٌ كبيرٌ ، النّعيم بذاته. وإذا كنت لا تعلم ذلك ولا يعحبك، أو إذا علمته ولا يعجبك فسيؤول لك ذلك جحيمًا. الجنّة والجحيم هما في داخلنا، لأنّ الله نفسه هو أعمق ما في كياننا. لا تفسير لحياة الإنسان خارج الله لأنه صورته ومثاله؛ ونحن نتكلّم هنا عن الإله الحقيقيّ، لأنّ، عند البشر، آلهة متعدّدة... وأتجرّأ هنا فأقول إنّه ليس هناك من بشرٍ ملحدين لأنّ لكلّ إنسانٍ إلهه. الفرق في ماهيته. في النّهاية، الصّراع هو بين الإله الحقيقيّ والآلهة الكاذبة في كياننا.

   الصّليب هو نجاز عمل الله وكلمته. وبما أنّنا مخلوقون على صورة الله ومثاله، لذلك فإنّ الصّليب هو نجاز كلمته لنا أيضًا. ليس من سبيل آخر، إنّه، بالحقيقة، من المسلّمات الأساسيّة لنظرة المسيحيّ العامّة. كلّ ما نقوله عن الله، نقوله عن أنفسنا أيضًا، لأنّنا صورة الله ومثاله. إنّ آباء الكنيسة هكذا عرّفوا عن الإنسان، على هذا النّحو: "ما هو الإنسان الحيّ؟... هو من صار بالنّعمة وبمشيئة الله وقدرته، ومسرّته، إلهًا بالنّعمة". لذلك نحن مدعوون لأنّ نكون آلهةً!.

   إذا كانت دعوتنا أن نكون آلهة فهذا يعني، في نهاية المطاف، أنّ دعوتنا هي أن نُصلب، لأنّ الله في نهاية المطاف، أظهر نفسه، في هذا العالم، على الصّليب. إذا كان الله قد حقّق ذاته على الصّليب، فنحن أيضًا يجب علينا أن نحقّق ذواتنا على الصّليب. إذا كان نجاز عمل الله هو الصّليب حيث انكشفت ألوهته، وماهيّته، بالحقيقة، ورسالته، مشبوحًا عليه بجسده الضّعيف ومهرقًا دمه، فذلك يعني أنّه علينا أن نضع حياتنا هناك على الصّليب على شبهه.

   لقد أتمّ الله المعجزات ثمّ سأل: "من يقول النّاس إنّي أنا هو؟"، فقال له بطرس: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ"، عندها أنبأ المسيح تلاميذه بآلامه، فأجابه بطرس: "حاشاك يا ربّ!". ولكن ليست هذه مشيئة الله. لأنّه يجب على المسيح أن يأتي ويُرذل من النّاس فيتجلى ويُظهر مجده، وهو القائل: "من لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا".

   لا نستطيع أن نكون من أتباع المسيح من دون الصّليب. ويستعمل الرّسول بولس التّعبير "مع المسيح صُلبت" لذلك علينا أن نتألّم معه ونُرذل معه ونموت معه، وإذا ما صُلبنا معه فنحن سنقوم معه ونتمجّد به ونملك معه. فكلّ شيء به وفيه ومعه كائن.

   إذا كان الصّليب هو محور حياة الرّب يسوع المسيح على الأرض فيجب أن يكون محور حياتنا أيضًا، وليس من طريق آخر سواه. أراد الشّيطان أن يُبعد المسيح عن الصّليب. هذه كانت تجربة المسيح الحقيقيّة. لا أحد منّا يريد أن يحمل الصّليب، لكنّه أساسيّ للغاية. من دونه ظلام وموت. إنّ الله أظهر نفسه لنا، أقامنا وسامحنا، رفعنا إلى السّموات، مجّدنا، وأعطانا الحياة الأبدية، ومسح كلّ خطيئة. وحيث كثرت الخطيئة ازدادت النّعمة جدًا، لكنّه لا يمكننا أن نفعّل ذلك إلا بالصّليب ولا سبيل آخر سواه، هذه هي كلمة الصّليب.


المرجع:

   مقتطفات من حديث للأب توماس هوبكو (٢٠١١).

   Thomas Hopko (2011), The Word of the Cross, Spoken Word Recording, CD1, St Vladimir Seminary Press.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share